• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
  • البحرين
‹ العودةدراسات و آراء

قـراءة فـي قـــرار المجلـس الدستـوري اللبنانــي رقـــــم 12/2026 تــــاريـــــخ 12/10/2026 حــول قانــون العـفــو العــام رقــــم 70/2026:

قراءة في قرار المجلس الدستوري اللبناني

رقم 12/2026 تاريخ 12/10/2026

حول قانون العفو العام رقم 70/2026:

قاضٍ يُشرِّع بالتفسير؟

الدكتور فادي نمُّور

أستاذ في القانون

محامٍ

مقدّمة:

-1- يُعدّ العفو الشامل من أدقّ الصلاحيات المعقودة للمشرّع، لأنّه يقع عند نقطة التماس بين سلطة الدولة السياديّة في العقاب من جهة، ومقتضيات العدالة وحقوق الضحايا من جهة أخرى. ومن هنا تكتسب الرقابة الدستوريّة على قوانين العفو أهميّة خاصّة، إذ تضع القاضي الدستوري أمام معادلة دقيقة: احترام السلطة التقديريّة للمشرّع في تحديد ما يراه ملائمًا من العفو، ومنع تحوّل هذا العفو إلى أداة لتكريس الإفلات من العقاب ([1]).

-2- في هذا الإطار، تقدّم عدد من النوّاب، بتاريخ 9/9/2026، بمراجعة ترمي إلى إبطال القانون رقم 70/2026 المتعلّق بالعفو العام، الذي أُقرّ في جلستَي 11 و 12 آب 2026 وصدر ونُشر بتاريخ 4/9/2026، فقرّر المجلس الدستوري بتاريخ 10/9/2026 وقف مفعوله إلى حين البتّ في المراجعة ([2]). وأدلى الطاعنون بثمانية أسباب: مخالفة المادة 36 من الدستور وقاعدة التصويت العلني بالمناداة، وتحوير النصّ بعد التصديق عليه والمساس بالسيادة الشعبيّة، وغموض القانون وعدم قابليّته للتطبيق، وعدم صحّة الأسباب الموجبة، ومخالفة مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ استقلال القضاء، ومخالفة المعايير الدستوريّة الموضوعيّة للعفو العام، وتكريس الإفلات من العقاب، والمساس بحقوق الضحايا والغير وبمبدأ المساواة. وقد أعاد المجلس تنظيم هذه الأسباب، فبحث، من بين ما بحث، في إغفال استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، وفي إسقاط القرارات الإداريّة، وفي حصر استثناء جرائم الفساد في نطاق ضيّق.

-3- وقد قرّر المجلس بالإجماع قبول المراجعة شكلًا، وردّها في ما يتعلّق بطلب الإبطال الكلّي، وقبولها جزئيًّا بإبطال العبارات المحدِّدة لنطاق زمنيّ خاصّ بجرائم المخدّرات وزراعتها، وبشطب عبارة "قبل 1/3/2026" المتعلّقة بشرط اتّخاذ صفة الادّعاء الشخصي، وبتحصين القانون بتسعة تحفّظات تفسيريّة ملزمة، أثار بعضها من تلقاء نفسه ([3]).

-4- يثير هذا القرار تساؤلًا قانونيًّا أساسيًّا: هل أصاب المجلس الدستوري في محاولته التوفيق بين احترام إرادة المشرّع وصون المبادئ ذات القيمة الدستوريّة، أم أنّه، في سعيه إلى إنقاذ القانون من الإبطال، مارس رقابة متفاوتة الحدّة، من دون أن يُفصح عن المعيار الذي يحكم هذا التفاوت، انتهت به إلى الحلول محلّ المشرّع في رسم نطاق العفو؟

للإجابة عن هذا التساؤل، نتناول رقابة المجلس على الشرعيّة الإجرائيّة والغائيّة للقانون، حيث كرّس المبادئ وتحفّظ في إعمالها (القسم الأوّل)، ثم نتناول لجوئه إلى تحصين القانون بالتحفّظات التفسيريّة، بين إنقاذ النصّ وإعادة صياغته (القسم الثاني).

القسم الأوّل- رقابة الشرعيّة الإجرائيّة والغائيّة:

-5- يتّسم موقف المجلس في هذا الشقّ بمفارقة لافتة: فهو يُرسي مبادئ صارمة، سواء في الأصول التشريعيّة أو في غاية العفو، ثم يتردّد في ترتيب النتائج التي تبدو مقتضاها الطبيعي. ويظهر ذلك في تأكيده الطابع الجوهري للأصول التشريعيّة من دون ترتيب الجزاء على مخالفتها (أوّلًا)، وفي إقراره بمشروعيّة غاية العفو مع رقابة مخفّفة على صلتها بنطاقه (ثانيًا).

أوّلًا- تأكيد الطابع الجوهري للأصول التشريعيّة من دون ترتيب الجزاء على مخالفتها:

-6- في السبب المبني على مخالفة المادة 36 من الدستور ([4])، قارن المجلس محضر الجلسة بالتسجيل الصوتي. فالمحضر يورد أنّ القانون "مطروح على التصويت بالمناداة"، وأنّه "نودي على السادة النواب بأسمائهم"، ثم "أكثريّة"، ف "صُدّق القانون بالأكثريّة". أمّا التسجيل فكشف أنّه تمّت تلاوة أسماء بعض النواب وقطع رئيس الجلسة المناداة بعبارة "صُدّق بالمناداة"، وأنّه سُمع صوت إحدى النائبات تقول: "بس ملاحظة مش صدق بالمناداة، ومش تصويت بالمناداة". وأقرّ المجلس بأنّ هذه الملاحظة "تناولت آلية التصويت ولم يجرِ تدوينها في المحضر" ([5]). ومع ذلك، ردّ السبب، مستعيدًا اجتهاده في القرارين رقم 3/2024 ورقم 1/2026، اللذين أكّد فيهما أنّ الصيغة المنصوص عليها في المادة 36، "جوهريّة ولا يجوز مخالفتها"، ثم تجاوز الإبطال فيهما "لعدم ثبوت الاعتراض على طريقة التصويت أو على نيل الأكثريّة المطلوبة"، معلّلًا ذلك بأنّه "لا يرى المجلس حاليًّا إبطال القانون رغم مخالفته المادة 36 من الدستور، بعدما جرى التصويت عليه من دون ثبوت أي اعتراض على طريقة التصويت أو على عدد الذين صوّتوا" ([6]). ولم يتوقّف المجلس عند القرار رقم 5/2017 الذي أدلى به الطاعنون، والذي انتهى إلى إبطال قانون بكامله لأنّه صُدّق من دون مناداة على الأسماء ([7])، فكرّس بذلك عدولًا عن حلّ 2017 لم يُصرّح به.

