(1) في 28/7/2020 أصدر مجلس الوزراء القرار رقم 2 الذي اجاز للحكومة اللبنانية التعاقد مع شركة Alvarez & Marsal للقيام بعملية التدقيق الجنائي لحسابات مصرف لبنان وانشطته، فما هي الظروف التي رافقت هذا الحدث (اولا) وصولا الى مضمون القانون رقم 200/2020 (ثانيا).
اولا: الظروف المرافقة لصدور القانون رقم 200/2020:
هذه العملية شكلت مرتكزا اساسيا لعملية الاصلاح المالي . واجمعت على ضرورتها كل القوى السياسية، سواء تلك الممثلة في الحكومة موقعة العقد، ام غير الممثلة فيها.
غير ان البعض اثار مسألة مدى تعارض بنود العقد المشار اليه اعلاه مع قانون السرية المصرفية او مع قانون النقد والتسليف، ما ادى الى عرقلة البدء بتنفيذ العقد وتهديد التدقيق الجنائي جديا. وهذا ما اثر سلبا على فاعلية بعض الالتزامات الحكومية، وعلى جواز استفادة لبنان من برامج مساعدات مالية ودولية من لدن مؤسسات تشترط حصول هذا التدقيق.
وجّه فخامة رئيس الجمهورية رسالة بهذا الموضوع الى المجلس النيابي، الذي اتخذ قرارا في جلسته المنعقدة بتاريخ 27/11/2020، ردا على رسالة الرئيس، جاء فيها انه " تخضع حسابات مصرف لبنان والوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة بالتوازي للتدقيق الجنائي دون اي عائق او تذرع بسرية مصرفية او خلافها".
ان اغلب الجهات القانونية والمراجع القضائية المعنية تقف الى ناحية الموقف الذي يقول انه لاتعارض على الاطلاق بين القوانين اللبنانية النافذة وبين العقد الموقع مع الشركة المولجة بانجاز مهمة التدقيق الجنائي، الا ان واضعي اقتراح القانون ـ ومع تمسكهم بهذا الرأي القانوني الصائب ـ تقدموا باقتراح القانون الرامي الى تعليق العمل بالقانون الصادر في 3/9/1956 المعروف بقانون سرية المصارف لمدة سنة واحدة، وذلك سحبا لكل الذرائع التي تعيق هذه المهمة الوطنية، على ان يشمل التدقيق فقط الحسابات الداخلة في نطاق المهمة، ولمدة سنة واحدة ؛ فهل هذه المهلة القصيرة كافية لانجاز مهمة التدقيق ؟
ثانيا: في مضمون القانون رقم 200/2020:
لهذا القانون وجهان احدهما ايجابي (أ ) وثانيهما سلبي (ب).
أ ـ الوجه الايجابي للقانون رقم 200/2020:
لم يقتصر القانون رقم 200/2020 على ما قرره مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 28/7/2020 ( القرار رقم 2) على حصر عملية التدقيق الجنائي بحسابات مصرف لبنان وانشطته بوزارة المالية مع شركة Alvarez & Marsal مقتصرا على التدقيق بهذه الحسابات دون سواها، بل تعدى ذلك الى ما هو لازم وضروري ليشمل اضافة الى حسابات مصرف لبنان، حسابات الوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة، ايّا تكن طبيعة هذه الحسابات، ولغايات هذا التدقيق، ولمصلحة القائمين به حصرا، كما جاء في قرار مجلس النواب في جلسته المنعقدة بتاريخ 27/11/2020.
كلمة حق تقال، لقد انقذ المجلس النيابي سواء في قراره ردا على رسالة رئيس الجمهورية ام في اقراره للقانون رقم 200/2020 عملية التحقيق الجنائي من السير باتجاه غير سليم بل كيدي، متمثل في " تحييد " كافة الادارات الرسمية ( ما عدا حسابات مصرف لبنان ) من التدقيق الجنائي، فصّوب الامور وجعل القانون شاملا كل الحسابات التي تعنى بها الدولة اللبنانية.
