بخلاف قانون أصول المحاكمات المدنية لم يحدد قانون أصول المحاكمات الجزائية طرق الإثبات في القضايا الجزائية، وفي حين يلتزم القاضي المدني بمبدأ الإثبات المقيد أي بوسائل الإثبات المنصوص عنها في قانون أصول المحاكمات المدنية فإن الإثبات في القضايا الجزائية يعتمد مبدأ الإثبات الحر.
على أن القانون يشترط أن تكون الوسيلة المعتمدة للإثبات هي وسيلة مشروعة وكافية لإقامة البينة على ما نسب للمدعى عليه.
الوسيلة المشروعة هي الوسيلة الصحيحة والقانونية التي لا تؤخذ بالإكراه أو بالعنف أو بالتهديد أو بالتزوير أو بتشويه الحقائق.
أما الوسيلة الكافية فهي تلك التي تجعل من المرجح إقدام المدعى عليه على الفعل المنسوب له أو المشتبه بارتكابه من قبله.
فمن المعلوم أن النيابة العامة تكتفي بالشبهة لاستدعاء شخص ما للتحقيق معه وحتى للأمر بتوقيفه وتقديمه للمحاكمة أو مثوله أمام قاضي التحقيق، أما قاضي التحقيق فلا يكتفي للظن بالمدعى عليه أو اتهامه وإحالته للمحاكمة أن يقتصر نسبة الجرم إليه على مجرد الشبهة أي على مجرد الشك بأنه هو من أقدم على فعل جرمي معين، إذ يقتضي على قاضي التحقيق أن يرفع هذه النسبة من الشبهة إلى الظن أي أن يكون من المرجح أن يكون هذا الشخص هو من أقدم على الجرم، فيما لا تبني محكمة الأساس حكمها بالإدانة أو بالتجريم إلاّ على اليقين أي بعد أن تتثبت أن هذا الشخص أقدم فعلاً على الجرم الذي نسب إليه.
ضمن هذا الإطار تندرج مناقشة العنوان المطروح...
١ـ تعداد الأدلة في قانون أصول المحاكمات الجزائية:
إن قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يذكر الإقرار كدليل ولم ترد فيه عبارة "الإقرار سيد الأدلة"، ولم يتناول علم البصمات والبصمة الجنائية وعلم الأسلحة والفحوص المخبرية على الأشخاص أو على المواد ودراسة الموقع الجغرافي والتحليل الفني لداتا الإتصالات أو للتراسل الهاتفي أو للحسابات على مواقع التواصل الإجتماعي، إلاّ كل هذه الوسائل تعتبر أدلة وهي لا شك غير مطلقة من كل قيد بل تخضع للمبادئ القانونية العامة من وجوب كونها مشروعة وكافية.
وهي وسائل تسمى بالعلمية كونها تستند بالفعل إلى أعمال فنية وبحثية وعلمية بيولوجية أو كيمائية أو فيزيائية وبالتالي باتت تقابل، أي تقف قبالة، الإقرار أو الإعتراف كدليل يستند على مجرد قول يصدر من المدعى عليه.
وهو قول يخشى أن يكون قد انتزع من المدعى عليه تحت التعذيب أو الضغط من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية، أو حتى تحت وطأة الخوف أو التهديد من أشخاص طلبوا منه حمل المسؤلية عنهم.
٢- الأدلة المادية والإقرار في قضايا الإرهاب:
إذا كان الحصول على الأدلة العلمية ممكن في جريمة قتل أو في جريمة سرقة ارتكبها مجرمون عاديون، فإن الأمر ليس كذلك على الإطلاق في جرائم الإرهاب. إذ تتميز جرائم الإرهاب بأنها جرائم عبر دولية، فقد يكون المحرّض في دولة والفاعل في دولة ثانية والمتدخل في دولة ثالثة، وأنها تقع من أشخاص منضوين ضمن مجموعات عقائدية تعتمد السرية والحذر في عملها، فنادراً ما يتواصلون عبر التخابر الهاتفي العادي أو عبر البريد الإلكتروني، بل هم انتهجوا التواصل عبر البريد الإلكتروني المشفر (مثل برنامج أسرار المجاهدين) ثم عبر وسائل التواصل الإجتماعي المشفرة (واتسآب أو تلغرام أو ثيرما)، وهم يعتمدون الرُسُل أي إرسال الأوامر أو الدعوات عبر أشخاص يثقون بهم، أو يعتمدون اللقاء المباشر.