-7- يثير هذا الحلّ مآخذ ثلاثة. أوّلها تناقض داخلي: فالقاعدة الموصوفة بأنّها جوهريّة تفقد جانبًا من جوهريّتها متى انتفى الجزاء على مخالفتها الثابتة، ما لم يُبيّن القاضي معيارًا يحدّد المخالفات التي لا تستتبع الإبطال. وثانيها إضافة شرط لا يتضمّنه النصّ الدستوري، هو شرط "ثبوت الاعتراض"، بما يحوّل قاعدة متّصلة بالنظام العام الدستوري إلى ما يشبه البطلان النسبي المعلّق على تمسّك أصحاب المصلحة به في الجلسة. فقاعدة التصويت بالمناداة على الأسماء، التي يصفها المجلس بالجوهريّة، تستمدّ إلزاميّتها من الدستور ذاته، لا من مبادرة نائب إلى الاعتراض. ولا يُسعف القانون الفرنسي هذا النقد بقدر ما قد يُظنّ: فالمجلس الدستوري الفرنسي، وإن كرّس مطلب وضوح النقاش البرلماني وصدقيّته ([8])، قرّر أنّ مخالفة قاعدة التصويت الشخصي لا تُبطل إجراءات إقرار القانون إلّا إذا ثبت أنّ نائبًا أو أكثر احتُسب صوته على خلاف رأيه، وأنّ الأكثريّة المطلوبة ما كانت لتتحقّق لولا ذلك ([9]). غير أنّ هذا المعيار، القائم على الأثر، لا يُنقل آليًّا إلى القانون اللبناني: فالمادة 27 من الدستور الفرنسي تكرّس شخصيّة التصويت، أمّا المادة 36 من الدستور اللبناني فتفرض صيغة علنيّة بعينها غايتها كشف موقف كلّ نائب، وهي غاية لا يجبرها ثبوت الأكثريّة. فإن أراد المجلس تقييد الجزاء، كان عليه أن يربط هذا التقييد بغاية القاعدة، لا بمجرّد غياب الاعتراض. وثالثها، وهو الأخطر، اضطراب في الإثبات يبلغ حدّ التناقض: فالمجلس أقرّ صراحةً بأنّ ملاحظة النائبة "تناولت آلية التصويت"، ثم ردّ السبب "لعدم ثبوت الاعتراض على طريقة التصويت"، فجعل التدوين في المحضر شرطًا لثبوت الاعتراض. والحال أنّ المحضر نفسه أثبت أنّه "نودي على السادة النواب بأسمائهم"، وهو ما نقضه التسجيل الذي اعتمده المجلس. فلا يستقيم أن يُعتدّ بالمحضر دليلًا على انتفاء الاعتراض، بعد أن ثبت بالتسجيل أنّه لم يُطابق ما جرى في الجلسة.

-8- ويُضاف إلى ذلك أنّ غاية المناداة على الأسماء لا تنحصر في التحقّق من الأكثريّة، بل تتمثّل في تمكين الناخبين من معرفة موقف كلّ نائب ومساءلته عنه ([10])، وهي الغاية التي استند إليها الطاعنون حين ذكّروا بأنّ "المراقبة والمحاسبة تقتضيان الشفافية في أعمال السلطة الاشتراعيّة... ليكون الشعب مطّلعًا على ما يقوم به نوّابه" ([11]). فلا يجبر انتفاءُ الشكّ في الأكثريّة المساسَ بهذه الغاية. أمّا عبارة "لا يرى المجلس حاليًّا"، فتنطوي على تحذير موجّه إلى المجلس النيابي، غير أنّ تكرار هذا التحذير في ثلاثة قرارات متتالية منذ عام 2024 من دون إعماله يُخشى معه أن يرسّخ الممارسة التي يُراد تقويمها. والحال أنّ الرقابة الدستوريّة، كما رأى رئيس سابق للمجلس الدستوري، لا تنافس البرلمان بل تكمّل عمله وتسهم في تحسين أدائه ([12])؛ وهي وظيفة لا تتحقّق إلّا إذا اقترن المبدأ بجزائه.

-9- وفي السبب المبني على تحوير النصّ بعد التصويت عليه، ألقى المجلس عبء الإثبات على الطاعنين لأنّهم "لم يرفقوا بعريضة الطعن أيّ صيغة من الصيغ السابقة" ولم يبيّنوا «وجه الاختلاف بين الصيغتين ومكمن الخلل الدستوري". وإذا كان تقصير الطاعنين ثابتًا، فإنّ الرقابة الدستوريّة رقابة موضوعيّة، والمجلس يملك وسائل تحقيق استعملها في السبب الأوّل نفسه، حين طلب من المجلس النيابي المحاضر والتسجيلات الصوتيّة، فكان في وسعه طلب هذه الصيغ أيضًا. ثم إنّه، في معرض الردّ على مثال جرائم الفساد، انتقل من رقابة المطابقة بين النصّ المصوّت عليه والنصّ المنشور إلى تقدير موضوعي لأثر الحذف، معتبرًا أنّ الاستثناءات الواردة في البنود 6 إلى 10 من المادة الثانية "معظمها تُصنَّف ضمن جرائم الفساد" ([13]).

أمّا الاستناد إلى محضر الجلسة فلا يحسم المسألة. فقد ورد فيه: "الرئيس: الموافقة على المادة الثانية مع التعديلات برفع الأيدي. - أكثريّة. نبيل بدر: دولة الرئيس، من دون تعديلات الزميل بو صعب. الرئيس: صُدّقت المادة الثانية مع التعديلات" ([14]). فعبارة "مع التعديلات" لا تحدّد التعديلات المقصودة، والمحضر يتضمّن اعتراضًا مدوّنًا على إدراج تعديلات تقدّم بها أحد النواب، أي اعتراضًا مستوفيًا للشرط الذي وضعه المجلس نفسه في السبب الأوّل، ومع ذلك لم يتناوله. كما أنّ الاكتفاء بالقول إنّ المطابقة ثبتت "بعد التدقيق والمقارنة"، من دون بيان نتيجتها، يُضعف التعليل.

