• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
  • البحرين
‹ العودةدراسات و آراء

قراءة قانونية لقانون العفو العام وتخفيض بعض العقوبات رقم 70 تاريخ 4 أيلول 2026: تشريع الضرورة

قراءة قانونية لقانون العفو العام وتخفيض بعض العقوبات

رقم 70 تاريخ 4 أيلول 2026: تشريع الضرورة

بقلم المحامي د. عبده جميل غصوب *

بعد طول انتظار تم إقرار قانون العفو العام وتخفيض العقوبات، ب " ولادة قيصرية " وأخذ ورد طويلين، مارس فيه الجميع، "عرض عضلات " سياسية وطائفية، فصدر بالشكل الذي صدر فيه والذي يقتضي للاحاطة به وضعه في اطاره الواقعي والزمني الحقيقي؛ فهو لم يكن "خيارا مريحا" ؛ بل أتى نتيجة لضغوطات سياسية واجتماعية لامست العدالة في صميمها، ما استوجب الطعن به امام المجلس الدستوري في 9/9/2026 بالطعن رقم 12/5/2026، حيث صدر في اليوم التالي اي بتاريخ 10/9/2026 قرار قضى بوقف تنفيذه.

ذهب البعض في انتقادهم له الى رؤية نظرية بعيدة عن الواقع فنعتوه بأنه قانون" الافلات من العقاب"، مدلين بالنظريات المناهضة للعفو والتي يعرفها الجميع ولكنها لا تمت بصلة الى الواقع الذي أدّى الى ولادة هذا القانون.

وحاول البعض الآخر التمييز بين الجرائم الواقعة ضد العسكريين وتلك الواقعة ضد المدنيين، منطلقين من قواعد سياسية لا تمت بصلة الى الواقع او القانون، فالجريمة سواء أكانت ضد المدنيين او ضد العسكريين يحكمها القانون و " دماء العسكريين " ليست أغلى من " دماء المدنيين " ؛ والحرص يجب ان يكون على دماء العسكريين والمدنيين في آن واحد. وان الظروف المبررة للعفو هي واحدة سواء أكانت الجرائم نالت من العسكريين ام من المدنيين؛ وخطاب التمييز بين الضحايا العسكريين والمدنيين مرفوض ليس فقط من منظار قانوني، بل ايضا من منظار وطني واجتماعي؛ وكل " الاستعراضات" التي حاول البعض استثمارها لا تعكس واقعا صحيحا بل استغلالا سياسيا رخيصا، ليس له اي بعد قانوني او انساني.

الخيار لم يكن بين انزال العقاب والافلات منه كما حاول البعض اظهاره ، بصورة "سطحية"، لا تأخذ واقع الامور بالاعتبار؛ بل الخيار كان اصعب من ذلك بكثير، فالواقع الذي كان امامنا، وصل الى حد غير مقبول.

ولنقل الامور بحقيقتها ؛ فالقانون كان ثلاثي الاهداف : الموقوفون " الاسلاميون " لم يعودوا كذلك بعد ان تعدت فترة توقيفهم الحد المعقول ! خصوصا وان الريبة والشك رافقا ملفاتهم من طرابلس الى عبرا، فالامور ليست واضحة، ولا بد من قول الحقيقة. لقد فعلت المنظومة السياسية، الامنية والعسكرية فعلها بغطاء من القوات السورية التي كانت تمسك في لبنان بزمام الامور، فأوقف " الاسلاميون " ولم يحاكموا ! وهذا مرفوض وسير المحاكمات كان بطيئا، ليست فقط لاسباب اجرائية بحتة، بل لضغوط سياسية وامنية مورست على القضاء وكان يستحيل ان تتحقق العدالة في تلك الاجواء. هذا هو المنظار الحقيقي للامور التي يجب البوح بها بصراحة وشجاعة، وليس اطلاق شعارات فارغة عن " الافلات من العقاب " وما شابه ذلك من عناوين لا تعكس الواقع على حقيقته.

هذه الحقيقة تبدو اكثر وضوحا متى علمنا بأن الحكومة السورية طلبت استرداد الاسلاميين السوريين الذين كان يلاحقهم النظام السوري السابق لاسباب لا تبدو قانونية في حقيقتها، وهي في كل الاحوال لا تبعث على الثقة والاطمئنان. المهم انه اطلق سراح " الاسلاميين السوريين " وبقي " الاسلاميون" اللبنانيون قابعين في سجونهم ينتظرون المحاكمة والفرج !

ولكن المحاكمات طالت وستطول اكثر، وهي تستوجب فتح ملفات سياسية اكثر منها قانونية والوقت ليس وقتها، فضلا عن ان فترة توقيف " الاسلاميين " الطويلة حولتهم الى معتقلين ؛ وهذا مرفوض ليس فقط من منظور العدالة بل ايضا من منظور انساني بحت.

لقد اتاح قانون العفو " للاسلاميين " فرصة لاطلاق سراح العديد منهم ؛ مع وجوب الاسراع في محاكمة الباقين منهم قيد التوقيف. وليس ادل على ذلك من ملف الشيخ احمد الاسير، الذي ما زال عالقا امام محكمة التمييز العسكرية، والذي يجب عليها الاسراع في الفصل فيه للانتهاء من هذا الملف الذي يشوبه الكثير من الغموض وعدم الاطمئنان. وهنا نقول وبصراحة كلية بأنه آن الاوان في لبنان للانتهاء من المحاكم الاستثنائية واولها المحكمة العسكرية التي لا يجب تحويلها الى اداة لترويض البعض، بل يجب الغاءها وتحويل الدعاوى التي من اختصاصها الى اختصاص القضاء العدلي، فتصبح الجرائم العسكرية من اختصاص القاضي المنفرد الناظر بالدعاوى العسكرية، ومن اختصاص غرفة تنظر بالدعاوى العسكرية امام محكمة استئناف الجنح، وأخرى تنظر بالجنايات العسكرية ويكون هناك غرفة في محكمة التمييز مخصصة لهذه الجرائم. ان قانون العفو يجب ان يشكل مناسبة للانتهاء من المحاكم الاستثنائية وعلى رأسها المحكمة العسكرية التي لم تعد مؤتلفة مع مفاهيم العدالة، أقله لجهة ادائها الذي ساهم في الوصول الى الواقع الاليم المبرر لقانون العفو.

