• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء حسب نص المادة 70 في الدستور اللبناني في اطار جريمة تفجير مرفأ بيروت

1 – الفقه الدستوري ليس موحدا حول تحديد الجهة الصالحة لمحاكمة الرؤساء والوزراء، في حال ارتكابهم جرائم تعرض مصالح الدولة العليا وامنها ونظامها للخطر. فهناك من يؤيد فكرة وجود قضاء واحد صالح لمحاكمة الجميع، اذ لا يجوز التمييز بين محاكمة الرؤساء والوزراء وبين محاكمة المواطنين العاديين، لان التمييز يتعارض مع مبدا المساواة. وهناك من يرى ان لا ضرر من وجود قضاء خاص لمحاكمة كبار مسؤولي الدولة، الذين لا يمكن محاكمتهم كغيرهم من المواطنين امام ذات القضاء، خصوصا في الجرائم التي ترتدي طابعا سياسيا، ما يوجب وضع ضوابط للمحاكمة والاتهام بغية عدم افساح المجال امام الثأر السياسي.

2 – لقد نصت المادة 70 من الدستور انه " لمجلس النواب ان يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى او باخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم ولا يجوز ان يصدر قرار الاتهام الا باغلبية الثلثين من مجموع اعضاء المجلس. ويحدد قانون خاص شروط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقية".

ونصت المادة 71 بأنه " يحاكم رئيس مجلس الوزراء والوزير المتهم امام المجلس الاعلى المنصوص عنه في المادة 80".

3 – وتنص المادة 80 انه " يتالف المجلس الاعلى ومهمته محاكمة الرؤساء والوزراء من سبعة نواب ينتخبهم مجلس النواب وثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبة حسب درجات التسلسل القضائي او باعتبار الاقدمية اذا تساوت درجاتهم ويجتمعون تحت رئاسة ارفع هؤلاء القضاة رتبة وتصدر قرارات التجريم من الملجس الاعلى بغالبية عشر اصوات. وتحدد اصول المحاكمات لديه بموجب قانون خاص".

4 – وتنص المادة 60 من الدستور انه " لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته الا عند خرق الدستور او في حال الخيانة العظمى . اما التبعة  فيما يختص بالجرائم العادية فهي خاضعة للقوانين العامة. ولا يمكن اتهامه بسبب هذه الجرائم او لعلّة خرق الدستور والخيانة العظمى الا من قبل مجلس النواب بموجب قرار يصدره بغالبية ثلثي مجموع اعضائه ويحاكم امام المجلس الاعلى المنصوص عليه في المادة 80 ويعهد في وظيفة النيابة العامة لدى المجلس الاعلى الى قاض تعينه المحكمة العليا المؤلفة من جميع غرفها ".

سنستعرض تطور مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء امام القضاء العدلي في الاجتهاد ( اولا ) قبل الانتقال الى ابداء موقفنا من الموضوع ( ثانيا ).

اولا: تطور مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء امام القضاء العدلي في الاجتهاد:

1 – تعددت القرارات القضائية وتضاربت فيما بينها. يتبيّن من خلال قراءة علمية دقيقة لهذه القرارات سواء منها الصادرة عن المحاكم او عن قضاة التحقيق والنيابات العامة، انه توجد عدة اتجاهات في تفسير النصوص الدستورية[1]  . ولم ينه قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز ـ الذي قرر عدم صلاحية القضاء العدلي في محاكمة الوزير فؤاد السنيورة للنظر في الجرائم المنسدة اليه ـ الاختلاف في الاجتهاد، لان الهيئة العامة لم تضع قراراها بصورة قرار مبدئي Arrêt de principe   يتضمن مبادىء عامة توضح نقاط مسؤولية رؤساء الحكومة والوزراء لتصبح اجتهادا ملزما معنويا وعلميا للمحاكم في ما يمكن ان يعرض عليها لاحقا من قضايا، فاستمر القضاء اللبناني على موقفه غير المستقر في مسألة الاختصاص في محاكمة الوزراء عن الجرائم التي يرتكبونها اثناء او بمناسبة قيامهم بمهامهم الوزارية. فور توقيف استمر حوالي سنة للوزير السابق شاهي برصوميان بتهمة تزوير مستندات وتقاضي رشاوى وعمولات عن صفقات نفطية " فيول اويل " غير مستوفية الشروط الفنية، اتخذ القاضي المختص قرارا اعتبر بموجبه ان لا صلاحية للقضاء العدلي في الملاحقة والمحاكمة، واخلي سبيل الوزير برصوميان بكفالة مالية باهظة.

2 – وباحالة القضية امام المجلس النيابي، انعقدت الجمعية العمومية لهذا الاخير في شهر آب من العام 2005، فصدر قرار بعدم اتهام الوزير واقفال ملفه ـ بالرغم من توافر عدة مستندات كافية لادانة الوزير ـ بحجّة عدم جواز تحميله لوحده مسؤولية صفقات " الفيول اويل " نظرا لاستفادة آخرين من العمولات. هذا القرار الصادر عن مجلس نيابي منتخب حديثا احدث صدمة كبيرة، بل خيبة امل للكثيرين الذين كانوا ينتظرون من المجلس النيابي دورا اكثر فعالية في الاصلاح ومجابهة الفساد وبناء دولة القانون.

3 – بالمقابل وفي قضية مماثلة لقضية الوزرير شاهي برصوميان، وضع القضاء يده على قضية الوزير علي العبد الله وزير الزراعة الاسبق. وتم توقيفه واتهامه بذات التهم الموجهة الى الوزير برصوميان. وبعد توقيف دام عدة اشهر، اخلي سبيل الوزير علي العبد الله لقاء كفالة مالية، دون اقفال الملف مع تاكيد القضاء العدلي على اختصاصه.

