أساس رقم 211/2020
2-عدم إعتبار إيداع مبلغ من المال مقابل تخليص الأموال المحجوزة من الحجز إقرارًا بصحة الدين أو بصحة الإجراءات أو حائلًا دون المنازعة في صحة الحجز والمطالبة بإبطاله.![]()
3-إعتبار الشخص الطبيعي الممثل للشخص المعنوي مسؤولًا أساسيّا عن الأفعال الجرمية المرتكبة بإسم هذا الأخير أو بإحدى وسائله.![]()
4-إعتبار مسؤولية الممثل القانوني كشخص طبيعي شرطًا أساسيًا لقيام مسؤولية الشخص المعنوي.
5-إعتبار حاكم مصرف لبنان مسؤولًا جزائيًا بصفته الشخصية بمجرد قيام مسؤولية المصرف الذي يمثله.
8-إعتبار صدور حكم في دعوى إثبات الدين كافيًا لتحويل الحجز الإحتياطي إلى حجز تنفيذي.![]()
9-حق كل دائن بإلقاء الحجز الإحتياطي على أموال مدينه بصرف النظر عن طبيعة السند المثبت للدين.
10-إعتبار دعوى إثبات الدين المتمثلة بشكوى الحاجزين الجزائية حائلًا دون سقوط الحجز الإحتياطي.
11-عدم خضوع المصرف المركزي للرقابة ولقواعد الإدارة وتسيير الأعمال الخاضعة لها مؤسسات القطاع العام.![]()
12-الطبيعة الفريدة ذات الخصائص الخاصة لمصرف لبنان.
14-إعتبار الإدعاء بجرائم خارجة عن الوظيفة مسقطًا للحصانة.
17-إعتبار إقراض مصرف لبنان للدولة حالة إستثنائية غير جائز اللجوء اليها الا بعد إستنفاد الوسائل الأخرى.
![]()
18-إعتبار مخالفة حاكم مصرف لبنان لمبدأ إستثنائية الإقراض للدولة والمصارف خطأً جسيمًا لإنحرافه عن الهدف الأساسي بالمحافظة على سلامة النقد وإبقاء الإنسجام بين السيولة المصرفية وحجم التسليف.
![]()
لدى التدقيق؛
تبيّن؛
أن السيد رياض توفيق سلامة، وكيله المحامي ...، تقدّم بتاريخ 24/7/2020 باعتراض طعناً بقرار الحجز الاحتياطي رقم 501/2020 بوجه المحامين حسن عادل بزي وهيثم عدنان عزّو وجاد عثمان طعمة وبيار بولس الجميّل وفرنسواز كامل وجوزيف أنطوان وانيس وباسل علي عباس والسيد جوي بدر حداد عرض فيه، أن المعترض بوجههم تقدّموا بحقه بشكوى جزائية أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت أسندوها إلى المواد /319/ و/320/ و/359/ و/360/ و/363/ و/373/ من قانون العقوبات وطلبوا بموجبها إلزامه بدفع بدل العطل والضرر اللاحق بهم والذي قدّروه في الشكوى بما لا يقل عن مائتي ألف دولار أميركي، وأنهم تقدّموا بطلب الحجز الاحتياطي استناداً للشكوى المذكورة، وأنه تبلّغ قرار الحجز بتاريخ 22/7/2020، وأدلى بوجوب الرجوع عن قرار الحجز الاحتياطي لصدوره بوجهه بصفته الشخصية ولعدم توافر شروط المادة /866/ من قانون أصول المحاكمات المدنية لإلقاء الحجز الاحتياطي على أمواله الشخصية، إذ أن الشكوى الجزائية مقامة بوجهه بشكل واضح وصريح بصفته حاكماً لمصرف لبنان في حين أن قرار الحجز صدر بوجهه بصفته الشخصية وليس بصفته حاكماً لمصرف لبنان، وإن التمييز بين مختلف صفاته وتحديد ما إذا كان الدين متوجباً بذمته الشخصية أم لا هو أمر أساسي وضروري، وأنه لا يجوز إلقاء الحجز الاحتياطي على العقارات الشخصية العائدة لممثل الشركة ضماناً لدين متوجّب بذمة هذه الشركة، وطالما أن الأفعال منسوبة إليه بصفته حاكماً لمصرف لبنان فلا يكون بالتالي دين الحاجزين له أية علاقة أو مرتبط بأي شكل من الأشكال بذمته ولا يمكن إلقاء الحجز على أمواله الشخصية، كما أدلى بوجوب إعلان سقوط الحجز الاحتياطي عملاً بأحكام المادة /870/ من قانون أصول المحاكمات المدنية لأن الشكوى الجزائية المقامة بوجهه بصفته حاكماً لمصرف لبنان لا تشكّل الادعاء الذي يمنع سقوط الحجز لأن هذا الحجز صدر بوجهه بصفته الشخصية، واستطراداً أدلى بوجوب الرجوع عن قرار الحجز لثبوت أن الدين غير مرجّح الوجود إطلاقاً وغير مرتكز على أساس قانوني صحيح إذ أن مجرّد تقديم شكوى جزائية غير كافٍ لاعتبار أن الدين المطالب به هو مرجّح الوجود، ولأن هذه الشكوى غير مقبولة لتمتّعه بالحصانة، وفي اعتباره موظفاً، لعدم الاستحصال على موافقة الإدارة التي ينتمي إليها، أي السلطة التي قامت بتعيينه عملاً بالمادة /61/ من المرسوم الاشتراعي رقم 112/1959 المعدّلة بالقانون رقم 156/2020، ولأن الحسابات الخاصة العائدة للحاجزين لدى المصارف التجارية ليس من شأنها أن ترجّح أي دين لهم بذمته إذ أنها خاضعة للأحكام التي ترعى هذه الحسابات وإن أي خلاف يكون محصوراً بين المصارف وزبائنها، ولا علاقة له بها لا شخصياً ولا بصفته حاكماً لمصرف لبنان، وطلب بالنتيجة قبول الاعتراض في الشكل، وبقبوله في الأساس والرجوع عن قرار الحجز الاحتياطي رقم 501/2020 للأسباب المذكورة أعلاه، وشطب إشارته عن صحيفة العقارات المحجوزة، وتضمين المعترض بوجههم الرسوم والمصاريف والعطل والضرر؛