هذا من ناحية الاسلاميين، اما من ناحية جرائم الاتجار بالمخدرات وترويجها ، فاذا كان صحيحا ان معظم المجرمين المرتكبين لهذه الجرائم هم خارج السجون، فالصحيح ايضا ان هؤلاء توجد مئات الاحكام الغيابية والمذكرات بحقهم، واصبحوا غير آبهين بها على طريقة " انا الغريق وما خوفي من الغرق " ! ولكن بعيدا عن الدفاع عن هؤلاء الذين لا يستأهلون اصلا الدفاع عنهم ؛ ولكن يجب على الدولة ان تنظر الى هذا الموضوع ليس فقط من منظار عقابي بل ايضا من منظار اجتماعي اصلاحي؛ فالحل لا يكون فقط بانزال العقاب بهؤلاء، بل بمعالجة هذه الآفة التي رافقت تاريخ لبنان منذ العثمانيين ولغاية تاريخه. وان لبنان لم يفلح لغاية الآن في ايجاد زراعة بديلة عن المخدرات. ولبنان لم يستفد ايضا من البدائل كما حصل في الجزائر مثلا، بل ان الهيمنة على الدولة والمؤسسات حالت في حينه من الاستفادة من هذه البدائل.

فالاتجار بالمخدرات يشكل مع الاسف " مدخولا مرموقا " للكثيرين من ابناء منطقة معيّنة، والحل لا يكون فقط بانزال العقاب بهم، بل بحثهم على ممارسة زراعة أخرى بديلة تكون مفيدة لهم وتلغي حاجتهم الى الاتجار بالمخدرات . وقد حصلت عدة خطوات في هذا المجال ولكن يبدو انها بقيت قاصرة عن حل المشكلة. كنا امام واقع مرير : هناك العديد من تجار المخدرات خارج السجون وملاحقون وهم فارون من وجه العدالة، فشملهم قانون العفو، ونحن لسنا ضد ذلك، ولكن القانون المذكور يجب ان يترافق مع حلول عملية تعطي هؤلاء حوافز للامتناع عن الاستمرار في ارتكاب هذا الجرم الخطير، سواء عن طريق الزراعة البديلة ام عن طريق اصلاح هؤلاء اجتماعيا وانسانيا، مع وجوب التشدد عندها اكثر قاكثر في معاقبة هؤلاء اذا استمروا بعد العفو في ممارسة افعالهم الجرمية.

اما الهدف الثالث من قانون العفو، فهو يطال " المبعدين الى اسرائيل " من افراد وعوائل جيش لبنان الجنوبي. هذا الموضوع حساس جدا ولم يعالج بالجدية المطلوبة ؛ فقانون العفو استثنى جرائم الاتصال بالعدو ولكنه استثنى من الاستثناء ( اي شمل بالعفو ) المستفيدين من القانون رقم 194 تاريخ 18/11/2011، الذين اعتبروا مستفيدين حكما من قانون العفو الحالي ولكن تطبيق هذا القانون تحول دونه عقبات عملية تمنع تنفيذه ولنا عودة اليه في هذه الدراسة.

المهم ان قانون العفو قد ولد وكان يجب ان يلد لتحقيق غاياته الثلاث بعيدا عن اطلاق العناوين التي لا تشفي غليل المظلومين ؛ فرفع الظلم اهم من انزال العقاب بل هوجوهر العدالة والقوانين وجدت لخدمة الانسان وليس العكس ؛ فهل نجح قانون العفو في تحقيق اهدافه !

قد يكون قانون العفو حقق بعض اهدافه، لكن سوء صياغته بسبب، " الفوضى التشريعية " التي باتت متأصلة في ثقافتنا التشريعية الحالية، أضفى عليه جواً من الضبابية وعدم الوضوح، ما جعل تطبيقه صعبا احيانا.

اولا: الجرائم المشمولة بالعفو العام:

رب قائل ان العفو لم يكن " عاما " بل شمل جرائم ولم يشمل أخرى. لا فائدة من هذا الجدال وربما اراد البعض التمييز هنا بين " العفو العام " الذي يقره المجلس النيابي و " العفو الخاص " الذي يصدره رئيس الجمهورية. ولكننا لا نتوقف عند هذه التسمية او تلك والجدال غير المفيد بشأنها . نحن امام قانون عفو أقره المجلس النيابي مع بعض الاستثناءات كما تضّمن هذا القانون ليس فقط العفو، بل ايضا تخفيض بعض العقوبات، وما الضرر في ذلك ؟ ولماذا يصر البعض على الجدال حول هذه النقطة ؟

فالمشترع " سيد نفسه " وهو يشّرع كما يريد وقد أقر قانون عفو اسماه " عفوا عاما " مستثنيا بعض الجرائم ومخفضا عقوبة الجرائم التي شملها ؛ فأين الخطأ في ذلك ؟ علما بان المجلس الدستوري جاهز لابطال اي مادة او حتى فقرة فيه مخالفة للدستور او للقواعد الدستورية العامة ( كتلة القواعد الدستورية). فالمادة الاولى من القانون نصّت عن شمول العفو " الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1 آذار 2026 "، اي انه لم يحدها في الزمن الا من تاريخ وقوعها، ولم يحدد مدة زمنية ثابتة بين تاريخين، فلم يقل الجرائم الواقعة بين تاريخ 1 آذار 2026 وتاريخ آخر ! اي انه لا حدود زمنية لتلك الجرائم، حتى تلك المشمولة بمرور الزمن، شملها قانون العفو واصبحت الاستفادة منها مزدوجة ، فالدعوى العامة تكون هنا ساقطة بالعفو وبمرور الزمن. ورب متساءل هنا، هل يستطيع المستفيدون من العفو، التقدم بطلبات اعادة اعتبار امام الهيئة الاتهامية المختصة او امام محكمة التمييز العسكرية بحسب الاختصاص ؟

ان السؤال ليس واقعا في محله الصحيح لان العفو يؤدي الى سقوط الجرم بفعل العفو، وهنا يكتفى بارسال مذكرات لمكتب التحريات صادرة عن المحاكم او عن النيابات العامة بحسب الاختصاص بوجوب شطب الجرم الساقط بالعفو ولا حاجة للتقدم بطلبات اعادة اعتبار.

بالاضافة الى المدى الزمني لقانون العفو، هناك المدى من جهة الاشخاص المشمولين بالعفو، فليس الفاعل فقط مشمولا بالعفو بل ايضا الشركاء والمتدخلين والمحرضين والمخبئين، وفقا لتعريفات قانون العقوبات.