-10- وفي السبب المبني على عدم استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، ربط المجلس هذا الموجب بالضمانات المستمدّة من المادة 20 من الدستور، فأضفى على إجراء استشاري منصوص عليه في نصّ تشريعي عادي امتدادًا دستوريًّا، ثم حصره بما يتعلّق «تحديدًا بالتنظيم القضائي وشؤون القضاة»، كالتعديل في النظام القضائي أو في تأليف المحاكم أو في سنّ تقاعد القضاة ([15]). وكان في وسع المجلس أن يسلك طريقًا أبسط وأمتن. فالفقرة «ز» من المادة الخامسة من المرسوم الاشتراعي رقم 150/1983، كما نقلها القرار نفسه، تجعل من صلاحيّات مجلس القضاء الأعلى «إبداء الرأي في مشاريع القوانين والأنظمة المتعلّقة بالقضاء العدلي» ([16])، في حين أنّ القانون المطعون فيه صدر عن اقتراح قانون، كما تشهد بذلك أسبابه الموجبة التي تنتهي بالتقدّم ب «اقتراح القانون المرفق» ([17]). فالموجب، بحرفيّة نصّه، لا يتناول اقتراحات القوانين التي يتقدّم بها النوّاب، ولا حاجة معه إلى تشييد امتداد دستوري يستحقّ هو نفسه التأصيل، لأنّ المشرّع يملك أصلًا تعديل النصّ الذي يفرض الموجب أو إلغاءه. أمّا المعيار الذي اعتمده المجلس، فيمكن الدفاع عنه في ذاته، لأنّ العفو تدبير في السياسة الجزائيّة لا في تنظيم القضاء، والقول إنّ كلّ نصّ يمسّ الوظيفة القضائيّة يستوجب الاستطلاع يُخضع كلّ تشريع جزائي لهذا الموجب. غير أنّ المجلس لم يُعمل معياره على المادة الرابعة من القانون، التي توزّع الاختصاص بين المراجع الجزائيّة والمدنيّة والإداريّة في النظر بالحقوق الشخصيّة، والاختصاص من صميم التنظيم القضائي؛ فكان عليه أن يبيّن لماذا لا يدخل هذا الشقّ في نطاق الموجب، كأن يعتبره كاشفًا لقواعد قائمة لا منشئًا لقواعد جديدة.

وإذا كان التحفّظ في رقابة الأصول التشريعيّة يجد تفسيره في حرص المجلس على استقرار التشريع وعلى احترام استقلاليّة المجلس النيابي في إدارة أعماله، فإنّ النزعة ذاتها تظهر، على نحو أدقّ، في رقابته على غاية العفو، حيث بنى إطارًا نظريًّا متقدّمًا ثم خفّف من إعماله في جانب أساسي منه.

ثانيًا- الإقرار بمشروعيّة غاية العفو مع رقابة مخفّفة على صلتها بنطاقه:

-11- أرسى المجلس مبادئ متقدّمة في رقابة قوانين العفو. فالعفو الشامل يمثّل استثناءً على أصلٍ يقضي بأنّ الجريمة تستوجب الملاحقة والعقاب، ويقتضي ذلك «تقييدها بمعايير ومبادئ وأطر لا يجوز تجاوزها، وتفسيرها تفسيرًا ضيّقًا لا يُتوسّع فيه ولا يُقاس عليه»؛ والمصلحة العامّة لا تُختزل «في مصلحة المستفيد من العفو بل تشمل أيضًا مصلحة المجتمع في العدالة، ومصلحة الضحايا في الإنصاف، ومصلحة الدولة في احترام أحكام القانون وفي عدم تكريس الإفلات من المسؤوليّة» ([18]). وهي مقاربة للمصلحة العامّة سبق أن تناولها الفقه الدستوري اللبناني في صلتها بالقضاء الدستوري ([19]). واستند إلى رأي لجنة البندقيّة الذي يقرّر أنّه كلّما كان العفو أكثر شمولًا وجب أن تكون غايته أكثر مشروعيّة، وأنّ الوسائل يجب أن تتّسق مع الغاية، وأنّ شمول العفو جرائم عاديّة لا صلة لها بالغاية يمسّ بمبدأ المساواة ([20]). ثم استخلص المجلس غاية القانون من أسبابه الموجبة، وهي «معالجة الخلل الناجم عن التأخير المزمن في إصدار الأحكام الجزائيّة واحتجاز الموقوفين لمدد تتجاوز المهل القانونيّة... والاكتظاظ وسوء أوضاع أماكن التوقيف والسجون»، فضلًا عن «تعزيز ثقة المواطنين بمؤسّسات الدولة وتمكين السلطة القضائيّة من تسريع البتّ في الملفّات المتبقّية»، ووصفها بأنّها غاية «متّصلة بصون الكرامة الإنسانيّة وبحسن سير مرفق العدالة»، وأقرّ بمشروعيّتها، مستندًا إلى أنّ الغاية يجب أن تظهر في النصّ أو في أعماله التحضيريّة ([21]).

-12- غير أنّ المجلس قرّر، بعد ذلك، أنّه «إذا كانت الجرائم التي شملها العفو والاستثناءات الواردة فيه لا ترتبط "كلّها بالغاية المتمثّلة بمعالجة أوضاع السجون والموقوفين، فإنّ ذلك لا يكفي "بذاته لإبطال القانون المطعون فيه، طالما أنّ العفو الشامل عينيّ بطبيعته ويرد على فئات من الجرائم لا على فئات من الموقوفين، وطالما أنّ المعيار الذي اعتمده المشترع، أي طبيعة الجرم وتاريخ ارتكابه، هو معيار موضوعي ومجرّد». واستدلّ على اتّساق القانون مع غايته بأنّ المشترع قرن العفو، في المواد الثالثة والخامسة والتاسعة والعاشرة، بتدابير «ذات صلة مباشرة بالمشاكل الناجمة عن اكتظاظ السجون وطول أمد المحاكمات، ممّا يكشف عن مقاربة متكاملة للغاية المعلنة» ([22]). وفي ذلك انتقال من مستوى إلى آخر: فالمرجع الذي استند إليه المجلس يقيس الصلة العقلانيّة على مستوى كلّ فئة من الجرائم المشمولة، بينما قاسها المجلس على مستوى القانون في مجمله، فتكفي «المقاربة المتكاملة» لتغطية فئات لا صلة لها بالغاية. كما أنّ إعلانه الاكتفاء برقابة «الخطأ الساطع» ([23]) وهي أدنى درجات رقابة التناسب، وقد لاحظ الفقه أنَّ اللجوء إليها كثيرًا ما يأتي في صورة ضبط ذاتي غير معلّل ([24]) يتعارض مع منطق تشديد الرقابة كلّما اتّسع العفو، الذي استمدّه من رأي اللجنة نفسه، من دون أن يبيّن كيف يوفّق بين المعيارين. ولا يغيّر من ذلك أنّ رأي اللجنة لا يُلزم المجلس، إذ إنّ المجلس هو من اختار الاستناد إليه، فكان عليه أن يلتزم مقتضاه أو يبيّن سبب العدول عنه.

-13- ثم إنّ القياس على رأي لجنة البندقيّة يحتاج إلى تحفّظ، لأنّ ذلك الرأي يتعلّق بعفو سياسي غايته المصالحة الوطنيّة، وهي غاية يمكن أن تبرّر عفوًا واسعًا. أمّا غاية القانون المطعون فيه فمرتبطة، كما وصفها المجلس نفسه، بحسن سير مرفق العدالة وأوضاع السجون، وهي، وإن اتّصلت بالكرامة الإنسانيّة، غاية محدّدة بطبيعتها بالأشخاص والملفّات التي يطالها التأخير والاكتظاظ. فالتحفّظ في القياس لا يُضعف حجّة اللجنة، بل يقوّيها: إذ كلّما ضاقت الغاية، ضاق النطاق الذي تستطيع تبريره.

