• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
  • البحرين
‹ العودةدراسات و آراء

قراءة قانونية لقرار المجلس الدستوري رقم 12/2026 في الطعن بقانون العفو رقم 70/2026 ـ محطة حزينة في تاريخ العدالة

قراءة قانونية لقرار المجلس الدستوري رقم 12/2026 في الطعن

بقانون العفو رقم 70/2026 محطة حزينة في تاريخ العدالة

بقلم عبده جميل غصوب *

لا بدء بادىء ذي بدء من تبرير اختصاص المجلس الدستوري ( القسم الاول ) قبل الانتقال الى تحصين القانون بالتحفظات التفسيرية الملزمة ( القسم الثاني ).

القسم الاول: في تبرير اختصاص المجلس الدستوري

أسند المجلس الدستوري اختصاصه الى " مبدأ وضوح التشريع ذي القيمة الدستورية "،هذا المبدأ يفرض على المشترع اعتماد احكام دقيقة بما فيه الكفاية وصياغة لا لبس فيها، لا سيما في المواد الجزائية، فالغموض حسب المجلس الدستوري يفسح المجال امام تطبيق القانون بشكل استنسابي وبطرق ملتوية ، تسيء الى العدالة والمساواة بين المواطنين. وان الغموض الذي يترك هامشا من الاستنسابية يتعارض مع مبدأ فقه القانون ووضوحه ذي القيمة الدستورية.

وتابع المجدلس الدستوري ان الغموض الذي يشوب هذه البنود، وان كان يكشف عن صياغة تشريعية غير سليمة، لا يبلغ حد تبرير المعنى الذي يحول دون فقه النص كلياً، اذ يمكن رفعه بتفسير يستند الى سائر احكام القانون ، والى المفاهيم القانونية المستقرة في قانون العقوبات ، والى الطابع الاستثنائي للعفو الذي يوجب تفسيره تفسيراً ضيقاً، والى الاحكام الدستورية والالتزامات الدولية التي يلتزم بها لبنان ومتى رُفع هذا الغموض على هذا الوجه، انتفى خطر تحول العفو الى قاعدة عامة للافلات من العقاب.

وأضاف المجلس الدستوري ان ابطال القانون المطعون فيه سيؤدي الى حرمان جميع المستفيدين من العفو، ومنهم الموقوفون منذ سنوات طويلة من دون محاكمة، من منحة قررها المجلس لغاية مشروعة، في حين ان التحفظ التفسيري الملزم يحقق الغاية ذاتها، اي ضمان وضوح النص ووحدة تطبيقه والمساواة امامه، بوسيلة اقل مساساً بارادة المشترع.

وأضاف المجلس الدستوري انه يعود له ، متى احتمل النص اكثر من تفسير، ان يستبعد التفسير المخالف للدستور ويعتمد التفسير الذي يجعله متوافقاً معه، فتكون التحفظات التفسيرية التي يقررها ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والادارية، بما يضمن وحدة تطبيق القانون ويحول دون الاجتهادات المتناقضة.

تبعاً لذلك، تمّ رد طلب الابطال واعتبار المواد المطعون فيها غير مخالفة للدستور، شرط التقيد بالتحفظات التفسيرية الملزمة، كما سنأتي على بيانه أدناه.

غير ان المجلس الدستوري " أفرط " في بعض التفسيرات، كما سنبيّنه في معرض تطرقنا للتحفظات التفسيرية الملزمة التي صدرت عنه.

القسم الثاني: تحصين قانون العفو بالتحفظات التفسيرية الملزمة

قضى المجلس الدستوري برد المراجعة بالاساس وتحصين القانون بالتحفظات التفسيرية الملزمة التالية:

أ في المادة الاولى:

حصر عبارة " القرارات بما فيها الادارية " الواردة في الفقرة الثانية من المادة الاولى بالتدابير التي هي نتيجة مباشرة للملاحقة او الادانة الجزائية المعفى عنها، دون العقوبات التأديبية المستقلة، ومع صون حقوق الغير:

علل المجلس الدستوري قراره هنا في ان عبارة " والقرارات بما فيها الادارية " تحتمل تفسيرين:

الاول يجعلها شاملة لكل قرار اداري صادر بحق موظف، بما فيه العقوبات التأديبية المستقلة، مع ما يرتبه ذلك من اعادة الى الوظيفة واسترداد للرواتب ومن مساس بالمراجعات القضائية العالقة.

