بعد اعلان الرئيس ترامب تبنّي الولايات المتّحدة الاميركيّة استراتيجية التنمية المرتكزة على تطوير مجال البحث والتجارب في مجال الذكاء الاصطناعي وتوقيعه الاّمر التنفيذي رقم 13859 للمبادرة عينها في شباط 2019، اصدر مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية تاريخ 6 اكتوبر 2020 تقرير عنوانه " آراء الجمهور حول الذكاء الاصطناعي وسياسة الملكية الفكريّة" حيث تمّ التطرّق الى نقاط عديدة ابرزها التحدّيات والرهانات التي تطرحها التكنولوجيا الحديثة في مجال الملكية الفكرية والتحديات القانونية المترقَبة في المجال.
يأتي هذا التقرير بعد ان نظّم مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية في يناير 2019 مؤتمر لبحث سياسات الملكية الفكرية في ظلّ السباق في مجال الذكاء الاصطناعي متناولاً مواضيع عدّة منها براءات الاختراع، الاسرار التجاريّة، حقوق التأليف والنشر، العلامات التجاريّة، انفاذ حقوق الملكية، الرؤية العالمية والدوافع الاقتصادية لحماية لذكاء الاصطناعي بأسناد الملكية الفكرية. كما وأنه يضمّ في سياقه طلبيّ تعليقات، الاول متعلّق بالحماية بواسطة براءات الاختراع والثاني يتناول الحماية بكافة اسناد الملكيّة الفكريّة.
فمن المؤكّد انّ سياسة الولايات المتّحدة التنمويّة باتت ترتكز على مجال الذكاء الاصطناعي، الذي يواجه بدوره عقبات قانونية ويطرح اشكاليّات عديدة من حيث حماية الاعمال والابتكارات المنشأة بواسطة آلات الذكاء الاصطناعي بأسناد الملكية الفكرية.
ينقسم التقرير الى جزئين اساسيين: القسم الاوّل يضمّ اجوبة على طلب التعليقات الاول الصادر في 27 أغسطس 2019 والمختصّ بشأن براءات اختراعات الذكاء الاصطناعي، والثاني يضمّ الردور على طلب التعليقات الثاني الصادر في 30 أكتوبر2019 والمتعلّق بحماية ابتكارات الذكاء الاصطناعي بكافة اسناد الملكيّة الفكريّة.
وفي سياق عرض التعليقات، فقد أشارت معظمها إلى أن الذكاء الاصطناعي الحالي لا يخترع ولا يؤلّف دون تدخل بشري. وبالتالي، اقترحت الاغلبيّة أن يظل البشر جزءًا لا يتجزأ من تشغيل الذكاء الاصطناعي، وهذا اعتبار مهم في تقييم ما إذا كان قانون الملكية الفكرية بحاجة إلى تعديل في ضوء الوضع الحالي لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
ابدى معظم المعلّقين اتفاقهم على انّ الاختراعات القائمة على الذكاء الاصطناعي تعتبر مجموعة منبثقة من اختراعات البرمجيّات المنفّذة بالحاسوب، وبالتالي ينطبق الاطار الحالي لفحص هذه الاختراعات على فحص الاختراعات القائمة على الذكاء الاصطناعي.
وعبّرت العديد من التعليقات على وجود بعض المخاوف من اجراء عمليّة البحث عن تقنيّات صناعيّة سابقة في ظلّ تشابه وازدياد الاختراعات القائمة على الذكاء الاصطناعي.
اضافة لذلك، اتّفق المعلّقين على ان الذكاء الاصطناعي قدّ يؤدي الى تعديل في كيفية تفسير معيار "الشخص ذي المهارة العاديّة في الفنّ".
لتحديد اهمّ التعليقات والردود، سنعتمد الاسلوب المنهجي نفسه القائم في التقرير عارضين ابرز النقاط المطروحة:
القسم الاول: اجوبة طلب التعليقات الصادر في 27 أغسطس 2019 بشأن براءات اختراعات الذكاء الاصطناعي
1- في تحديد عناصر اختراع الذكاء الاصطناعي الخاضعة لبراءات الاختراع: لم يكن هناك إجماع واضح على ما يشكل اختراعًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي. من بين التعريفات المقدمة، اندرجت على سبيل المثال وليس الحصر التصانيف التالية:
أ) الاختراعات التي تجسد تقدمًا في مجال الذكاء الاصطناعي
(ب) الاختراعات التي تطبق الذكاء الاصطناعي (في مجال آخر غير الذكاء الاصطناعي
ج) الاختراعات التي قد ينتجها الذكاء الاصطناعي نفسه
2-في الوصف والتمكين الكتابي: في حين أن العديد من المعلّقين لم يعتقدوا أن الاختراعات القائمة على الذكاء الاصطناعي لها أي متطلبات خاصة لوصف مكتوب، ذكر أحد المعلّقين أن "اختراعات الذكاء الاصطناعي قد يكون من الصعب الكشف عنها بالكامل لأنه على الرغم من أن المخترع قد يكون معروفاً المدخلات (inputs) والمخرجات (outputs) ، فإن المنطق بينهما هو غير معروف من بعض النواحي". هذا صحيح ، بمعنى أنه يمكن النظر إلى نموذج التعلّم على أنه "صندوق أسود" يتلقى المدخلات (مثل الكلمات أو الصور) وينتج المخرجات (مثل التصنيف). نتيجًة لذلك، لا يمكن توصيف الاختراع بشكل موجز.