ويضيف المشترع في الفقرة الثانية من المادة الاولى ان العفو العام يؤدي الى سقوط الدعوى العامة والى محو العقوبات الاصلية المحكوم بها. وهنا نكرر عدم الحاجة لتقديم طلبات اعادة اعتبار امام المراجع المختصة، بل يكفي توجيه مذكرات بهذا الخصوص الى مكتب التحريات بوجوب شطب الجرائم المسجلة على السجل العدلي للمستفيد من العفو، ليس فقط بسبب سقوط الدعوى العامة ، بل ايضا بسبب محو العقوبة الاصلية المحكوم بها.

وبمقتضى الفقرة الثانية من المادة الاولى ذاتها لا تسقط الدعوى العامة فقط وتمحى العقوبة الاصلية المحكوم بها، بل تسقط ايضا جميع الملاحقات والاحكام والقرارات ؛ اي ان العفو يشمل الجرم المحكوم به وغير المحكوم به ، وكان الافضل ان يستعمل المشترع هذه العبارة بدلا من عبارة شمول العفو "الملاحقات والاحكام والقرارات " . كما شمل العفو " القرارات الادارية الصادرة بحق الموظفين بغير تهم الفساد المالي، سواء اكانت وجاهية ام غيابية ام بمثابة الوجاهي". وهذه الفقرة، كما سنأتي على بيانه لاحقا " مستغربة " اذ ان العفو يشمل الجرائم والعقوبات ولا يشمل " القرارات الادارية " الصادرة بحق الموظفين !

اننا لا نرى فائدة من هذا النص اذ ان القرارات الصادرة بحق الموظفين في غير تهم الفساد هي خارجة اصلا عن اطار العفو ! اما بالنسبة لتهم الفساد فهي مستثناة في باب الاستثناءات المنصوص عنه بالمادة الثانية البند 9 ضمن جرائم الاثراء غير المشروع المنصوص عنها بالقانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020 والتي سنأتي على ذكرها لاحقا. كلمة اخيرة هنا لا بد من الادلاء بها، اذ ان شمول الجرائم الواقعة قبل تاريخ 1 اذار 2026 بالعفو، لا معنى له، اذ انه لا يوجد اي سبب لعدم شمول العفو الجرائم الواقعة بين 1 آذار 2026 وتاريخ اقراره ! وبالتالي يبدو تاريخ 1 آذار 2026 غير مبرر ! وكان يقتضي القول ان القانون يشمل جميع الجرائم الواقعة قبل اقرار القانون في 14/8/2026 بدلا من 1 آذار 2026.

قد يتساءل البعض عن المرجع المختص للنظر بطلبات الاستفادة من العفو. نرى انه في الدعاوى العالقة، يكون المرجع الناظر بالدعوى هو المختص، اما في الدعاوى المفصولة، فيعود البت بطلبات الاستفادة من العفو للنيابات العامة المختصة.

ثانيا: الجرائم المستثناة من العفو العام :

نصّت عن هذه الاستثناءات المادة الثانية من قانون العفو وفقا لما يلي:

1 الجرائم التي احيلت على المجلس العدلي.

2 القتل عمدا او قصدا والجرائم الواردة في قانون الارهاب الصادر في تاريخ 11/1/1958 بحق المدنيين او العسكريين وجميع عناصر القوى الامنية.

3 الجرائم العسكرية المنصوص عنها في الباب الثاني ، الكتاب الثالث والجرائم الشائنة المنصوص عنها في المادة 105 من قانون القضاء العسكري رقم 24 تاريخ 13/4/1968.

4 جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالصلات غير المشروعة بالعدو باستثناء المشمولين بالفقرة 2 من المادة الوحيدة من القانون رقم 194 تاريخ 18/11/2011 الذين يعتبرون مستفيدين حكما من قانون العفو العام الحالي.

في السياق اللبناني المرتبط بالصلات غير المشروعة بالعدو، فان القانون رقم 194 الصادر بتاريخ 18 تشرين الثاني 2011 هو التشريع الخاص الذي يرمي الى معالجة اوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجأوا الى اسرائيل. وقد أقر مجلس النواب هذا القانون لتنظيم ملف اللبنانيين الذين فروا الى اسرائيل عقب انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. يميز هذا القانون بدقة بين فئتين من اللبنانيين الموجودين داخل لاراضي المحتلة:

الفئة الاولى : ( المنضوون عسكريا او امنيا ): تشمل العناصر الذين انخرطوا في صفوف " جيش لبنان الجنوبي ". هؤلاء يخضعون للمحاكمة او الملاحقة القضائية فور عودتهم الى لبنان بموجب القوانين اللبنانية المرتبطة بالتعامل مع العدو.

الفئة الثانية: ( المدنيون والعائلات ): تشمل المواطنين والنساء والاطفال الذين لجأوا الى الاراضي المحتلة خوفا من العمليات الانتقامية دون ان ينخرطوا عسكريا او امنيا . يسمح لهؤلاء بالعودة الى لبنان وفق آليات محددة، بشرط التنازل او التخلي عن الجنسية الاسرائيلية في حال اكتسابها.

عاد قانون 194 / 2011 الى الواجهة مجددا ؛ حيث تضمن مشروع قانون العفو العام بنداً يستثني جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو من العفو، باستثناء الفئة الثانية من المدنيين المشمولين بهذا القانون ( 194 / 2011 ) ؛ وبموجب ذلك، يعتبر هؤلاء المدنيون وعائلاتهم مستفيدين حكما من العفو العام لتسهيل عودتهم الطوعية الى لبنان.

كان القانون رقم 194/2011 "معطلا " لسنوات بسبب اشتراطه صدور " مراسيم تطبيقية " من مجلس الوزراء لم تقر ابداً. وجاء قانون العفو العام يفك هذا الجمود عبر الآتي:

الاعفاء من المراسيم التطبيقية : نص قانون العفو على شمول الفئة الثانية ( المدنيين والعلائلات والنساء والابناء الذين لم ينخرطوا عسكريا او امنيا ) بالعفو العام مباشرة. واصبح بامكانهم العودة دون قيد او شرط قضائي، وسقطت عنهم تهم " الصلات غير المشروعة بالعدو "، الناتجة عن مجرد اللجوء او الاقامة.

شرط اسقاط الجنسية الاسرائيلية يعد التحدي القانوني الابرز؛ حيث يشترط القانون على العائدين التخلي رسميا عن الجنسية الاسرائيلية ( في حال اكتسابها خلال فترة اقامتهم )؛ وبما ان القانون اللبناني يمنع حيازة جنسية دولة عدوة، فان الاحتفاظ بها يسقط مفاعيل العفو ويعرّض صاحبه للملاحقة بموجب قانون مقاطعة اسرائيل.

