• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
  • البحرين
‹ العودةدراسات و آراء

ملاحــظــــــــات حــــــول قــانــــــون إلـغــــــاء عـقـوبــــــــة الإعــــدام فــي لبـنــان رقــــم 68 تاريـــخ 17 آب 2026

ملاحظات حول قانون إلغاء عقوبة

الإعدام في لبنان رقم 68 تاريخ 17 آب 2026([1])

البروفيسور فادي نمُّور

أستاذ في القانون

محامٍ

  1. يُعدّ قانون إلغاء عقوبة الإعدام ، نقلة نوعيّة في التاريخ التشريعي اللبناني، إذ يُلحق لبنان بركب الدول التي ألغت هذه العقوبة. غير أنّ أهمية هذا الإنجاز التشريعي لا تعفي النص من الخضوع لمقتضيات الدقة في الصياغة، بل لعل خطورة الموضوع وحساسيته تجعلان هذه الدقة أكثر إلحاحًا. فالقانون الجزائي، بحكم اتصاله المباشر بالحرية الفردية وبمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، لا يحتمل في صياغته ما قد يُحتمل في غيره من فروع القانون من غموض أو توسع أو إحالات غير محكمة. وانطلاقًا من ذلك، نهدف إلى تفكيك هذا القانون بما يخدم النقاش الأكاديمي والعملي حول تقنيات الصياغة التشريعية الجزائية في لبنان. ولهذه الغاية، نتوقف أولًا عند الأسباب الموجبة (أوَّلًا)، قبل الانتقال إلى مضمون القانون (ثانيًا).

أوّلًا- الأسباب الموجبة:

  1. نرى أن الثغرات التي تعتري الأسباب الموجبة تتّصل بالشكل (1) كما بالمضمون (2).

(1) الثغرات الشكليّة:

  1. يمكن الوقوف على جملة من الملاحظات نُبيّنها على النحو الآتي:

1.1- اضطراب التسلسل المنطقي:

  1. يبدأ النص بالتأصيل الفلسفي من خلال اعتبار الحياة حقًا أسمى (الفقرة 1)، وبحجة الخطأ القضائي (الفقرتان 2 و 3)، ثم ينتقل إلى فلسفة العقوبة الحديثة (الفقرة 4)، ليعود بعد ذلك إلى المعطى الإحصائي المقارن (الفقرة 5). كما تُقحم الإشارة إلى شارل مالك والإعلان العالمي لحقوق الإنسان بين الحجة الإحصائية وحجة الاتجاه الدولي المعاصر (الفقرة 7). وهكذا، ينتقل النص من الاعتبار الفلسفي إلى الاعتبار القضائي، ثم إلى السياسة العقابية، فإلى المعطيات التجريبية، قبل أن يعود إلى الدور التاريخي للبنان على الصعيد الدولي، ومنه إلى التطور الدولي المعاصر، ثم إلى الواقع اللبناني، ليعود مجددًا إلى فلسفة العدالة. وبطريقة أخرى يمكن ترتيب الحجج المعتمدة على النحو الآتي: سمو الحياة البشرية بوصفه حجة فلسفية؛ والخطأ القضائي بوصفه حجة قانونية؛ وخطأ القاضي في التقدير بوصفه حجة واقعية؛ والدراسات والإحصاءات بوصفها حجة واقعية؛ ودور لبنان في مجال حقوق الإنسان بوصفه حجة أخلاقية؛ والاتجاه العالمي نحو إلغاء عقوبة الإعدام بوصفه حجة دولية؛ والامتناع العملي عن تنفيذ هذه العقوبة بوصفه حجة واقعية؛ وفاعلية الأشغال الشاقة بوصفها حجة قانونية؛ وأخيرًا مفهوم العدالة بوصفه حجة فلسفية. ويظهر ذلك أن الحجج لم ترتب وفق تسلسل منطقي واضح، وكان من الأجدى تجميع الحجج المتجانسة بحسب طبيعتها، بحيث تعرض الحجج الأخلاقية والواقعية والقانونية والفلسفية ضمن مجموعات مترابطة. وإن ما ذهب إليه المشرّع يدلّ على وجود نوع من الحركة الدائرية في الحجاج بدلًا من البناء التصاعدي.

  1. برأينا إنّه كان من الأجدى، من الناحية المنهجية، تقسيم الأسباب الموجبة إلى مراحل مترابطة: أولًا، عرض الوضع القانوني القائم لعقوبة الإعدام في التشريع اللبناني والنصوص التي تقررها؛ ثانيًا، بيان التطور التاريخي لتطبيقها في لبنان، ولا سيما تاريخ آخر تنفيذ وواقع التوقف الفعلي عن التنفيذ؛ ثالثًا، استعراض التطور الدولي والإقليمي في مجال إلغاء العقوبة؛ رابعًا، عرض الأسس الدستورية والحقوقية والسياسية جزئيًا المؤيدة للإلغاء؛ خامسًا، بيان الأسباب العملية التي تبرر اختيار العقوبة البديلة؛ وسادسًا، تقديم شرح تفصيلي للحلول الانتقالية المتعلقة بالدعاوى والأحكام القائمة. وباعتماد هذه البنية، كان القارئ سينتقل بصورة متسلسلة من القانون والوضع القائم إلى المشكلة التطبيقية، ومنها إلى مبررات تغيير هذا الوضع، وصولًا إلى الحل التشريعي المقترح.

  1. وكان بإمكان المشرّع، أيضًا، اعتماد تسلسل هرمي تنازلي، ينطلق من المبادئ الفلسفية والدولية والتاريخية، مرورًا بالواقع القضائي المحلي، وصولًا إلى ضرورة التدخل التشريعي.

  1. وفي هذا الخصوص، لا ضير في مقارنة الأسباب الموجبة اللبنانية بتلك المعتمدة في المشروع الفرنسي الذي أفضى إلى القانون رقم 81-901 تاريخ 9/10/1981، بعنوان:« Loi portant abolition de la peine de mort » ([2]).

فقد جاءت أسبابه مختصرة بصورة لافتة:

« Mesdames, Messieurs,

« Un pays épris de liberté ne peut dans ses lois conserver la peine de mort. C’est un impératif pour la liberté que de n’accorder à quiconque un pouvoir absolu, tel que les conséquences d’une décision soient irrémédiables. C’en est un autre que de refuser l’élimination définitive d’un individu fût-il un criminel.

« Une justice qui se dérobe à cette double exigence avoue son impuissance et réduit son influence civilisatrice. La peine de mort entérine une faillite sociale, son abolition répond à un principe éthique ».

غير أنّ هذا الإيجاز الفرنسي كان مقصودًا، ويعكس إرادة سياسيّة واضحة لدى رئيس الجمهوريّة فرانسوا ميتران، الذي جعل إلغاء عقوبة الإعدام أحد وعوده الانتخابية الأساسيّة. أما في الحالة اللبنانيّة، فيبدو "الإنجاز" أقرب إلى نتيجة تسوية سياسية منه إلى التعبير عن إرادة مبدئية راسخة، ولا سيما في ظل المعارضة السياسية التي رافقت الموضوع.

  1. ومن هنا، تستوقفنا أيضًا المقارنة مع التجربة البريطانيّة، وتحديدًا مع Murder (Abolition of Death Penalty) Act 1965, Chapter 71 ([3]). فعلى النقيض من التجربة اللبنانيّة، جاء إقرار القانون البريطاني في سياق نقاشات برلمانيّة مطوّلة امتدّت لأشهر، كما اعتُمد الإلغاء في البداية بصورة تجريبيّة لمدّة خمس سنوات قبل أن يصبح دائمًا، بما يعكس منهجًا تدريجيًّا يراعي التحوّلات الاجتماعيّة ([4]). وكان من الممكن أن يكون مثل هذا النهج أكثر ملاءمة للواقع اللبناني، حيث لا يزال الرأي العام منقسمًا حول هذه القضيّة.