وأن المعترض بوجههما المحاميين هيثم عدنان عزّو وحسن عادل جابر بزّي تقدّما بتاريخ 10/8/2020 بلائحة جوابية أدليا فيها، أنه لا يمكن للمعترض أن يطلب رفع الحجز لقاء كفالة مالية ثم تقديم اعتراض على الحجز لأنه بذلك يكون قد أقرّ بصحة الحجز، وأن الشكوى الجزائية وإن كانت مُقدّمة على المعترض بصفته حاكماً لمصرف لبنان إلا أنهما يطالبانه فيها بحقوق شخصية بصفته الذاتية، وأن ارتكاب المعترض لأي خطأ أو تقصير أو إهمال في أداء مهامه كحاكم لمصرف لبنان يستوجب مساءلته شخصياً عن نتائج أعماله وهذه المسؤولية هي شخصية جزائية ومدنية، ولا يغيّر من ذلك صفته المهنية أو الوظيفية طالما أن الآثار القانونية للمسؤولية الجزائية هي آثار شخصية بحتة، وأن الشكوى المقدّمة هي بوجه المعترض وليست بوجه المصرف المركزي الذي يتمتّع بالشخصية المعنوية المستقلة عنه، وأن المخالفات الجسيمة المنسوبة إلى المعترض هي سوء الهندسات المالية والمصرفية وصفقات الفساد مع كبار رجال الدولة، وسوء حماية سلامة النقد الوطني والتلاعب بسعر الصرف عبر مدير العمليات النقدية في المصرف المركزي، وسوء إدارة القطاع المصرفي وتقصيره وإهماله الجسيم في ظل غياب رقابته الجديّة على أعمال المصارف، ومخالفة الدستور والقوانين بقرارات وتعاميم خارجة عن صلاحياته، وتمويل الدولة بتسليفات عشوائية دون قطع حساب للموازنة وبقروض غير معلّلة وفي ظل ظروف عادية وطيلة عقود من الزمن، وعدم الحفاظ على احتياط من العملات الأجنبية التي تضمن سلامة تغطية النقد اللبناني والتصرف باحتياطات إلزامية على سبيل الإيداع، وإغفال متعمّد في مراقبة عمليات نقل الأموال والتحويلات المالية والمصرفية الخارجية المشبوهة، وأضافا أنهما يملكان حسابات مصرفية لدى المصارف العاملة في لبنان وقد امتنع عليهما الاستحصال على أموالهما وودائعهما من تلك المصارف بسبب الأزمة التي تمرّ بها، وأن المعترض هو المؤتمن على حسن تطبيق أحكام قانون النقد والتسليف وانتظام العمل المصرفي وسلامة أوضاعه، وأن الأخطاء التي ارتكبها قد أدّت بشكل مباشر إلى إحداث الأزمة المالية والمصرفية التي تعصف بالبلاد وخصوصاً بالقطاع المصرفي ما أدّى إلى إلحاق الضرر بهما نتيجة منعهما من استيفاء ودائعهما، كما امتد الضرر اللاحق بهما إلى مداخيلهما التي تدنّت قدرتها الاقتصادية، وأن الشكوى الجزائية المباشرة التي تُدفع سلفتها تُحرّك دعوى الحق العام سنداً للمادة /155/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وأن للقاضي الجزائي التصدّي لدعوى الحق الشخصي الأمر الذي يجعل من الشكوى المباشرة تعدّ في شقها المدني دعوى تعويض عن أضرار وبمثابة دعوى إثبات دين ناتج عن جرم وكافية بحدّ ذاتها لمنع سقوط الحجز، كما أدليا بأن الأضرار الشخصية التي يدعونها ناتجة عن مخالفات وجرائم اقترفها المعترض وموثّقة بمستندات وتقارير علمية لمحللين ماليين ومصرفيين واقتصاديين أجمعت على مسؤولية المعترض المباشرة، وبالتالي يكون دينهما أكثر من محتمل الوجود خاصة وأن حاكم مصرف لبنان لا يتمتّع بأية حصانة، وطلبا في الختام ردّ الاعتراض شكلاً وإلا أساساً لعدم الصحة والجدية والقانونية ولعدم الثبوت وذلك للأسباب المذكورة أعلاه، وإلزام المعترض بالعطل والضرر لتعسّفه باستعمال حق الدفاع، وتضمين المعترض الرسوم والنفقات والمصاريف كافة؛
وأنه في الجلسة المنعقدة بتاريخ 14/10/2020 تبنّى المعترض بوجههم المحامون جاد طعمة وبيار الجميّل وفرنسواز كامل كل ما جاء في اللائحة الجوابية الوحيدة، في حين طلب المحاميين جوزيف وانيس وباسل عباس والسيد جوي حداد ردّ الاعتراض شكلاً بوجههم لعدم صدور القرار لمصلحتهم، واستطراداً في الأساس تبنّوا ما جاء في اللائحة الجوابية، وكرّر الفريقان أقوالهما ومطالبهما السابقة، واختتمت المحاكمة أصولاً؛
بناء عليه
أولاً: في الشكل:
حيث إن المادة /868/ من قانون أصول المحاكمات المدنية تنص على أن القرار القاضي بإلقاء الحجز وبالتقدير المؤقت للدين يقبل الطعن أمام القاضي الذي أصدره في مهلة خمسة أيام من تاريخ تبليغه، وينظر في هذا الطعن وفق الأصول المتبعة في القضايا المستعجلة؛
وحيث إن المعترض تبلّغ القرار القاضي بإلقاء الحجز الاحتياطي بتاريخ 22/7/2020 فيكون الاعتراض الراهن المقدّم بتاريخ 24/7/2020 وارداً ضمن المهلة المفروضة قانوناً، هذا فضلاً على استيفائه سائر شروطه الشكلية، الأمر الذي يستتبع معه قبوله في الشكل؛