4 – ان موقف القضاء والمجلس النيابي في هاتين القضيتين يبرز الحاجة الماسة الى تعديل النصوص جذريا بما يؤمن حماية المال العام وابعاد السياسة والمصالح الذاتية عن المصلحة العامة وضمان الشفافية في ممارسة الوزير للمهام المطلوب منه.

لقد استقر القضاء خلال الفترة الممتدة من 1989 الى 1996 على حصر مسؤولية الوزير امام المحاكم العدلية في الجرائم التي يرتكبها بصفته الشخصية ولا تمت بصلة الى عمله كوزير، اي تلك التي يرتكبها بصفة شخصية، فيطبق عندها قانون العقوبات بحقه في اطار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

5 – بتاريخ 3/5/1989 اتخذ قاضي التحقيق الاول في بيروت قرارا بجلب الوزير السابق جوزف الهاشم ، فاحال قاضي التحقيق الاول الملف الى النيابة العامة لابداء مطالعتها بخصوص الاختصاص النوعي للقضاء العدلي، بعد ان تبيّن ان الافعال الجرمية موضوع الاسناد، قد تم ارتكابها اثناء تولي المدعى عليه وزارة البريد والبرق والهاتف. في مطالعتها المؤرخة في 23/10/1989 اعتبرت النيابة العامة ان القضاء العادي غير صالح لملاحقة الوزير الهاشم بشان الافعال المنسوبة اليه لانها ارتكبت اثناء توليه وزارة البريد والبرق والهاتف ولانه لم ينسب اليه انه ارتكب جرائم عادية.

6 – بتاريخ 7/12/1989 اصدر قاضي التحقيق الاول في بيروت جورج غنطوس قرارا خالف فيه مطالعة النيابة العامة وقضى باعلان اختصاص القضاء العدلي في ملاحقة الوزير عن الافعال الجرمية التي يرتكبها اثناء ممارسة مهامه والتي تقع تحت طائلة قانون العقوبات.

7 – بتاريخ 18/12/1989 ، اصدرت الهيئة الاتهامية في بيروت قرارا قضى بفسخ القرار الصادر عن قاضي التحقيق الاول واعتبار القضاء الجزائي غير صالح لملاحقة الوزير السابق جوزف الهاشم، لان الاعمال المنسوبة الى الوزير، على فرض حصولها، قد ارتكبت اثناء او بمناسبة قيامه باعمال وظيفته الادارية[2].

8 – بتاريخ 18/1/1990 تقدمت النيابة العامة التمييزية بطلب نقض القرار الصادر عن الهيئة الاتهامية بتاريخ 18/12/1989.

9 ـ بتاريخ 6/5/1998 اصدرت محكمة التمييز الجزائية قرارها الذي اعتبرت فيه ان الصلاحية تعود ، وفقا للاحكام الدستورية ، حصرا للمجلس النيابي وصدقت قرار الهيئة الاتهامية الذي اعتمد ذات الاسباب المبينّة بقرار محكمة التمييز.

10 – في قضيتي الوزيرين السابقين جميل كبى وعادل قرطاس في العام 1996، اصدر النائب العام المالي احمد تقي الدين قرارين اعتبر بموجبهما ان الافعال المنسوبة اليهما ـ وعلى فرض ثبوتها بحقهما ـ  فقد ارتكبت اثناء قيامهما بوظيفتهما الوزارية او بمناسبة قيامهما بها، وهي من اختصاص المجلس النيابي ، ولا صلاحية للقضاء الجزائي العادي بالملاحقة او العقاب عليها بالرغم من زوال صفة الوزيرين عنهما.

11 ـ بتاريخ 9/3/1999 اصدر قاضي التحقيق سعيد ميرزا قرارا قضى بموجبه برد الدفع بعدم الصلاحية في قضية الوزير السابق شاهي برصوميان واحال الملف الى الهيئة الاتهامية.

12 ـ صادق قرار الهيئة الاتهامية على قرار قاضي التحقيق دون ان يضيف عليه شيئا.

13 ـ اكدت محكمة التمييز في قرارها تاريخ 24/3/1999 صلاحية مجلس النواب وصلاحية القضاء العدلي للنظر في دعوى برصوميان.

14 ـ في قضية الوزير فؤاد السنيورة أكد قاضي التحقيق الاول في جبل لبنان جوزف القزي صلاحية القضاء العدلي في ملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء متمشيا بذلك مع الاجتهاد الذي تبنته محكمة التمييز بمناسبة ملاحقة الوزير برصوميانن الا ان تعليله للقرار لم يأت في حيثياته متلائما مع القرار الذي اصدرته محكمة التمييز الجزائية في قضية الوزير السابق برصوميان في 24/3/1993.

15 ـ تبنى قرار الهيئة الاتهامية قرار قاضي التحقيق الاول في جبل لبنان والاسنادات القانونية التي ارتكز اليها ، مضيفا اليها اسبابا أخرى.

16 ـ بتاريخ 18/4/2000، اصدرت محكمة التمييز القرار رقم 90/2000 ، الذي قضت بموجبه باحالة الدعوى الى الهيئة العامة لمحكمة التمييز سندا للبند 2 من المادة 95 أ.م.م، منعا لاستمرار التناقض بين الاحكام القضائية التي تناولت مثل هذا الموضوع ولكون الدعوى تثير تطبيق مبدا قانوني هام.

اعتبرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز ان القرار المطعون فيه قد خالف القانون وقواعد التفسير الواجب اعتمادها، ما يجعل السبب التمييزي المدلى به مقبولا والقرار موضوع الطعن مستوجدبا النقض والابطال.