  1. هذا، وتبرز كذلك أهميّة مقارنة الأسباب الموجبة اللبنانيّة بالمقاربة المعتمدة في البروتوكولين الملحقين بالاتفاقيَّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان تاريخ 4 تشرين الثاني 1950 ([5])، ولا سيّما البروتوكول رقم 6 المتعلّق بإلغاء عقوبة الإعدام ([6])، والبروتوكول رقم 13 المتعلّق بإلغاء عقوبة الإعدام في جميع الظروف ([7])، المعتمد في فيلنيوس بتاريخ 3 أيّار 2002 والنافذ في 1 تمّوز 2003 ([8]).

2.1- التكرار الأسلوبي:

  1. من أبرز الملاحظات الأسلوبيّة تكرار عبارة "ولما كانت" في مطلع معظم فقرات الأسباب الموجبة، على امتداد عشر فقرات متتالية. ويؤدّي توالي هذه العبارة إلى تحويل الأسباب الموجبة إلى سلسلة من المقدّمات المتعاقبة من دون تصنيف داخلي واضح، بما يفقد النص طابعه التحليلي والمفاهيمي ويصعّب على القارئ تتبّع بنيّة الحجاج. والإشكاليّة هنا ليست جماليّة فحسب، بل منهجيّة أيضًا؛ ذلك أنّ عبارة "لما كانت" تفترض منطقيًّا مقدّمة تفضي إلى نتيجة. وعندما تتراكم مقدّمات مختلفة في طبيعتها، منها ما هو أخلاقي أو تاريخي أو إحصائي أو دولي أو جزائي أو قضائي، قبل الوصول إلى عبارة "لذلك"، تصبح العلاقة بين كل مقدّمة والحكمة التشريعيّة المستخلصة منها أقل وضوحًا. وكان الأوفق اعتماد أسباب موجبة مبنيّة على محاور مستقلّة، تفصل بين الاعتبارات الحقوقيّة، والاعتبارات الجزائيّة، والمعطيات التجريبيّة، والتطوّر الدولي، والواقع اللبناني، ثمّ الخيارات التشريعيّة المستحدثة.

(2) العيوب الموضوعية للأسباب الموجبة:

  1. يمكن الوقوف على جملة من العيوب نُبيّنها على النحو الآتي:

1.2- الخلط بين تبرير مبدأ الإلغاء وتبرير الخيارات التشريعيّة:

  1. تستهل الأسباب الموجبة باعتبار الحياة البشرية الحق الأسمى الذي تقوم عليه سائر الحقوق والحريات، ثم تنتقل إلى عدم قابلية الخطأ القضائي للتدارك، وتطور فلسفة العقوبة، وعدم ثبوت الأثر الردعي للإعدام، ودور لبنان في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، والاتجاه العالمي نحو الإلغاء، فضلًا عن الامتناع عمليًا عن تنفيذ أحكام الإعدام في لبنان.

  1. ولا خلاف في أن هذه العناصر يمكن أن تشكل مرتكزات فلسفية وحقوقية وأسسًا مستمدة من السياسة الجزائية لتبرير مبدأ الإلغاء. إلا أن الأسباب الموجبة تعاني هنا من نقص منهجي أساسي: فهي تشرح، بدرجات متفاوتة، لماذا ينبغي إلغاء عقوبة الإعدام، لكنها لا تشرح بالقدر ذاته لماذا اختير النظام القانوني المحدد الذي تضمنه القانون.

  1. فلا نجد تسبيبًا كافيًا للأسئلة الآتية: لماذا استحدثت الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة تحديدًا؟ وما الذي يميزها عن الأشغال الشاقة المؤبدة العادية؟ ولماذا أنشئ نظام خاص بالمحكوم عليهم بالإعدام قبل صدور القانون؟ ولماذا تمت الإحالة إلى قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002؟ وما الأساس الجزائي والعقابي للتشدد الخاص في تنفيذ العقوبة البديلة؟ وكيف تتوافق هذه الأحكام مع الغاية الإصلاحية للعقوبة التي تتبناها الأسباب الموجبة نفسها؟

وهنا يظهر انفصال نسبي بين فلسفة الأسباب الموجبة وهندسة النص التشريعي. فالأسباب الموجبة تنتقد منطق العقوبة القائم على الانتقام، وتؤكّد انتقال فلسفة العقوبة الحديثة نحو حماية المجتمع وتحقيق العدالة والردع والإصلاح، ثم ينتهي القانون إلى استحداث عقوبة تحمل وصف "المشدّدة" من دون تفسير مفصل لمضمون هذا التشديد أو فلسفته أو حدوده.

2.2- قصور المرتكزات الفلسفيّة والدوليّة المعتمدة لتبرير إلغاء عقوبة الإعدام:

  1. ومن بين الأسباب التي استند إليها المشرّع لتبرير التوجه نحو إلغاء عقوبة الإعدام، ما أشار إليه من تطور فلسفة العقوبة في التشريعات الحديثة على نحو لم يعد، بحسب تعبيره، ينسجم مع ممارسة الدولة فعل القتل باسم القانون، فضلاً عن إسهام لبنان في بناء المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وما تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من تكريس للحق في الحياة، إلى جانب ما وصفه بالاتجاه العالمي المعاصر والمتسارع نحو الحد من عقوبة الإعدام وإلغائها.

غير أن التدقيق في هذه الأسباب يظهر أنها وردت في صيغة عامة وإنشائية، من دون أن تقترن بتعليل قانوني أو فلسفي كافٍ يبيّن الأسس التي بُني عليها هذا الاستنتاج ومدى انطباقها على النظام القانوني اللبناني.

  1. ففي ما يتعلق أوّلًا، بما أسماه المشرّع "تطور فلسفة العقوبة"، لم يبيّن المقصود بهذا التطور، ولا المدارس أو النظريات العقابية الحديثة التي استند إليها، كما لم يوضح الانتقال المفترض من فلسفة العقوبة القائمة على الردع والجزاء إلى فلسفة الإصلاح وإعادة التأهيل، ومدى تعارض عقوبة الإعدام مع الأغراض المعاصرة للعقوبة. كذلك، فإن القول بعدم جواز ممارسة الدولة القتل باسم القانون، ينطوي، في ذاته، على موقف فلسفي وأخلاقي من عقوبة الإعدام، لكنه لا يكفي، بمفرده، لتكوين تعليل قانوني متكامل لإلغائها، ما لم يرتبط بالمبادئ الدستورية والقانونية ذات الصلة، ولا سيما مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، وحماية الكرامة الإنسانية، والحق في الحياة، ومقتضيات السياسة الجنائية الحديثة.

  1. أما الاستناد إلى إسهام لبنان في بناء المنظومة الدولية لحقوق الإنسان وإلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فهو يحتاج بدوره إلى مزيد من الدقة. صحيح أن المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقرر بأن لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه، إلا أن الإعلان لم ينص صراحة على حظر عقوبة الإعدام أو إلغائها. ومن ثمّ، لا يصح استخلاص التزام دولي مباشر بإلغاء هذه العقوبة من مجرد تكريس الحق في الحياة في الإعلان، من دون بيان التطور اللاحق الذي طرأ على تفسير هذا الحق ضمن منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان.

  1. ويؤكد ذلك أن المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ([9])، وإن كرست الحق الأصيل لكل إنسان في الحياة وحظرت الحرمان التعسفي منها، فإنها لم تحظر عقوبة الإعدام حظرًا مطلقًا، بل أجازت، بالنسبة إلى الدول التي لم تلغها، الحكم بها ضمن شروط وضمانات محددة. وفي المقابل، يشكّل البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، الذي اعتمد بتاريخ 15 كانون الأوّل 1989 ودخل حيز النفاذ في 11 تمّوز 1991 ([10]).