ثانياً: في الموضوع:
في انتفاء صفة بعض المعترض بوجههم
حيث إنه يقتضي في المستهل البتّ بطلب المحاميين جوزيف أنطوان وانيس وباسل علي عباس والسيد جوي بدر حداد المقدّم في الجلسة الختامية والرامي إلى ردّ الاعتراض المقدّم بوجههم؛
وحيث إنه بالرجوع إلى قرار الحجز الاحتياطي المعترض عليه رقم 501/2020 يتبيّن أنه قضى بردّ طلب إلقاء الحجز المقدّم من هؤلاء لعدم أرجحية وجود الدين لصالحهم؛
وحيث إن المعترض تقدّم باعتراضه بوجه المذكورين رغم ردّ طلب الحجز المقدّم منهم؛
وحيث إن المادة التاسعة من قانون أصول المحاكمات المدنية تنص على أنه لا يقبل أي طلب أو دفع أو دفاع صادر عن أو ضد شخص لا صفة له؛
وحيث إنه بالتالي، وطالما أن قرار الحجز غير صادر لمصلحة أي من المحاميين جوزيف وانيس وباسل عباس والسيد جوي حداد، فلا تكون لهم الصفة لتقديم الاعتراض بوجههم، الأمر الذي يستوجب ردّه عنهم لهذه العلة؛
في إمكانية الاعتراض على الحجز الاحتياطي وطلب رفعه لقاء إيداع نقدي في آنٍ معاً
حيث إن المعترض بوجههم يطلبون ردّ الاعتراض لأنه لا يمكن للمعترض أن يطلب رفع الحجز لقاء كفالة مالية ثم تقديم اعتراض على الحجز لأنه بذلك يكون قد أقرّ بصحة الحجز؛
وحيث إنه من الثابت من ملف الحجز الاحتياطي المعترض عليه والمضموم إلى ملف الاعتراض الراهن أن المعترض تقدّم بطلب رفع الحجز الاحتياطي لقاء إيداع نقدي مبرزاً شيكاً بقيمة /137.500/ د.أ.، وذلك قبل تقديم الاعتراض الراهن؛
فتحي والي، التنفيذ الجبري في المواد المدنية والتجارية، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة /2019/، بند /266/، ص. /489/
طلعت دويدار، النظرية العامة للتنفيذ القضائي، الطبعة الثانية، منشورات الحلبي الحقوقية، /2011/، ص. /157/
وحيث إنه يُستفاد مما تقدّم بيانه، بأنه يظل بإمكان المحجوز بوجهه المنازعة في صحة الحجز أياً كان سبب المنازعة لأن الحجز ينتقل إلى ما صار إيداعه بحيث لا يعدّ الإيداع إقراراً بصحة الدين أو بصحة الإجراءات؛
حلمي الحجار وهالة الحجار، أصول التنفيذ الجبري – دراسة مقارنة، الطبعة الثالثة /2010/، بند /172/، ص. /380/
وحيث إنه في ضوء ما سبق تبيانه، يقتضي ردّ أقوال المعترض بوجههم المخالفة؛
في صفة المعترض كحاكم لمصرف لبنان
حيث إن المعترض يطلب، من نحوٍ أول، الرجوع عن قرار الحجز الاحتياطي لصدوره بوجهه بصفته الشخصية ولعدم توافر شروط المادة /866/ من قانون أصول المحاكمات المدنية لإلقاء الحجز الاحتياطي على أمواله الشخصية، إذ أن الشكوى الجزائية مقامة بوجهه بشكل واضح وصريح بصفته حاكماً لمصرف لبنان في حين أن قرار الحجز صدر بوجهه بصفته الشخصية وليس بصفته حاكماً لمصرف لبنان؛
وحيث أن المعترض بوجههم يطلبون ردّ الاعتراض لأن الشكوى الجزائية وإن كانت مُقدّمة على المعترض بصفته حاكماً لمصرف لبنان إلا أنهم يطالبونه فيها بحقوق شخصية بصفته الذاتية، وأن ارتكاب المعترض لأي خطأ أو تقصير أو إهمال في أداء مهامه كحاكم لمصرف لبنان يستوجب مساءلته شخصياً عن نتائج أعماله وهذه المسؤولية هي شخصية جزائية ومدنية، ولا يغيّر من ذلك صفته المهنية أو الوظيفية طالما أن الآثار القانونية للمسؤولية الجزائية هي آثار شخصية بحتة، وأن الشكوى المقدّمة هي بوجه المعترض وليست بوجه المصرف المركزي الذي يتمتّع بالشخصية المعنوية المستقلة عنه؛
وحيث إنه لا يمكن التصدّي إلى إدلاءات كل من المعترض والمعترض بوجههم لهذه الجهة إلا بعد العودة إلى المبادئ القانونية الأساسية والقواعد العامة التي تحكم مسؤولية الأشخاص المعنويين من جهة أولى والذمة المالية من جهة ثانية؛
وحيث إنه على صعيد المبادئ التي ترعى الأشخاص المعنويين، كمصرف لبنان مثلاً، فمن البديهي، بحكم طبيعة هذه الأشخاص، أن ليس لها بذاتها إرادة، فلا تقدر، نظراً إلى طبيعة تكوينها، أن تباشر نشاطها بنفسها، بل يباشر عنها هذا النشاط من يمثّلونها من الأفراد فهؤلاء الأشخاص الطبيعيون الذين يمثّلون الشخص المعنوي هم الأداة التي يزاول بها هذا الأخير نشاطه؛
عبد المنعم فرج الصده، أصول القانون، دار النهضة العربية، /1971/، ص. /496/
محمد مكي، بحث في مساءلة الهيئات المعنوية أمام القضاء الجزائي، /1995/، ص. /22/
Jean Pradel et André Varinard : Les grands arrêts du droit pénal général, 11éme éd., Dalloz 2018, p. 604 et s.