-14- وتظهر أهميّة هذه المسألة بمقارنة القانون المطعون فيه بقانون العفو العام رقم 84/1991، الذي أُقرّ عقب انتهاء الحرب اللبنانيّة ولم يخضع لأيّ رقابة لأنّ المجلس الدستوري لم يكن قد باشر عمله بعد، وإن نصّت عليه المادة 19 من الدستور المعدّلة عام 1990 ([25]). فذلك القانون استند إلى غاية المصالحة الوطنيّة، وهي غاية تبرّر بطبيعتها شمولًا واسعًا للأفعال المرتبطة بالنزاع. أمّا القانون رقم 70/2026 فغايته معالجة أزمة السجون والتوقيف المديد والتأخير في المحاكمات، وهي غاية أضيق. وكلّما ضاقت الغاية اشتدّت الحاجة إلى تبرير شمول العفو جرائم لا صلة لها بها. وهنا تتكشّف حدود رقابة التناسب كما مارسها المجلس. فموضوعيّة المعيار شرط لاحترام المساواة، لكنّها لا تُثبت بذاتها ملاءمته للغاية المعلنة. وقد أشارت لجنة البندقيّة نفسها، في الرأي الذي استند إليه المجلس، إلى أنّ شمول العفو جرائم عاديّة لا صلة لها بالأزمة التي تبرّره يُضعف مشروعيّته ويمسّ المساواة ([26]). ولا يعني ذلك أنّ الصلة منقطعة في كلّ الفئات المشمولة. فإسقاط الملفّات العالقة أمام المحاكم، ولو تعلّقت بجرائم لا يُقضى فيها بالحبس أو بأحكام غيابيّة بحقّ فارّين، يتّصل بالغاية التي أعلنها المجلس نفسه، أي «تمكين السلطة القضائيّة من تسريع البتّ في الملفّات المتبقّية». غير أنّ هذه الصلة تنقطع حيث لا يوجد ملفّ أصلًا: فالجرائم المرتكبة قبل 1/3/2026 التي لم تبدأ ملاحقتها بعد لا تُثقل المحاكم ولا السجون، وشمولها بالعفو لا يخدم أيًّا من الغايتين المعلنتين. وكان على المجلس، بدل الاكتفاء بموضوعيّة المعيار وبالمقاربة المتكاملة، أن يميّز بين هذه الفئات ويتحقّق من صلة كلّ منها بالغاية، من دون أن يحلّ محلّ المشرّع في اختيارها.

-15- أمّا وصف العفو بأنّه عينيّ، فلا يطابق تمامًا مضمون القانون، إذ يميّز الفقه الجزائي بين العفو العيني الذي يرد على الجرائم، والعفو الشخصي الذي يرد على فئات من الأشخاص، والعفو المختلط الذي يجمع بينهما ([27])، والقانون المطعون فيه الذي يعتمد معايير فئويّة تتعلّق بالعسكريّين وعناصر المؤسّسات الأمنيّة وبالموظّفين وبمكرّري الجرائم. صحيح أنّ العفو قد يرد على فئة من الأشخاص من دون أن يفقد طابعه غير الشخصي، كما تقرّ لجنة البندقيّة نفسها، غير أنّ ذلك ينفي الوصف العيني الذي اعتمده المجلس ليُعفي نفسه من اختبار الصلة بين هذه الفئات والغاية. والمجلس ذاته يعتبر، في معرض بحثه استثناء جرائم الفساد ([28])، أنّ إبقاء الموظّف الملاحق خارج العفو واستفادة شريكه أو الراشي أو المستفيد من غير الموظّفين يمسّ بالمساواة. يُضاف إلى ذلك أنّ موضوعيّة المعيار وتجريده لا يعنيان ارتباطه العقلاني بالغاية، واختبار المساواة يستلزم الأمرين معًا. وهذا ما فعلته المحكمة الدستوريّة الإسبانيّة حين نظرت في قانون العفو الكتالوني الذي صدر رأي لجنة البندقيّة بشأن مشروعه: فقد أقرّت مبدأ العفو، لكنّها أخضعت الفئات المشمولة والمستبعدة لرقابة مساواة فعليّة، وقضت بعدم دستوريّة الحكم الذي استبعد أفعالًا مماثلة ارتُكبت في مواجهة المسار الانفصالي، لافتقار هذا الاستبعاد إلى «تبرير موضوعي ومعقول» ([29]).

-16- والحاصل أنّ المجلس مارس رقابة مخفّفة على الصلة بين الغاية والنطاق في السبب الخامس، ثم عاد إلى رقابة مشدّدة في السبب السادس حين قرّر أنّه «كلّما اتّسع نطاق العفو اتّسعت معه الحاجة إلى تبرير العلاقة بين الجرائم المشمولة به وبين الغاية العامّة التي يستهدفها التشريع» ([30]). وهذا التفاوت، في غياب معيار يبرّره، يجعل مفهوم المصلحة العامّة الذي صاغه المجلس أقرب إلى إعلان مبدئي لم يُعمَل به إلّا في نطاق جرائم الفساد.

على أنّ هذا التحفّظ في رقابة الأصول والغاية يقابله في القرار ذاته تدخّل واسع في مضمون القانون، لم يتّخذ شكل الإبطال إلّا استثناءً، بل اتّخذ شكل التحفّظات التفسيريّة التي أعادت رسم حدود العفو، حتّى في مسائل لم يُثرها الطاعنون.

القسم الثاني- تحصين القانون بالتحفّظات التفسيريّة:

-17- اعتمد المجلس تقنية التحفّظ التفسيري على نطاق غير مألوف، فوضع تسعة تحفّظات ملزمة مقابل إبطالين جزئيّين. واستخدم هذه التقنية في اتّجاهين: إعادة رسم نطاق العفو بتحديد مدلول عباراته الملتبسة (أوّلًا)، واستبعاد الجرائم الخطيرة من نطاقه استنادًا إلى مبدأ المساواة والالتزامات الدوليّة (ثانيًا).

أوّلًا: إعادة رسم نطاق العفو بتحفّظات تفسيريّة ملزمة:

-18- لا جدال في أنّ التحفّظ التفسيري تقنية مشروعة تتيح إنقاذ النصّ متى احتمل تفسيرًا متوافقًا مع الدستور، وقد أحسن المجلس حين أكّد إلزاميّة تحفّظاته «لجميع السلطات العامّة والمراجع القضائيّة والإداريّة»، وحين أدرجها في منطوق القرار. وهي ما وصفه الفقه ب «الطريق الثالث» بين الإبطال وإعلان المطابقة، ويميّز فيها بين تحفّظات محيِّدة تستبعد تفسيرًا مخالفًا للدستور، وأخرى بنّاءة تضيف إلى النصّ ما ليس فيه، وثالثة توجيهيّة تحدّد للسلطات المختصّة كيفيّة تطبيقه ([31]). غير أنّ هذه التقنية تفترض أن يبقى التفسير ضمن ما يحتمله النصّ، وألّا يتحوّل إلى إضافة إليه أو حذف منه ([32]).