الاجراءات الادارية عند الحدود: يتقدم المدنيون الراغبون بالعودة بطلباتهم عبر القنوات الادارية الرسمية ( او السفارات اللبنانية في الخارج في حال السفر عبر دولة ثالثة ) لاثبات هوياتهم اللبنانية وتسوية اوراقهم الثبوتية، لا سيما للاولاد الذين ولدوا في الاراضي المحتلة.

تشكل وثائق الولادة الصادرة عن جهات تابعة للاحتلال العائق القانوني الاكبر نظرا لان السلطات اللبنانية تجرم التعامل مع العدو وتعتبر وثائقه غير مشروعة. وتتم المعالجة القانونية وفق الاجراءات التالية:

تجنب التصديق المباشر: يمنع القانون اللبناني منعا باتا الاعتراف باي ختم اسرائيلي او تصديق الاوراق من مؤسسات الاحتلال.

اثبات النسب اللبناني: تشترط وزارة الداخلية اللبنانية اثبات حيازة الاب ( او الام في الحالات المحددة قانونا ) للجنسية اللبنانية عبر وثائق رسمية صحيحة ( اخراج قيد ، هوية لبنانية ) قبل تاريخ اللجوء.

اجراء فحوصات ال DNA : في حال غياب الوثائق القاطعة او الولادة لسنوات طويلة دون تسجيل، تطلب المحاكم اللبنانية المختصة ( محاكم الاحوال الشخصية ) اجراء فحص الحمض النووي

( DNA ) لاثبات البنوة والنسب كشرط اساسي لاصدار حكم قضائي بالولادة.

التسجيل عبر حكم قضائي متأخر: بما ان المدة القانونية للتسجيل الاداري ( سنة واحدة من تاريخ الولادة ) قد انقضت، يلجأ العائدون الى دعاوى " قيد مولود متأخر " امام القضاء المدني اللبناني. وبعد صدور الحكم، ترسل الاوراق الى المديرية العامة للاحوال الشخصية لتسجيل الاولاد في دوائر النفوس اللبنانية ومنحهم الهوية الرسمية.

في ختام هذا الاستثناء ، لا بد من التساؤل عن الفائدة العملية منه:

لا نرى اي فائدة عملية منه، لان استثناء عناصر جيش لبنان الجنوبي ما زال قائما، وبالتالي فان عوائل هؤلاء لا يمكن تصور استفادتهم من قانون العفو، اذ لا يمكن تصور فصل الاب عن سائر افراد العائلة، فالقوانين الحديثة ترمي الى جمع الشمل لا الى تفريقه !

وحتى المشمولين بالعفو فان معظمهم قد حاز على الجنسية الاسرائيلية لا سيما الشباب منه. وانهم بنوا مستقبلهم على هذا الاساس ؛ فلا يمكن تصور تخليهم عن الجنسية الاسرائيلية للعودة الى لبنان والاستفادة من قانون العفو.

5 لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية، والمرتكبة قبل صدور هذا القانون، سواء صدرت ام لم تصدر بها احكام قضائية.

جميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الامنية.

تعتبر جرائم زراعة المواد المخدرة مشمولة بهذا العفو في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون.

لقد ارتكب المشترع خطأ تقنيا تشريعيا عندما اطلق جريمة جديدة اسمها " جنايات التكرار بالمخدرات"؛ بينما هو يقصد في الحقيقة المجرمون المكررون وليس جريمة التكرار ، لان التكرار هو سبب مشدد وليس جريمة بحد ذاتها.

وقد ورد حرفيا في القانون " جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية ، والمرتكبة قبل صدور هذا القانون".

وكان يجب ان تصاغ كالتالي: " لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات المخدرات المكررين لاكثر من مرتين الخ " . ولكن هذا الخطأ ، يبقى على مستوى المصطلح القانوني ولا يتعداه الى فهم مضمون النص، الملفت ان المشترع شمل بهذا النص الجرائم المرتكبة " قبل صدور هذا القانون " وليس قبل 1 اذار 2026 ما يثير " الاستغراب" حول هذا الاختلاف بين القاعدة العامة المذكورة في المادة الاولى عن شمول قانون العفو الجرائم المرتكبة قبل 1 اذار 2026 وبين عدم استفادة " مرتكبي جنايات المخدرات، قبل صدور هذا القانون، المكررين لاكثر من مرتين ".

قد ذكرنا اعلاه، بأنه كان من الانسب ان يشمل قانون العفو جميع الجرائم الواقعة قبل اقراره، وهذا ما ذكره القانون عند الكلام على جرائم المخدرات المرتكبة من قبل مجرمين مكررين لاكثر من مرتين. هذا الفرق غير المبرر يدعونا للتساؤل عما اذا كانت هناك " خياطة تشريعية على قياس البعض" ام لا ؟

ولا بد من الاشارة هنا الى ان " التكرار " المقصود هنا هو التكرار القانوني بمفهوم قانون العقوبات وليس تعدد الافعال او الملاحقات.

6 الجرائم المتعلقة بجميع انواع التعدي الخاضعة للملاحقة والتي لا تزال مستمرة بتاريخ صدور هذا القانون والواقعة على :

الاملاك العامة للدولة على انواعها.

الاملاك العامة للبلديات.

المشاعات البلدية والاهلية والاميرية.

الاملاك العامة التابعة لمؤسسات عامة.

الاملاك والمنشآت الخاصة بالدولة.

لا يشمل العفو الغرامات المقررة على المخالفات السابقة على هذا القانون.

هنا نكرر ذات الملاحظة اعلاه، لجهة عدم التمييز بين الجرائم الواقعة قبل اول آذار 2026 وتلك الواقعة قبل صدور قانون العفو.

7 الجرائم الواقعة على المال العام.

لم يحدد المشترع هذه الجرائم بل أتى تعبيره عاما وفضفاضا وكان يقتضي تعداد هذه الجرائم ( سرقة المال العام، التهرب الضريبي ، التعدي على المال العام او الاستفادة غير المشروعة منه الخ ).