إلا أن أهمية الاستناد إلى هذا البروتوكول في الحالة اللبنانية تبقى محدودة من الناحية الإلزامية، ذلك أن لبنان لم يصبح طرفاً فيه. وبالتالي، لا يمكن تقديم إلغاء عقوبة الإعدام، في الوضع القانوني الراهن، على أنه تنفيذ لالتزام دولي ناشئ عن هذا البروتوكول يقع على عاتق الدولة اللبنانية. وكان الأجدر بالمشرّع، إذا أراد الاستناد إلى تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان، أن يميّز بوضوح بين الالتزامات الدولية الملزمة للبنان من جهة، وبين الاتجاهات والمعايير الدولية المتنامية نحو الإلغاء من جهة أخرى.

  1. ولا يبدو، من ناحية أخرى، أن وصف الاتجاه نحو إلغاء عقوبة الإعدام بأنه اتجاه «معاصر» يكفي، بذاته، لتبرير الخيار التشريعي. فالحركة الإلغائية ليست حديثة النشأة؛ إذ تعود تجارب تشريعية بارزة في هذا المجال إلى عقود مضت. فقد ألغت فرنسا عقوبة الإعدام سنة 1981، في حين ألغت المملكة المتحدة عقوبة الإعدام نهائياً في جرائم القتل منذ 1969، قبل أن يستكمل الإلغاء بالنسبة إلى الجرائم المتبقية لاحقاً، كما أن اعتماد البروتوكول الاختياري الثاني سنة 1989 يؤكد أن التوجه الدولي نحو الإلغاء سبق النقاش التشريعي اللبناني الراهن بزمن طويل.

  1. ولا ينفي ذلك بطبيعة الحال أن الاتجاه الدولي نحو إلغاء عقوبة الإعدام قد اتسع بصورة ملحوظة خلال العقود الأخيرة، سواء من حيث عدد الدول التي ألغتها قانونًا، أو تلك التي توقفت عن تنفيذها عملياً، أو من خلال القرارات والمواقف المتكررة الصادرة في إطار منظومة الأمم المتحدة. إلا أن مجرد الإشارة إلى وجود هذا الاتجاه لا تغني عن بيان مدى ارتباطه بالواقع الدستوري والاجتماعي والجزائي اللبناني، ولا عن تحديد الأسباب التي تجعل منه عنصراً حاسماً في إعادة صياغة السياسة العقابية الوطنية.

  1. ويضاف إلى ذلك أن البحث في إلغاء عقوبة بهذه الخطورة لا ينبغي أن يقوم على الاعتبارات الدولية والفلسفية المجردة وحدها، بل يقتضي دراسة مسائل جوهرية أخرى، من بينها مدى تحقيق العقوبة لأغراض الردع العام والخاص، ومخاطر الخطأ القضائي واستحالة تداركه بعد التنفيذ، ومدى تناسب العقوبة مع طبيعة الجرائم التي تُفرض من أجلها، والبدائل العقابية الممكنة، ومدى قدرتها على حماية المجتمع وتحقيق العدالة، فضلاً عن التوفيق بين حقوق المحكوم عليه وحقوق الضحايا وذويهم ومتطلبات الأمن والنظام العام.

  1. وبناءً عليه، فإن المآخذ لا تنصب بالضرورة على مبدأ إلغاء عقوبة الإعدام في ذاته، ولا على وجود اتجاه دولي متنامٍ نحو الإلغاء، بقدر ما تنصب على قصور التعليل الذي ساقه المشرّع لتبرير هذا الخيار. فالأسباب الواردة في استهلال الأسباب الموجبة اكتفت بإيراد عبارات عامة دون أن تستند إلى تحليل دستوري وجزائي ودولي واضح، وبيان دقيق للالتزامات الدولية التي يرتبط بها لبنان، وتمييزها عن التوجهات الدولية غير الملزمة له.

  1. ومن ثم، فإن تقديم تطور فلسفة العقوبة، وإسهام لبنان في منظومة حقوق الإنسان، والحق في الحياة والاتجاه الدولي نحو الإلغاء، في صورة عبارات عامة غير مقرونة بهذا التحليل، يجعلها أقرب إلى تبريرات ذات طابع سياسي وإنشائي منها إلى أسباب قانونية مفصلة تصلح بمفردها أساساً لتغيير بهذا الحجم. وكان الأجدر بالمشرّع، إزاء مسألة تتصل مباشرة بحق الدولة في العقاب وحدود هذا الحق وبحماية الحق في الحياة في آن معاً، أن يقدم تعليلاً أكثر عمقاً ودقة، يبيّن من خلاله الأساس الدستوري والقانوني والفلسفي للإلغاء، ويوازن بصورة صريحة بين الاعتبارات المتعارضة، بدل الاكتفاء بإيراد مبادئ واتجاهات عامة دون بيان أثرها القانوني المباشر في التشريع اللبناني.

  1. وهناك أيضًا نقطة دقيقة في العبارة "اكتشاف حالات براءة بعد صدور أحكام نهائية بالإعدام": صدور حكم نهائي بالإعدام ثم اكتشاف البراءة لاحقاً يختلف تماماً عن اكتشاف البراءة بعد تنفيذ الإعدام. في الحالة الأولى، إذا لم يكن الحكم قد نُفذ بعد، فما زال من الممكن إنقاذ المحكوم عليه. لذلك، إذا كان المشرّع يريد إثبات عدم قابلية الخطأ للإصلاح، فالأدق أن يميز بين الحكم النهائي وبين تنفيذ الحكم. ومن زاوية فلسفة العقوبة، برأينا أن هذه المسألة تكشف مفارقة مهمة جدًا: كلما كانت العقوبة أشد وأقرب إلى أن تكون نهائية، وجب أن تكون إمكانية مراجعتها أكبر؛ لكن الإعدام هو العقوبة الوحيدة التي يؤدي تنفيذها إلى إغلاق باب المراجعة بصورة مادية ونهائية.

ولا بُدّ أن نُبدي تحفّظًا على صياغة النص عندما توحي بأن الدول اتجهت إلى إلغاء الإعدام بسبب حالات البراءة وحدها. الاتجاه العالمي نحو الإلغاء أوسع من ذلك؛ فهو مرتبط أيضاً بالحق في الحياة، والكرامة الإنسانية، والتناسب، ومدى جدوى الإعدام في الردع، إضافة إلى استحالة إصلاح الخطأ القضائي. وبالفعل، بلغ عدد الدول التي ألغت الإعدام كليًّا 113 دولة بنهاية 2025، وبلغ عدد الدول التي ألغته قانونًا أو ممارسةً 145 دولة ([11]).

3.2- في تدارك الخطأ القضائي:

  1. يؤخذ على الأسباب الموجبة لقانون إلغاء عقوبة الإعدام أنها أفردت لمسألة تدارك الخطأ القضائي حيزاً لافتاً، إذ عالجتها في فقرتين متتاليتين، بما قد يوحي بأن أحد المرتكزات الأساسية لتبرير الإلغاء يكمن في احتمال وقوع القضاء في الخطأ عند إصدار الأحكام القاضية بالإعدام. وهذه المقاربة، بصياغتها الحالية، تبدو غير موفقة، لأنها تنقل تحمّل القضاء، ولو بصورة غير مباشرة، وزر الإبقاء على هذه العقوبة أو مخاطر تطبيقها، في حين أن مسألة الإبقاء على عقوبة الإعدام أو إلغائها هي، في جوهرها، خيار تشريعي وسياسة عقابية تتولى السلطة التشريعية مسؤولية تقريرها، وليست مسؤولية القضاء الذي يطبق النصوص الجزائية النافذة ضمن الضمانات وطرق المراجعة التي رسمها القانون.