فيما يتعلق بالتمكين، يلاحظ مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية أن "مقدار التوجيه أو التوجيه المطلوب في المواصفات لتمكين الاختراع مرتبط بشكل عكسي بكمية المعرفة في حالة الفن، فضلاً عن إمكانية التنبؤ في المجال." لكن لا يوجد فهم واضح لإمكانية التنبؤ بأنظمة الذكاء الاصطناعي. يحتوي بعضها على كمية متأصلة من العشوائية المتعمدة التي تسمح لهذه الأنظمة بإعطاء نتائج أفضل عند مقارنتها بالأنظمة الأكثر حتمية. قد يكون من الممكن التنبؤ إذا تم إصلاح بيانات التدريب وتقنية التدريب.
تتمثل إحدى الطرق الممكنة لمعالجة كل من هذه المخاوف في السماح لنماذج الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على التعلم الآلي لتلبية متطلبات الوصف والتمكين المكتوبة مع المواصفات المناسبة لكيفية تدريب النماذج. اذ بإمكان الشخص ذي المهارة العاديّة في الفنّ، من خلال المواصفات، جمع ما يكفي من المعرفة لإعادة إنتاج تقنية التدريب بشكل معقول مع البيانات الخاصة بها، فمن المحتمل أن يكون الاختراع موصوفًا وممكنًا بشكل جيد.
3-في مستوى المهارة العادي في الفن: بينما قد يؤثر انتشار الذكاء الاصطناعي في كل مجال على مستوى المهارة العادية في الفن، يبدو أن المعلّقين يتفقون على أن الإطار القانوني الحالي "مناسب لتحديد تأثير الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات". نظرًا لأن مستوى المهارة في الفن يزداد عمومًا بمرور الوقت، فإن استخدام الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي سيكون مجرد طريقة أخرى لرفع مستوى المهارة، وإن كان بمعدل أسرع مما رأيناه في الماضي.
4- في اعتبارات الفنون السابقة: بينما يعتقد معظم المعلّقين أنه لا توجد مخاوف محددة فيما يتعلق بالفنون السابقة والاختراعات القائمة على الذكاء الاصطناعي، أشار البعض إلى أنه يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه لتوليد كميات هائلة من الأعمال الفنية السابقة التي قد تكون صعبة للبحث الشامل. وأشار آخرون إلى أن الفنون السابقة الخاصّة بالذكاء الاصطناعي قد توجد في نهاية المطاف مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي نحو ذكاء أكثر عمومية. إن مفتاح هذه الاعتبارات يكمن في تدريب مناسب للفاحصين.
5- في حماية البيانات: يتجاوز أحد المكونات المهمة للذكاء الاصطناعي الخوارزميات والنماذج، ويتجسّد في مجموعات البيانات التي تستخدمها الخوارزميات لتدريب النماذج. حاليًا ، تتمتع مجموعات البيانات هذه بحماية ضعيفة نسبيًا (معظمها في مجال قانون الأسرار التجارية). يرغب بعض المعلّقين في الحصول على أحكام تسمح للشركات القائمة بالحفاظ على حقوق الملكية على مجموعات البيانات التي جمعوها، مع السماح للقادمين الجدد باستخدام مجموعات البيانات هذه لتدريب نماذجهم الخاصة.
6- في فحص (examination) تقنيّات الذكاء الاصطناعي: كانت هناك اقتراحات بأن ينسّق مكتب الولايات المتحدة الأمريكية للبراءات مع مكاتب البراءات الأخرى في العالم عند النظر في منهجه تجاه الاختراعات القائمة على الذكاء الاصطناعي. وتجدر الإشارة إلى أن مكتب براءات الاختراع الياباني والمكتب الكوري للملكية الفكرية قد أنشأوا وحدات محددة ومخصصة لفحص الذكاء الاصطناعي. علاوةً على ذلك ، فإن مكتب الملكية الفكرية في سنغافورة قد "أنشأ مسارًا سريعًا لفحص تقنيات الذكاء الاصطناعي".