بل اكثر من ذلك ، فقد نص هذا القانون على تعليق العمل بقانون سرية المصارف الصادر في 3/9/1956 وجميع المواد التي تشير اليه وذلك في كل ما يتعلق بعمليات التدقيق المالي و/ او التحقيق الجنائي التي قررتها وتقررها الحكومة اللبنانية على الحسابات اعلاه، ايّا تكن طبيعة هذه الحسابات، ولغايات هذا التدقيق، ولمصلحة القائمين به حصرا، كما جاء في قرار مجلس النواب في جلسته المنعقدة في 27/11/2020.
فلا بد من الاشارة الى ان القانون رقم 200/2020 وسّع مدى التدقيق ليشمل ليس فقط التحقيق الجنائي بل التدقيق المالي ايضا، فضلا عن شموله لكل الحسابات الرسمية وليس فقط لحسابات مصرف لبنان، كما كان يطمح اليه بعض اصحاب الشأن.
فرب ضارة نافعة ، لان عقد شركة Alvarez & Marsal كان مقتصرا على حسابات مصرف لبنان، ولا شك انه لولا الاطاحة به بسبب آراء قانونية غير صائبة، لما وصلنا الى القانون رقم 200/2020 الذي وسّع مدى الرقابة الى سائر حسابات الدولة اللبنانية، مهما كانت طبيعة هذه الحسابات؛ فما خسرناه بعرقلة تنفيذ عقد Alvarez & Marsal ، ربحناه بالقانون رقم 200/2020.
ولكن هذا القانون ليس بمنأى عن وجه سلبي يكاد يطيح بفاعليته ان لم تواجه الامور بصورة صحيحة وبحكمة عالية.
ب ـ الوجه السلبي للقانون رقم 200/2020:
لقد حصر المشترع تطبيق القانون رقم 200/2020 بمهلة زمنية قصيرة هي "سنة واحدة" تسري من تاريخ نشر هذا القانون ، اي 31/12/2020، فهل تكفي مهلة السنة الواحدة لتحقيق الغاية من القانون ؟
اننا لا نعتقد ذلك، لان الدولة اللبنانية ستأخذ وقتها الكافي للتعاقد مع شركة اخرى غير Alvarez & Marsal او حتى مع هذه الاخيرة ذاتها، فالشروط تبدلت، ولا بد بادىء ذي بدء من قرار آخر لمجلس الوزراء يجيز للدولة اللبنانية ممثلة بوزارة المالية التعاقد بالشروط الجديدة بحيث لا يقتصر التدقيق على التحقيق الجنائي بل يتعداه ايضا الى التدقيق المالي ويشمل كل حسابات الدولة اللبنانية كما هو مبيّن اعلاه وليس فقط حسابات مصرف لبنان.
وبعد مرحلة اجازة مصرف لبنان ، تبدأ مرحلة التفاوض على العقد ومناقشة بنوده ، ليتم لاحقا ابرامه من الطرفين.
ثم تاتي عملية التدقيق المالي، والتحقيق الجنائي لكل الحسابات الرسمية اعلاه، فهل تكون مهلة " السنة الواحدة " " كافية " لانجاز مهمة التدقيق والتحقيق ، كما جاء في الاسباب الموجبة للقانون ؟
اننا لا نتوقع ذلك، خلافا لرأي واضعي اقتراح القانون، فعمليا ستستغرق عملية التدقيق والتحقيق سنين طويلة وليس سنة واحدة.
فهل شاء المشترع ان يضع " لغما" ناسفا في القانون ، فيكون قد اوجده وانهاه في نص واحد وحيد ؟
ان ما يقلقنا هو عدم النص على قابلية تمديد مهلة السنة ، ما سيتطلب قانونا تمديديا جديدا، فهل سيحصل ذلك ؟
اذا كانت النية ان يحصل التدقيق المالي والتحقيق الجنائي، فانه لا بد من التمديد مستقبلا، وستسير الامور على ما يرام، اما اذا كانت النية "تطيير" التدقيق المالي والتحقيق الجنائي " بلعبة مخفية " ليست بعيدة عن الممارسة السياسية في لبنان، فالويل والثبور وعظائم الامور ... والله اعلم.
(1) المنشور في الجريدة الرسمية، العدد 51، تاريخ 31/12/2020، ص 2619.