-19- ففي ما يتعلّق بعبارة «والقرارات بما فيها الإداريّة» الواردة في الفقرة الثانية من المادة الأولى، بنى المجلس تحفّظه على أربعة مرتكزات: أنّ العفو الشامل المنصوص عليه في البند 9 من المادة 53 من الدستور «يرد على الجرائم والعقوبات المترتّبة عليها»، أمّا العقوبات التأديبيّة فتقرّرها الإدارة في إطار علاقة وظيفيّة وتخضع «لمبدأ استقلال الملاحقة التأديبيّة عن الملاحقة الجزائيّة»؛ وأنّ «الفقه البرلماني الكلاسيكي» استقرّ على حصر العفو بالأحكام الجزائيّة؛ وأنّ إسقاط القرارات التأديبيّة جماعيًّا بقوّة القانون يؤدّي إلى حلول المشترع محلّ الإدارة؛ وأنّ المجلس الدستوري الفرنسي قيّد مدّ العفو إلى الآثار غير الجزائيّة باحترام حقوق الغير ([33]). غير أنّ هذه المرتكزات لا تتساوى في المتانة. فالمادة 53 من الدستور تقتصر على القول إنّ «العفو الشامل فلا يُمنح إلّا بقانون»، ولا تحدّد مضمونه؛ أمّا حصر آثاره في الميدان الجزائي فمصدره قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائيّة ([34])، وهما نصّان عاديّان يملك المشرّع أن يخالفهما بقانون لاحق. فلا يكفي هذا المرتكز، بذاته، لتأسيس قيد دستوري. والمؤلَّف الفرنسي العائد إلى عام 1919، أي إلى ما قبل قيام الرقابة الدستوريّة في فرنسا، يبدأ بالتأكيد على أنّ «لا شيء يقيّد سلطة العفو المعقودة للمجلسين» («Rien ne limite le pouvoir d’amnistie dévolu aux Chambres»)، ثم يذكر مبدأً عرفيًّا لا قيدًا دستوريًّا. والأدلّ أنّ القرار الفرنسي الذي استشهد المجلس بحيثيّتيه 20 و23 يقرّر، في حيثيّته الخامسة عشرة، أنّ المشرّع يستطيع «من دون أن يخالف أيّ مبدأ أو قاعدة ذات قيمة دستوريّة» أن يمدّ العفو «إلى العقوبات التأديبيّة أو المهنيّة» ([35]). فجاء المرجع المقارن مُضعفًا لحجّة الطبيعة الجزائيّة الحصريّة للعفو بدل أن يدعمها، ويُظهر أنّ العقبة الدستوريّة لا تكمن في امتداد العفو إلى التأديب بحدّ ذاته، بل في مساسه بحقوق الغير وبالمراجعات القضائيّة العالقة.

-20- أمّا الحجّة المستمدّة من المادة 65 من الدستور ومن عدم جواز حلول المجلس النيابي محلّ الإدارة ([36]) فهي الأمتن، وكان الأجدر بناء التعليل عليها أساسًا، مقرونةً بحماية حقوق الغير. أمّا حجّة التدخّل في الوظيفة القضائيّة، بسبب إسقاط مراجعات عالقة أمام مجلس شورى الدولة، فلا تكفي بصيغتها العامّة، لأنّ العفو بطبيعته يُسقط دعاوى عالقة؛ وما يُضفي المشروعيّة على ذلك في الميدان الجزائي هو النصّ الدستوري الصريح، ومؤدّى ذلك أنّ امتداد العفو إلى قرارات إداريّة عالقة أمام القضاء الإداري يحتاج إلى سند مماثل، وهو ما كان على المجلس أن يصرّح به بدل الاكتفاء بفكرة التدخّل. ثم إنّ حصر العبارة «بالتدابير التي هي نتيجة مباشرة للملاحقة أو الإدانة الجزائيّة المعفى عنها، دون العقوبات التأديبيّة المستقلّة» يُفرغها من معظم مضمونها، ويستبدل بغموض النصّ معيار «النتيجة المباشرة» الذي يحتاج بدوره إلى تحديد، فيما بقيت عبارة «ومع صون حقوق الغير» من دون بيان. ويُلاحظ أنّ المجلس لم يتناول، في معرض هذا السبب، شقًّا جوهريًّا منه، هو عدم تعريف عبارة «تهم الفساد المالي» ([37])، وإن عاد فعالج جرائم الفساد بتحفّظ مستقلّ ([38]).

-21- وفي ما يتعلّق بوضوح نطاق العفو، أعلن المجلس أنّ «شرط وضوح القانون يتشدّد في المادة الجزائيّة»، مستندًا إلى المادة 8 من الدستور وإلى اجتهاده السابق، وإلى اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي في وجوب تحديد الجرائم بعبارات واضحة ودقيقة، وفي هدف وضوح القانون ومقروئيّته ذي القيمة الدستوريّة، وفي عدم جواز إلقاء المشترع على السلطات الإداريّة أو القضائيّة مهمّة تحديد قواعد أناطها الدستور به وحده [39]. غير أنّه اكتفى، في مقام التطبيق، بأنّ الغموض «لا يبلغ حدّ تبديد المعنى الذي يحول دون فقه النصّ كليًّا» ([40])، وهو أدنى عتبة يمكن تصوّرها، ولا صلة لها بالمعيار «المتشدّد» الذي أعلنه. صحيح أنّ قانون العفو لا يُنشئ جرمًا ولا يشدّد عقابًا، فلا يخضع لمبدأ الشرعيّة الجزائيّة بكامل صرامته؛ لكنّ المجلس هو من اختار المعيار المتشدّد، فكان عليه أن يلتزم مقتضاه أو أن يبيّن سبب العدول عنه. ثم عالج الغموض بتحفّظات يضعها هو ([41])، فتولّى تحديد نطاق العفو في مواضع كان يُفترض أن يتولّاها المشرّع. ويبلغ ذلك ذروته في تحفّظ «التكرار». فالبند الخامس من المادة الثانية ينصّ على أنّه «لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات التكرار بالمخدّرات التي تزيد عن المرّة الثانية، والمرتكبة قبل صدور هذا القانون، سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائيّة». وقد لاحظ المجلس نفسه أنّه «لا وجود لجناية تكرار بالمخدّرات»، وأنّ التكرار بمفهومه القانوني «لا يتحقّق إلّا بصدور حكم سابق مبرم، ولا تكفي الملاحقة دليلًا عليه» ([42])، ثم فرض تفسيره وفق هذا المفهوم. فالمشرّع أراد، بصريح عبارة «سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائيّة»، أن يُحتسب تعدّد الجنايات ولو لم تصدر بها أحكام؛ والتحفّظ يُفرغ هذه العبارة من مضمونها في ما يتعلّق بالجنايات السابقة، فلا يبقى لها أثر إلّا في الجناية الأخيرة. وهذا أقرب إلى إبطال جزئي مقنَّع منه إلى تفسير، ويُدرج التحفُّظ في صف التحفُّظات البنّاءة لا المحيّدة، فكان الأصدق إعلانه.