وحيث إنه بخصوص الذمة المالية فهي مجموع ما للشخص وما عليه من حقوق وواجبات مالية، وهي لا توجد إلا مستندةً إلى شخص (عبد المنعم فرج الصده، أصول القانون، دار النهضة العربية، /1971/، ص. /412/)، فهي العلاقة بين الشخص وأمواله (Guillaume Wicker, Les fictions juridiques. Contribution à l'analyse de l'acte juridique : LGDJ, 1996, spéc. n° 187)، وهذا ما يحيلنا بشكل أساسي إلى حق الارتهان العام للدائن على مملوك مدينه بمجموعه المكرّس في المادة /268/ من قانون الموجبات والعقود، الأمر الذي يُستفاد منه مبدأ وحدة الذمة المالية وعدم تجزئتها وضمانها بمجموعها لحقوق الدائنين؛
Mustapha Mekki, Le patrimoine aujourd’hui, JCP n° 46,
14 nov. 2011, doctrine 1258
وحيث إن مبدأ الوحدة يعني أن الشخص لا يمكن أن يكون له أكثر من ذمة مالية واحدة (إلا في حال وجود نص صريح يُخضع جزءاً منها لنظام خاص)، ومبدأ عدم التجزئة يحيل إلى فكرة أن هذه الذمة المالية الواحدة لا يمكن تقسيمها؛
Anne-Laure Thomat-Raynaud, L'unité du patrimoine : essai critique : Defrénois, thèse, 2007, spéc. n° 133 et s., p. 60 et s.
وحيث إنه ينبني على ما تقّدم بيانه، أنه في حال مارس الشخص أكثر من نشاط فإن ذمته المالية تظل واحدة ولا تتجزأ بتعدّد نشاطاته أو مهنه أو أعماله أو وظائفه، وبالتالي تظل بمجموعها ضامنة لديونه، أياً كانت هذه الديون، ومن أي نشاط تأتّت، وذلك تبعاً لحق الارتهان العام المحكي عنه، إذ لا وجود قانوني لما سُمّيَ بازدواجية الشخصية بين مهنية وخاصة؛
E. Dubuisson, La non-adoption de la « pro-personnalité » : Dr. et patrimoine, avr. 2010, p. 75
في الإدلاء بسقوط الحجز الاحتياطي لعدم اعتبار الشكوى ادعاءً يثبت الدين
حيث إن المعترض يطلب، من نحوٍ ثانٍ، إعلان سقوط الحجز الاحتياطي عملاً بأحكام المادة /870/ من قانون أصول المحاكمات المدنية لأن الشكوى الجزائية المقامة بوجهه بصفته حاكماً لمصرف لبنان لا تشكّل الادعاء الذي يمنع سقوط الحجز لأن هذا الحجز صدر بوجهه بصفته الشخصية؛
وحيث إن المعترض بوجههم يدلون بأن الشكوى المقدّمة هي بوجه المعترض وليست بوجه المصرف المركزي الذي يتمتّع بالشخصية المعنوية المستقلة عنه، وبأنها تعدّ في شقها المدني دعوى تعويض عن أضرار وبمثابة دعوى إثبات دين ناتج عن جرم وكافية بحدّ ذاتها لمنع سقوط الحجز؛
وحيث إن المادة /870/ من قانون أصول المحاكمات المدنية تنص على أن الحجز يسقط إذا لم يتقدّم الحاجز بادعاء لدى المحكمة المختصة للحكم له بدينه سبب الحجز في مهلة خمسة أيام من تاريخ قرار الحجز، ما لم يكن قد تقدّم بهذا الادعاء سابقاً؛ وعلى الحاجز أن يثبت قيامه بذلك في خلال مهلة خمسة أيام من تاريخ تبلغه كتاباً بهذا الشأن من دائرة التنفيذ، وإلا يُعلن رئيس دائرة التنفيذ تلقائياً سقوط الحجز؛
محكمة استئناف بيروت، الغرفة الأولى، قرار رقم /1298/ تاريخ 1/12/1966، حاتم، ج./67/، ص./37/
وحيث إنه بالرجوع إلى ملف الحجز الاحتياطي المضموم إلى ملف الاعتراض الراهن، يتبيّن أن الحاجزين، بخلاف ما أدلى به المعترض، أبرزوا عند تقديم طلب الحجز صورة طبق الأصل عن الشكوى المباشرة التي تقدّموا بها ضد المعترض أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت بتاريخ 15/6/2020 برقم 1102/2020 طالبين في خاتمتها اتخاذ صفة الادعاء الشخصي ضد المدعى عليه ... وإلزامه بدفع بدل العطل والضرر اللاحق بهم ...؛
وحيث إنه في ضوء ما تقدّم، فإن الحكم الذي سيصدر بنتيجة الشكوى الجزائية المقامة بحق المعترض سيتم تنفيذه بوجهه لأن مسؤوليته شخصية مهما كانت الصفة التي أوجبت قيامها، وسيُلقى الحجز على أمواله الشخصية، إذ أنه، كما سبق وأشرنا، للمعترض ذمة مالية واحدة ضامنة للديون المترتّبة عليه؛
وحيث إنه طالما أن للمدعين الحق باللجوء إلى دائرة التنفيذ من أجل تنفيذ الحكم الذي سيصدر بنتيجة الشكوى الجزائية، فإن هذا الحق يوليهم تالياً الحق بحجز أموال المدعى عليه عن طريق الحجز التنفيذي تمهيداً لبيعها بالمزاد العلني تحصيلاً لدينهم؛
في الإدلاء بحصانة المعترض
وحيث إن المعترض يطلب، من نحوٍ ثالث، الرجوع عن قرار الحجز الاحتياطي لأن الشكوى الجزائية المساقة بحقه غير مقبولة لتمتّعه بالحصانة؛
وحيث إن المعترض بوجههم يطلبون ردّ الاعتراض لأن حاكم مصرف لبنان لا يتمتّع بأي حصانة؛
وحيث إن المادة /54/ من قانون موازنة العام /2004/ أخضعت التعيين والتعاقد في جميع المؤسسات العامة والمصالح المستقلة والمجالس والهيئات والصناديق العامة لصلاحية مجلس الخدمة المدنية باستثناء مصرف لبنان؛
La Banque de France constitue une personne publique chargée par la loi de missions de service public, elle n'a pas le caractère d'établissement public mais revêt une nature particulière et présente des caractéristiques propres.
