بتاريخ 2021/1/28 ، أصدرت وزيرة العدل قرارا تحت الرقم 1189، شكلّت بموجبه لجنة برئاسة القاضي مهيب معماري وحددت مهمتها البحث بجواز اشتراط الايفاء بالعملة الاجنبية وفي الايجاب، هل يؤدي بطلان البنود المحررة بالعملة الاجنبية الى بطلان الاتفاقية برمتها ؟ وهل يعتبر سعر صرف الدولار المحدد بمبلغ 1507.5 ل.ل. للدولار الاميركي الواحد سعرا رسميا لصرف الدولار ؟ وهل يحق للدائن رفض الايفاء بواسطة شيك محرر بالعملة الاجنبية بالرغم من عدم امكانية صرف الشيك ؟ على ان ترفع اللجنة دراستها الى وزيرة العدل خلال مهلة شهر من تاريخ القرار.
يطرح القرار اعلاه عدة ملاحظات على المستويين التشريعي والقانوني الموضوعي، سنتناولها تباعا:
اولا: مقاربة القرار من الوجهة التشريعية:
جاء في حيثيات القرار، بعض " الاسباب الموجبة " التي حملت على اصداره وهي "متطلبات المعالجة القانونية اللازمة المالية والنقدية التي تمر بها البلاد وبصورة خاصة تدني سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الاميركي، والقرارات المتلاحقة الصادرة عن مصرف لبنان والقرارات القضائية المختلفة الصادرة في شأن ايفاء مستحقات مالية بالعملة الاجنبية ". هذه " الاسباب الموجبة " تطرح الملاحظات التالية:
أ ـ حددت الوزيرة مهمة اللجنة في " البحث في امكانية اصدار نص قانوني " يعالج الاشكاليات المطروحة في القرار. فيجب تاليا وفي مرحلة أولية الانتباه الى " مهمة " اللجنة اذ يجب ان تكون مقتصرة على " امكانية اصدار نص قانوني" ولا يتعدى ذلك الى اعداد مشروع نص قانوني، والا اعتبر عمل اللجنة باطلا لتجاوزه حد السلطة ، وجاز تاليا الطعن به بالطرق القانونية المتاحة.
ب ـ لا فائدة علمية او حتى عملية من تأليف لجنة كهذه، فالابحاث العلمية المنشورة على المستويين الحقوقي والمالي ( النقدي ) كثيرة. وقد تم من خلالها تناول كل النقاط المطروحة على اللجنة. كما ان الاحكام والقرارات القضائية وفيرة وبعضها تضمن في متنها بحوثا علمية مستفيضة.
ج ـ قرار الوزيرة فيه تعد على صلاحيات هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، اذ ان نقاط المهمة المطروحة على اللجنة تدخل في صلب اختصاص الهيئة المذكورة. هذا فضلا عن وجود الهيئة الاستشارية العليا المؤلفة من مدير عام وزارة العدل،رئيس هيئة القضايا ورئيس معهد الدروس القضائية، فكان لازما على الوزيرة اللجوء اليها بدلا من تكليف لجنة خاصة.
د ـ ان الخطأ التشريعي الذي وقعت فيه وزيرة العدل من شأنه ان يرتد سلبا على المحاكمات القضائية، اذ انه ـ وفيما لو تعدت اللجنة صلاحياتها ـ ورفعت اقتراحا للوزيرة او حتى مجرد اجابات على الاسئلة المطروحة، فأخشى ما اخشاه ان يؤثر ذلك معنويا على بعض القضاة الذين قد يعمدون الى اتباع ما رأته اللجنة في تقريرها او حتى في اجاباتها على الاسئلة المطروحة.
هـ ـ ان قرار وزيرة العدل يشكل خطأ منهجيا غير مقبول لانه يشكل ما يسمى بالتشريع البيروقراطي bureaucratique وهو وسيلة منبوذة في منهجية التشريع، يجمع على رفضها الاختصاصيون في علم المنهجية القانونية، لا سيما في علم التشريع ونهجه.