-22- ويكشف القرار تفاوتًا في تقنية المعالجة. فقد أبطل المجلس العبارات المحدِّدة لنطاق زمنيّ خاصّ بجرائم المخدّرات، بتعليل متين يقوم على المساواة بين مرتكبي الجرائم المتماثلة في الفترة ذاتها، وعلى منع «منح عفو عن أفعال ارتُكبت بعد بدء النقاش العام في القانون أو بعد التصويت عليه» ([43])، بينما لجأ إلى التحفّظ في حالات مماثلة. وهذا يُضعف ما ذهب إليه من أنّ إبطال القانون «سيؤدّي إلى حرمان جميع المستفيدين من العفو، ومنهم الموقوفون منذ سنوات طويلة من دون محاكمة، من منحة قرّرها المشترع لغاية مشروعة»، في حين أنّ التحفّظ «يحقّق الغاية ذاتها... بوسيلة أقلّ مساسًا بإرادة المشترع» ([44]): فالبديل لم يكن محصورًا بين الإبطال الكلّي والتحفّظ، إذ كان الإبطال الجزئي متاحًا، وقد استعمله المجلس فعلًا. كما أنّ عددًا من التحفّظات يرجّح التفسير الأقلّ ملاءمة للمشمولين بالعفو، استنادًا إلى قاعدة التفسير الضيّق للعفو، وهي قاعدة راسخة في الاجتهاد الجزائي، من دون مناقشة قاعدة التفسير الأصلح للمتّهم عند الالتباس. وإذا كان وقف مفعول القانون بتاريخ 10/9/2026 قد حدّ عمليًّا من إشكاليّة من استفاد من التفسير الأوسع قبل صدور القرار، فإنّه لم يُلغها بالنسبة إلى الأيّام الستّة الممتدّة بين نشر القانون ووقف مفعوله، وهي مسألة لم يعالجها القرار.

-23- وفي الأسباب التي أثارها عفوًا، تناول المجلس الفقرة من المادة الثالثة التي تعلّق استفادة المحكوم من التخفيض، «في جرائم القتل العمدي أو القصدي المقترنة أو المصاحبة بالظروف المشدّدة» التي تعدّدها، على إسقاط الحقّ الشخصي متى اتّخذ المتضرّر صفة الادّعاء الشخصي قبل 1/3/2026 ([45]). فأبطل، في محلّه، اشتراط اتّخاذ صفة الادّعاء الشخصي قبل هذا التاريخ، حمايةً للمتضرّرين من جرائم تُلاحق أمام المحاكم العسكريّة، «والذين لا يمكنهم الادّعاء إلّا بعد صدور أحكام مبرمة» ([46]). ويؤكّد ذلك أنّ المصلحة العامّة لا تُختزل في مصلحة المستفيدين من العفو، بل تشمل حقّ الضحايا في الإنصاف. غير أنّه وسّع الشرط ذاته متجاوزًا التعداد الذي اعتمده المشرّع، وجاء توسيعه في المنطوق أوسع منه في التعليل. فالتعليل يمدّ الشرط إلى جرائم القتل المقترنة «بأحد الأسباب المشدّدة الواردة في المواد 547 و548 و549 عقوبات»، والمادة 547 لا تتضمّن أسبابًا مشدّدة، بل تعاقب القتل القصدي البسيط؛ أمّا المنطوق فيقرّر أنّ الاستثناء «يشمل أيضًا كلّ جرائم القتل القصدي أو العمدي الواردة في المواد 547 و548 و549 عقوبات» ([47])، أي القتل القصدي البسيط نفسه. ولمّا كان المنطوق هو الملزِم، فقد امتدّ شرط إسقاط الحقّ الشخصي إلى كلّ قتل قصدي، وهو نطاق لا يجد سنده في تعليل المجلس، ولا في نصّ قصره المشرّع صراحةً على القتل المقترن بظروف مشدّدة. وهذه النتيجة أقرب إلى ما يُعرف في القضاء الدستوري الإيطالي بالأحكام «الإضافيّة»، التي يضيف بها القاضي إلى النصّ حكمًا لم يتضمّنه ([48]). أمّا معالجته لأثر إلغاء عقوبة الإعدام على البند الأوّل من المادة الثالثة، الذي ينصّ على أنّ «عقوبة الإعدام تصبح 28 سنة سجنيّة»، في حين يجعل البند الثاني الأشغال الشاقّة المؤبّدة «17 سنة سجنيّة» ([49])، فقد أحسن فيها استعمال قاعدة أنّ المشرّع لا يُفترض أنّه يشرّع عبثًا، وحافظ على التدرّج الذي أراده بين البندين، فقرّر أنّ من استُبدلت عقوبة الإعدام بحقّهم بالأشغال الشاقّة المؤبّدة بموجب القانون رقم 68/2026 «تصبح عقوبتهم 28 سنة سجنيّة، ولا يسري عليهم البند 2»، ومنع أيّ قراءة توحي بإحياء العقوبة الملغاة. غير أنّ التعارض بين قانونين عاديّين يندرج أصلًا في قواعد تطبيق القوانين في الزمان، وهي من اختصاص القاضي العادي، وربطه بمبدأ المساواة لإدخاله في نطاق الرقابة الدستوريّة يحتاج إلى تأصيل أوفى.

-24- ويُلاحظ أخيرًا عدم اتّساق في الصياغة بين التعليل والمنطوق في أكثر من موضع. فالتعليل يشير إلى «الفقرتين الأولى والثالثة من البند الخامس»، بينما يرد الإبطال على الفقرتين الثانية والثالثة ([50])؛ والتعليل يتناول «الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة»، بينما يحيل المنطوق، في التحفّظ ذاته، إلى «الفقرة ما قبل الأخيرة» ([51])؛ وينتهي التعليل إلى «ردّ السببين المدمجين» رغم الإبطال الجزئي المتّصل بهما؛ ويقرّر التعليل «إبطال» عبارة «قبل 1/3/2026»، بينما يرد في المنطوق، تحت عنوان «إبطال القانون جزئيًّا»، «شطب» هذه العبارة، وهي لفظة غير مألوفة في منطوق قرارات القضاء الدستوري.

ولم يقتصر المجلس على إعادة تحديد مدلول العبارات الملتبسة، بل مضى إلى استبعاد فئات كاملة من الجرائم من نطاق العفو، مستندًا إلى مبدأ المساواة وإلى مرجعيّة دوليّة واسعة، فطرح بذلك مسألة حدود الكتلة الدستوريّة ذاتها.