  1. ويزداد هذا المأخذ أهمية لأن الأسباب الموجبة لم ترفق حديثها عن خطر الخطأ القضائي بأي واقعة أو حالة محددة من القضاء اللبناني ثبت فيها صدور حكم بالإعدام نتيجة خطأ قضائي تبين لاحقاً على نحو قاطع. فإذا كان المشرّع يرمي إلى اتخاذ استحالة تدارك الخطأ بعد تنفيذ العقوبة حجة رئيسية لتبرير الإلغاء، كان يقتضي من الناحية التشريعية والمنهجية أن يبين الأساس الواقعي لهذه الخشية في التجربة القضائية اللبنانية، أو أن يستند، على الأقل، إلى دراسات أو معطيات مقارنة موثقة تبرر إفراد هذا العامل بتلك الأهمية.

  1. ولا يعني ذلك إنكار إمكان وقوع الخطأ القضائي من حيث المبدأ؛ فاحتماله قائم في مختلف الأنظمة القضائية، وهو تحديداً ما يفسر تعدد درجات المحاكمة وطرق الطعن والضمانات الإجرائية. إلا أن التمييز واجب بين الإقرار النظري بإمكان الخطأ وبين تقديمه، من دون سند واقعي لبناني محدد، كسبب تشريعي يوحي بوجود خلل في أداء القضاء الوطني. فالحجة الأدق في معرض مناقشة عقوبة الإعدام ليست اتهام القضاء صراحة أو ضمناً بقابلية الخطأ، وإنما البحث في مدى جواز الإبقاء على عقوبة نهائية وغير قابلة للإصلاح متى كان احتمال الخطأ ملازماً بطبيعته لأي نظام قضائي بشري، مهما بلغت ضماناته.

  1. فالمشرّع ينتقل تقريبًا على النحو الآتي: القضاء عمل بشري - القضاء قد يخطئ - الإعدام غير قابل للإصلاح - إذن ينبغي إعادة النظر في الإعدام أو إلغاؤه. المشكلة أن هذه السلسلة قد تجعل القارئ يشعر بأن القضاء هو منشأ الخطر الأساسي، مع أن القاضي في نظام العدالة الجنائية ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة.

فالخطأ الذي ينتهي بحكم خاطئ قد يكون مصدره التحقيق الأولي، أو الضابطة العدلية، أو النيابة العامة، أو شهادة الشهود، أو تقرير خبير، أو أدلة علمية اتضح لاحقاً قصورها، أو حتى التشريع نفسه. وقد يكون القاضي قد طبّق القانون وقيّم الأدلة المتاحة أمامه بأقصى درجات العناية، ثم يتبين لاحقاً أن إحدى المقدمات التي بُني عليها الحكم كانت خاطئة. عندئذ يصعب وصف المسألة وكأنها ببساطة "خطأ القضاء".

  1. وهناك نقطة أهم: القضاء لا ينشئ عقوبة الإعدام من تلقاء نفسه. المشرّع هو الذي يقرر وجودها ويحدد الجرائم التي تستوجبها وشروط تطبيقها، والسلطة القضائية تطبق النص ضمن الوقائع والأدلة المعروضة عليها. لذلك، إذا كان الاعتراض هو أن عقوبة غير قابلة للرجوع قد تُطبق ضمن نظام بشري قابل للخطأ، فإن المسؤولية المؤسسية لا ينبغي تحميلها للقاضي وحده، بل للنظام الجزائي بأكمله، وفي مقدمته الخيار التشريعي بالإبقاء على هذه العقوبة.

بل إن صياغة النص نفسها تستحق الانتباه. هو يقول: "مما يجعل الخطأ القضائي فيها خطأً غير قابل للإصلاح". هذه العبارة صحيحة اصطلاحًا إذا استُخدم "الخطأ القضائي" بمعناه الواسع، أي النتيجة القضائية الخاطئة. لكنها قد تكون مضللة إذا فُهمت على أنها تعني خطأ القاضي أو تقصيره. وهذان شيئان مختلفان تمامًا.

  1. ومع ذلك، لا نعتقد أن هذا يهدم حجة المشرّع الأساسية. يمكن إعادة بناء حجته بصورة أقوى وأكثر إنصافاً للقضاء: ليس المطلوب إثبات أن القضاء سيئ أو كثير الأخطاء؛ بل يكفي التسليم بأن أي منظومة عدالة بشرية لا تستطيع ضمان انعدام الخطأ بنسبة 100%، بينما الإعدام يتطلب، من الناحية العملية، نتيجة لا يمكن التراجع عنها. هنا يصبح محل النقد هو طبيعة العقوبة مقارنةً بحدود النظام البشري، وليس كفاءة القضاء. وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأن القول "يجب إلغاء الإعدام لأن القضاء يخطئ" يحمل نبرة اتهامية للقضاء، بينما القول "ينبغي بحث مشروعية عقوبة لا رجعة فيها في منظومة قضائية لا يمكن بطبيعتها البشرية أن تكون معصومة من الخطأ" يطرح إشكالية قانونيّة وفلسفية أكثر دقة.

4.2- ضعف التوثيق في الدراسات والإحصاءات الجنائية المقارنة:

  1. ورد في الأسباب الموجبة أنّ تجارب قضائيَّة عديدة شهدت في مختلف أنحاء العالم اكتشاف حالات براءة بعد صدور أحكام نهائيَّة بالإعدام، وإنَّ الدراسات والإحصاءات الجنائية المقارنة لم تثبت وجود رابط حاسم بين الإبقاء على عقوبة الإعدام وانخفاض معدلات الجريمة. وتثير هذه العبارة ملاحظة مهمة من زاوية الصياغة التشريعية العلمية، إذ يستند النص إلى تجارب قضائيَّة ودراسات وإحصاءات من دون تحديد أي منها، أو الجهة التي أعدّت الدراسات والإحصاءات المذكورة، أو الفترة الزمنية التي تناولتها، أو الدول محل المقارنة.

وكان من الأدق إما الإحالة إلى الحالات القضائيَّة أو إلى مصادر أو تقارير دولية محددة، وإما صياغة الفكرة باعتبارها اتجاهًا مستخلصًا من الدراسات المقارنة، من دون إضفاء صيغة تقريرية قطعية عليها تتجاوز ما جرى توثيقه.

  1. ويزداد الأمر أهمية عندما تشير الأسباب الموجبة إلى أن بعض الدول التي ألغت العقوبة سجلت انخفاضًا في مستويات الجريمة. وهنا يطرح السؤال العلمي: أي جرائم تحديدًا؟ هل المقصود معدلات الجريمة عمومًا، أم جرائم القتل العمد، أم الجرائم التي كانت معاقبًا عليها بالإعدام؟ فالاستدلال بانخفاض الجريمة عمومًا لإثبات عدم فاعلية عقوبة مقررة لفئات محددة من الجرائم ينطوي على تعميم يحتاج إلى مزيد من الضبط.

5.2- عدم كفاية الاستناد إلى شارل مالك والإعلان العالمي لحقوق الإنسان كأساس قانوني:

  1. تشير الأسباب الموجبة إلى دور الدبلوماسي والمفكر اللبناني شارل مالك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإلى تكريس الإعلان الحق في الحياة.

  1. ولا شك في القيمة التاريخية والرمزية لهذا الاستحضار، إلا أن إدراجه كان يحتاج إلى تمييز أوضح بين الحجة التاريخية والحجة القانونية الملزمة. فالإسهام اللبناني في صياغة الإعلان يشكل عنصرًا مهمًا في إبراز تقاليد لبنان الحقوقية، لكنه لا يجيب بحد ذاته عن الأسئلة القانونية الدقيقة المتصلة بإلغاء العقوبة في النظام الجزائي الداخلي. والدليل على ذلك أن الدور الذي اضطلع به شارل مالك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يحل في مرحلة سابقة، دون تكريس المشرع اللبناني لعقوبة الإعدام والإبقاء عليها في منظومته التشريعية إلى حين إلغائها عام ٢٠٢٦! ومن ثم، يقوم التساؤل: كيف يمكن الاستناد إلى هذا الدور التاريخي ذاته لتبرير خيارين تشريعيين متناقضين، فيُستحضر تارة في ظل تشريع يجيز عقوبة الإعدام، ثم يُستند إليه تارة أخرى لتسويغ إلغائها؟

وكان الأولى أن يقترن ذلك بعرض أكثر منهجية للالتزامات الدولية ذات الصلة، مع بيان الوضع القانوني لكل أداة ومدى إلزاميتها للبنان.