8 جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني والاجنبي وترويجه والنيل من مكانة الدولة المالية، وجرائم الافلاس الاحتيالي، والجرائم المنصوص عنها في النقد والتسليف، وسائر القوانين والانشطة المتعلقة بالمصارف. هل المقصود بالتزوير هنا جريمة التزوير بحد ذاتها ام تزوير النقد الوطني ! اذا كان صحيحا . ان الصياغة اللغوية توحي بان المقصود هنا هو التزوير كجريمة مستقلة، الا ان سياق النص والغاية من النص تحملنا على القول بان التزوير المقصود هو تزوير النقد الوطني وليس التزوير بصورة عامة. ان ما يؤكد هذا التفسير هو ان العنوان الذي سبق المادة 440 عقوبات هو "تزوير العملة والاسناد العامة"، ما يعني ان المقصود هو تزوير العملة وليس التزوير كجرم مستقل، وكان الاجدر بالمشترع استعمال صيغة المجهول وليس المعلوم للدلالة على المعنى الحقيقي للنص، كأن يقول جرائم " تزوير وتقليد النقد الوطني " وليس " جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني ".

9 جرائم الاثراء غير المشروع الواردة بالقانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020، المتعلقة باختلاس الاموال العمومية او باساءة الامانة بها او سرقتها او بالاموال العائدة الى المؤسسات المالية والمصرفية، والتهرب الضريبي. ويقصد بها هنا جرائم الاثراء غير المشروع الناشئة فقط عن اختلاس الاموال العمومية، او اساءة الامانة بها او سرقتها او اختلاس الاموال العائدة للمؤسسات المالية، اي ان جرائم الاثراء غير المشروع ليست كلها مستثناة من العفو بل تلك فقط الناشئة عن الجرائم المعددة في هذا البند.

10 الجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب رقم 44/2015، باستثناء من تطبق عليهم جريمة الرشوة في احكام الفقرة السابقة من هذا القانون والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف أياً كان مرتكبوها لا سيما الجرائم المرتبطة باموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على انواعها.

ان صياغة هذا البند غير موفقة وتبعث على الخطأ في تفسير مضمونها الحقيقي، اذ ان المشترع استثنى من الاستثناء من تطبق عليهم جريمة الرشوة المنصوص عنها في الفقرة السابعة من المادة ذاتها والجرائم المرتبطة باموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على انواعها.

من الوجهة الشكلية ان الاستثناء على الاستثناء يعني العودة الى القاعدة، اي الى شمول هذه الجرائم بالعفو ! الامر الذي لم يقصده المشترع، اذ ان قصده الحقيقي اتجه الى القول ان جريمة الرشوة مشمولة بجرائم الاثراء غير المشروع الواردة بالقانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020، ولكنه اغفل تعدادها في البند التاسع اعلاه.

ان الملاحظة الشكلية اعلاه المتعلقة بجريمة الرشوة ، والتي اثرنا بخصوصها منهجية التفسير الصحيحة الواجب اتباعها، تثار ايضا بخصوص الجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف أيّاً كان مرتكبوها لا سيما الجرائم المرتبطة باموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على انواعها، فهذه الجرائم استثناها من الاستثناء، ما يبعث على القول ان المشترع شملها بقانون العفو ! ولكن حقيقة ما قصده المشترع مخالفة تماما لهذا الاستنتاج ، لان هذه الجرائم سبق له ان شملها بالاستثناء من العفو في البند الثامن من المادة الثانية، ما يؤكد حقيقة بانها مستثناة من العفو.

ان كل ما ذكره المشترع من استثناءات بالنسبة للجرائم المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف وسائر القوانين المتعلقة بالمصارف، لم يوفق منهجيا في صياغتها، فاوردها في بندين مختلفين هما البندين الثامن والعاشر من المادة الثانية وبل كان يجب ان يكتفي يذكرها في البند الثامن مع اضافة الجرائم المصرفية والجرائم المتعلقة باموال المودعين، بدون ذكرها مجددا في البند العاشر وكأنها استثناء على الاستثناء اي عودة الى القاعدة، ما يوحي خطأ بانها مشمولة بالعفو ؛ اذ ان البندين الثامن والعاشر كان يجب ان يصاغا بصورة اكثر وضوحا، خصوصا وان الغموض في النص سبب من اسباب الابطال التي سار عليها المجلس الدستوري منذ زمن بعيد.

ولكن هنا ايضا لا بد من الاشارة الى ان المشترع لم يوفق في اعتماد المصطلحات المناسبة، فلا وجود لما يسمى " الجرائم المصرفية على انواعها " ! فالمصارف قد ترتكب اي جرم معاقب عليه قانونا ! وبالتالي عدم اخضاع هذا الجرم للعفو اذا ارتكبه المصرف بينما اخضاعه للعفو اذا ارتكبه اي طرف آخر، يجعل القانون عرضة للطعن امام المجلس الدستوري لمخالفته قاعدة " المساواة " المكرسة في الدساتير والمواثيق الدولية.

11 الجرائم المنصوص عنها في القوانين المتعلقة بالآثار.

12 جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الاسري والاعتداء الجنسي على القصّر واحكام قانون معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهنية رقم 65 /2017 وقانون المفقودين والمخفيين قسرا رقم 105/2018.

13 جرائم السرقة وفقا للآتي:

· الجنايات في حال تكرار الملاحقات او الاحكام اكثر من مرتين.

· الجنح في حال تكرار الملاحقات او الاحكام اكثر من ثلاث مرات. هذا البند يستوجب ابداء الملاحظات التالية:

ماذا يعني المشترع بتكرار الملاحقات او الاحكام ؟

نص المشترع عن التكرار تحت الفصل الثاني ( المخصص للتكرار ) في البند 2 منه: المواد: 258، 259 ، 260، 261 عقوبات. والتكرار كسبب مشدد يستوجب صدور حكم مبرم وارتكاب جريمة أخرى، حسبما هو منصوص عنه بالمواد المذكورة. ولكنه لم ينص اطلاقا عن تكرار الملاحقة، فتكون شروط التكرار كسبب مشدد ليست مقصودة هنا؛ بل ان المقصود هو تكرار الملاحقة، اي الحالة التي يكون المجرم قد ارتكب جريمة اخرى، فيما الجريمة الاولى لم يصدر فيها اي حكم مبرم، بل هي ما زالت قيد الملاحقة؛ على ان يحصل ذلك في الجنايات اكثر من مرتين اي ثلاث مرات على الاقل واكثر؛ وفي الجنح اكثر من ثلاث مرات، اي اربع مرات على الاقل واكثر.