يضاف إلى كل ما تقدم أن الجرائم الإرهابية باتت تقع بوتيرة عالية أي بعدد مرتفع، وفي مناطق قد تعجز القوى الأمنية أو العسكرية عن الدخول إليها لإجراء كشوفات ميدانية أو رفع بقايا السيارات المفخخة أو رفع الجثث وإجراء الدراسات العلمية اللازمة عليها.
كما أن وقوع عدد كبير من الجرائم الإرهابية في أوقات قياسية يقابله ضعف الإمكانات اللوجستية والفنية لأجهزتنا الأمنية والعسكرية وقلة عدد العناصر قد يدفع نحو الاعتماد على معلومات أمنية يواجه بها المدعى عليه وقد تنتهي بإقراره بها.
الواقع أن أكثرية قضايا الإرهاب في لبنان لا تزال تعتمد على الإقرار أو الإعتراف، وهي عادة تنطلق من معلومات تتوافر للأجهزة الأمنية أو العسكرية من المخبرين أو من مخابرات عربية أو أجنبية.
٣ـ قيمة الإقرار أمام قاضي التحقيق:
إن الإقرار يعزز الشبهة التي تكون متوافرة بحق شخص ما والتي على أساسها تنطلق التحقيقات الأولية، كما هي تكون كافية بالنسبة للنيابة العامة لكي تدعي بحق هذا الشخص المشتبه به وتحيله أمام قاضي التحقيق.
ما سيحصل أمام قاضي التحقيق هو أحد أمرين، إما أن يكرر المشتبه به الذي بات يسمى المدعى عليه إقراره، وإما أن يتراجع عنه.
من المعلوم أن المدعى عليه يمثل أمام قاضي التحقيق حراً، ويمنح جميع حقوقه على رأسها حق الاستعانة بمحام ليدافع عنه، لذا يكون تأكيده على إقراره دليل على صحة هذا الإقرار.
لكن ما يحصل في غالب الأوقات أن المدعى عليه يتراجع عن إفادته الأولية ويدلي أنها جاءت تحت التعذيب أو الضرب أو حتى الخوف، ويمكن طبعاً عرضه على طبيب شرعي للتأكد من عدم خضوعه للتعذيب، وغالباً ما تأتي التقارير بأن المدعى عليه بصحة جيدة ولا تظهر عليه آثار التعذيب أو الضرب.
عندها ولأن التحقيق الأولي منظم بموجب محضر رسمي فإنه لا يمكن لقاضي التحقيق إهمال ما جاء به من إقرار أو من اعترافات، ويعتبر أن تراجع المدعى عليه عن إفادته الأولية أمامه ليس من شأنه أن يضعف الدليل المستمد من التحقيق الأولي، وتبعاً لذلك يظن بالمدعى عليه أو يتهمه ويحيله للمحاكمة. (يلاحظ أنه يعود لقاضي التحقيق العسكري اتهام المدعى عليه بجناية سنداً للمادة /٤٤/ من قانون القضاء العسكري إذ لا وجود لهيئة اتهامية في القضاء العسكري، بخلاف ما هو عليه الأمر في القضاء العدلي حيث يكون لقاضي التحقيق فقط اعتبار الفعل من نوع الجناية إن رآه كذلك ويحيل الأوراق إلى الهيئة الإتهامية التي يعود لها اتهام المدعى عليه سنداً للمادة /١٢٥/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية)
على أنه قد يتوافر أحياناً أمام قاضي التحقيق أدلة مادية تنفي صحة الإقرار، فعندها يمكنه إهمال هذا الإقرار والاعتماد على الدليل المادي. مثال ذلك قضية شاب سوري كان أوقف بعد دخوله لبنان لتوافر معلومات عنه تفيد بانتمائه لجبهة النصرة في سوريا، وهو كان أقرّ بذلك لدى التحقيق الأولي معه ثم أنكر إفادته الأولية لدى التحقيق الاستنطاقي معه، وأبرز مستندات تفيد أنه غير ملاحق في سوريا وأنه أعفي من خدمة العلم وسُمِح له من قبل المخابرات السورية بالسفر إلى لبنان، ما يعني أن هذا الشخص غير مطلوب في سوريا، ولو كان فعلاً انتمى لتنظيم إرهابي فيها لما كان سمح له من قبل المخابرات بمغادرة الأراضي السورية، وتبعاً لذلك فقد صدر قرار بمنع المحاكمة عنه واعتبرت إفادته الأولية غير صحيحة بغض النظر عن سبب إدلائه بها على هذا النحو، (قرار قاضي التحقيق العسكري رقم ١٦١/٢٠١٩ تاريخ ٢/١٠/٢٠١٩ في القضية رقم ٢٠٩/١٣٨٩٩/٢٠١٩، صدّق بقرار محكمة التمييز الجزائية، الغرفة السادسة، رقم ٣٠٥/٢٠١٩، تاريخ ٨/١٠/٢٠١٩، وهي المحكمة المختصة للنظر في الطعون التي توجه من النيابة العامة ضد قرارات قضاة التحقيق العسكريين النهائية سنداً للمادتين /٧٨/ و/٨٧/ من قانون القضاء العسكري، مع التنويه أنه لا يحق للمدعى عليه الطعن بقرار قاضي التحقيق النهائي على حدّ سواء في القضاءين العدلي والعسكري عملاً بأحكام المادة /١٣٥/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية).