6.2- غياب الإحالة إلى الالتزامات الدولية الملزمة للبنان:

  1. يقتصر النص على ذكر مساهمة لبنان في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من دون الإشارة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضم إليه لبنان، ولا سيما المادة السادسة منه المتعلقة بالحق في الحياة، ومن دون بيان موقف واضح من البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد والهادف تحديدًا إلى إلغاء عقوبة الإعدام، والذي لم يُصادق عليه لبنان بعد!!

ويضعف هذا الصمت الإسناد القانوني الدولي للإصلاح، ويجعل الحجة الدولية أقرب إلى الاستناد إلى اعتبارات تاريخية وأخلاقية وفلسفية عامة.

7.2- غياب المقاربة الدستوريّة الداخليّة للحق في الحياة:

  1. يضاف إلى ذلك غياب أي مقاربة للأساس الدستوري الداخلي للحق في الحياة في لبنان، ولا سيما أن متن الدستور اللبناني لا ينص صراحة على هذا الحق خلافًا لبعض الدساتير المقارنة ([12]).

وكان يفترض أن يشكل هذا الموضوع جزءًا محوريًا من الأسباب الموجبة، خصوصًا في ضوء المكانة الدستورية لمقدمة الدستور اللبناني وما تتضمنه من إحالات إلى المواثيق الدولية، وما استقر عليه الاجتهاد بشأن القيمة الدستورية لأحكام المقدمة ([13]).

8.2- التناقض بين مقدمات الأسباب الموجبة ونتائجها التشريعيّة:

  1. تقوم الحجة الإلغائّية، في جانب أساسي منها، على مفهوميّ الكرامة الإنسانية وإمكانية تدارك الخطأ القضائي، في حين يستحدث القانون عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة ويضع لها نظامًا خاصًا في التنفيذ والتخفيف.

ومع ذلك، لا تتوقف الأسباب الموجبة عند السؤال عما إذا كان النظام المستحدث قد يؤدي عمليًا إلى عقوبة مؤبدة غير قابلة للمراجعة الفعلية، Peine perpétuelle incompressible.

وكان يقتضي بيان كيفية التوفيق بين فلسفة القانون القائمة على الكرامة الإنسانية والإصلاح من جهة، وطبيعة العقوبة البديلة المشددة ونظام تنفيذها وإمكان مراجعتها من جهة أخرى.

9.2- الإشكال في الاستشهاد بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

  1. أوردت الأسباب الموجبة أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كرس الحق في الحياة، وأنه لا يجوز المساس به إلا في أضيق الحدود التي يجيزها القانون الدولي.

غير أنّ المادة الثالثة من الإعلان تقرّر أن: "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه"، من دون أن تتضمن بذاتها الاستثناء المشار إليه.

  1. أما التنظيم الأكثر تفصيلًا لمسألة الحرمان من الحياة وعقوبة الإعدام، فيرد في المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فالفقرة الأولى، تقرر أن "الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وأنه يجب أن يحميه القانون وألا يحرم أحد من حياته تعسفًا". أما الفقرة الثانية، فتتناول الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام، فتضع شروطًا وقيودًا على الحكم بها وتنفيذها. بالنسبة إلى الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام، "لا يجوز فرضها إلّا على أشدّ الجرائم خطورة"، وضمن الشروط والضمانات التي تحدّدها الفقرة، أي "وفقًا للقانون النافذ وقت ارتكاب الجريمة وبما لا يتعارض مع أحكام العهد أو اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة، والمعاقب عليها ولا يجوز تنفيذ هذه العقوبة إلَّا بموجب حكم منها صادر عن محكمة مختصّة.

وعليه، يبدو أن الأسباب الموجبة قد نسبت إلى الإعلان العالمي مضمونًا قانونيًا يعود، في حقيقته، إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو ما كان يقتضي تمييزًا أكثر دقة بين النصين.

ثانيًا- في مضمون مواد القانون:

  1. تعاني مواد القانون بدورها من ثغرات عدّة، نُبيّن بعضها (1)، قبل إجراء قراءة مقارنة (2).

(1) ثغرات متن القانون:

  1. يمكن التوقّف عند الثغرات التالية:

1.1- التناقض الاصطلاحي بين الأسباب الموجبة ومتن القانون:

  1. تذكر الأسباب الموجبة أن الاقتراح يرمي إلى إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، في حين يستحدث متن القانون عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة.

والفارق ليس لغويًا محضًا؛ فالأشغال الشاقة المؤبدة عقوبة قائمة أصلًا في سلم العقوبات، بينما أصبحت الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة عقوبة مستقلة تتقدم عليها في الترتيب.

وبالتالي، كان ينبغي للأسباب الموجبة تفسير سبب استحداث هذه الفئة العقابية الجديدة بدل تقديم القانون كما لو أنه يستبدل الإعدام ببساطة بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المعروفة سابقًا.

2.1- عدم دقة آلية إلغاء عقوبة الإعدام:

  1. نصت المادة الأولى على إلغاء عقوبة الإعدام "أينما ورد النص عليها في القوانين اللبنانية". غير أن هذه الصياغة تثير تساؤلًا حول مصير النصوص التي تتضمنها: هل تعتبر عبارة "الإعدام" محذوفة حكمًا؟ أم تستبدل حكمًا بالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة؟ أم تتولى مادة أخرى وحدها عملية الاستبدال؟

وتقدم الصياغة الفرنسية لعام 1981 نموذجًا تقنيًا أكثر وضوحًا. فقد قررت المادة الأولى:

« La peine de mort est abolie ».

ثم نصّت المادة الثالثة على ما يلي:

« Dans tous les textes en vigueur prévoyant que la peine de mort est encourue, la référence à cette peine est remplacée par la référence à la réclusion criminelle à perpétuité ou à la détention criminelle à perpétuité suivant la nature du crime concerné».

كما ألغى القانون صراحة مواد محددة من قانون العقوبات والإجراءات الجزائية والقضاء العسكري:

Article 4

Les articles 12, 13, 14, 15, 16 et 17 du Code pénal et l’article 713 du Code de procédure pénale sont abrogés.

Article 5

Le 1° de l’article 7 du Code pénal est supprimé. Les 2°, 3°, 4° et 5° de cet article deviennent en conséquence les 1°, 2°, 3° et 4°.

Article 6

Les articles 336 et 337 du Code de justice militaire sont abrogés.

بينما اكتفى النص البريطاني على تقرير ما يلي:

« 1 (1) No person shall suffer death for murder, and a person convicted of murder shall, subject to subsection (5) below, be sentenced to imprisonment for life ».

ويحقّق الأسلوب الفرنسي قدرًا أكبر من الأمن القانوني لأنه يجمع بين القاعدة العامة والتنظيم التشريعي التفصيلي.

3.1- استحداث عقوبة غير معرفة موضوعيًا:

  1. استحدث القانون عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، إلا أنه خلا من تحديد واضح لعناصر التشديد أو نظامه القانوني، كما لم يحدّد فترة أمانpériode de sûreté واضحة تبيّن الحد الأدنى الواجب تنفيذه قبل إمكان الاستفادة من بعض أنظمة التخفيض أو الإفراج.