والثاني يحصرها بالتدابير الادارية التي هي اثر مباشر للملاحقة او الادانة الجزائية المعفو عنها، بحيث تكون هذه التدابير متصلة بالدعوى العامة التي سقطت.

وتابع المجلس الدستوري ان التفسيرالاول يؤدي الى مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ استقلال القضاء ومبدأ وضوح التشريع، اما التفسير الثاني، فينسجم مع طبيعة العفو الشامل بوصفه مؤسسة جزائية ومع النطاق الذي رسمه له البند 9 من المادة 53 من الدستور. وهو على حق في ما ذهب اليه هنا.

ب اعتماد تاريخ 1/3/2026 حداً زمنياً لجميع الجرائم المشمولة بالعفو بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها:

حصرت المادة الاولى نطاق تطبيق القانون الزمني بالجرائم الحاصلة قبل 1 آذار 2026، في حين ان الفقرتين الاولى والثالثة من البند الخامس من المادة الثانية تضمنتا عبارة "المرتكبة قبل صدور هذا القانون " و " في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون" بالنسبة لجرائم المخدرات وزراعتها.

علل المجلس الدستوري قراره بما يلي: اذا كان اعتماد تاريخ سابق للتصويت على القانون حّداً زمنياً للعفو، وهو تاريخ الاول من آذار 2026، يدخل في السلطة التقديرية للمشترع وهو تقدير مبرر بموضوعه، اذ يحول دون ان يتحول العفو الى حافز على ارتكاب الجرائم في الفترة التي تسبق اقراره او تواكب مناقشته، غير ان تفسير هاتين العبارتين الاخيرتين على نحو يمّد العفو الى جرائم لاحقة لتاريخ الاول من آذار 2026 يؤدي الى اخلال بالمساواة بين مرتكبي جرائم متماثلة في الفترة ذاتها، والى منح عفو عن افعال ارتكبت بعد بدء النقاش العام في القانون او بعد التصويت عليه، ما يوجب ابطال عبارة " والمرتكبة قبل صدور هذا القانون" من الفقرة الثانية من البند الخامس من المادة الثانية وعبارة " في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون " من الفقرة الثالثة من البند اياه، بحيث يعتمد تاريخ 1/3/2026 حدّاً زمنياً موحداً لجميع الجرائم المشمولة بالعفو بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها. وهذا توجه صحيح اعتمده المجلس الدستوري.

2 في المادة الثانية:

أ " التكرار " في البند 5 من المادة الثانية وفق مفهومه القانوني في قانون العقوبات:

فسّر القرار " التكرار " هنا وفقا لما يلي:

ان البند 5 من المادة الثانية ينص عن انه " لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية، والمرتكبة قبل صدور هذا القانون ، سواء صدرت ام لم تصدر بها احكام قضائية "؛ في حين انه لا وجود لجناية " تكرار المخدرات "، وان التكرار، بمفهومه القانوني المنصوص عنه في قانون العقوبات، لا يتحقق الا بصدور حكم سابق مبرم، ولا تكفي الملاحقة دليلا عليه.

ولكن تفسير القرار ل " التكرار" هنا أتى ناقصا، اذ ان " التكرار" غير المشمول بالعفو، ليس لمرة واحدة بل لاكثر من مرتين؛ اي ان المكرر هنا الصادر بحقه حكمين مبرمين يستفيد من العفو، ولا يستثنى من الاستفادة منه سواء من صدرت بحقه ثلاثة احكام مبرمة واكثر.

ب اعتبار استثناء " جميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات

الامنية " شاملا جرائم الزراعة المرتكبة من قبلهم :

قرر المجلس الدستوري اعتبار استثناء " جميع جرائم المخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الامنية " ، شاملا جرائم الزراعة المرتكبة من قبلهم.

ونحن لا نوافقه على اعتماد هذا التفسير لان جرائم زراعة المواد المخدرة مشمولة بالعفو بمعزل عن الجهة التي ارتكبتها، فقد جاء النص مطلقا عن عدم استثناء هذه الجريمة من العفو؛ في حين ان جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الامنيةمستثناة من العفو، فلا يجوز تغليب النص الذي يجّرم المرتكب على النص الذي يعفي من الجرم عينه، بل يجب تغليب الطابع العيني للجريمة على الطابع الشخصي، واعتبار جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين والامنيين غير مشمولة بالعفو، ما عدا جرائم زراعة المخدرات غير المستثناة من العفو بصورة موضوعية وليس بصورة شخصية ، والتي يقتضي شمولها بالعفو.