أو بالعكس فقد تتوافر أمام قاضي التحقيق أدلة مادية تعزز الإقرار وتؤكد على صحته فيكون ذلك أفضل له وأكثر دعماً للقضية المعروضة أمامه، مثال ذلك قضية الخلايا النائمة لأحمد الأسير، حيث تمّ ضبط أسلحة ولوائح إسمية تبين تقسيم عناصر الخلايا ضمن مجموعات، كما تبين الألقاب التي يستعملها كل منهم والأسلحة المسلمة لهم والأرقام الهاتفية التي يستخدمونها، كما تمّ تحليل هذه الأرقام فنياً ليظهر أنها تستخدم بشكل أمني مقفل، (قرار قاضي التحقيق العسكري رقم ١١٥/٢٠١٥ تاريخ ٨/٨/٢٠١٥، في القضية رقم ١٦٠/٢٣٤٩٩/٢٠١٤، نظر من النيابة العامة العسكرية).
٤ـ قيمة الإقرار أمام المحكمة:
المشكلة تكمن حقاً أمام المحكمة التي عليها أن تعتمد اليقين للقضاء بالإدانة أو التجريم في حين أن الشك يفسر لمصلحة المدعى عليه ويتيح إعلان براءته.
ما حصل على أرض الواقع في لبنان، أنه بسبب إقتصار معظم ملفات الإرهاب على الإقرار، وفي ضوء إقدام معظم المدعى عليهم على التراجع عن إفاداتهم الأولية لدى التحقيق الاستنطاقي معهم، ولأن المدعى عليهم عندما يمثلون أمام المحكمة يكون قد مضى فترة غير قصيرة على توقيفهم، فقد اتجهت المحكمة إلى إعلان براءتهم أو الاكتفاء بمدة توقيفهم.
لكن الحقيقة أن هؤلاء الأشخاص خطيرين، وهم قد يكونوا أقدموا فعلاً على ارتكاب الجرم، لكن العدالة كانت في صفهم، فيعودون إلى أفعالهم الإرهابية بعد خروجهم من السجن.
وقد شهد لبنان حالات عدة من أعمال إرهابية اقترفها أشخاص كانوا سجناء إرهاب سابقين مثال عبد الرحمن مبسوط الذي فجّر نفسه في طرابلس بدورية للقوى الأمنية، والإنتحاري الذي فجّر نفسه في السفارة الإيرانية في بيروت، ولعلّ أبرزهم حديثاً هو خالد التلاوي الذي كان أوقف على خلفية معارك بحنين ليخرج ويكوّن مجموعة إرهابية أقدمت قبل فترة قصيرة على ارتكاب ما سمي بجريمة كفتون وهي جريمة قتل بداعي السرقة، ثم أقدم عناصرها وخلال حملة مداهمات تمت لتوقيف عناصر الخلية على قتل أربع عسكريين وتبادلوا إطلاق النار مع عناصر من شعبة المعلومات فجرحوا البعض منهم.
٥ـ دور قاضي التحقيق في البحث عن أدلة مادية:
إن بناء التحقيقات الأولية على إفادة المدعى عليه فقط التي يمكن أن تحمل إقراراً لا يعني أن قاضي التحقيق سيقف مكتوف الأيدي، فهو يمكنه استدعاء شهود قد ترد أسماؤهم خلال التحقيق الأولي أو طلب أدلة مادية ينبئ عنها التحقيق، كمثل طلب دراسة أي سلاح مضبوط، أو طلب تسجيلات كاميرات مراقبة إن وجدت، أو طلب تحليل هاتفي فني، ويمكنه حتى أن يقدّر قيمة هذا الإقرار من خلال سياق إفادة المدعى عليه، كأن يذكر المدعى عليه تفاصيل تعدّ معروفة من تحقيقات أخرى، أي أن يعطي تفاصيل صحيحة، القاضي متأكد من صحتها في ضوء تحقيقات أخرى قام بها أو علم بها، (وهو طبعاً محض تقدير يقوم به القاضي مع نفسه، إذ كما هو معلوم لا يمكن للقاضي أن يبني قراره على معلوماته الشخصية)، أو أن يكون المدعى عليه قد أنكر أفعال نسبت إليه أكثر خطورة من تلك التي أقرّ بها.