وهنا تقع إحدى أهم إشكاليات القانون: فما المقصود بالتشديد؟ هل يتعلق بطبيعة العمل؟ أم بشروط الاحتجاز؟ أم بإمكان الاستفادة من تخفيف العقوبة؟ أم بمدة دنيا واجبة التنفيذ؟ أم بالإفراج المشروط؟ أم بمجموعة من هذه الآثار؟

إن مبدأ شرعية العقوبات لا يقتصر على وجود نص يقرر العقوبة، بل يستدعي أيضًا قدرًا كافيًا من التحديد وقابلية التوقع بالنسبة إلى مضمون الجزاء وآثاره.

4.1- إشكاليّة تطبيق القانون الجزائي في الزمن:

  1. تنشئ المادة الثالثة من القانون تفاوتًا بين نظامين: فالجرائم المرتكبة بعد نفاذ القانون تخضع للأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، في حين تستبدل عقوبة الإعدام بالنسبة إلى الجرائم السابقة بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة العادية.

ويحترم هذا الحل، من حيث المبدأ، قاعدة تطبيق القانون الجزائي الأصلح للمتهم وعدم رجعية القانون الأشد، لكنه يطرح سؤالًا لم تجب عنه الأسباب الموجبة: لماذا استحدثت درجة عقابية جديدة مشددة للجرائم اللاحقة بدل الاكتفاء بالأشغال الشاقة المؤبدة العادية؟

فالنتيجة هي أن الجريمة ذاتها قد تؤدي إلى الأشغال الشاقة المؤبدة إذا ارتكبت قبل نفاذ القانون، وإلى الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة إذا ارتكبت بعده. ولا يشكل ذلك عيبًا بذاته متى كان قائمًا على مبدأ عدم رجعية القانون الجزائي الأشد، لكنه كان يستوجب تسبيبًا واضحًا.

5.1- إشكاليّة معيار إلغاء بعض النصوص:

  1. لم يكتف القانون بالقاعدة العامة، بل ألغى أيضًا نصوصًا محددة مرتبطة بعقوبة الإعدام. وهذا يثير سؤالًا منهجيًا: إذا كان الإلغاء العام كافيًا لإزالة عقوبة الإعدام من المنظومة اللبنانية، فلماذا احتاج المشرّع إلى إلغاء بعض النصوص تحديدًا من دون تقديم جرد شامل للنصوص الأخرى التي تحتاج إلى تعديل؟

فإما أن تكون القاعدة العامة كافية بذاتها، وإما أن الإلغاء يستلزم تنظيفًا تشريعيًا تفصيليًا. أما الجمع بين قاعدة عامة وإلغاء انتقائي من دون بيان معيار الاختيار، فقد يثير الشك في بقاء نصوص أخرى مرتبطة بالإعدام من دون تعديل.

6.1- الإبهام في تحديد الأحكام القضائية المشمولة بالإلغاء:

  1. تشكل هذه الإشكالية إحدى أكثر المسائل حساسية في القانون. فقد شمل القانون القرارات القضائية السابقة الصادرة بحق المحكوم عليهم بالإعدام الذين لم تنفذ فيهم العقوبة.

غير أن عبارة "جميع القرارات القضائية التي سبق وصدرت" لا تتسم بالدقة الفنية المطلوبة. فالمصطلح الأدق هو "الأحكام القضائية" أو "الأحكام المبرمة" بحسب المقصود، لأن مفهوم القرار القضائي أوسع وقد يشمل قرارات لا تتضمن إدانة أو عقوبة أصلًا.

وكان ينبغي تحديد ما إذا كان المقصود الأحكام المبرمة فقط، وما مصير الأحكام الخاضعة للطعن، وهل يتم الاستبدال بقوة القانون أم يستلزم قرارًا قضائيًا، وما المحكمة المختصة، وكيف يتم تصحيح منطوق الحكم وتعديل القيود والسجلات العدلية والتنفيذية.

  1. وتظهر فائدة المقارنة الفرنسية هنا مع قانون 1981؛ إذ لم يكتف المشرّع الفرنسي بإعلان سريان الإلغاء على الأحكام السابقة، بل نظم آلية التحويل وعلاقتها بطرق المراجعة القضائية:

Article 9

« Les condamnations à la peine de mort prononcées après le 1er novembre 1980 seront converties de plein droit suivant la nature du crime concerné en condamnations à la réclusion criminelle à perpétuité ou en condamnations à la détention criminelle à perpétuité.

Lorsqu’une condamnation a fait l’objet d’un pourvoi en cassation, les dispositions de l’alinéa précédent ne sont applicables qu’en cas de désistement ou de rejet du pourvoi ».

أي أنّ المشرّع لم يكتفِ بإعلان أنَّ الإلغاء "يشمل الأحكام السابقة، بل نظّم الأثر القانوني للتحويل وعلاقته بطريقة المراجعة وكان من المفيد أن يسلك القانون اللبناني نهجًا مماثلًا مع مراعاة موجبات النظام القضائي اللبناني.

7.1- الغموض الناجم عن نظام تنفيذ العقوبة:

  1. تحيل الأحكام المتعلقة بالمحكوم عليهم سابقًا بالإعدام إلى نظام التخفيف المنصوص عليه في قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002، من دون تحديد واضح لأثر هذه الإحالة.

فهل يتعلق التخفيف بمدة العقوبة الفعلية؟ أم بشروط تنفيذها؟ وما مدى إمكان المراجعة اللاحقة للعقوبة أو تخفيضها؟ وهل يسمح النظام بمراجعة فعلية لوضع المحكوم عليه بعد انقضاء مدة معينة؟

وتكتسب هذه المسألة أهمية في ضوء التطور المقارن المتعلق بالعقوبات المؤبدة، ولا سيما حكم الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضيّةVinter and Others v. the United Kingdom لعام 2013 ([14]).

وإذا كانت صفة "المشدّدة" تتمثل عمليًا في التضييق على إمكان تخفيض العقوبة أو مراجعتها، كان ينبغي تحديد ذلك بصورة واضحة، مع التمييز بين ماهية العقوبة، ونظام تنفيذها، وشروط تخفيضها أو الإفراج عن المحكوم عليه.

8.1- مدى شمول الإلغاء للقانون العسكري والقوانين الخاصة:

  1. ورد في المادة الأولى تعبير واسع يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام "أينما ورد النص عليها في القوانين اللبنانية". ومن حيث الظاهر، تشمل هذه العبارة مختلف التشريعات، بما فيها التشريعات العسكرية وقوانين المخدرات ومكافحة الإرهاب وسائر القوانين الخاصة.

غير أنه، بالنظر إلى مقتضيات مبدأ الشرعية، كان من الأفضل إجراء مسح تشريعي شامل لجميع النصوص التي تتضمن عقوبة الإعدام والعمل على إلغائها أو تعديلها صراحة، خصوصًا في التشريعات العسكرية والاستثنائية والخاصة، حيث قد ترتبط العقوبة بقواعد إجرائية أو اختصاصات أو آثار قانونية لا تزول بمجرد إلغاء العقوبة.

  1. وفي المقارنة ([15])، لم يكتفِ القانون الفرنسي بالقاعدة العامة، بل تناول صراحة بعض نصوص القضاء العسكري، ولا سيما في المادة السادسة من القانون رقم 81-908 تاريخ 9/10/1981 ([16]).

كما يقدم البروتوكول رقم 13 الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان نموذجًا مختلفًا، إذ يقرر إلغاء عقوبة الإعدام في جميع الظروف. وقد أوضح تقريره التفسيري أن ذلك يشمل أيضًا الأفعال المرتكبة في زمن الحرب أو عند وجود خطر وشيك بالحرب.