ج تفسير عبارة " الخاضعة للملاحقة " الواردة في البند – 6 – من المادة الثانية بانها تشمل جميع انواع التعدي القابلة للملاحقة وتلك التي هي قيد الملاحقة:

فسّر المجلس الدستوري عبارة " الخاضعة للملاحقة " وفقا لما يلي:

لا يفهم من عبارة " الخاضعة للملاحقة " ، ما اذا كانت تعني " القابلة للملاحقة " ام التي هي" قيد الملاحقة ". والاخذ بالتفسير الثاني وحده يؤدي الى اعفاء جميع التعديات التي لم تبدأ ملاحقتها، مهما كانت اهميتها، وبالتالي الى هدر حقوق الدولة والمتضررين، فاعتبر المجلس ان تفسير عبارة " الخاضعة للملاحقة " الواردة في البند 6 من المادة الثانية، بأنها تشمل جميع انواع التعدي القابلة للملاحقة والتي هي قيد الملاحقة.

ولكننا نرى بأن هذا التفسير لا يتوافق مع ارادة المشترع ومع الطبيعة الاستثنائية للنص، اذ ان عبارة " الخاضعة للملاحقة " ، يقصد منها جرائم التعدي قيد الملاحقة، وليس جرائم التعدي القابلة للملاحقة بالمطلق ؛ اذ ان تفسيرنا يتوافق مع ارادة المشترع الحقيقية ومع الطابع الاستثنائي للنص الذي يفرض تفسيره حصراً.

د اعتبار استثناء " جرائم التزوير " الواردة في البند 8 من المادة الثانية يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عنها في قانون العقوبات:

جاء في قرار المجلس الدستوري ان البند 8 من المادة الثانية ينص عن " جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني الاجنبي ..." ؛ وان ادخال " ال " التعريف على كلمة " التزوير " يثير الالتباس حول ما اذا كان الاستثناء يشمل جميع جرائم التزوير الواردة في المواد 453 حتى 472 ضمناً من قانون العقوبات، ام يقتصر على التزوير الوارد تحت عنوان " في تقليد خاتم الدولة والعلامات الرسمية والعملة والاسناد المالية العامة "، موضوع المواد 437 حتى 451 من قانون العقوبات.

ورأى المجلس الدستوري انه يقتضي ان يُفسّر استثناء " جرائم التزوير " الوارد في البند 8 من المادة الثانية على انه يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عنها في قانون العقوبات.

من جهتنا لا نوافق المجلس الدستوري على تحفظه التفسيري هذا للسببين التاليين:

لان ادخال " ال " التعريف لا يجب ان يؤدي الى تفسير هذه المادة حرفياً للخلوص الى عدم شمول جرائم التزوير بالعفو؛ اذ ان كلمة " التزوير " وردت في سياق آخر مختلف، يحملنا على الجزم بأن المقصود من النص هو " تزوير العملة " وليس التزوير بمفهومه العام، خصوصا وان عنوان البند -2- من الفصل الاول في الباب الخامس من قانون العقوبات جاء كما يلي: " في تزوير العملة والاسناد العامة " ، أضف الى ذلك ان النفسير الحرفي ( او اللغوي ) للنصوص التي تحتمل اكثر من تفسير، هو الطريقة الاسوأ في التفسير، اذ ان النص يجب ان يفسر في سياق الفكرة التي ورد فيها، بدون ان نقف عند معنى النص الحرفي .

ه عدم حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و 10 من المادة الثانية، بل اعتبارها تشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عنها في القوانين المرعية الاجراء والاتفاقيات الدولية الملتزم بها لبنان في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها، أيّاً كانت مكانتهم وصفتهم ودورهم، ولا يحول العفو دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضررة، ولا دون اجراءات المصادرة واسترداد الاموال المتأتية من جرائم الفساد:

جاء في قرار المجلس الدستوري لتبرير هذا التحفظ التفسيري، ان مبدأ التناسب يشكل مرتكزا هاما لتحليل دستورية قوانين العفو الشامل؛ فاذا كانت معالجة اوضاع انسانية ، او اكتظاظ السجون، او تحقيق مصالحة وطنية، او معالجة اختلالات تشريعية او قضائية محددة، اهدافاً مشروعة لقانون العفو، فانه يقتضي الموازنة بين المنفعة العامة التي يحققها العفو وبين الاضرار الدستورية والقانونية التي يمكن ان تترتب عليه. فكلما اتسع نطاق العفو، اتسعت معه الحاجة الى تبرير العلاقة بين الجرائم المشمولة به وبين الغاية العامة التي يستهدفها التشريع.