٦- القانون ١٩١/٢٠٢٠:
صدر مؤخراً القانون رقم /١٩١/ بتاريخ ١٦/١٠/٢٠٢٠ ونشر في الجريدة الرسمية العدد /٤١/ تاريخ ٢٢/١٠/٢٠٢٠. وقد تضمن هذا القانون تعديلاً للمواد /٣٢/ و/٤١/ و/٤٧/ و/٤٩/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وأهم ما ورد في تعديل المادة /٤٧/ هو النص على وجوب تسجيل التحقيقات الأولية، بالصوت والصورة، سواءً تمت من قبل رجال الضابطة العدلية تحت إشراف النيابة العامة المختصة، أم تمت من قبل النيابة العامة، فنصّ على التالي: "في جميع الأحوال، يجب أن تكون إجراءات الاستجواب أو الاستماع إلى أقوال المشكو منه مصورة بالصوت والصورة بدءاً من لحظة تلاوة حقوقه المذكورة في هذه المادة عليه، على أن ترفق التسجيلات بمحضر التحقيقات الأولية تحت طائلة بطلان المحضر والإجراءات اللاحقة له."
وقد نصت المادة الخامسة والأخيرة من القانون ١٩١/٢٠٢٠ على أن ما يتطلبه من إلزامية التسجيلات الصوتية يعمل بها بعد انقضاء مهلة شهرين من تاريخ نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، فيما يعمل بباقي أحكامه من تاريخ نشره.
لا شك أن اشتراط تسجيل التحقيقات الأولية بالصوت والصورة يسهّل المهمة على قاضي التحقيق ومن بعده على المحكمة في حال خلو الملف من أي دليل مادي، واقتصاره على اعتراف أو إقرار المدعى عليه، إذ يمكن لكل منهما بعد استعراض هذا التسجيل أن يتثبتا من أن المدعى عليه أعطى أقواله بكل حرية، ما يعزز من قيمة الإقرار كدليل جرمي غير مادي (باعتباره مجرد قول يصدر عن المدعى عليه).
إلاّ أن هذا التعديل وعلى الرغم من أهميته، فإنه سيثير صعوبات عملية عند تطبيقه، فماذا لو لم تتوفر إلات التسجيل والتصوير في كل المراكز الأمنية من أصغر مخفر وصولاً إلى مديرية المخابرات، فهل تتوقف التحقيقات الأولية فيها، خاصة أن المشرع رتّب جزاء البطلان على عدم إرفاق محضر التحقيقات الأولية بالتسجيلات؟ وهل أن وزارات العدل والداخلية والدفاع (فيما يتعلق بمراكز الشرطة العسكرية ومديرية المخابرات) قادرة على تزويد قصور العدل وكل المراكز الأمنية والعسكرية بالكهرباء ولوازم التسجيل الصوتي وخدمة الإنترنت في مهلة شهرين خاصة في ظل استمرار جائحة كورونا واستخدام القضاة تقنية الاستجواب عن بُعْد؟
٧ـ الوضع القانوني قبل صدور القانون ١٩١/٢٠٢٠:
لم يكن يوجد في القانون اللبناني أي نص يلزم المحققين الأمنيين أو العسكريين، أو حتى قضاة النيابة العامة، بتسجيل أعمال التحقيق الأولي التي تتم في السجون أو في المفارز القضائية أو في مديرية المخابرات، أو في مكاتب القضاة، صوتاً وصورة، رغم أن هذا الاجراء يكفل حق المستجوب بالحصول على تحقيق جدي ومهني دون الخضوع للخوف أو الضرب أو التعذيب. وطالما أنه لم يكن يوجد نص يمنعهم من ذلك، فأرى أنه كان بإمكانهم استعمال هذه الوسيلة، لأن الأصل في الأمور الإباحة.