“ Commentary on the provisions of the Protocol

Article 1- Abolition of the death penalty

14. This Article, which must be read in conjunction with Article 2 of the Protocol, affirms the principle of the abolition of the death penalty. This entails the obligation to abolish this penalty in all circumstances, including for acts committed in time of war or of imminent threat of war. The second sentence of this article aims to underline the fact that the right guaranteed is a subjective right of the individual” ([17]).

  1. وتكمن أهمية المقارنة في السؤال الآتي: هل تحقق عبارة «أينما ورد النص عليها في القوانين اللبنانية» النتيجة نفسها بصورة لا تقبل الاستثناء؟

قد يكون الجواب إيجابيًا من حيث عموم النص، إلا أن الصياغة الجزائية الدقيقة كان يمكن أن تزيل الشك بنص أكثر صراحة من قبيل: "تلغى عقوبة الإعدام إلغاءً تامًا وفي جميع الظروف، زمن السلم كما في زمن الحرب، وتلغى أو تعدل حكمًا جميع النصوص التشريعية التي تقضي بها"، مع إجراء التعديلات التفصيلية اللازمة على التشريعات ذات الصلة.

(2) قراءة مقارنة:

  1. في ضوء هذه الملاحظات، تبرز أهميّة إجراء مقارنة للمقاربة التشريعيّة مع أبرز النماذج المرجعيّة في هذا المجال ولا سيّما النموذج الفرنسي، والمعيار الأوروبي، والنموذج البريطاني:

1.2- النموذج الفرنسي:

  1. يتسم النموذج الفرنسي، المتمثل في القانون رقم 81-908 تاريخ 9 تشرين الأوّل 1981، بقدر كبير من الاقتضاب على مستوى تقرير المبدأ، فيما حمل جانب أساسي من الجهد الحجاجي إلى النقاش البرلماني، ولا سيما الخطاب الذي ألقاه وزير العدل روبرت بادنتير أمام الجمعية الوطنية، مستندًا إلى معطيات إحصائية محددة ومقارنات صريحة ([18]).

ويظهر هذا النموذج تفريقًا وظيفيًا بين النص التشريعي والخطاب التبريري: فمتن القانون واضح وحاسم، بينما يتولى النقاش البرلماني تقديم المبررات السياسية والحقوقية والتاريخية والعملية للإلغاء.

  1. ولا ينبغي المبالغة في تقديم النموذج الفرنسي باعتباره نموذجًا مثاليًا مطلقًا، إذ لكل نظام قانوني خصوصياته. إلا أن القانون الفرنسي يتميز تقنيًا بثلاثة عناصر: أوّلًا، قاعدة مبدئية شديدة الإيجاز تتمثل في إلغاء عقوبة الإعدام ([19])؛ ثانيًا، قاعدة تحويل عامة تقضي باستبدال كل إحالة إلى الإعدام بالعقوبة المؤبدة المناسبة لطبيعة الجريمة ([20])؛ وثالثًا، تنظيم مصير النصوص المرتبطة بالعقوبة، بما فيها بعض أحكام القضاء العسكري، فضلًا عن معالجة صريحة لبعض الأحكام السابقة ([21]).

  1. أما القانون اللبناني فقد جمع بين القاعدة العامة للإلغاء، واستحداث عقوبة جديدة، ووضع قواعد انتقالية، وتعديل وإلغاء بعض النصوص، وإنشاء نظام خاص بالمحكوم عليهم السابقين.

وهذه البنية الأكثر تعقيدًا كانت تستلزم أسبابًا موجبة أكثر تفصيلًا وقدرة على تفسير مختلف الخيارات التشريعية، لا أسبابًا يغلب عليها تبرير مبدأ الإلغاء وحده.

2.2- المعيار الأوروبي:

  1. يبرز المعيار الأوروبي المستمد من البروتوكول رقم 6 لعام 1983 والبروتوكول رقم 13 لعام 2002 الملحقين بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، إلى جانب اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في مجال العقوبات المؤبدة، ولا سيما قضيةVinter and Others v. the United Kingdom لعام 2013 ([22]).

  1. تُعدّ هذه القضيّة من أبرز أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بعقوبة السجن المؤبد دون إمكانية فعلية للإفراج. كان المدّعون الثلاثة، دوغلاس فينتر، جيريمي بامبر وبيتر مور، قد حُكم عليهم في المملكة المتحدة بالسجن المؤبد مدى الحياة (Whole Life Orders)، بما يعني عملياً إمكانية بقائهم في السجن حتى الوفاة، مع غياب آلية واضحة وفعّالة لإعادة النظر في العقوبة. وقد طُرح أمام المحكمة السؤال الآتي: هل يشكّل السجن المؤبد غير القابل للتخفيض أو المراجعة معاملة أو عقوبة لا إنسانية أو مهينة، بما يخالف المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان؟ قرّرت الغرفة الكبرى، في 9 تمّوز 2013، بأغلبيّة 16 صوتًا مقابل صوت واحد، وجود انتهاك للمادة الثالثة من الاتفاقية. وأكدت المحكمة أن السجن المؤبد بحد ذاته لا يخالف الاتفاقية الأوروبية، وأنه يمكن إبقاء المحكوم عليه في السجن طوال حياته إذا استمرت أسباب مشروعة تبرّر ذلك، مثل حماية المجتمع وخطورة المحكوم عليه. لكن لكي تكون عقوبة السجن المؤبد متوافقة مع المادة الثالثة، يجب أن تكون قابلة للمراجعة والتخفيض (reducible). أي يجب أن تتوافر للمحكوم عليه:

  • إمكانيّة قانونيّة لإعادة النظر في العقوبة بعد مرور مدّة معيّنة؛
  • أفق أو احتمال فعلي للإفراج عنه إذا ثبت أن استمرار سجنه لم يعد مبررًا؛
  • إمكانيّة أخذ إعادة تأهيل المحكوم عليه وتطوره أثناء تنفيذ العقوبة بعين الاعتبار.

وشدّدت المحكمة على أن مجرد إمكانية الإفراج الاستثنائي لأسباب إنسانية، كإصابة السجين بمرض عضال، لا تكفي وحدها لتلبية متطلبات المادة الثالثة. وفي المقابل، لم تقرر المحكمة أن المحكوم عليه بالسجن المؤبد يجب أن يُفرج عنه بعد مدة معينة، بل قررت أن من حقه أن تكون هناك آلية حقيقية لإعادة النظر في استمرار احتجازه. وعلى هذا، يمكن اختصار مبدأ Vinter على النحو الآتي: السجن المؤبد لا يشكّل بحد ذاته انتهاكاً للمادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ولكن يجب أن تتوافر للمحكوم عليه إمكانية فعلية لإعادة النظر في عقوبته وأفق للإفراج عنه إذا لم تعد الأسباب الجزائية المشروعة تبرّر استمرار احتجازه. وتكمن أهمية الحكم في ربط المحكمة بين كرامة الإنسان، وإعادة التأهيل، وضرورة وجود أمل قانوني بالإفراج حتى بالنسبة إلى الأشخاص المحكوم عليهم بأشد العقوبات.

وتكتسب هذه المقارنة أهمية عند الانتقال من إلغاء الإعدام إلى تحديد طبيعة العقوبة البديلة، إذ أبرز الاجتهاد الأوروبي ضرورة وجود إمكانية فعلية لمراجعة العقوبة المؤبدة وإمكان للإفراج، بحيث لا تتحول عمليًا إلى جزاء غير قابل للمراجعة بصورة حقيقية.

  1. ولئن كان لبنان خارج المنظومة الأوروبية لحقوق الإنسان، فإن هذا المعيار يشكل مرجعية استرشادية مهمة في تقويم الأنظمة التشريعية التي تستبدل الإعدام بعقوبة مؤبدة. وكان حريًا بالأسباب الموجبة استحضار هذا التطور صراحة، تفاديًا لنقل الإشكالية من عقوبة الإعدام إلى إشكالية موازية تتمثل في العقوبة المؤبدة غير القابلة للتخفيف أو المراجعة الفعلية.