17 ـ وفي مرحلة ما بعد النقض، اصدرت الهيئة العامة في 16/11/2000 قرارا مبرما بصفتها هيئة اتهامية قضت فيه بعدم صلاحية القضاء العدلي للنظر بالدعوى المقامة ضد الوزير السنيورة  من قبل النيابة العامة [3]

ثانيا: موقفنا من مسألة مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء حسب المادة 70 من الدستور اللبناني: .

نبدي موقفنا كما يلي:

1 – ان المقاربة بين المادة 60 والمواد 70 و71 و72 من الدستور تفيد ان صلاحية المجلس النيابي في اتهام رئيس الجمهورية والمجلس الاعلى في محاكمته هي شاملة وحصرية.

2 – فيما خص الوزراء ان الصلاحية المعطاة للمجلس النيابي باتهامهم بالخيانة العظمى والاخلال بالواجبات المترتبة عليهم، ثم محاكمتهم عنها امام المجلس الاعلى، ليست الزامية، بل ممكنة. وفي حال استعمالها من قبل المجلس النيابي، باعتباره هيئة استثنائية للاتهام في هذا النطاق، فانها تحجب صلاحية القضاء العادي، الذي هو السلطة صاحبة الولاية الشاملة في كل الجرائم التي لا يوكل امر النظر فيها حصرا الى مرجع آخر. وبالتالي يعود الى القضاء العدلي باعتباره قضاء عاديا الحق والاختصاص والصفة لمباشرة الدعوى العامة ومتابعتها ليس فقط بالنسبة لجرائم الوزراء العادية، بل حتى بالنسبة للجرائم المحددة في المادة 70 من الدستور والمتمثلة في الاخلال بالوجبـــــات المترتبة على الوزراء اثنــــــاء ادائهم مهامهم واعتبـــــارها جــــــــــــــــــرائم خاضعـــــــــة لمبــــــــــــدأ شــــــــــــــرعية الجـــــــرائم والعقــــــــوبات

 Nulla crimen sine lege , Nulla poena sine lege   الملزم للمحاكم ، اما في حال مباشرة المجلس النيابي اختصاصه المسند الى المادة 70، فان المادة 42 من قانون اصول محاكمة الرؤساء والوزراء وضع الاخلال بالواجبات كالخيانة العظمى خارج التوصيف القانوني، اي خارج دائرة مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات؛ وبالتالي يكون للمجلس النيابي كسلطة اتهام وللمجلس الاعلى كسلطة محاكمة تقدير العقوبة الملائمة بمعزل عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. اي بمعنى آخر عندما يمارس القضاء العدلي اختصاصه استنادا الى المادة 70 من الدستور، يكون مقيدا بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، عندما ينظر في الاخلال بالواجبات ، بينما يكون المجلس النيابي كسلطة اتهام والمجلس الاعلى كسلطة محاكمة متحررين من هذا المبدأ عند بحثهما في الاخلال بالواجبات، عملا بالمادة 42 من قانون اصول محاكمة الرؤساء والوزراء امام المجلس الاعلى رقم 13/90.

اما الخيانة العظمى فانها برأينا جريمة سياسية، ليست من اختصاص القضاء العدلي لانها مرتبطة بحصانة سياسية، كما هي الحال في الحصانة النيابية المنصوص عنها في المادة 39 من الدستور. ويكون للمجلس النيابي ـ عملا بالمادة 70 ـ سلطة الاتهام فيها، فيما يتولى المجلس الاعلى سلطة المحاكمة فيها.

3 – ان ما يعززالتفريق بين الافعال التي يأتيها الوزير والتي توجب اتهامه من قبل ثلثي اعضاء المجلس النيابي والتي تتصف بالخيانة العظمى او بالاخلال بالواجبات المترتبة عليه وبين الافعال الجرمية العادية التي تصدر عنه والتي ترتب عليه مسؤولية حقوقية عادية وليس دستورية، هو ما جاء في عجز المادة 70 من الدستور اذ اشارت الى صدور قانون لاحق يحدد مسؤولية الوزير الحقوقية. فلو شاء المشترع ان تكون المادة 70 شاملة كل الافعال التي يرتكبها الوزير، سواء تلك التي تشكل خيانة عظمى او اخلالا بالواجبات الوزارية المترتبة عليه او تلك التي ترتب عليه مسؤولية مدنية وجزائية عادية، لكان انتهج ذات النهج الذي انتهجه في نص المادة 60 من الدستورالمتعلقة بملاحقة رئيس الجمهورية عن جميع الافعال التي يرتكبها طيلة مدة ولايته بما في ذلك الجرائم العادية.

وفي ظل واقع عدم صدور القانون الخاص المشار اليه في المادة 70 من الدستور، تكون الافعال الخارجة عن نطاقها من اختصاص القضاء العدلي الذي هو اصلا المرجع الصالح لملاحقة ومحاكمة كل من يأتي افعالا جرمية، طالما لا وجود لنص خاص ينزع منه هذا الاختصاص.

4 – ان الافعال المنسوبة الى الوزير في اطار " الاخلال بالواجبات " وعندما تكون من اختصاص القضاء العدلي فانها تدخل قانونا ضمن فئة الجرائم المنصوص عنها في قانون العقوبات الفصل الاول من الباب الثالث ( الرشوة ، صرف النفوذ، الاختلاس واستثمار الوظيفة، التعدي على الحرية، اساءة استعمال السلطة والاخلال بواجبات الوظيفة ) وهي المواد من 350 الى 378 من قانون العقوبات.