CE, 16 nov. 2005, n° 279830 : JurisData n° 2005-069319
CE, 21 février 2003, n°237772 : JurisData n° 2003-064938
كما اعتُبر أن المصرف المركزي هو شخص من أشخاص القانون العام لكن من نوع خاص sui generis، مؤلفاً لفئة جديدة من الأشخاص العموميين؛
Corinne Manson : Enterprise à capital intégralement public, JurisClasseur Sociétés Traité, Fasc. 178-25, date du fascicule : 10 octobre 2018, n° 61
وحيث إنه ضمن نفس السياق جاءت المادة /40/ من النظام العام للمؤسسات العامة الصادر بالمرسوم رقم /4517/ تاريخ 13/12/1972 لتنص على أن يبقى مصرف لبنان خاضعاً لقانون إنشائه وللنصوص التنظيمية الصادرة تطبيقاً له؛
وحيث إنه بالرجوع إلى النصوص الناظمة للمصرف المركزي يتبيّن أنها حدّدت كيفية تعيين الحاكم (المادة /18/ من قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي) وإقالته (المادة /19/) والمحظورات التي تنطبق عليه (المادتين /20/ و/23/) وتعويض انتهاء خدماته (المادة /24/)؛
وحيث إنه من الملاحظ أنه يستحق للحاكم مخصصات (المادة /22/)، وأنه يخضع لنظام خاص يضعه المجلس المركزي الذي يرأسه (البند التاسع من المادة /33/)، ويتمتّع بأوسع الصلاحيات لإدارة المصرف وتسيير أعماله (المادة /26/)؛
وحيث إن واضع قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي أشار إلى أنه جرى صياغة وضعية الحاكم بصورة تضمن استقلاليته، كما تمّ إقرار التعاون بين الدولة والمصرف المركزي، من المداولات حتى اتخاذ القرار، بشكل يحول دون المسّ بمبدأ الاستقلالية؛
Joseph Oughourlian: Une monnaie, un état, histoire de la monnaie libanaise, Editions Erès, Toulouse 1981, p. 206
وحيث إن المشرّع عاد وأكّد على استقلالية المصرف المركزي وعدم خضوعه سوى للأحكام التي تنظّمه دون سواها، إذ أدرج في المادة /40/ في قانون موازنة العام /1984/ نصاً واضحاً وصريحاً بأنه: خلافاً لأي نص آخر، لا يخضع مصرف لبنان والعاملون فيه إلا للأحكام القانونية والتنظيمية الخاصة التي ترعى شؤونه؛
وحيث إنه بالتالي يتبدّى وفق الظاهر المتاح أن حاكم مصرف لبنان يخضع حصراً للنظام الخاص به؛
وحيث إنه والحالة ما تقدّم بيانه، فإنه يُرجّح عدم خضوع المعترض للمادة /61/ من نظام الموظفين التي تعلّق الملاحقة الجزائية في الجرائم الناشئة عن الوظيفة على موافقة الإدارة التي ينتمي إليها، لأنه خاضع فقط للنصوص التي ترعى شؤونه وفق صراحة المادة /40/ أعلاه؛
محمد مكي: المرشد في الدفوع الشكلية أمام القضاء الجزائي، /2009/، ص. /440/
وحيث إنه تأسيساً على مجمل ما سبق سوقه، يكون ما أدلى به المعترض لجهة تمتّعه بالحصانة واقعاً في غير محله القانوني وبالتالي مستوجباً الردّ؛
في أرجحية قيام مسؤولية المعترض
حيث إن المعترض يطلب، من نحوٍ رابع، الرجوع عن قرار الحجز الاحتياطي لأن مجرّد تقديم شكوى جزائية بحقه غير كافٍ لاعتبار الدين المطالب به مرجّح الوجود؛
وحيث إن المعترض بوجههم يطلبون ردّ الاعتراض لأن ما يُنسب إلى المعترض من مخالفات جسيمة هي سوء الهندسات المالية والمصرفية وصفقات الفساد مع كبار رجال الدولة، وسوء حماية سلامة النقد الوطني والتلاعب بسعر الصرف عبر مدير العمليات النقدية في المصرف المركزي، وسوء إدارة القطاع المصرفي وتقصيره وإهماله الجسيم في ظل غياب رقابته الجديّة على أعمال المصارف، ومخالفة الدستور والقوانين بقرارات وتعاميم خارجة عن صلاحياته، وتمويل الدولة بتسليفات عشوائية دون قطع حساب للموازنة وبقروض غير معلّلة وفي ظل ظروف عادية وطيلة عقود من الزمن، وعدم الحفاظ على احتياط من العملات الأجنبية التي تضمن سلامة تغطية النقد اللبناني والتصرف باحتياطات إلزامية على سبيل الإيداع، وإغفال متعمّد في مراقبة عمليات نقل الأموال والتحويلات المالية والمصرفية الخارجية المشبوهة؛
وحيث إن المادة /866/ من قانون أصول المحاكمات المدنية تنص على أنه:
«للدائن أن يطلب من رئيس دائرة التنفيذ الترخيص بإلقاء الحجز الاحتياطي على أموال مدينه تأميناً لدينه. على أن هذا الحجز لا يجوز تأميناً لدين غير مستحق الأداء أو معلق على شرط لم يتحقق بعد إلا في الحالات المعينة بالمادة /111/ من قانون الموجبات والعقود.
إذا لم يكن الدين ثابتاً بسند فلرئيس دائرة التنفيذ أن يقرر إلقاء الحجز الاحتياطي متى توافرت لديه أدلة ترجح وجود هذا الدين»؛
وحيث إن المادة /867/ من القانون عينه تنص أيضاً على أنه:
«يقدم طلب الحجز باستدعاء مرفق بمستندات الدين والوثائق الأخرى اللازمة.