3.2- النموذج البريطاني:

  1. اعتمدMurder (Abolition of Death Penalty) Act 1965 في بريطانيا تقنية تشريعية تدريجية، إذ أُلغي تطبيق عقوبة الإعدام في مرحلة أولى لمدة محددة، على سبيل التجربة الخاضعة للمراقبة والتقويم، قبل أن يصبح الإلغاء دائمًا لاحقًا.

وقد نصت المادة الرابعة على استمرار القانون حتى 31 تموز 1970، على أن تنتهي فعاليته بعد ذلك ما لم يقرر البرلمان، بقرار إيجابي من مجلسيه، خلاف ذلك:

This Act shall continue in force until the thirty-first day of July nineteen hundred and seventy, and shall then expire unless Parliament by affirmative resolutions of both Houses otherwise determines: and upon the expiration of this Act the law existing immediately prior to the passing of this Act shall, so far as it is repealed or amended by this Act, again operate as though this Act had not been passed, and the said repeals and amendments had not been enacted:

Provided that this Act shall continue to have effect in relation to any murder not shown to have been committed after the expiration of this Act, and for this purpose a murder shall be taken to be committed at the time of the act which causes the death.

ويكشف هذا النموذج عن مقاربة تشريعية تدريجية أتاحت إخضاع الإصلاح لفترة زمنية محددة قبل تثبيته بصورة نهائية، بما يسمح بتقويم آثاره العملية والتشريعية والاجتماعية.

  1. ويختلف ذلك عن الصياغة اللبنانية التي اعتمدت الإلغاء بصورة نهائية وفورية من دون أن تقرن هذا التحول بآلية صريحة للمتابعة أو التقويم اللاحق لآثاره التطبيقية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإلغاء التدريجي كان الحل الواجب اتباعه في لبنان، وإنما تكمن أهمية المقارنة البريطانية في إظهار إمكان اقتران الإصلاحات الجزائية الكبرى بآليات تشريعية لمتابعة آثارها وتقويم نتائجها. وكان من الممكن، حتى مع الإلغاء النهائي والفوري، النص على آلية دورية لتقييم تطبيق القانون، ولا سيما من حيث تنفيذ العقوبة البديلة وأوضاع المحكوم عليهم ومدى تحقيق الأهداف العقابية والإصلاحية.

خاتمة:

  1. إن قانون إلغاء عقوبة الإعدام اللبناني لعام 2026 يمثل تقدمًا نوعيًا في مجال حماية حقوق الإنسان، ويضع لبنان في موقع تشريعي متقدم في المنطقة في ما يتعلق بإلغاء هذه العقوبة. غير أن أهمية هذا الخيار لا تحول دون إخضاع القانون للنقد من زاوية الصياغة والتقنية التشريعية ومدى اتساق أحكامه مع الفلسفة التي استند إليها.

فالثغرات التي سبقت الإشارة إليها، سواء في الأسباب الموجبة أم في متن القانون، تستوجب المعالجة بما يضمن وضوح النظام العقابي الجديد ودقته وقابليته للتطبيق، ولا سيما لجهة تحديد مضمون عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، وتنظيم الأحكام الانتقالية، وبيان آليات مراجعة العقوبة وتخفيضها، وضبط علاقتها بمبدأ شرعية العقوبات وبالغاية الإصلاحية التي يتبناها القانون.

وتبقى معالجة أوضاع السجون وظروف تنفيذ العقوبة عنصرًا لا ينفصل عن نجاح هذا الإصلاح. فإلغاء عقوبة الإعدام لا يحقق غايته الحقوقية كاملة إذا كانت العقوبة البديلة تنفذ في ظروف تجعل منها، في ذاتها، عقوبة قاسية أو غير إنسانية.

ومن ثم، فإن استكمال الإصلاح يقتضي ألا يقتصر على استبدال عقوبة بأخرى، بل أن يمتد إلى بناء سياسة عقابية متكاملة توازن بين حماية المجتمع وحقوق الضحايا وكرامة المحكوم عليه، وتضمن أن تظل العقوبة، مهما بلغت جسامة الجريمة، محكومة بمبادئ الشرعية والتناسب والإنسانية والإصلاح.

البروفيسور فادي نمُّور


[1] الجريدة الرسميّة، العدد 36، تاريخ 20/8/2026، ص 3215.

[4] يُراجع الرقم 60 أدناه.

[5] المعتمدة في روما، والنافذة اعتبارًا من 3 أيلول 1953.

[6] المعتمد في ستراسبورغ بتاريخ 28 نيسان 1983 والنافذ في 1 آذار 1985:

Protocol n° 6 concerning the Abolition of the Death Penalty: fedlex.admin.ch/eli/cc/1987/1807_1807_1807/fr

[7] Protocol n° 13 concerning the Abolition of the Death Penalty in all circumstances: echr.coe.int.

[8] يُراجع أدناه الرقم 53 وما يليه.

[11] يُراجع تقرير منظمة العفو الدوليّة عن عقوبة الإعدام لعام 2025، وقد ورد فيه الأرقام التالية: - 113 دولة ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة إلى جميع الجرائم. - 9 دول ألغتها بالنسبة إلى الجرائم العاديّة فقط، مع إبقائها قانونًا لبعض الجرائم الاستثنائيَّة. - 23 دولة تُعدّ ملغية للعقوبة في الممارسة، أي إنّها لا تزال موجودة في القانون ولكن تُنفَّذ عمليًّا وفق معايير المنظمة. - وبذلك يصبح المجموع 145 دولة ألغت عقوبة الإعدام قانونًا أو ممارسةً. - في المقابل صنّفت المنظّمة 54 دولة باعتبارها دولًا مبقية على عقوبة الإعدام.

وأيضًا:

Amnesty International, Press Release, “Lebanon: Abolition of Death Penalty a Landmark Victory Affirming Justice Must Be Rooted in Human Rights”. 11 August 2026, amnestyusa.org; “Lebanon: ‘A Major Milestone’ as Parliament Abolishes the Death Penalty,” 11 August 2026, amnesty.org.uk.

[12] يُراجع، على سبيل المثال: القانون الأساسي لجمهوريّة ألمانيا الاتحادية Grundgesetz، المادة 102؛ المادة 66-1 من القانون الدستوري الفرنسي رقم 239-2007، تاريخ 23/2/2007؛ الدستور البرتغالي لعام 1976، المادة 24؛ الدستور الإيطالي لعام 1947، المادة 27؛ دستور جمهورية جيبوتي، بموجب القانون الدستوري رقم AN/10/6e L/92، تاريخ 21/4/2010، إلخ.

[13] يُراجع، على سبيل المثال: المجلس الدستوري، قرار رقم 6، تاريخ 30/5/2023؛ رقم 7، تاريخ 28/11/2014، وخاصَّةً رقم 197، تاريخ 12/9/1997.

[14] يُراجع أدناه الرقم 57 وما يليه.

[15] نصّت المادة الرابعة من القانون 68/2026 على إلغاء المادة 43 من قانون العقوبات، المواد من 420 ضمنًا حتى 424 ضمنًا من قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة، وهي مواد تناولت النظام القانوني والإجرائي لإنفاذ الحكم بعقوبة الإعدام.

[16] تُراجع المادة السادسة أعلاه.

[17] Explanatory Report - ETS 187 - Human Rights Protocol n° 13; https://rm.coe.int/16800d37ad

[19] Art. 1 - Loi 81-908 du 9 Octobre 1981.

[20] Art. 3 - Loi 81-908 du 9 Octobre 1981.

[21] Art. 4, 5, 6 - Loi 81-908 du 9 Octobre 1981.

PDFالملف المرفقملف PDF · 121 ك.بتحميل ↓