5 – بمقارنة المادتين 60 و70 من الدستور اللبناني، يمكننا القول ان الحصانة السياسية التي نصت عنها المادة 5 – 70 تقتصر على ارتكاب الخيانة العظمى. وهذا الجرم يخرج عن اختصاص القضاء العدلي ويدخل في اختصاص المجلس الاعلى كسلطة محاكمة والمجلس النيابي كسلطة اتهام.

6 – ان المرجع الصالح لاتهام ومحاكمة الوزير عندما يكون في السلطة هو ذاته المرجع الصالح لاتهامه ومحاكمته بعد خروجه من السلطة، عن الجرائم المرتكبة منه اثناء توليه مهامه الوزارية، عملا بنص المادة 72 التي جاء فيها: " واذا استقال الوزير فلا تكون استقالته سببا لعدم اقامة الدعوى عليه، او لايقاف الملاحقات القضائية". وانتهاء خدمات الوزيرباستقالة الحكومة هي من حيث الجوهر مثل " الاستقالة الشخصية ".

7 – لقد اهمل قانون اصول المحاكمة امام المجلس الاعلى رقم 13/90 اعطاء تعريف قانوني دقيق " للاخلال بالواجبات المترتبة على الوزير " فيكون امرها ـ عندما يكون المجلس الاعلى واضعا يده عليها ـ كأمر خرق الدستور والخيانة العظمى ، فلا يكون المجلس الاعلى مقيدا بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، خلافا لما هي الحال عندما يضع القضاء العدلي يده عليها.

8 – يبقى ان الجرائم العادية التي يرتكبها الوزير بصفته الشخصية خاضعة لاختصاص القضاء العدلي   لان الدستور ميّز في هذه الجرائم رئيس الجمهورية بان جعله يحاكم امام المجلس الاعلى بعد اتهامه من مجلس النواب.[4]

9 – ان تفسير ما عنته المادة 70 من الدستور بعبارة " الاخلال بالواجبات " المترتبة على الوزراء تفسيرا موضوعيا، يحتم ان تشمل في مدلولها كل الجرائم الواقعة على الادارة العامة المنصوص عنها في الباب الثالث من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، على مختلف انواعها من المادة 351 الى المادة 378 من هذا القانون التي تعالج ـ توصيفا وعقابا ـ جرائم الرشوة واختلاس الاموال العمومية واستثمار الوظيفة والاخلال بالواجبات التي ترتبها على عاتق الموظف... فهذه العبارة تنصرف في جوهرها الى هذه الجرائم ولا يمكن ان يكون المقصود منها افعالا اخرى مبهمة وخارجة عن حكم قانون العقوبات[5]

هذا التفسير ينطبق فقط على الحالة التي يكون فيها القضاء العدلي واضعا يده على القضية، ولا ينطبق على الحالة التي يكون فيها المجلس الاعلى مختصا ـ حسبما ذكرناه اعلاه ـ لانه في هذه الحالة، لا يمكن تجاهل نص المادة 42 من قانون اصول محاكمة الرؤساء والوزراء ، التي نصت عن ان " الاخلال بالواجبات " المترتبة على الوزراء هي جريمة لا يمكن وضعها، في اطار نصوص المواد 351 الى 378 عقوبات، فلا يكون تاليا المجلس العدلي مقيدا ـ خلال النظر في الاتهامات التي يوجهها المجلس النيابي للوزير ـ بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

10 – ان صلاحية مجلس النواب في اتهام الوزراء استنادا الى المادة 70 من الدستور ـ وفقط فيما يتعلق بجرائم " الاخلال بالواجبات " المترتبة عليهم هي صلاحية جوازية غير حاجبة للصلاحية العادية للقضاء العدلي في محاكمة رئيس مجلس الوزراء والوزراء، وذلك في حال لم يستعمل مجلس النواب صلاحية ملاحقتهم بالافضلية وقبل ان تحرك النيابة العامة المختصة الدعوى العامة ضدهم امام القضاء العادي، ( نقصد هنا القضاء العدلي ) صاحب الولاية الشاملة في جميع الجرائم. ولكن ماذا يكون الحل عندما تكون النيابة العامة لم تدع على اي وزير او رئيس وزراء ( كما هي الحال في دعوى تفجير مرفأ بيروت ) ؟ في هذه الحالة يحق لكل متضرر ان يتقدم بشكوى ضد اي وزير او رئيس حكومة يرى انه مسؤول جزائيا، باحدى الوسيلتين، طبقا للمادة 363 ، الفقرة 3 أ.م.ج التي تجيز " للمتضرر ان يقيم دعواه الشخصية تبعا للدعوى العامة " امام قاضي التحقيق العدلي ؛ او طبقا للمادة 59/363 أ.م.ج بموجب  شكوى مباشرة يتخذ فيها المدعي المتضرر صفة الادعاء الشخصي ؛ علما بان المحقق العدلي يضع يده على الدعوى بصورة موضوعية سندا للمادة 362، الفقرة 2، أ.م.ج.