واضاف المجلس الدستوري، ان المشترع ، وان كان يتمتع بموجب المادة 53 من الدستور بصلاحية منح العفوالشامل وباستثناء ما يراه من الجرائم، الا ان هذه الصلاحية لا يمكن ان تمارس بمعزل عن المبادىء ذات القيمة الدستورية التي تحكم عمل السلطات العامة، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون وحماية الصالح العام ؛ وتفسير الاستثناءات المتعلقة بالفساد تفسيرا حصريا يترك العديد من الجرائم المتشابهة من حيث الخطورة مشمولة بالعفو، فيخل بهذه المبادىء.

وتابع المجلس الدستوري ان هذا الاخلال لا يكمن في مبدأ العفو ولا في نطاقه العام، بل في تفسير معيّن للبندين 9 و 10 ، وهو اخلال يمكن تداركه بتحفظ تفسيري ملزم يحصّن المادتين الاولى والثانية من دون حاجة الى ابطالهما ، اذا ثبت ان هذا التحفظ يجد سنده في نص القانون ذاته وفي الاحكام الدستورية.

واضاف المجلس الدستوري انه يتبيّن من مجمل احكام القانون المطعون فيه ان المشترع أبدى ارادة واضحة في استبعاد جرائم الفساد من نطاق العفو، ويظهر ذلك:

في الفقرة الثانية من المادة الاولى، التي استبعدت صراحة من نطاق العفو سقوط الملاحقات والاحكام والقرارات بحق الموظفين ما يتعلق منها بتهم الفساد المالي.

في البند 7 من المادة الثانية، الذي استثنى من العفو " الجرائم الواقعة على المال العام " بصيغة عامة غير محصورة.

في البند 8 منها، الذي استثنى جرائم النيل من مكانة الدولة المالية والافلاس الاحتيالية والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف وسائر القوانين والانظمة المتعلقة بالمصارف.

في البندين 9 و10 منها، اللذين استثنيا جرائم الاثراء غير المشروع وجرائم تبييض الاموال وتمويل الارهاب والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف " أيّاً كان مرتكبوها ".

ان هذه الاحكام يجب ان تقرأ مجتمعة، لا ان يقتطع منها بنداً بعينه ليستنتج منه، بتفسير عكسي، عفواً ضمنياً عن جرائم لم يذكرها المشترع صراحة، ذلك ان العفو، استثناء على مبدأ المحاسبة وعلى مبدأ الفصل بين السلطات يُفسّر تفسيراً ضيقاً، فلا يستنتج ضمنا ولا يتوسع فيه.

ان تفسير البندين 9 و10 على انهما يحصران جرائم الفساد المستثناة من العفو يؤدي الى نتائج مخالفة للدستور، وان العفو الشامل غير المشروط عن جرائم الفساد ، من دون رد للاموال المنهوبة ومن دون اي آلية لاستردادها ، يتعارض مع هذه الالتزامات، ويفقد لبنان القدرة على التعاون الدولي في ملاحقة جرائم الفساد واسترداد الاموال المتأتية منها والمحولة الى الخارج.

وانتهى المجلس الدستوري الى أنه تبعا لذلك، تكون المادتان الاولى والثانية غير مخالفتين للدستور، ولا سيما الفقرة " ب " من مقدمته التي تحيل الى المواثيق الاممية الملتزم بها لبنان، ومن بينها اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة غير الوطنية ، شرط التقيد بالتحفظ التفسيري الملزم الاتي:

" عدم حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية، بل اعتبارها تشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين المرعية الاجراء والاتفاقيات الدولية الملتزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها، أياً كانت صفتهم، ولا يحول العفو دون تحصيبل حقوق الدولة بوصفها متضررة، ولا دون اجراءات المصادرة واسترداد الاموال المتأتية من جرائم الفساد ".