و ـ ان النقاط المطروحة على اللجنة هي من صلب اختتصاص القضاء الذي ابلا لغاية الآن، بلاء حسنا في الدعاوى المرفوعة اليه بهذا الموضوع. وبدلا من ان تلجأ وزيرة العدل الى تأليف لجنة، كان عليها ان تنتظر ما سيصدر عن المحكمة العليا ( محكمة التمييز ) في المواضيع المطروحة؛ فهي السلطة الوحيدة المخولة بالحل القانوني في غياب النصوص الصريحة، وهي المرجع الوحيد المخول بتوحيد الاجتهاد عند اللزوم.
ثانيا: مقاربة القرار من الوجهة القانونية الموضوعية:
أ ـ ان المشكلة القانونية المطروحة ليست في الاطار الذي يطرحه قرار الوزيرة ، فهي لا تكمن لا في عملة الايفاء ولا في البنود المحررة بالعملة الاجنبية ولا في رفض الايفاء بالشيك (غير القابل للصرف !) ، بل اكثر من ذلك المشكلة ليست قانونية، بل اقتصادية ، مالية ونقدية. وهي تكمن في سعر صرف الدولار الاميركي الواجب اعتماده:
هل هو سعر الصرف المحدد من قبل مصرف لبنان والذي يسميه البعض السعر الرسمي؟ أم هو سعر الصرف بحسب المنصة المنشئة حديثا ؟ أم هو سعر الصرف المعتمد في " السوق السوداء" والذي يصفه البعض بالسعر الحقيقي ؟
لن أغوص في الاراء الكثيرة المطروحة، لا من الوجهة القانونية ولا من الوجهة الاستنسابية، علما بانه من السهل جدا عليّ ان أجيب ان السعر الرسمي هو ( 1507.5 ل.ل. للدولار الاميركي الواحد ) وهو الذي يجب اعتماده. ولكن البعض قد يجد في هذا الرأي اجحافا كبيرا في مصالحه المالية. هنا تكمن المشكلة الكبرى.
لقد اعتادت الدولة اللبنانية ان ترمي المشكلة على المواطنين لحلها فيما بينهم. كما فعلت في قوانين الايجارات الاستثنائية، اذ حمّلت المالك عبء تقاعسها عن وضع سياسة اسكانية واضحة بخطط محددة الاجل كما تفعل الدول الراقية؛ فأوصلت البلاد الى ما وصلت اليه من غبن للمالكين القدامى، ومن عدم قدرة لدى المستأجرين على تحمل تحرير العقود او زيادتها بما يتفق مع قيمتها الحقيقية.
ب ـ نحن اليوم امام مشكلة اقتصادية عامة. لبنان بلد منهار اقتصاديا، ماليا ونقديا. ويجب ان يواكب التشريع الواقع الاجتماعي والا اصبح احرفا ميتة تعبر عن " طلاق قاس " بين الواقع والتشريع، فيفقد التشريع قيمته ويصبح بدون فائدة، بل يتحول الى عبء بدلا من ان يكون حلا.