اي ان المشترع اعتمد هنا معيارين : التكرار القانوني ( اذا صح التعبير ) ، المنظم بقانون العقوبات والتي يفترض بداية صدور حكم مبرم، والتكرار غير القانوني ( اذا صح التعبير ) اي غير المنصوص عنه في قانون العقوبات . ولكن هذا النص ايضا يثير العديد من الاشكاليات اذ ان الملاحقات قد تقترن بالادانة او بعدمها ! فهل يمكن اعتماد التكرار " في الملاحقة " قبل معرفة ما اذا كانت ستقترن ام لا بالادانة ؟!

14 الجرائم البيئية المنصوص عنها في قانون حماية البيئة رقم 444 تاريخ 29/7/2002، والنصوص ذات الصلة. هنا يطرح السؤال ما هي النصوص ذات الصلة ؟!

ثالثا: تخفيض العقوبات:

نصّت المادة الثالثة من قانون " منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي "، انه "خلافا لاي نص آخر وفي الجرائم التي صدرت او لم يصدر فيها احكام التي حصلت قبل تاريخ نفاذ هذا القانون ، ولم يشملها العفو، تستبدل مدة العقوبات على الشكل الآتي:

1 عقوبة الاعدام تصبح 28 سنة سجنية.

2 الاشغال الشاقة المؤبدة تصبح 17 سنة سجنية.

3 سائر العقوبات المتبقية يخفض ثلثها.

وفي جرائم القتل العمدي او القصدي المقترنة او المصاحبة بالظروف المشددة الآتية:

الاغتصاب او الاعتداء الجنسي.

اذا ارتكبها احد الاصول او الفروع او من له سلطة او ولاية او وصاية على الضحية.

اذا اقترنت بالتعذيب اوالوحشية او التشويه او الخطف.

اذا ارتكبت في اطار الاغتيال السياسي.

وكان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026، فلا يستفيد المحكوم من التخفيض الا بعد اسقاط الحق الشخصي.

تستوجب حالات تخفيض العقوبات الملاحظات التالية:

1 خلافا لما أدلى به البعض من ان قانون العفو لا يمكن ان يتضمن تخفيضا للعقوبات، فان المشترع " سيد نفسه " وقد أقر تخفيض العقوبات بموجب " قانون " . ولا يغيّر شيئا ان يكون هذا القانون قانون عفو عام او سواه، بل تبقى العبرة له كقانون.

2 نص المشترع في الفقرة الاولى من المادة الثالثة " انه تستبدل " مدة العقوبات ، فيما عنوان القانون " هو تخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي ".

فاذا كان صحيحا ان " الاستبدال " و التخفيض يؤديان ذات المضمون، فانه كان من المستحسن ان يوحّد المشترع المصطلح، فلا يستعمل في العنوان عبارة " تخفيض " ثم يعتمد في النص عبارة "استبدال" ، خشية ان يقع الالتباس عند القارىء.

3 شمل " التخفيض " الجرائم المرتكبة قبل " تاريخ نفاذ " القانون وليس قبل تاريخ 1 آذار 2026، كما أتى النص عنه في المادة الاولى من القانون.

4 لا يخضع لتخفيض العقوبة سوى الجرائم التي لم يشملها العفو.

5 نص القانون في المادة الثالثة البند الاول منه ان عقوبة الاعدام تصبح 28 سنة سجنية ؛ وكان يقتضي هنا تطبيق القانون رقم 68 تاريخ 20/8/2026 الذي نص عن الغاء عقوبة الاعدام في لبنان، الذي نص في المادتين الثانية والثالثة منه على تعديل المادة 37 من قانون العقوبات وانه " تستبدل عقوبة الاعدام بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة المشددة بالنسبة للجرائم المرتكبة بعد نفاذ هذا القانون.

اما الجرائم المرتكبة قبل نفاذ هذا القانون فتستبدل فيها عقوبة الاعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة، وهي عقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة؛ اي ان الجرائم المرتكبة قبل نفاذ قانون الغاء عقوبة الاعدام ، في 20/8/2026 ( تاريخ نشره بالعدد 36 من الجريدة الرسمية ) ، فان عقوبة الاعدام تصبح 28 سنة سجنية.

اما الجرائم المرتكبة بعد نفاذ قانون الغاء عقوبة الاعدام في 20/8/2026 والتي تم استبدال عقوبة الاعدام فيها بالاشغال الشاقة المؤبدة المشددة ( المادة الثالثة من قانون الغاء عقوبة الاعدام )، فإنها وفقا للفقرة " ب" ، المادة الخامسة من قانون الغاء عقوبة الاعدام " لا يستفيد المحكومون بعقوبة الاعدام المستبدلة عقوبتهم بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة المشددة الا من التخفيض المنصوص عنه في قانون تنفيذ العقوبات رقم 463 تاريخ 17/9/2002 " ؛ ذلك ان المشترع نهج هذا النهج حتى لا يستفيد المحكومون بعقوبة الاعدام المستبدلة عقوبتهم بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة المشددة مرتين مرة من التخفيض الممنوح لهم بمقتضى قانون الغاء عقوبة الاعدام ومرة ثانية من قانون العفو وتخفيض العقوبات. ولكنه أبقى على استفادتهم من التخفيض المنصوص عنه في قانون تنفيذ العقوبات رقم 463 تاريخ 17/9/2002.

وهذا ما أمّن تناسقا بين قانون الغاء عقوبة الاعدام وقانون العفو، لان المادة الثالثة من قانون الغاء عقوبة الاعدام استبدلت عقوبة الاعدام بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة المشددة بالنسبة للجرائم المرتكبة بعد نفاذه اي بعد 20/8/2026 . اما الجرائم المرتكبة قبل نفاذ قانون الغاء عقوبة الاعدام في 20/8/2026، فتستبدل فيها عقوبة الاعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة ، وهي عقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة ( المادة الثالثة من قانون الغاءعقوبة الاعدام ). هذا مع الاشارة الى ان تاريخ " استبدال " العقوبة المنصوص عنه بالمادة الثالثة من قانون العفو يطبق على الجرائم الواقعة قبل تاريخ نفاذه (اي تاريخ نشره بالجريدة الرسمية ) وليس تاريخ 1 آذار 2026، المذكورة في المادة الاولى من قانون العفو ؛ علما ان الفترة الزمنية الممتدة بين تاريخ نفاذ الغاء عقوبة الاعدام في 20/8/2026 تاريخ نفاذ قانون العفو هي فترة قصيرة جدا، ما يجعل الاستفادة العملية من التخفيض ضئيلة جدا، هذا مع التذكير بأن عقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة بالنسبة للجرائم المرتكبة قبل نفاذ قانون الغاء عقوبة الاعدام في 20/8/2026، تستبدل فيها عقوبة الاعدام بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة وهي العقوبة التي تليها مباشرة ( المادة الثالثة، فقرة 2 من قانون الغاء عقوبة الاعدام).