من جهتنا ، لا نوافق المجلس الدستوري فيما ذهب اليه بهذا الخصوص لجهة تحفظه التفسيري المتمثل بعدم حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية للاسباب التالية:

لان المادة الثانية تنص عن الجرائم المستثناة من العفو العام، وكل استثناء يفسر حصرا ولا يصح التوسع في تفسيره، كما ذهب اليه المجلس الدستوري.

لان المجلس الدستوري أحل ذاته محل المشترع ووضع قانونا جديداً مختلفاً كلياً عن قانون العفو، رافضاً حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية، معتبراً ان جرائم الفساد المستثناة من العفو تشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عنها في القوانين المرعية الاجراء والاتفاقيات الدولية الملتزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص وجميع المتورطين فيها، أيّا كانت صفتهم الخ.

ان ما ذهب اليه المجلس الدستوري في هذا الخصوص يشكل تعديا واضحا على اختصاص السلطة التشريعية ، ونهجاً خطيرا حوّل المجلس الدستوري ذاته فيه الى " مجلس نيابي ثانٍ " موازٍ للمجلس الحالي ! بل ان ما ذهب اليه يشكل " اجتياحاً " مرفوضا لصلاحيات السلطة التشريعية.

و اعتبار كل فعل يشّكل جريمة حرب او جريمة ضد انسانية او تعذيبا او اخفاء قسريا خارجا عن نطاق العفو:

جاء في قرار المجلس الدستوري لتبرير هذا التحفظ التفسيري ان قانون العفو، وان استثنى صراحة في البند 12 من المادة الثانية الجرائم المنصوص عنها في قانون معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللاإنسانية او المهينة رقم 65 / 2017 وفي قانون المفقودين والمخفيين قسراً رقم 105 / 2018، لم يستثنِ صراحة الافعال التي قد تشكل جرائم حرب او جرائم ضد الانسانية، كما ان استثناءه التعذيب والاخفاء القسري يقتصر على المسؤولية الجزائية دون المسؤولية التأديبية التي قد يُفهم انها مشمولة بالفقرة الثانية من المادة الاولى.

واضاف المجلس الدستوري ان عددا من انواع الجرائم الاقتصادية يدخل ضمن نطاق الجرائم الاكثر خطورة على الحقوق الاساسية ، لا سيما ما يساهم في تمويل الجريمة الدولية من تبييض الاموال وعمليات الفساد، وقد سبق بيان الالتزامات الدولية للبنان في هذا الشأن.

وتابع المجلس الدستوري انه لا يجوز لقانون العفو الشامل ان يفقد لبنان القدرة على الالتزام بموجباته الدولية لجهة التعاون القضائي في المسائل الجزائية، كمثل بيع الاطفال واستغلالهم في البغاء، خلافا لما فرضته اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الملحقة بها، ولجهة استعادة الاموال المتأتية من جرائم الفساد والمحوّلة الى الخارج ، عملا بالمادة 43 وبالفصل الخامس من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد.

وختم المجلس الدستوري ان هذه المخالفات لا تكمن في مبدأ العفو ذاته، بل في نطاق تطبيقه على افعال يلتزم لبنان بملاحقتها ، ويتم تداركها بتفسير القانون وفقا للفقرة " ب " من مقدمة الدستور، من دون حاجة الى ابطال المادتين الاولى والثانية، وانه يقتضي اعتبار القانون المطعون فيه غير مخالف للدستور، شرط التقيد بالتحفظ التفسيري الملزم انه " يُعتبر كل فعل يشكل جريمة حرب او جريمة ضد الانسانية او تعذيبا او اخفاء قسريا خارجا عن نطاق العفو ".

مرة أخرى، نرى ان المجلس الدستوري أوجد نصاً تشريعياً ، غير منصوص عنه بقانون العفو، اذ اعتبر جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجرائم التعذيب والاخفاء القسري خارجة عن نطاق العفو، بدون اي اشارة في القانون الى ذلك؛ ما يشكل تعدياً اضافياً على الاختصاص التشريعي للمجلس النيابي.

3 في المادة الثالثة:

أ تحصين البند -1- من المادة الثالثة لجهة عقوبة الاعدام الملغاة:

نص البند -1- من المادة الثالثة من قانون العفو ان " عقوبة الاعدام تصبح 28 سنة سجنية"، ونص البند - 2- ان " الاشغال الشاقة المؤبدة تصبح 17 سنة سجنية ".