ثانيًا- استبعاد الجرائم الخطيرة استنادًا إلى المساواة والالتزامات الدوليّة:

-25- في ما يتعلّق بجرائم الفساد، قرّر المجلس أنّ قراءة البندين التاسع والعاشر من المادة الثانية قراءة حصريّة تترك جرائم مماثلة في الخطورة، كالرشوة وصرف النفوذ، مشمولة بالعفو، فتُخلّ بالعدالة الاجتماعيّة والمساواة وسيادة القانون وحماية المال العام. واستخلص من مجمل أحكام القانون إرادة واضحة للمشرّع في استبعاد هذه الجرائم، معتبرًا أنّ هذه الأحكام «يجب أن تُقرأ مجتمعة، لا أن يُقتطع منها بند بعينه ليُستنتج منه، بتفسير عكسي، عفو ضمني عن جرائم لم يذكرها المشترع صراحة»، لأنّ العفو، «بوصفه استثناءً على مبدأ المحاسبة وعلى مبدأ الفصل بين السلطات»، يُفسَّر تفسيرًا ضيّقًا ([52]). وحجّة المساواة هنا هي الأمتن في القرار، إذ لا يقوم على معيار موضوعي مرتبط بغاية القانون أن يبقى الموظّف الملاحق خارج العفو ويستفيد منه شريكه أو الراشي أو المستفيد من غير الموظّفين، أو أن يُستثنى المختلس ويُعفى المرتشي ([53]). كما أحسن المجلس حين قرّر أنّ العفو لا يحول دون تحصيل حقوق الدولة ولا دون المصادرة واسترداد الأموال، وفي وصفه العفو الذي يتعارض مع الالتزامات الدوليّة بأنّه العفو «غير المشروط... من دون ردّ للأموال المنهوبة ومن دون أيّ آليّة لاستردادها» ([54]) ما يوحي بأنّ عفوًا مشروطًا بالردّ قد يكون مقبولًا، وهو ما يتّفق مع اتّجاه فقهي يرى أنّ العفو المشروط قد يكون مشروعًا متى استبعد الجرائم الدوليّة الخطيرة ([55]).

-26- غير أنّ هذا الحلّ يثير ملاحظات أربعًا. أولاها أنّه يتعارض مع حلّ السبب الثاني، حين ردّ المجلس الادّعاء بسقوط استثناء صريح لجرائم الفساد من الصيغ السابقة بحجّة أنّ الاستثناءات القائمة «معظمها تُصنَّف ضمن جرائم الفساد»؛ فالقصور الذي نفاه هناك يُقرّ به هنا. ولا يكفي لرفع هذا التعارض القول إنّ السبب الثاني كان إجرائيًّا والسادس موضوعيًّا، لأنّ المجلس هو من خرج في السبب الثاني إلى تقدير مضمون البنود. وثانيتها أنّ المجلس قلب قاعدة التفسير الضيّق على بنية القانون نفسها. فقد قرّر، في معرض بحثه وضوح النطاق، أنّ القانون «اعتمد مبدئيّة العفو، بحيث تكون كلّ جريمة غير مستثناة صراحةً مشمولة حكمًا بالعفو» ([56])؛ ومؤدّى ذلك أنّ شمول الرشوة وصرف النفوذ بالعفو ليس «عفوًا ضمنيًّا» مستنتجًا «بتفسير عكسي»، بل هو أثر القاعدة العامّة التي وصفها المجلس نفسه، وأنّ الاستثناءات هي التي تُفسَّر تفسيرًا ضيّقًا في هذه البنية. فإن كان شمول هذه الجرائم مخالفًا للمساواة، فالطريق إلى معالجته هو الإبطال أو التحفّظ المؤسَّس على المساواة، لا قلب قاعدة التفسير. وثالثتها أنّ «إرادة المشرّع» المستخلصة تبقى موضع تساؤل: فإذا صحّ أنّ الاستثناء الصريح كان واردًا في صيغة سابقة ثم حُذف، فقد تكون الإرادة التشريعيّة على خلاف ما استخلصه المجلس، والأعمال التحضيريّة هي المصدر الطبيعي لاستجلائها. ورابعتها أنّ نصّ التحفّظ جاء أوسع ممّا يمكن استخلاصه من النصّ، إذ مدّ الاستثناء إلى «القطاعين العام والخاصّ»، وأحال في تحديد الجرائم المستثناة إلى «القوانين المرعيّة الإجراء والاتفاقيّات الدوليّة الملتزم بها لبنان» ([57])، فبات نطاق العفو متوقّفًا على مرجع خارجي لم يحدّده التحفّظ بدقّة، بما يُعيد طرح مسألة الوضوح التي سعى المجلس إلى معالجتها. أمّا الحجج المستمدّة من مخالفة فلسفة القانون رقم 189/2020 أو أحكام القانون رقم 214/2021 ([58])، فلا تشكّل بذاتها مخالفة دستوريّة، لأنّ القانون اللاحق يجوز أن يخالف السابق، وكان الأنسب تقديمها قرائن على الإخلال بالتناسب لا أسبابًا مستقلّة.

-27- وفي ما يتعلّق بالمواثيق الدوليّة، استند المجلس إلى الفقرة «ب» من مقدّمة الدستور، مقرّرًا أنّه «قد استقرّ اجتهاد المجلس الدستوري على أنّ لهذه الفقرة، كسائر فقرات المقدّمة، قيمة دستوريّة» ([59])، ليُدخل في مرجعيّته اتفاقيّة الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد واتفاقيّة الأمم المتّحدة لمكافحة الجريمة المنظّمة عبر الوطنيّة ([60])، ثم القانون الدولي الإنساني العرفي واجتهاد المحاكم الدوليّة والإقليميّة وهيئات حقوق الإنسان ([61])، وانتهى إلى استبعاد «كلّ فعل يشكّل جريمة حرب أو جريمة ضدّ الإنسانيّة أو تعذيبًا أو إخفاءً قسريًّا» من نطاق العفو، لا سيّما أنّ استثناء التعذيب والإخفاء القسري في القانون ([62]) لم يتناول صراحةً الأفعال التي قد تشكّل جرائم حرب أو جرائم ضدّ الإنسانيّة، ويقتصر على المسؤوليّة الجزائيّة دون التأديبيّة.