إذا كان الدين غير معين المقدار فعلى رئيس دائرة التنفيذ تقديره مؤقتاً على أن يضم إلى أصل الدين الفوائد المستحقة وفائدة سنة لم تستحق والرسوم والنفقات المتوقعة»؛
وحيث إنه يتبدّى مما تقدّم سرده، أن رئيس دائرة التنفيذ، في معرض تناوله أي ملف حجز احتياطي، موجّه ضمن إطارين:
إذا كان الدين ثابتاً بسند، فإنه يقرّر إلقاء الحجز الاحتياطي في حال كان هذا الدين مستحق الأداء وغير معلّق على شرط؛
إذا كان غير ثابت بسند، فإنه يتم تقرير الحجز الاحتياطي متى توافرت أدلة ترجّح وجود هذا الدين، على أنه في حال كان غير معين المقدار، فيتم تقديره مؤقتاً؛
وحيث إنه استناداً إلى ما ذُكِرَ، فإن وضع الملف الراهن ينحصر ضمن الإطار الثاني الذي يفترض قيام الدليل على أرجحية وجود الدين، وبالتالي إذا كان صحيحاً أنه يخرج عن اختصاص رئيس دائرة التنفيذ التعرّض لأصل الحق، إلا أنه يدخل في صلب اختصاصه ترجيح وجود هذا الحق انطلاقاً من المعطيات الواقعية والقانونية المثارة أمامه؛
وحيث إنه من المقرّر فقهاً واجتهاداً، أن الدين المرجّح الوجود، هو الدين الذي يغلب احتمال وجوده على احتمال انعدامه على أن يكون ثابتاً بسبب ظاهر يدل على وجوده؛
وحيث إن المعترض لم يتكبّد عناء الإجابة على ما يُنسب إليه من مخالفات، إذ بقيت إدلاءات الحاجزين لهذه الجهة، والتقارير المبرزة من قبلهم، دون أي حجّة مقابلة من قبله؛
وحيث إنه، ومهما يكن من أمر، من المجدي تبيان مدى أرجحية وجود الدين بذمة المعترض انطلاقاً من المعطيات الموجودة في الملف؛
وحيث إن المادتين /70/ و/76/ من قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي حدّدتا مهمة المصرف المركزي العامة بالمحافظة على النقد لتأمين أساس نمو اقتصادي واجتماعي دائم، وإبقاء الانسجام بين السيولة المصرفية وحجم التسليف وبين هذه المهمة العامة؛
C’est que la stabilité de la monnaie est « la condition irremplaçable » du progrès économique et social d’un pays. C’est là une vérité que les faits démontrent tous les jours : … nous constatons que les pays les plus prospères sont ceux qui ont suivi la politique monétaire la plus orthodoxe ; mieux, que leur prospérité n’a commencé que le jour où leur conduite monétaire est devenue correcte.
Joseph Oughourlian: Une monnaie, un état, histoire de la monnaie libanaise, Editions Erès, Toulouse 1981, p. 208
وحيث إن المادة /85/ من نفس القانون تنص على أن مصرف لبنان هو مصرف القطاع العام يدفع المبالغ ويجري تحويل الأموال للقطاع العام لكن بحدود موجودات هذا الأخير لديه، كما يمكنه إعطاء قروض للقطاع العام في الحالات المنصوص عليها في المواد /88/ و/91/ و/92/؛
وحيث إنه يتبيّن من نص المادة /88/ من قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي أنه يمكن إعطاء تسهيلات صندوق لخزينة الدولة لمدة لا تتعدّى الأربعة أشهر ولا يمكن استعمال هذه الإجازة أكثر من مرة واحدة خلال اثني عشر شهراً، كما يتبيّن من نص المادة /90/ أن المبدأ أن المصرف المركزي لا يعطي قروضاً للدولة إلا في ظروف استثنائية الخطورة أو في حالات الضرورة القصوى وفق آلية تنص عليها المادة /91/ إذ يجب أولاً دراسة إمكانية المساعدة بوسائل أخرى، وفي حال تعذّر ذلك وإصرار الحكومة يمكن منح القرض المطلوب لمدة لا تزيد عن العشر سنوات، على أن يتم، إذا لزم الأمر، اتخاذ التدابير التي من شأنها الحدّ مما قد يكون للقرض من عواقب اقتصادية سيئة وخاصة الحدّ من تأثيره، في الوضع الذي أعطي فيه، على قوة النقد الشرائية الداخلية والخارجية؛
وحيث إنه بالتالي يتبيّن أن إقراض المصرف المركزي للحكومة له عواقب اقتصادية سيئة، لذا أقرّ القانون المبدأ بعدم إمكانية اللجوء إليه إلا في حالات استثنائية وضمن شروط ضيّقة، لأن هذا المبدأ هو الأساس في منح الثقة في النقد ويشكّل أحد الشروط الجوهرية للحفاظ على سلامة العملة الوطنية والاقتصاد بشكل عام؛
L’article 90 pose comme principe qu’en dehors de la facilité de caisse précitée, la banque centrale ne consent pas de crédits au secteur public.
Ce principe, auquel il ne peut être dérogé que dans les cas et les conditions strictement définis aux articles 90 et 91, est la base de la confiance dans la monnaie et constitue une des conditions fondamentales du maintien de la santé de la devise nationale et de l’économie en général.