في هذه الحالة، وفور رفع الشكوى من قبل اي متضرر وفقا للوسيلتين اعلاه، يصبح قاضي التحقيق العدلي مختصا ولا يعود هناك ثمة مجال لاعلان اختصاص المجلس النيابي كسلطة اتهام والمجلس العدلي كسلطة محاكمة للاسباب التي اوردناه اعلاه، والتي يستفاد منها ان مراجعة القضاء العدلي تحول دون جواز وضع المجلس النيابي يده على القضية كسلطة اتهام، ولا يعود المجلس العدلي مختصا لان صلاحية المجلسين كسلطتي اتهام ومحاكمة هي صلاحية جوازية ( وليست تزاحمية Concurrente ) تعود الافضلية فيها للمرجع الذي وضع يده على القضية قبل الآخر[6]

اما جريمة الخيانة العظمى، فنرى انه لا يعود للقضاء العدلي العادي ان ينظر فيها في اطار المادة 70 من الدستور وهي تدخل حصرا في اختصاص المجلس النيابي كسلطة اتهام والمجلس الاعلى كسلطة محاكمة، لانها جريمة ذات طابع سياسي بامتياز ومن البديهي القول ان هذا الجرم لا يحصل الا خلال قيام رؤساء الحكومة او الوزراء بوظائفهم الوزارية او بمناسبة قيامهم بهذه الوظيفة. ولكن الدستور اللبناني لم يلحظ تحديدا للعناصر الجرمية لهذه الجريمة، وذلك تماشيا مع التقليد الذي كان جاريا في الجمهورية الثالثة في فرنسا. في هذا السياق من الافكار نشير الى ان المادة 70 من الدستور قد لحظت نقصا مشابها لهذا النقص، فجاء فيها بانه " سيصدر قانون خاص تحدد بموجبه شروط مسؤولية الوزراء الحقوقية " ( اي مسؤوليتهم المدنية، كما يستدل على ذلك من نصها الفرنسي responsabilité civile  . لم يصدر هذا القانون لغاية تاريخه، بالرغم من احالة المشروع الى المجلس النيابي منذ العام 1966 [7] .

الا انه لا يكفي ان يكون هناك ثمة قانون يحدد شروط تلك المسؤولية المدنية ، لان الاهم منه ان يحدد هذا القانون عناصر جريمتي الخيانة العظمى والاخلال بالواجبات الوزارية، تلك الواجبات المنصوص عنها في قانون العقوبات والتي رأينا ان القضاء العدلي ملزم بتطبيقها كما هي محددة في هذا القانون عملا بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ، الذي اعفت منه المادة 42 من قانون اصول محاكمة الرؤساء والوزراء ـ كما بينّا اعلاه ـ المجلس العدلي. ولكن هذا يفترض ان يحدد المشترع للمجلس الاعلى عناصر هذا الجرم لانه ليس مسموحا في دولة القانون ان يبقى الانسان معرضا ـ حتى لو كان وزيرا ـ الى اتهام بجرم لا يكون القانون الوضعي قد نص عنه، بحجة ان الجرم سياسي والتي ترك العرف الدستوري الى مجلس النواب كسلطة اتهام والى المجلس الاعلى كسلطة محاكمة، امر تحديد عناصرها وتعيين العقوبات الواجب تطبيقها عليها.

لكننا نرى بالمقابل بان جرم الخيانة العظمى لا يقع تقليديا، تحت تحديد النصوص التشريعية، فهو غير مشمول بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات[8]  ،  لانه يشكل جريمة سياسة بامتياز، لا يمكن وصفها بانها جريمة محددة ومن الافضل ان يترك امر تقديرها للقضاء السياسي.

11 – من جهتنا نرى، انه وان كان قانون 13/90 قد اعتبر جريمة الاخلال بالواجبات المترتبة على الوزراء كالخيانة العظمى تقع خارج دائرة الوصف القانوني وبالتالي لا تلزم المجلس النيابي كسلطة اتهام والمجلس الاعلى كسلطة محاكمة، بتطبيق مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، بل على العكس من ذلك ، فهي ليست كالخيانة العظمى ، بل هي مجردة من الطابع السياسي ويجب تاليا ـ تطبيقا لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ـ اخراجها من صلاحية القضاء السياسي، وحصر اختصاص النظر بها بالقضاء العدلي، بحيث لا يبقى المجلس النيابي كسلطة اتهام والمجلس الاعلى كسلطة محاكمة مختصين الا في ما خص جريمة الخيانة العظمى [9]  .

12 ـ اعتبر الاستاذ انور الخطيب[10]  ، بانه يجب حصر صلاحية المجلس الاعلى بالجرائم السياسية ( الخيانة العظمى وخرق الدستور وبالجرائم التي يرتكبها رئيس الجمهورية) اما الوزراء فيجب احالتهم دوما على المحاكم العدلية من اجل جرائمهم الوظيفية. ويرى الاستاذ انور الخطيب [11]  بان عبارة " لمجلس النواب ان يتهم الوزراء بالخيانة العظمى وبالاخلال بالوجبات المترتبة عليهم"، تعني امكانية اتهام الوزير من اجل هذه الجرائم من قبل النائب العام ومحاكمته امام المحاكم العادية. فالمجلس الاعلى ليس المرجع الوحيد المختص بمحاكمة الوزراء بسبب جرائم الخيانة العظمى والاخلال بواجبات الوظيفة، وللمحاكم العدلية ان تحاكم الوزير على هذه الجرائم اذا تخلف مجلس النواب عن المحاكمة، لان صلاحيته هي اختيارية  وليست تنافسية.

ويرى الاستاذ انور الخطيب ان الاجتهاد الفرنسي يسير في هذا الخط ويستشهد بالاستاذ Esmein في كتابه " الحقوق الدستورية"، الذي يجزم فيه بان العمل الذي يرتكبه الوزير اثناء ممارسة وظيفته يقع تحت طائلة قانون العقوبات ويجب ان تتم محاكمته امام المحاكم العادية بعد ملاحقته من قبل النيابة العامة.

13 – اقترحت اللجنة المؤلفة من الدكتـــور ادمون رباط والدكتور الياس الحســــواني ـالمكلفة باستكمال اقتراح الاستاذ انور الخطيب حول اصول المحاكمات امام المجلس الاعلى ـ تعريفات محددة للتعابير الدستورية المتعلقة بانواع الجرائم. 

ـ فخرق الدستور والخيانة العظمى هي كل خرق خطير لواجبات الوظيفة يؤلف ذنبا سياسيا يلحق ضررا بمصالح الوطن. تقتصر العقوبة في هذه الحالة على العزل.