ولكن القانون المطعون فيه قد صدر ونشر في 4/9/2026، اي بعد نفاذ القانون رقم 68 / 2026، فلم تعد عقوبة الاعدام، بتاريخ نفاذه، قائمة في التشريع اللبناني ولا في الاحكام غير المنفذة.

قرر المجلس الدستوري ان تطبيق البند -1- من المادة الثالثة تطبيقا حرفياً يجعله نصاً بلا موضوع ويؤدي في المقابل، الى اخضاع من استبدلت عقوبة الاعدام بحقهم الى الاشغال الشاقة المؤبدة بموجب القانون رقم 68 / 2026، للبند -2- من المادة الثالثة، فيستوون مع من حكم اصلا بالاشغال الشاقة المؤبدة عن جرائم اقل خطورة. هذه النتيجة تخل بمبدأ المساواة الذي يستوجب عدم معاملة اوضاع مختلفة معاملة واحدة، وتناقض التدرج الذي اراده المشترع صراحة بين البندين ا و 2 ؛ ما يقتضي معه اعطاء البند -1- اثراً مفيداً ينسجم مع الغاء عقوبة الاعدام ولا يعيد احياءها باي وجه، ويُفسّر على انه يتناول الجرائم التي كان معاقبا عليها بالاعدام قبل نفاذ القانون المذكور، والمحكومين الذين استبدلت عقوبة الاعدام بحقهم بالاشغال الشاقة المؤبدة بموجب المادتين الثالثة والخامسة (أ) منه، فتصبح عقوبتهم 28 سنة سجنية، ولا يسري عليهم البند -2- من المادة الثالثة.

ولكننا نسأل: اين اصبحت العقوبة المخفضة هنا ؟

فعقوبة الاعدام الغيت، ولكن المجلس الدستوري تعامل مع النص وكان عقوبة الاعدام ما زالت قائمة، فاستبدلها ب 28 سنة سجنية، في حين انه كان يقتضي ليس استبدال عقوبة الاعدام (الملغاة) ب 28 سنة سجنية، بل استبدال عقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة ، التي حلت محل عقوبة الاعدام، ب 17 سنة سجنية، والغاء البند الاول من المادة الثالثة ، باعتبار ان عقوبة الاعدام قد الغيت، وليس العكس كما فعل المجلس الدستوري.

ب اعتبار الاستثناء المتعلق بجرائم القتل العمدي او القصدي المقترنة او المصاحبة بالظروف المشددة، الواردة في الفقرة ما قبل الاخيرة يشمل ايضا كل جرائم القتل القصدي او العمدي الواردة في المواد 547 و548 و 549 عقوبات:

جاء في قرار المجلس الدستوري ان قانون العقوبات شدد العقوبة بالنسبة للقتل القصدي في المادة 547 منه، وفي المادة 548 اذا اقترن بأحد الاسباب التي عددتها، وفي المادة 549 اذا اقترن باسباب أخرى جرى تعدادها ومن ضمنها العمد، وان الفقرة الاخيرة من المادة الثالثة تثير الالتباس ويشوبها الغموض في ما اذا كان اسقاط الحق الشخصي مشترطاً كلما توفر ظرف مشدد منصوص عنه في المواد 547 و548 و549 عقوبات، ام محصورا بتوافر احد الاسباب الواردة فيها، علما بان الاخذ بالاحتمال الاخير يؤدي الىالاخلال بمبدأ المساواة بين المتضررين من جرائم القتل المشددة، وتابع المجلس الدستوري انه حرصاً منه على احترام مبدأ المساواة، يقتضي تحصين الفقرة الاخيرة من المادة الثالثة بتحفظ تفسيري ملزم مؤداه ان الحكم الوارد فيها، اي اشتراط اسقاط الحق الشخصي، يسري " في جرائم القتل القصدي او العمدي المقترنة او المصاحبة بأحد الاسباب المشددة الواردة في الفقرة الثانية من المادة الثالثة، او بأحد الاسباب المشددة الواردة في المواد 548 و 549 عقوبات".

من جهتنا، نرى ان المجلس الدستوري توسع في تفسير هذا الاستثناء، حيث لا يجوز التوسع، نظرا لطابعه الاستثنائي ؛ اذ كان يقتضي ان يُفسّر النص تفسيراً ضيقاً متوافقاً مع طابعه الاستثنائي وفقا لما يلي:

لا يستفيد المحكوم من التخفيض الا بعد اسقاط الحق الشخصي، اذا كان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026، في جرائم القتل العمدي او القصدي المقترنة او المصاحبة بالظروف المشددة الاتية:

الاغتصاب او الاعتداء الجنسي.