-28- يُحسب للمجلس في هذا الشقّ انسجامه مع اتّجاه دولي راسخ يرفض العفو عن الجرائم الدوليّة الخطيرة. كما أنّ مسألة الشرعيّة الجزائيّة أقلّ حدّة ممّا قد يبدو، لأنّ الأفعال المعنيّة مجرّمة أصلًا في القانون الداخلي، والتكييف الدولي لا يُنشئ جريمة جديدة، بل يحدّد قابليّتها للعفو. غير أنّ هذا الانفتاح يثير إشكاليّات منهجيّة. فالفقرة «ب» تتحدّث عن «مواثيق» الأمم المتّحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقيمة الدستوريّة لهذه الفقرة، التي يستند فيها المجلس إلى اجتهاد مستقرّ، شيء، ومدّها لتشمل كلّ اتفاقيّة صادق عليها لبنان شيء آخر، لم يُسنده القرار إلى أيّ سابقة. وهذا التوسيع يتجاوز ما تحتمله عبارة الفقرة، ويقترب من رقابة الاتفاقيّة التي اختار المشرّع اللبناني، في قانون أصول المحاكمات المدنيّة، أن يعالجها بتقديم المعاهدة في مجال التطبيق من دون إبطال القانون ([63]). وإذا كان هذا النصّ يخاطب المحاكم العاديّة لا المجلس الدستوري، فإنّه يكشف خيارًا تشريعيًّا في معالجة التعارض بين القانون والمعاهدة كان على المجلس أن يأخذه في الحسبان. ونتيجة هذا التوجّه أنّ كلّ اتفاقيّة دوليّة تصبح معيارًا محتملًا لإبطال القوانين، وهو ما يستلزم تأصيلًا يحدّد مداه وضوابطه. ثم إنّ الاتفاقيّات المستند إليها لا تحظر العفو صراحةً، بل تفرض موجبات تتعلّق بتناسب العقوبات وتجميد العائدات الإجراميّة ومصادرتها واستردادها والتعاون الدولي، فهي تعزّز حجّة الإخلال بالتناسب أكثر ممّا تؤسّس لمخالفة مستقلّة. وقد أقرّ المجلس نفسه بأنّ هذه المخالفات «لا تكمن في مبدأ العفو ذاته، بل في نطاقه» ([64]).

-29- إنّ مقاربة المجلس، القائمة على تقييد السيادة التشريعيّة بالموجبات الدوليّة، تستلزم التمييز بين موجب تجريم الفعل وملاحقته، وبين حظر دولي صريح أو لازم للعفو عنه. فالأوّل لا يستتبع حكمًا الثاني، والخلط بينهما قد يفتح باب استخلاص قيود دستوريّة غير منضبطة. والمجلس نفسه أقرّ بأنّ القانون الدولي الإنساني العرفي، «حتّى حين يشجّع على منح أوسع عفو ممكن عند انتهاء الأعمال العدائيّة»، يستثني منه المشتبه بارتكابهم جرائم حرب ([65])، كما تخلص إليه الدراسات المقارنة لقوانين العفو ومجموعة المبادئ الأمميّة لمكافحة الإفلات من العقاب ([66]). ويُلاحظ هنا أنّ المجلس الدستوري الفرنسي رفض رفع المعاهدات إلى مرتبة معيار الرقابة على دستوريّة القوانين، منذ القرار رقم 74-54 DC تاريخ 15/1/1975 ([67])، في حين يتيح للمجلس اللبناني ذلك نصّ الفقرة «ب» الذي يُدخل المواثيق الدوليّة في الكتلة الدستوريّة.

وقد أثار المجلس معظم هذه المسائل عفوًا، انسجامًا مع الطابع الموضوعي للمراجعة الدستوريّة، غير أنّ اقتران هذه السلطة بتحفّظات بنّاءة يزيد من واجبه في ربط كلّ معنى يفرضه بألفاظ النصّ نفسه.

-30- ويبقى لهذا الاجتهاد أثر يتجاوز القانون المطعون فيه. فإذا كان العفو عن الجرائم ضدّ الإنسانيّة وجرائم الحرب يتعارض مع مقدّمة الدستور، فإنّ ذلك يثير ضمنًا مسألة قانون العفو الصادر عام 1991 ([68])، الذي شمل الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهليّة، وقد يندرج بعضها في مفهوم جرائم الحرب أو الجرائم ضدّ الإنسانيّة. صحيح أنّ هذا القانون سابق لانطلاق عمل المجلس ولا يخضع لرقابته، لكنّ الدلالة القانونيّة لهذا الموقف كبيرة، ولم يتطرّق إليها القرار، ولا سيّما إذا قُدّر للمجلس أن ينظر في قانون يعدّل ذلك القانون أو يمسّ به، على غرار ما قبله المجلس الدستوري الفرنسي من رقابة قانون نافذ بمناسبة تعديله ([69]). كما أنّ تحديد ما «يشكّل» جريمة حرب أو جريمة ضدّ الإنسانيّة سيُترك للقاضي الجزائي، في ظلّ غياب تجريم داخلي خاصّ بهاتين الفئتين على النحو الوارد في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة، ممّا يستدعي تدخّلًا تشريعيًّا يضبط هذا المفهوم.

خاتمة:

-31- يبدو القرار، في نتيجته، متوازنًا: فقد حمى المال العام وحقوق الضحايا، واستبعد الجرائم الدوليّة الخطيرة من العفو، وصحّح ثغرات تشريعيّة جدّيّة، وحافظ في الوقت ذاته على مصلحة المستفيدين المشروعين، ولا سيّما الموقوفين منذ سنوات من دون محاكمة. غير أنّ الطريق إلى هذه النتيجة يكشف عن ازدواجيّة في مدى الرقابة: تحفّظ في رقابة الأصول التشريعيّة، إذ لم يرتّب المجلس الجزاء على مخالفة ثابتة للمادة 36 من الدستور، رغم إقراره بأنّ اعتراضًا على آلية التصويت قد أُبدي في الجلسة؛ وتدخّل واسع في رقابة المضمون، إذ أثار أسبابًا من تلقاء نفسه ووضع تحفّظات أعادت رسم نطاق العفو، جاء بعضها في المنطوق أوسع منه في التعليل. وليس المقصود أن تتماثل كثافة الرقابة في الحالتين، فاحترام استقلاليّة المجلس النيابي في إدارة أعماله قد يبرّر رقابة أخفّ على الإجراءات، بل أن يُفصح المجلس عن المعيار الذي يحدّد كثافة رقابته في كلّ منهما، وهو ما غاب عن القرار. فدرجة الرقابة، من الخطأ الساطع إلى الرقابة الكاملة، خيار يحتاج هو نفسه إلى تعليل ([70]).

-32- ولعلّ صدور القرار بالإجماع، وإن كان إجماعَ ثمانية أعضاء حاضرين في غياب نائب الرئيس وأحد الأعضاء لدواعٍ صحيّة ([71])، رغم اتّساع التحفّظات، يدلّ على أنّ التحفّظ التفسيري كان أداة توافق، أتاحت الجمع بين عدم إسقاط قانون منتظر اجتماعيًّا وتحييد أخطر مضامينه. ويبقى السؤال قائمًا حول حدود هذه التقنية: فإذا تحوّل التحفّظ التفسيري إلى أداة لإعادة صياغة القوانين، فإنّ القاضي الدستوري يقع في ما يأخذه على المشترع حين يحلّ محلّ الإدارة، أي الحلول محلّ سلطة أخرى في ممارسة اختصاصها، فيبتعد عن صورة «المشرّع السلبي» التي رسمها كلسن للقاضي الدستوري، ويقترب من صورة «المشرّع المشارك» التي رصدها الفقه المقارن ([72]).

د. فادي نمُّور


PDFالملف المرفقملف PDF · 7.7 م.بتحميل ↓