ـ كل عمل من الاعمال المنصوص عنها في الباب الاول من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وتنزل بالفاعل العقوبة المعينة في القانون المذكور بالاضافة الى العزل ( جرائم التعامل مع العدو والتجسس ).

ـ يعنى بالاخلال بالواجبات الوظيفية كل عمل يرتكبه الوزير ويقع تحت طائلة احكام الفصل الاول من الباب الثالث من الكتاب الثاني من قانون العقوبات ( الرشوة وصرف النفوذ واستثمار الوظيفة والتعدي على الحرية واساءة استعمال السلطة ) او تحت طائلة احكام المرسوم الاشتراعي رقم 38/53 ، المتعلق بالاثراء غير المشروع.

في الحقيقة ، هذه التعاريف لا يمكن ان تشكل كل انواع الخيانة العظمى والاخلال بالواجبات. فقد استقر الفقه الدستوري على اعتبار الخيانة العظمى جريمة سياسية لا يمكن وصفها قانونا. اما فيما خص الاخلال بالواجبات فهي التقصير في قيام الوزير بمهامه وعدم السهر على ادارة مصالح وزارته او ارتكابه خطأ ـ ولو عن حسن نية ـ اضر بمصلحة الدولة.

14 ـ لا يمكن ان تعني كلمة " لمجلس النواب " في المادة 70 وجود صلاحية تنافسية، بل تعني ان لمجلس النواب سلطة التقدير، فالمادة 70 من الدستور منحت المجلس النيابي سلطة التقدير ذاتها التي تتمتع بها النيابات العامة، بحيث يحق لها في كل قضية ان تدعي او لا تدعي بموجب القاعدة المعروفة بتقدير الملاحقة[12] opportunité de poursuite .

15 – انطلاقا من رأينا المبيّن في هذه الدراسة وفي اطار الشكوى العالقة امام المحقق العدلي القاضي فادي صوان، بموضوع جريمة تفجير مرفأ بيروت، نعرض الآتي:

ـ لا بد بادىء ذي بدء من دعوة المتضررين الى الادعاء امام المحقق العدلي اما تبعا للدعوى العامة او بموجب شكوى مباشرة ضد رؤساء مجالس الوزراء وجميع الوزراء الذين تعاقبوا على المسؤولية، ما يقطع الطريق نهائيا على اي اختصاص للمجلس النيابي كسلطة اتهام او للمجلس العدلي كسلطة محاكمة، كما هو مبيّن اعلاه في هذه الدراسة.

ـ يوم الخميس الواقع فيه 26/11/2020 وصلت الى مجلس النواب رسالة المحقق العدلي في جريمة تفجير المرفأ القاضي فادي صوان ( المرسلة يوم الاربعاء الواقع فيه 25/11/2020)، التي يطالب بموجبها بتحمل المجلس المسؤولية والقيام بما يراه مناسبا في حق وزراء تعاقبوا على وزارات العدل والمالية والاشغال " قد تكون هناك شبهة اهمال من قبلهم أدت الى ترك مادة نيترات الامونيوم في الميناء طوال السنوات الماضية " . هذا الامر اكده رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي اجاب على الرسالة خلال اجتماع لهيئة مكتب المجلس لمناقشة جدول اعمال جلسة المجلس التي انعقدت يوم الجمعة الواقع فيه 27/11/2020 فقال " تسلمنا الرسالة وقمنا باللازم واجبناه".

لم يحمل كتاب القاضي فادي صوان اي ادعاء، لكنه " أشار الى امكانية ان تكون هناك شبهة اهمال عند رؤساء الحكومات منذ العام 2013 " وانه يجب " على مجلس النواب القيام بما يراه مناسبا وفق الاصول ". لكنه حصر طلبه بالوزراء دون الرؤساء، وذكرت مصادر صحفية ان " الرسالة لا تتضمن اي اتهام، كما انها ليست مرفقة باي ملف للتحقيقات ولا مضمون اللقاءات التي عقدها القاضي فادي صوان مع وزراء سابقين معينين بشؤون المرفأ". وفيما لم تذكر الرسالة رؤساء الحكومات باسمائهم، الا ان المعنيين بحسب التاريخ المذكور هم: نجيب ميقاتي، تمام سلام، سعد الدين الحريري، وحسّان دياب. لكن الغريب ان الوزارات التي اشار اليها الكتاب اقتصرت فقط على العدل والمالية والاشغال، فلماذا جرى تجاهل جهات أخرى كشفت التحقيقات انها كانت على علم بالامر وقامت بمراسلات بخصوصه، على سبيل المثال وزارتا الدفاع والداخلية والوزراء المتعاقبون عليهما منذ 2013 ؟

في رده على رسالة القاضي فادي صوان آسف مجلس النواب " لمثل هذه الخطوة، التي لا تحترم مبدأ فصل السلطات المنصوص عنه في الدستور". واعتبر المجلس ان الرسالة هي انتقائية، لانها ذكرت رؤساء الحكومات من دون تسميتهم. لكنها سمّت وزراء معينين، منهم علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فينيانوس. ولم تحدد وزراء آخرين كانوا في الفترة ذاتها؛ من بينهم سليم جريصاتي والبير سرحان وغازي العريضي، علما بان مصادر قضائية تؤكد ذكر اسمي العريضي وجريصاتي في رسالة صوان. وخاطب كتاب مجلس النواب القاضي صوان بصفة " القاضي المذكور " ، مذكرا اياه بانه قال في رسالته الموجهة الى المجلس بانه يستند الى مستندات وتحقيقات، بدون ان يرسل ايا منها. وشددت رسالة المجلس على ان " ما قام به صوان يخالف المادة 80 من الدستور، التي تنص على مهمة المجلس  الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء".