اما الشق الثاني من المادة الثالثة ، فهي تتضمن الملاحظات التالية:

أ لا بد بادىء ذي بدء من ابداء ملاحظة شكلية تتعلق باستعمال المشترع لعبارتي " المقترنة " او " المصاحبة " بالظروف المشددة ؛ فيما المقصود هو واحد وكان الاجدر به الاكتفاء باستعمال احدى العبارتين دون الاخرى للحؤول دون الايحاء بأن لكل عبارة مدلول خاص بها ؛ فضلا عن ان المشترع يجب ان يختصر في التعابير، ولا يستعمل الا الدال منها دون الاخرى.

ب ذكر المشترع اسبابا مشددة في المادة الثالثة غير مذكورة في المادتين 548 و549 من قانون العقوبات، ما يثير عدة اشكاليات في التفسير لان المشترع في المادة المذكورة لم يختار بين اسباب التشديد المذكورة في المادتين اعلاه، بل اختار بعضها غير المذكور في اي منهما ؛ فهل ان اسباب التشديد في المادتين 548 و549 مذكورة على سبيل الحصر ام على سبيل المثال ؟

نميل الى القول انها مذكورة على سبيل الحصر وكان على المشترع في المادة الثالثة التقيد بحرفية المادتين 548 و549 من قانون العقوبات وليس اضافة اسباب تشديد اخرى غير مذكورة في المادتين المذكورتين؛ ما قد يثير عدة اشكاليات قانونية وعملية كنا بغنى عنها، وربما يعرض القانون لطعن امام المجلس الدستوري لهذه الجهة ؛ وهذا ما حصل فعلا.

فطالما ان المشترع عدد الاسباب المشددة في المادتين 458 و 549 من قانون العقوبات، فهذا يعني انه لم يشأ ترك الخيار للقاضي ان يضيف اليها اسبابا مشددة اخرى، وذلك عملا بمبدأ شرعية العقوبات المنصوص عنه في المادة 6 عقوبات والمادة 8 من الدستور اللبناني ؛ ما يعرض المادة الثالثة المذكورة للابطال بالطعن الحاصل امام المجلس الدستوري.

ج اما ما نصّت عنه الفقرة الاخيرة من المادة الثالثة لجهة شرط استحصال " المحكوم " على اسقاط حق شخصي للاستفادة من التخفيض ، فاننا ندلي بشأنها بالآتي:

نسّجل بادىء ذي بدء ما يلي: تنص الفقرة الاولى من المادة الثالثة عن الاستفادة من " استبدال " العقوبة ، انها تشمل الجرائم التي صدرت او لم يصدر فيها احكام التي حصلت قبل تاريخ نفاذ القانون ولم يشملها العفو؛ فيما تنص الفقرة الثانية عن شرط الاستفادة من الاسقاط الشخصي في جرائم القتل العمدي او القصدي المقترن بالظروف المشددة المعددة في الفقرة الثانية من المادة المذكورة، عن شرط عدم استفادة " المحكوم " ( اي الذي صدر بحقه حكم، خلافا للفقرة الاولى التي لا تشترط صدور حكم بحقه ) من التخفيض الا بعد اسقاط الحق الشخصي.

اي انه يجب التمييز بين استبدال العقوبة في جميع الجرائم الحاصلة قبل تاريخ نفاذ القانون وغير المشمولة بالعفو ؛ وبين جرائم القتل العمدي او القصدي المقترنة بالظروف المشددة المعددة بالمادة الثالثة، والتي يجب ان يكون صدر فيها حكم، والتي لا يستفيد فيها المحكوم عليه من التخفيض الا بعد الاستحصال على اسقاط حق شخصي اذا كان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026 ؛ فهنا يجب ان يكون صدر حكم، اما في الجرائم الاخرى غير جرائم القتل العمدي اوالقصدي التي رافقتها ظروف مشددة منصوص عنها في المادة الثالثة، فان الملاحقة تكفي سواء صدرت في هذه الجرائم او لم تصدر احكام، بل يكفي ان تكون اقترفت ( حصلت حسب نص القانون) قبل تاريخ نفاذ قانون العفو. ولكن يبقى السؤال مطروحا ماذا بشأن الملاحقة التي لم تتم الادانة

فيها ؟!

اضف الى ذلك، انه تقتضي الملاحظة انه في الدعاوى العالقة امام المحكمة العسكرية فان صاحب الحق الشخصي لا يمثل، بل عليه انتظار صدور حكم مبرم عن المحكمة العسكرية، ليعود ويطالب بحقوقه الشخصية امام القضاء المدني، فلا يمكن هنا استفادته من التعويضات الشخصية، لانه يستحيل عليه اتخاذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026، طالما لم يصدر بعد حكم مبرم عن المحكمة العسكرية.

واذا كان المشترع قد شاء اخراج النص بهذه الحالة فربما لانه لم يشأ ان يعمد المتضرر الشخصي الى ابتزاز المحكوم عليه او الى تعطيل قانون العفو بارادته التعسفية المنفردة؛ ولكن كان عليه ان يكون اكثر " يقظة " ويتنبه الى موضوع الحقوق الشخصية امام المحكمة العسكرية فيفرد لها فقرة خاصة ام يصيغ المادة الثالثة بطريقة مختلفة.

رابعا: اختصاص النظر بالحقوق الشخصية:

تنص المادة الرابعة من القانون في فقرتها الاولى والثانية انه يبقى حق النظر بالحقوق الشخصية الناجمة عن جرم شمله العفو الكامل او مرور الزمن او تخفيض العقوبات، من اختصاص المحاكم الجزائية اذا كانت الدعوى العامة قدمت مباشرة الى المراجع الجزائية او احيلت اليها قبل العمل بهذا القانون.

اما دعاوى الحق الشخصي الاخرى الناجمة عن جرم جزائي شمله العفو الكامل او مرور الزمن، فتفصل فيها المحاكم المدنية او الادارية المختصة وتطبق بشانها قوانين الرسوم لمعمول بها في الدعاوى المدنية امام القضاء الجزائي.