وكمثال عملي، نستذكر قضية شغلت الرأي العام اللبناني، (تهمة التعامل مع العدو التي وجهت إلى المدعو فايز كرم وهو ضابط سابق في الجيش وعضو في حزب التيار الوطني الحر)، حيث تضمنت المحاكمة عرضاً لشريط التحقيق الأولي الذي أجري مع المدعى عليه من قبل شعبة المعلومات، بعد أن دفع محاموه بأن موكلهم خضع للتعذيب خلال التحقيق الأولي معه، علماً أن المدعى عليه فايز كرم كان قد أقرّ أمام قاضي التحقيق العسكري الأول بصحة إفادته اأاولية وأنه أعطاها بملء إرادته، في جميع جلسات التحقيق معه باستثناء الأخيرة حين تراجع عن أقواله كافة وأدلى أن إفادته الأولية جاءت تحت الضغط،
وتجدر الاشارة أن ما قامت به شعبة المعلومات، كجهة أمنية مولجة بهذا التحقيق الأولي، كان باختيارها دون وجود أي نص يلزمها بذلك، أو يمنعها منه.
وبشكل عام فإن القانون اللبناني يتضمن في المادة /٢١٧/ من قانون أصول المحاكمات المدنية والذي يعتبر النص العام لقانون أصول المحاكمات الجزائية، (مع ما يعنيه ذلك من وجوب تطبيق هذا القانون في حال خلو النص من قانون أصول المحاكمات الجزائية)، ما مفاده أنه يجوز أن يستخلص الإقرار غير القضائي من تصريح الخصم المسجل بعلمه على شريط مغناطيسي.
فالإقرار نوعان، قضائي وغير قضائي. القضائي هو الذي يتم أمام القضاء في معرض نزاع يتعلق بالواقعة موضوع الإقرار، أما الإقرار غير القضائي فهو الذي يتم على غير هذه الطريقة، ويبقى للقاضي أن يقدر قيمته الثبوتية أو حجيته بحسب الوسيلة التي اعتمدت لإثبات هذا الإقرار.
والمشرع تحدث في المادة تلك عن صورة من صور الإقرار غير القضائي وهي تلك المأخوذة من تصريح الخصم المسجل له، لكنه اشترط لقانونية هذا الدليل أن يكون التسجيل قد تمّ بعلم الخصم أو الشخص المسجل له.
وبالتالي يمكن القول إنه، بالقياس، فإن أي تسجيل صوتي كان أو مرئي لشخص ما أُخِذ بعلمه هو حجة ضده ودليل عليه. أما إذا أُخِذ بغير علمه، فإنه يبقى للقاضي أن يأخذ بهذا الدليل أو يهمله، وفي هذا الإطار توجد اجتهادات كثيرة أكدت على أن التسجيل الذي أخذ بغير علم المسجّل له يبقى قرينة على الإدانة ولا يمكن للمحكمة أن تهمله بشكل تام، بل يبقى لها أن تكمله بأدلة أخرى، (أنظر مثلاً، محكمة التمييز المدنية، الغرفة التاسعة، قرار رقم ٢/٢٠٠٥، تاريخ ١٨/١/٢٠٠٥، وقرارها رقم ٣٠/٢٠١٣، تاريخ ١٦/٤/٢٠١٣)
في المحصلة يمكن القول إن وجود أدلة مادية في الملف، تعزز الشبهة بحق المدعى عليه أو تؤكدها، أو حتى تنفيها، يجعل مهمة قاضي التحقيق ومن بعده المحكمة أسهل بكثير، لكن الواقع العملي، لا سيما في قضايا الإرهاب، أظهر أن الحصول على مثل هذه الأدلة ليس سهلاً بل قد يكون متعذراً في كثير من الأحوال، لأسباب عدة منها أن العديد من الأعمال الإرهابية التي وقعت في لبنان كانت بشكل معارك حربية (معركة نهر البارد/ معركة عرسال/ معركة بحنين/ معركة عبرا/ معركة الأسواق في طرابلس/ معارك جبل محسن باب التبانة)، وفي ضوء الواقع الأمني الذي يشهده لبنان من كثرة الأعمال الإرهابية ووقوعها في زمن قياسي قصير.
ومن هنا تتبدى أهمية القانون ١٩١/٢٠٢٠ في نصّه على إلزامية تسجيل التحقيقات الأولية تحت طائلة بطلانها، خاصة في الملفات التي تعتمد فقط على الإقرار المدلى به في التحقيق الأولي، معزّزاً بذلك القيمة الثبوتية لهذا الإقرار.