في السياق عينه، اشارت مصادر مقربة من الرئيس سعد الحريري الى انزعاج كبير لدى الاخير من رسالة صوان . وقد استغرب ذكر رؤساء الحكومات ، علما بان احدا لم يستدعه او يستمع اليه او يتحدث معه بشأن انفجار المرفأ. وقالت المصادر ان " لا احد ينفي المسؤولية المعنوية، لكن اين هي المسؤولية القانونية ؟ فتوجيه الاتهام للاشخاص الدين حددتهم الرسالة يحتاج الى ملف اتهام والى ثلثي مجلس النواب للاتهام ، كما الى آلية لتوجيه التهم "[13]  .

16 – لسنا نعلم الدافع القانوني الذي حمل القاضي فادي صوان الى توجيه رسالته الى المجلس النيابي، خصوصا وانه المرجع الصالح للتحقيق مع الرؤساء والوزراء المذكورين اذ انه سندا للمادة 362 الفقرة 2 أ.م.ج " يضع يده على الدعوى بصورة موضوعية، فان اظهر التحقيق وجود مسهم في الجريمة فيستجوبه بصفة مدعى عليه ولو لم يرد اسمه في عداد من ادعت عليهم النيابة العامة".

وايضا،

تنص المادة ذاتها في فقرتها الثالثة، انه " للنيابة العامة ان تدعي لاحقا في حق شخص اغفلته في ادعائها الاصلي وعلى المحقق ان يستجوبه بصفة مدعى عليه".

ورأينا اعلاه انه المرجع الصالح لاتهام الرؤساء والوزراء اذا اهملوا واجباتهم وهو "يتقاسم " هذا الاختصاص كسلطة اتهام مع المجلس النيابي.

ولكننا يمكن ان نفهم " خطوة " القاضي فادي صوان انها تنطوي على احتمالين اثنين: الاحتمال الاول انه غير مختص لاتهام الرؤساء والوزراء والاحتمال الثاني انه يهدف من خلال رسالته الى معرفة موقف المجلس النيابي كسلطة اتهامية، فاذا اراد الاتهام ترك الامر له، والا سيعمد هو الى دعوة الرؤساء والوزراء المعنيين لسماعهم وفقا للمادة 362 أ.م.ج، فان اظهر التحقيق اسهامهم في وقوع الجريمة، فيستجوبهم بصفة مدعى عليهم، ولو لم ترد اسماؤهم في عداد من أدعت عليهم النيابة العامة التمييزية.

ويبقى لهذه الاخيرة ان تدعي لاحقا في حق الرؤساء والوزراء الذين اغفلتهم في ادعائها الاصلي وعلى المحقق العدلي حينذاك استجوابهم بصفة مدعى عليهم.

ان رد المجلس النيابي يؤكد عدم فعالية ابقاء الاتهام مرتبطا بسلطته الاستنسابية، فهو يؤكد لنا طغيان السياسة على الرد المذكور الفارغ من اي مضمون قانوني والمليء بالاخطاء القانونية التي لا نجد مجالا على هذه الصفحات للتطرق اليها.

17 ـ في كل الاحوال، نرى انه بات لازما بل محتما على المحقق العدلي ان يسلك الطريق القانوني السليم في اتجاه الرؤساء والوزراء، حسبما ذكرنا اعلاه، وذلك بعد افصاح المجلس النيابي الواضح ، القاطع والصريح عن عدم رغبته في اتخاذ اي خطوة اجرائية في هذا الاتجاه [14]  ، والا يكون مستنكفا عن احقاق الحق ويكون اذاك معرضا ان يتسبب بمداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن اعمال القضاة العدليين وفقا لما تقتضيه احكام المادة 741 أ.م.م البند الاول منها، او ان يتسبب في " نقل العدوى " لوجود سبب يبرر الارتياب بحياده، وفقا لما تقتضيه احكام المادة 116 البند 3 أ.م.م .

ويبقى المجال متاحا امام المتضررين لسلوك احدى الطريقتين المذكورتين اعلاه امام المحقق العدلي: اما الادعاء على الرؤساء والوزراء " المهملين " تبعا للدعوى العامة او بموجب شكوى باشرة.

18 ـ   اذا كانت مجريات التحقيق لا تدعو لغاية الآن الى الارتياح، فالمجال ما زال متاحا امام المحقق العدلي لتصويب الامر واحداث صدمة ايجابية، فجريمة تدمير نصف بيروت ومرفأها الحيوي ليست جريمة عادية ... هي جريمة استثنائية وتتطلب قاضيا استثنائيا يعيد الى اللبنانيين الثقة بالقضاء والامل بلبنان جديد.

واخيرا فلتقرع الاجراس لعدالة مشرقة تزيل عتمة الفساد التي طال ليلها ؛ الا ترون ان الوقت قد حان ؟  

 

 

 

-------------------------------------------------------

[1]  راجع هذه القرارات في مؤلف النائب والوزرير السابق نقولا فتوش " مسؤولية الوزير واصول ممحاكمته " ، دار العلم للملايين، بيروت، 2000. وقد توصل المؤلف الى نتيجة مفادها عدم صلاحية القضاء العدلي في موضوع مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء، ياستثناء الجرائم التي ليس لها علاقة بوظيفته.

[2]  راجع نص قرار الهيئة الاتهامية ، جريدة النهار، عدد 20 آذار 2000.

[3] ( راجع نص القرار الصادرعن الهيئة العامة لمحكمة التمييز في جريدة " النهار "، عدد 17/11/2000.