لا تخلو هاتان الفقرتان من بعض الغموض في الصياغة وكان يقتضي تخصيص الفقرة الاولى لدعاوى الحق الشخصي، في الجرائم التي تنظر فيها المحاكم الجزائية ولم يتم الفصل فيها بعد بحكم مبرم قبل العمل بقانون العفو؛ فيما تكون المحاكم المدنية مختصة بالدعاوى التي فصلت امام المحاكم الجزائية بحكم مبرم ولم يتخذ امامها المدعي صفة الادعاء الشخصي.

اما الدعاوى العالقة امام المحاكم الجزائية ولم يتم الفصل فيها بحكم مبرم، ولم يتخذ امامها المدعي صفة الادعاء الشخصي، فيجوز له اتخاذ هذه الصفة امام المحاكم الجزائية العالقة الدعوى امامها.

ونسّجل خطأين قانونيين وردا في الفقرة الاخيرة من المادة الرابعة التي جاء فيها انه يحق للمدعي عند تنفيذ الحكم بالتعويض الصادر عن المحاكم الجزائية او " العادية " ان يطلب حبس المحوم عليه اكراها، وفقا لاحكام قانون " اصول المحاكمات الجزائية " وقانون العقوبات.

الخطأ الاول هو على مستوى المصطلح القانوني اذ كان يجب على المشترع استعمال عبارة "المحاكم المدنية " وليس " المحاكم العادية " وكان المقصود طبعا المحاكم المدنية.

والخطأ الثاني هو ايراد المشترع ان الحق بطلب حبس المحكوم عليه اكراهياً ( وليس اكراها كما ورد في النص ) منصوص عنه في المادة 46 من قانون العقوبات و997 من قانون اصول المحاكمات المدنية وليس في قانون اصول المحاكمات الجزائية ، كما ورد خطأ في القانون.

خامسا: اخلاءات السبيل:

جاء في المادة الخامسة من القانون انه استثنائيا وفي كل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1/3/2026 والتي لم يصدر اي حكم فيها ، وفي حال تجاوزت مدة التوقيف 12 سنة سجنية، يخلى سبيل المدعى عليه حكما وتستمر محاكمته وفقا للاصول القانونية. هذه المادة أتت بسبب عدم تطبيق المادة 108 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، والتي اسهم عدم تطبيقها في اكتظاظ السجون الذي كان احد الاسباب المبررة لقانون العفو الحاضر.

وتنص المادة السابعة من القانون ان غير اللبنانيين المستفيدين من احكام قانون العفو يسلمون فور اخراجهم من السجن الى المديرية العامة للامن العام لاجراء المقتضى وفقا للاصول القانونية.

كما نصّت المادة التاسعة من القانون انه وبصورة استثنائية، يعفى جميع المحكومين الذين امضوا مدة عقوبتهم قبل تاريخ نشر هذا القانون وما زالوا مسجونين لعدم تسديد الغرامات المالية التي حكموا بها ، من جميع الغرامات والرسوم من اي نوع كانت ليصار الى اخراجهم من السجن.

كما نصت المادة الثامنة انه لا تُرد الرسوم والتأمينات والغرامات التي تم استيفاؤها والاشياء الممنوعة قانونا التي تمت مصادرتها ، او ضبطها في كل الدعاوى التي شملها العفو.

سادسا: ادغام العقوبات وجمعها:

عدّل المشترع بموجب المادة العاشرة من القانون، المادة 205 من قانون العقوبات التي تنص عن ادغام العقوبات كمبدأ وجمعها كاستثناء خلافا للاقتراح السابق الذي لم يقره المجلس النيابي الذي كان ينص على الادغام الالزامي للعقوبات، فأبقى على الادغام كمبدأ ، لكنه عدّل الاستثناء ، فنص عن جواز الجمع بين العقوبات المحكوم بها بحيث لا يزيد مجموع العقوبات المؤقتة على اقصى العقوبة المعيّنة للجريمة الاشد الا بمقدار " ربعها " ، بدلا من " نصفها " الوارد في نص المادة 205 من قانون العقوبات المعدل لمرة واحدة وحصرا لدواعي تطبيق قانون العفو.

في الخلاصة، قانون العفو يجب ان يكون ليس فقط اصلاحا لواقع رديء أدّى الى اكتظاظ السجون وتحويل الموقوفين غير المحكومين الى معتقلين، بل أمثولة للمستقبل لكي لا نقع في ذات المشكلة ونصبح بحاجة الى قانون عفو جديد !

اما بالنسبة للاخطاء التشريعية التي تعتوره، فهي عديدة وسبق ان عبرنا عنها في معرض مقالات اخرى ( بصدد قوانين تعليق المهل وقوانين الايجارات المتكررة الخ ) ووصفناها بانها ناشئة عن "الفوضى التشريعية" التي باتت متأصلة في ثقافتنا التشريعية الحاضرة ! والتي يجب الاقلاع عنها والعودة الى تقاليدنا التشريعية السليمة.

ولكن، ليس تخفيفا من مسؤولية المشترع، بل تعبيرا عن الحقيقة، نقول بان قانون العفو، كسائر القوانين الاستثنائية، تتم صياغته بسرعة، وهو معد لان يستمر في الزمن لمدة محددة، فغالبا ما تعتور هذه القوانين اخطاء في الصياغة التشريعية، ولكن ليس الى الحد الذي وقع به المشترع في هذا القانون ! ومن ناحية أخرى، فان المنهجية التشريعية ، لا تفرض على المشترع ان " يقول كل شيء"، فأشياء كثيرة يبقي المشترع للقضاء تفسيرها او الحكم بها ؛ فقواعد تفسير القوانين تنص على كيفية تفسير النصوص الغامضة او الناقصة ؛ وهذا ما يقتضي فعله، من دون ان نغفل ان اخطاء المشترع في هذا القانون كانت كبيرة وتجاوزت الحد المعقول في التشريع. ولكن الحل لا يكون ب " جلد " القانون، بل بتفسيره جيدا، انطلاقا من القواعد التي تحكم تفسير القوانين.

والحل برأينا لمن يرون بأنه لا يمكن انتظار تفسير القضاء للقانون ليس بالطعن به اما المجلس الدستوري، بل باصدار قانون تفسيري له صادر عن المجلس النيابي، في ضوء الاعتراضات الحاصلة. ولكن الطعن قد حصل واصبح واقعا، فللننتظر النتيجة، والله اعلم !

في 10 / 9 / 2026

عبده جميل غصوب



* دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف لدى نقابة المحامين في بيروت، مستشار قانوني في الامارات العربية المتحدة دبي ، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية، كاتب قانوني وباحث.