Joseph Oughourlian, op. cit., p. 210
وحيث إنه، على غرار الدولة، فإن المصرف المركزي ليس مجبراً بمبدأ إلزامي على منح قروض للمصارف التجارية، إنما هو يقوم بذلك على قدر ما يرى أن مساعدته تخدم المصلحة العامة بحسب المادة /99/ من قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي؛
وحيث إنه، بحسب المادة /102/ من نفس القانون، لمجلس المصرف، في ظروف استثنائية الخطورة، أو في حالات الضرورة القصوى التي قد تلزمه إلى تلبية حاجات الاقتصاد الملحّة للحفاظ على استقرار التسليف، أن يقرّر منح تسليفات استثنائية، مؤمّنة على قدر الحاجة بضمانات عينية غير الضمانات المشار إليها في الفقرتين السابقتين، ومقدّمة إما من المصرف المستقرض نفسه، أو من أعضاء مجلس إدارته، أو من زبائنه، ويحدّد مجلس المصرف نوع الضمانات اللازمة وشروط منح التسليفات الاستثنائية واستحقاقاتها؛
وحيث إنه من الثابت من الدراسة المرفقة بلائحة الحاجزين تاريخ 8/7/2020 والمبرزة في ملف الحجز الاحتياطي، والذي لم يسعَ المعترض إلى دحضها، ما يلي:
أن حوالي 98% من الزيادة في الدين العام خلال السنوات الخمس الماضية جاء تمويلها مباشرة من مصرف لبنان، إذ وصلت حصته من إجمالي الدين العام إلى أكثر من 40% في نهاية العام /2019/ مقارنة بـ 20% تقريباً في نهاية العام /2014/، الأمر الذي يرجّح ارتكاب مخالفة جسيمة لمبدأ استثنائية الإقراض للدولة المنصوص عليه في المادتين /90/ و/91/ المشار إليهما أعلاه، مع ما لذلك من تأثير سيء على النقد والاقتصاد،
فمصرف لبنان، وفق أحكام هاتين المادتين، غير ملزم بإقراض الدولة لا بل على العكس هو ملزم بعدم إقراضها إلا في حالات جدّ استثنائية وبعد استنفاد الوسائل الأخرى، الأمر غير الثابت تحقّقه؛
1) أنه جرى اعتماد نموذج تمويل الاقتصاد اللبناني على الفوائد المرتفعة لجذب الودائع، ما أدّى إلى توسّع كبير في قاعدة الودائع، وزيادة الاستدانة، وتكبيل النمو، إذ كان الهدف من توسّع مصرف لبنان في عمليات الهندسة المالية استقطاب ودائع جديدة بالدولار للقطاع المصرفي، وتحويلها إليه من خلال عرض فوائد أعلى، ما عطّل دور الوساطة المالية للمصارف وفاقم حدّة الكبت المالي financial repression، الأمر الذي يُرّجح ارتكاب مخالفة فادحة لمبدأ استثنائية الإقراض للمصارف الوارد في المادتين /99/ و/102/ المنوه بهما أعلاه؛
2) إن ازدياد عمليات الهندسة المالية أدّت إلى بلوغ نسبة الودائع لدى مصرف لبنان حوالي 60% من مجمل أصول المصارف مقابل 44% في العام /2015/ إذ وفرّت هامش عوائد عالية على ودائعها بالدولار، إذ تُقدّر الفوائد المتراكمة على ودائع المصارف لدى مصرف لبنان بما يتراوح بين /8/ و/10/ مليارات دولار في العام /2018/، وهو ما شكّل مصدر دخل رئيسي للمصارف وضخّم من أرباحها، فمثلاً لكل مبلغ جديد بالدولار لدى مصرف لبنان، يتقاضى المصرف التجاري فائدة تبلغ 6.5% مع إمكانية أن يحصل المصرف على قرض بالليرة اللبنانية بقيمة أعلى قليلاً بفائدة 2% فقط على أن يودعه مجدّداً لدى مصرف لبنان ليجني عليه فائدة بنسبة 10% على مدى عشر سنوات، الأمر يرّجح الاستسهال في الإقراض بما يخالف المبدأ الذي جرى ذكره في البند الثاني أعلاه؛
وحيث إن ما تقدّم بيانه، يُظهر وفق الظاهر المتاح أن تعثّر القطاع المصرفي هو مسألة نقدية ويعود بشكل أساسي إلى الهندسات التي أدّت إلى انخفاض السيولة لدى هذا القطاع من العملات الأجنبية بسبب استقطابها من قبل مصرف لبنان، وهذا ما سعى المشرّع إلى تلافي حصوله عبر فرض المبادئ المنوه بها سابقاً، خاصة وأن المادة /156/ من قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي أوجبت على المصارف أن تُراعي في استعمال الأموال التي تتلقاها من الجمهور القواعد التي تؤمّن صيانة حقوقه، وعليها بصورة خاصة أن توفّق بين مدة توظيفاتها وطبيعة مواردها؛
وحيث إن المادة /363/ من قانون العقوبات عاقبت كل مَن أوكل إليه بيع أو شراء أو إدارة أموال منقولة أو غير منقولة لحساب الدولة أو لحساب إدارة أو مؤسسة عامة أو بلدية أو هيئة .عامة أو مؤسسة ذات منفعة عامة أو تملك الدولة قسماً من أسهمها فاقترف الغش في أحد هذه الأعمال أو خالف الأحكام التي تسري عليها إما لجر مغنم ذاتي أو مراعاة لفريق إضراراً بالفريق الآخر أو إضراراً بالمصلحة العامة أو الأموال العمومية، أو ارتكب الخطأ الفادح والجسيم؛
وحيث إن الأفعال التي صار تفصيلها في ما سبق مُرجّحة لأن توصف، على أقل تقدير، بأنها أخطاء جسيمة كونها، وفق الظاهر المتاح، خالفت الأحكام القانونية التي كرّسها قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي، وحادت عن الهدف الأساسي للمصرف المركزي المحدّد في المادتين /70/ و/76/ من القانون المذكور بالمحافظة على سلامة النقد وإبقاء الانسجام بين السيولة المصرفية وحجم التسليف؛
وحيث إنه تأسيساً على مجمل ما تقدّم بيانه، من المرجّح قيام المسؤولية الجزائية على عاتق المعترض؛
حيث إن التعليل المساق أعلاه من شأنه تبرير النتيجة المتوصل إليها فلا يعود من موجب للبحث في باقي المخالفات التي أثارها المعترض بوجههم ولا في باقي الجرائم المدعى بها من قبلهم؛