[4]  راجع في هذا الاتجاه الرد الذي صدر ليل 26/11/2020 عن مجلس القضاء الاعلى، تعقيبا على ما ورد على لسان السيد وزير الداخلية، خلال برنامج " صار الوقت " الذي بثّه تلفزيون  MTV ، والذي اوضح فيه ان ما صدر عن الاخير بحق القضاء والقضاة أمر غير مقبول وغير مسموح به بتاتا وغير صحيح، اجتمع المجلس بصورة استثنائية اليوم، وقرر بالتوافق مع رئيس مجلس شورى الدولة ورئيس ديوان المحاسبة، الطلب من النائب العام التمييزي اجراء ما يلزم، لملاحقة السيد وزير الداخلية جزائيا، بسبب ما صدر عنه في الحلقة التلفزيونية المذكورة. كما تقرر الطلب من رئيسة هيئة القضايا في وزارة العدل، تقديم كل مراجعة قضائية لازمة. ( بيان مجلس القضاء الاعلى بيروت 27/11/2020).
[5]  راجع نص قرار الهيئة الاتهامية في جريدة النهار، عدد 20 آذار 2000.

[6]  نشير الى ان تعداد الجرائم الداخلة في اختصاص المجلس العدلي في المادة 356 أ.م.ج هو على سبيل التعداد وليس الحصر.

[7]  حتى لو صح ان ترجمة النص الفرنسي هي المسؤولية المدنية، فان استعمال عبارة المسؤولية الحقوقية هي الاصح لانها تشمل المسؤوليتين المدنية والجزائية.

[8]  بالرغم من النص عنه في المادة 8 من شرعة حقوق الانسان والمواطن لعام 1789.

[9]  قارن مع، ادمون رباط، الوسيط في القانون الدستوري اللبناني، دار العلم للملايين، بيروت، 1970، ص 811 ـ 812.

[10]  يعتبر انور الخطيب من اكثر القانونيين اهتماما بموضوع مسؤولية رئيس الدولة والوزراء، فهو من موقعه كاستاذ في القانون الدستوري وكسياسي مارس السياسة نيابة ووزارة بروح المسؤولية وتميّز بالنزاهة والترفع والتجرد عن المصالح الخاصة او الفئوية وبحس العدالة. تقدم الاستاذ انور الخطيب باقتراحي قانون لاصول المحاكمات امام المجلس الاعلى: الاول عام 1951 ولكنه لم يدرس والثاني عام 1966، وقد تبنته الحكومة وادخلت عليه بعض التعديلات ووضعت مشروع قانون بموجب المرسوم 4132 تاريخ 25/3/1966، الا ان هذا المشروع ما زال نائما في ادراج مجلس النواب. . وعندما حركت لجنة الادارة والعدل عام 1973 " مشروع 1966 " تم تأليف لجنة مصغرة من كل من الدكتور ادمون رباط والدكتور الياس الحسواني.

[11]  راجع مؤلفه، المجموعة الدستورية، القسم الثاني، " دستور لبنان " ، الطبعة الاولى، 1970، ص 187 الى ص 204، ومن 246 الى 252 ؛ وكذلك كتابه " المجلس الاعلى في لبنان والدول العربية والعالم".

[12]  انظر في هذا الاتجاه، انور الخطيب، المرجع المذكور آنفا؛ بخلاف ذلك، زهير شكر، القانون الدستوري، ص 964 ونقولا فتوش، مسؤولية الوزير واصول محاكمته ، دار العلم للملايين، بيروت، ص 105 الى 111.

[13]  راجع لطفا جريدة الاخبار، عدد الجمعة 27 تشرين الثاني 2020.

[14]  راجع لطفا تعليق القاضي حاتم ماضي ( النائب العام التمييزي شرفا وقد ورد فيه :

1 – ان الكتاب يشكل سابقة في تاريخ القضاء اللبناني.

2 – لا يحق لاي قاض ان يخاطب مجلس النواب الا بواسطة وزير العدل.

3 – لا توجد اي حصانة للوزير تستوجب رفعها قبل ملاحقته. كل ما يملكه هو ان الادعاء عليه يكون من قبل مجلس النواب ويحاكم امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

4 – كان على المحقق العدلي اذا اشتبه بمسؤولية الوزير ان يستدعي الوزير بصفة مدعى عليه ويحقق معه مثل اي مواطن.

5 ـ اذا تبين للمحقق العدلي ان جرم الوزير ليس من نوع الجرائم التي يجب ان يدعي ويحقق بها مجلس النواب، فانه يصدر بحقه القرار المناسب واذا وجد العكس يرسل التحقيقات الى مجلس النواب لكي يقوم هذا الاخير بواجباته الدستورية.

6 – المحقق العدلي هو من يصنف افعال الوزير تمهيدا لتحديد المحكمة المختصة لمحاكمته.

7 – يختلف الوضع لو ان مجلس النواب استعمل تقنية لجنة التحقيق النيابية.

وعن نتائج الكتاب قال القاضي حاتم ماضي: قد لا يقوم مجلس النواب بالتحقيق وملاحقة الوزراء المشتبه بتورطهم. وفي هذه الحالة لا يعود ممكنا مبدئيا ملاحقتهم، ماذا سيكون موقف المحقق العدلي ازاء الدعاوى الشخصية التي تقدم بها ورثة الضحايا حاصة اذا جرى الادعاء على وزراء ؟

وختم القاضي ماضي قائلا انه لا يريد ان يقرأ اخيرا في كتاب المحقق العدلي تخليا من القضاء عن صلاحياته: مجلة " محكمة" ، عدد الخميس 26/11/2020.

PDFالملف المرفقملف PDF · 272 ك.بتحميل ↓