القسم الثاني: الردور على طلب التعليقات الثاني الصادر في30 أكتوبر2019 والمتعلّق بحماية ابتكارات الذكاء الاصطناعي بكافة اسناد الملكيّة الفكريّة
1-في حال القصور في القانون: بالرغم من اتفاق غالبية المعلّقين على أن قوانين الملكية الفكرية الحالية تتم معايرتها بشكل صحيح في حقوق الطبع والنشر والعلامات التجارية والأسرار التجارية وحقول البيانات، اتفق الكثيرون على أن مبادئ القانون التجاري الحالية قد تسدّ بشكل مناسب أي ثغرات يتركها قانون الملكية الفكرية في أعقاب التطورات في الذكاء الاصطناعي (مثل قانون العقود).
2-في الحماية بموجب حقوق الطبع والنشر: ابدى معظم المعلّقين انسجامهم مع القانون الأمريكي الحالي من حيث انه لا يمكن ان يكون العمل الذي تم إنشاؤه بدون تدخل بشري جديراً بالحماية بواسطة حقوق النشر. ومع ذلك ، فإن العمل الذي تم إنشاؤه بواسطة الإنسان بمشاركة آلات سيكون جديراً بالحماية بواسطة حقوق الطبع والنشر إذا استوفى الشروط الأخرى. وبالتالي لا يجوز اعطاء الذكاء الاصطناعي صفة المؤلف. بينما اقترحت أقلية من المعلّقين أن "العمل الإبداعي الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري يجب أن يكون محميًا بحقوق الطبع والنشر وأن قانون حقوق الطبع والنشر يجب أن يسمح باعطاء حقوق المؤلف الى إما للمالك / المتحكم في نظام الذكاء الاصطناعي أو للشخص / المستخدم الذي يستعمله". و تمّ التشديد على وجوب اثبات حدًا أدنى من الإبداع البشري للتأهل لحماية حقوق الطبع والنشر الذي يمكن اثباته على سبيل المثال عند تصميم النماذج والخوارزميات، وتحديد بيانات ومعايير التدريب المفيدة، وتحديد كيفية استخدام التكنولوجيا، وتوجيه أو تجاوز الخيارات التي يتم إجراؤها بواسطة الخوارزميات، واختيار المخرجات المفيدة أو المرغوبة بطريقة ما.
3- في تطوير كيفيّة فحص طلبات العلامات التجاريّة: فيما يتعلق بالعلامات التجارية على وجه التحديد وعلى الرغم من أن هذا الشعور كان مشتركًا أيضًا بشكل عام فيما يتعلق بفحص البراءات، اتفق معظم المعلقين على أن الذكاء الاصطناعي من شأنه تحسين كفاءة فحص طلبات العلامات التجارية. أشار أحد المعلّقين إلى أن "الذكاء الاصطناعي لن يغير في حد ذاته المعيار القانوني لإمكانية التسجيل. ومع ذلك، قد يغير برنامج الذكاء الاصطناعي طريقة تطبيق المعيار القانوني لتحليل مدى توافر علامة معينة".
4-في استخدام المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر "لتدريب" الذكاء الاصطناعي: عبرّت العديد من التعليقات عن أن استخدام المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر "لتدريب" الذكاء الاصطناعي قد ينتهك حق النسخ لمالك حقوق الطبع والنشر وأن هذا الاستخدام قد يكون أو لا يكون استخدامًا عادلًا غير منتهك.
5-في تأثير الذكاء الاصطناعي على قوانين الاسرار التجاريّة: اثار المعلّقون اهمّيّة قوانين الاسرار التجاريّة في ظلّ بروز الذكاء الاصطناعي. وأشار المعلّقون إلى أنه قد يلزم في المستقبل شكل فريد من أشكال الحماية.
وتناول معلّقون آخرون القضايا التي قد تنشأ في المستقبل. على سبيل المثال ان الذكاء الاصطناعي قد يسهّل التحقق من الأسرار التجارية دون انتهاك الإجراءات الأمنية. على وجه التحديد، لاحظ أحدهم أن "التأثير العملي لاستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قد يكون أن المعلومات (بما في ذلك المعرفة والأفكار) قد تكون أكثر قابلية للاكتشاف بسهولة دون التغلب على تدابير السرية".