في أرجحية مسؤولية المعترض عن الأضرار اللاحقة بالحاجزين
حيث إن المعترض يطلب، من نحوٍ خامس، الرجوع عن قرار الحجز الاحتياطي لأن الحسابات الخاصة العائدة للحاجزين لدى المصارف التجارية ليس من شأنها أن ترجّح أي دين لهم بذمته إذ أنها خاضعة للأحكام التي ترعى هذه الحسابات وإن أي خلاف يكون محصوراً بين المصارف وزبائنها، ولا علاقة له بها لا شخصياً ولا بصفته حاكماً لمصرف لبنان؛
وحيث إن المعترض بوجههم يطلبون ردّ الاعتراض لأن الأضرار الشخصية التي يدعونها ناتجة عن مخالفات وجرائم اقترفها المعترض وموثّقة بمستندات وتقارير علمية لمحلّلين ماليين ومصرفيين واقتصاديين أجمعت على مسؤولية المعترض المباشرة، ما أدّى بشكل مباشر إلى إحداث الأزمة المالية والمصرفية وبالتالي إلى إلحاق الضرر بهم نتيجة منعهم من استيفاء ودائعهم؛
وحيث إن الحاجزين، كما سبق وأشرنا، تقدّموا بوجه المعترض بشكوى مباشرة أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت بتاريخ 15/6/2020 رقمها 1102/2020 طالبين في خاتمتها اتخاذ صفة الادعاء الشخصي ضد المدعى عليه ... وإلزامه بدفع بدل العطل والضرر اللاحق بهم ...؛
وحيث إن المادة السابعة من قانون أصول المحاكمات الجزائية أجازت للمتضرر من الجريمة أن يتخذ صفة الادعاء الشخصي أمام القاضي المنفرد في الجنحة والمخالفة؛
وحيث إن المادة /132/ من قانون العقوبات أوجبت على المحكمة الجزائية تطبيق أحكام المواد /134/ إلى /136/ ضمناً من قانون الموجبات والعقود على العطل والضر الناتج عن الجرم الجزائي بحيث يُقضى بهما بناءً على طلب الادعاء الشخصي؛
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة /134/ من قانون الموجبات والعقود المحال إليها تنص على أن العوض الذي يجب للمتضرر من جرم أو شبه جرم يجب أن يكون في الأساس معادلاً للضرر الذي حلّ به، كما تنص الفقرة الرابعة من نفس المادة على أن الأضرار غير المباشرة يجب أن ينظر إليها بعين الاعتبار على شرط أن تكون متصلة اتصالاً واضحاً بالجرم أو بشبه الجرم؛
وحيث إنه يُقصد بالأضرار غير المباشرة، تلك التي لا تنتج عادة وبشكل مباشر عن الفعل الضار المشكو منه، لكنها مرتبطة ارتباطاً واضحاً به، إذ لولا ارتكاب الفعل المشكو منه لما حصل هذا الضرر؛ ويعدّ الضرر المرتد صورة من صور الضرر غير المباشر؛
مصطفى العوجي: القانون المدني، الجزء الثاني، المسؤولية، مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى /1996/، ص. /216/ إلى /218/
وحيث إنه يُشترط للحكم بالضرر المرتد، الذي هو صورة من صور الضرر غير المباشر، ثلاثة شروط:
الأول: وقوع نتيجة ضارة بالضحية المباشرة للفعل الأصلي؛
الثاني: تحقّق الضرر الذي ارتدت به تلك النتيجة على شخص ثانٍ؛
الثالث: قيام رابطة بين الضحية المباشرة والمتضرر بالارتداد؛
عاطف النقيب: النظرية العامة للموجبات، مصادر الموجبات، الجامعة اللبنانية، ص. /200/
وحيث إن الحاجزين يدّعون على المعترض بأن أفعاله الجرمية أدّت إلى فقدان السيولة بالعملة الأجنبية لدى المصارف التجارية وضياع ودائعهم وبالتالي عدم إمكانية هذه المصارف من إعادة تلك الودائع إلى أصحابها؛
وحيث إنه يُرجَّح وفق الظاهر المتاح أن فقدان السيولة بالعملة الأجنبية لدى المصارف التجارية هو نتيجة أفعال المعترض (كما سبق توضيحه في النقطة القانونية السابقة)، كما أنه يُرجّح أن هذا الضرر بفقدان السيولة ارتد على الحاجزين مسبّباً ضرراً شخصياً لهم نتيجة عدم إمكانيتهم الحصول على ودائعهم بكاملها، ومما لا شك فيه قيام علاقة مباشرة بين الحاجزين والمصارف التي أودعوا أموالهم لديها، الأمر الذي يُرجّح تحقّق الشروط الثلاثة المفروضة للحكم لمصلحة الحاجزين بالتعويض عن هذا الضرر المرتد اللاحق بهم؛
وحيث إنه ترتيباً على ما تبدّى، يُرجَّح الدين المطالب به بذمة المعترض، الأمر الذي يستوجب ردّ الأقوال المخالفة؛
وحيث إنه بعد ردّ جميع إدلاءات المعترض، يكون الاعتراض الراهن واقعاً في غير محله القانوني وبالتالي مستوجباً الردّ؛
وحيث إنه يقتضي ردّ طلب العطل والضرر غير المتوافرة شروطه المفروضة قانوناً، إن بسبب عدم ثبوت سوء النية، وإن بسبب ما أعطاه القانون من حق تقدير للمحكمة في هذا المجال؛
وحيث إنه بعد الحلّ المعتمد أعلاه بما أسّس عليه من أسباب تعليل، لا يكون من محل لاستفاضة في بحث أي أسباب زائدة غير مؤتلفة مع هذا الحل أو غير مجدية بالنسبة للمسائل التي تحدّد بها إطار المنازعة؛
لـذلــك
يقرّر:
أولاً: قبول الاعتراض في الشكل؛
ثانياً: ردّ الاعتراض في شقه المقدّم بوجه كل من المحاميين جوزيف أنطوان وانيس وباسل علي عباس والسيد جوي بدر حداد لانتفاء صفتهم؛
ثالثاً: ردّ الاعتراض في الأساس للأسباب المبيّنة في متن هذا القرار؛
رابعاً: ردّ طلب العطل والضرر، وردّ كل ما زاد أو خالف؛
خامساً: إعادة ملف الحجز الاحتياطي إلى مرجعه في القلم؛
سادساً: تضمين المعترض نفقات المحاكمة كافة؛
قراراً يفهم ويجري النطق به علناً بتاريخ صدوره الواقع فيه الثاني من كانون الأول 2020
الكاتب القاضي فيصل مكّي
* * *