المشكلة كل المشكلة على هذا الصعيد، هي ان الدولة لا يمكنها في ظل الاوضاع الراهنة ان تحدد سعرا جديدا لصرف الدولار الاميركي، اذ ان هذه الخطوة يجب ان ترافقها عدة خطوات مالية واقتصادية ليست الدولة قادرة حاليا على اتخاذها ، والا تحول قرارها بتحديد سعر جديد لصرف الدولار الاميركي الى كارثة اجتماعية وانسانية، تهز مضاجع المجتمع بأسره من أوله الى آخره، فما العمل اذن واين يكمن الحل ؟
ج ـ عبثا نحاول ايجاد حل قانوني، في المعطيات الراهنة وسط الانهيار الاقتصادي التام والكامل. وان المطلوب ليس حكومة " اختصاصيين " او حكومة " مهمة " gouvernement de mission كما يقول الرئيس الفرنسي. بل المطلوب حكومة طوارىء اقتصادية تضم عددا قليلا من الوزراء لا يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد، ويكونون من اصحاب الاختصاص في معالجة الانهيار الاقتصادي عبر خطة واسعة للنهوض بالاقتصاد الوطني. ولا تقتصر هذه الحكومة على اهل الاختصاص الاكاديمي فقط، الذين لا اعتقد ان لهم دورا هاما اليوم، بل يجب التركيز على اصحاب الخبرات العملية، الذين نجحوا في تجاربهم السابقة في انهاض المؤسسات المعثرة. ويجب ـ خلافا لرأي رئيس مجلس النواب ـ ان تعطى هذه الحكومة صلاحيات تشريعية استثنائية في المواضيع الاقتصادية ، المالية والنقدية فقط، لمدة ستة اشهر يصار الى تجديدها عند الحاجة. وان تضع هذه الحكومة تشريعات بموجب مراسيم تشريعية، بالتزامن مع الحلول الاقتصادية وبصورة تدريجية graduellement ، اذ ان التشريع الاستثنائي وحده كفيل بمواكبة الازمات خصوصا الاقتصادية منها. هذا ما فعلته الدول الاوروبية بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية، وهذا ما يجب فعله الان، بالرغم من تحفظ البعض على التشريع الاستثنائي بصورة عامة وعلى المراسيم التشريعية بصورة خاصة. عندها يتم تحديد سعر متحرك للدولار الاميركي بالليرة اللبنانية في ضوء التدابير التي تكون الحكومة قد اتخذتها.
ج ـ ان اي محاولة لايجاد حلول للاسئلة التي طرحتها وزيرة العدل على اللجنة، ستكون محاولة " خشبية جامدة " لا تراعي الواقع التشريعي الاجتماعي الحاضر . وبالانتظار يبقى القضاء هو الحل، فمعظم قضاتنا حكماء وسيتمكنون من اخراج الحلول الملائمة في ظل الوضع الحاضر.
د ـ لا بد من الاشارة الى ان اي تفسير للنصوص الحاضرة في ضوء ما هو مطروح لن يفيد بشيء، لان النصوص المذكورة وضعت في ظروف اقتصادية ومالية مختلفة تماما عن الظروف الحاضرة، بل لا تشبهها في شيء ! وهذا ما ينهض من الاسئلة التي طرحتها الوزيرة على اللجنة، اذ ما هي الفائدة من الكلام على تحديد سعر صرف الدولار الاميركي بالليرة اللبنانية وسط كل " المتاهات " المطروحة ؟ اذ لا يصح اطلاقا اعتبار المسألة قانونية محض والطلب الى القضاة تحديد سعر صرف الدولار بعد ان تطرح عليهم اللجنة رأيها !
هذا فضلا عن الكلام على شيكات غير قابلة للصرف ! فهل يبقى الشيك شيكا اذا اصبح غير قابل للصرف ؟! فالشيك غير القابل للصرف هو بمثابة الشيك بلا رصيد لا قيمة ابرائية له ...
هـ ـ يطول الكلام ويطول وقد لا نصل الى خلاصة واضحة اذا لم يتم اصدار قوانين استثنائية بموجب مراسيم تشريعية، بالتزامن مع قرارات تتخذها حكومة طوارىء اقتصادية لا تضم بين اعضائها سوى اختصاصيين من اصحاب الخبرة العملية في النهوض الاقتصادي على الا يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد، كما اسلفنا.
حذار ثم حذار ، اضاعة الوقت في وضع تشريعات او اقتراحات لاصلاح ما هو قائم ما لم يتزامن هذا الامر مع اصلاح اقتصادي منشود. قلناها منذ اكثر من سنة، ومنذ بداية الازمة الاقتصادية، وسنبقى نقرع الاجراس ونرفع الصوت عاليا، علّ الامور تستقيم.
ولكننا لا نؤيد باي حال خطوة الوزيرة بحد ذاتها، حتى ولو كان هدفها مجرد الاستعلام، فان الامر في هذه الحالة، كان يجب ان يبقى سريا وليس بموجب قرار اصبح بمتناول الجميع، حتى لا تحدث آراء اللجنة اي تأثير معنوي على القضاة.
يكفي القضاء مشاكله الحاضرة ... ويكفي لبنان ويلات ومصاعب ... والله اعلم ماذا سيكون المصير ؟