اذا ارتكبها احد الاصول او الفروع او من له سلطة او ولاية او وصاية على الضحية.

اذا اقترنت بالعذيب او الوحشية او التشويه او الخطف.

اذا ارتكبت في إطار الاغتيال السياسي.

ان اعتماد هذا التفسير وتالياً عدم التوسع بتفسير الظروف المشددة، مرده ان تلك الظروف معددة على سبيل الحصر وليس على سبيل المثال، فيقتضي عدم التوسع واضافة اسباب مشددة أخرى غير مذكورة في النص، ما يشّكل ليس فقط تشويهاً له بل اضافة شروط اليه لم يلحظها المشترع، وهذا مخالف لابسط القواعد المتبعة في تفسير القوانين.

ج شطب عبارة " قبل 1/3/2026 " من الفقرة الاخيرة من المادة الثالثة:

جاء في قرار المجلس الدستوري، ان اشتراط اتخاذ صفة الادعاء الشخصي قبل تاريخ 1/3/2026، فضلا عن كونه غير مبرر، يؤدي ايضا الى الاخلال بمبدأ المساواة بين المتضررين، خاصة المتضررين من جرائم تجري ملاحقتها امام المحاكم العسكرية، والذين لا يمكنهم الادعاء الا بعد صدور احكام مبرمة قد تصدر بعد 1/3/2026، وقبل نفاذ القانون، ما يوجب شطب عبارة " قبل 1/3/2026 "، من الفقرة الاخيرة من المادة الثالثة.

هذا الشطب يتوافق مع الغاية الحقيقية من النص، ولا يتعارض مع طبيعته، ما يقتضي تأييده.

القسم الثالث: بعض ما لم يتعرض له المجلس الدستوري من اشكاليات:

1 مدى شمول الاستثناءات من العفو المساهمين في ارتكاب الجريمة:

شملت المادة الاولى من القانون بالعفو جميع من ساهموا في ارتكاب الجرائم المشمولة به، سواء بصفتهم فاعلين ام شركاء ام متدخلين ام محرضين ام مخبئين ، وفقا للتعريفات الواردة في قانون العقوبات؛ فهل يقتضي من جهة أخرى، ان تشمل الاستثناءات من العفو جميع المساهمين في الجرائم غير المشمولة به ؟

نحن لا نرى ذلك بسبب الطبيعة الاستثنائية لقانون العفو، حيث لا يصح التوسع في تفسيره، خصوصا انه لو شاء المشترع شمول المساهمين بالاستثناءات من العفو، لما تأخر لحظة واحدة عن البوح بذلك على غرار ما فعله عند شمول المساهمين بالعفو، ولكن احجامه عن ذلك، يُفسّر عدم جواز شمول المساهمين بالاستثناءات من العفو.

2 جريمة استعمال المزور:

لم يأتِ المشترع على ذكرها عند كلامه على جرائم التزوير التي استثناها المجلس الدستوري من العفو، فهل ان جريمة استعمال المزور مشمولة بالعفو ؟ لقد نص المشترع عن جريمة استعمال المزور في مادة مستقلة هي المادة 454 عقوبات.

فانطلاقا من الطابع الاستثنائي لقانون العفو، ووجوب تفسيره حصراً، نرى ان جريمة استعمال المزور مشمولة بالعفو لعدم استثنائها صراحة ضمن الجرائم المستثناة من العفو في المادة الثانية من القانون.

في الخلاصة نقول بأن قرار المجلس الدستوري رقم 12 /2026 يشكل " محطة حزينة" بل "صدمة صاعقة وخيبة أمل " لاهل القانون، اذ ان المجلس الدستوري وتحت ستار تحصين القانون بالتحفظات التفسيرية الملزمة، تجاوز صلاحياته، متعدياً على صلاحيات المجلس النيابي، مشكلا مجلساً آخر الى جانبه !

نأمل ان يقلع المجلس الدستوري مستقبلا عن هذا الاجتهاد المسيء الى مبدأ فصل السلطات ذي القيمة الدستورية والاّ سنصبح بحاجة الى من يحمي الدستور من المجلس الدستوري !

في 15/10/2026

عبده جميل غصوب

3