• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

أثر انخفاض العملة الوطنية على الالتزامات المدنيّة في العقود المتتابعة التنفيذ

 

Le Droit ne trouve son contenu propre et spécifique que dans la notion du juste". François GENY

مقدّمة

منذ نهاية العام 2019 والليرة اللبنانيّة تسلك مساراً انحداريّاً كارثيّاً تمثّل في هبوط قيمتها مقابل الدولار الأميركي ليصل في نهاية شهر كانون الثاني 2021 إلى حدّ 9,000/ل.ل. للدولار الأميركي الواحد. هذا الانهيار الدراماتيكي في سعر الصرف يترافق مع أزمة اقتصاديّة وماليّة ونقديّة واجتماعيّة لا تزال تتفاقم، وهذه الأزمة لم يمرّ على لبنان مثيلاً لها منذ الحرب العالميّة الأولى وما عُرف آنذاك بـ"حرب الـ14" وما عاصرها من مآسي خصوصاً في المجاعة الكبرى...

وأدى انخفاض قيمة العملة الوطنيّة وهبوط قدرتها الشرائيّة أيضاً إلى اختلال مباشر في الميزان الحقوقي للالتزامات المحدّدة في العقود لا سيّما تلك التي تسمّى في علم القانون "ذات التنفيذ المتتابع" contrats à exécution successive أي التي يمتدّ التنفيذ فيها على مدّة من الزمن وذلك بعكس العقود ذات التنفيذ الآني والتي يتمّ التنفيذ فيها بشكل فوري عند إبرام العقد.

والمثال الأبرز على العقود التي تنفّذ بشكل متتابع أو مستمرّ لمدّة من الزمن هو عقد الإيجار والذي سوف نتناوله في البحث الحاضر لتبيان أثر تدنّي قيمة النقد على الموجبات المحدّدة فيه لاسيّما الماليّة منها وتبيان حقيقة الأمر من الناحية القانونيّة. فالمالكين والمستأجرين على حدّ سواء واقعين في حيرة من أمرهم ويتساءلون حول ما هو سعر الصرف الذي يجب اعتماده خصوصاً وأنّ السواد الأعظم من عقود الإيجار محرّرة بالدولار الأميركي، وفي ظلّ وجود أكثر من سعر للدولار الأميركي يتمّ التداول به. وما زاد الطين بلّة أنّه راج في الآونة الأخيرة على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي عدّة آراء مرتكزة تفسيرات خاطئة للقانون ومبنيّة على مفاهيم مغلوطة حول كيفيّة التعاطي مع هذا الموضوع إن من الناحية القانونيّة أو الواقعيّة ممّا سوف يؤدّي حتماً إلى نزاعات قضائيّة كثيرة بين طرفيّ العقد ويُرهق المرفق القضائي ويكبّد أصحاب العلاقة نفقات هم بغنى عنها خصوصاً في هذا الظرف الصعب الذي نمرّ به جميعاً. لذلك علينا معالجة الموضوع من ناحية علميّة قانونيّة ونرى أنّه من واجبنا توضيحه للرأي العام على أسس سليمة مبنيّة على نصوص القانون والمبادئ العامة القانونيّة وبشكل مبسّط لكي يعرف كل امرئ ما له من حقوق وما عليه من موجبات لما لهذه المسألة من أهميّة كبيرة إن على الصعيد الحقوقي أو على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي.

أساس وأصل المشكلة

منذ نهاية الحرب اللبنانيّة في مطلع التسعينات من القرن الماضي وعملتنا الوطنيّة كما والاقتصاد اللبناني برمّته مرتبط بشكل وثيق بالدولار الأميركي حتّى بلغ الأمر حدّ تسعير جميع السلع والخدمات وحتّى المواد الغذائيّة والتموينيّة بالعملة الخضراء كما والتعاقد بين الناس على أساسها في مختلف جوانب الحياة. وقد يكون ما دفع اللبنانيين إلى تحديد التزاماتهم النقديّة في العقود بالدولار الأميركي خشية هبوط قيمة الليرة خصوصاً وأنهم مرّوا بهذه الأزمة في الثمانينات ما جلب الويلات على الاقتصاد الوطني (كما يحصل حاليّاً) فلجأوا آنذاك إلى العملة الأجنبيّة لأنّها أكثر استقراراً واستمرّوا على هذا المسار. ومن ناحية ثانية، كان مصرف لبنان على مدى حوالي الثلاثين عاماً يتدخّل في السوق المالي والنقدي عبر سياسة انتهجها تتمثّل في شراء وبيع الدولار الأميركي (والعملات الأخرى) وذلك تبعاً للظروف لأجل تثبيت سعر الصرف على قيمة 1,500/ل.ل. وإبقائه ثابتاً على ذلك، إلاّ أنّ هذا التوازن اختلّ في ختام العام 2019 ولم يعُد بإمكان المصرف المركزي المضيّ بذلك لأسباب عديدة منها اقتصاديّة ومنها سياسيّة لن ندخل بها في البحث الحاضر لعدم علاقتها بالموضوع. وبالنتيجة بدأت الليرة اللبنانيّة تفقد قيمتها مقابل الدولار منذ ذلك الحين بشكل تدريجي وصولاً إلى ما وصلنا إليه اليوم.

إزاء هذا الوضع المتأزّم دخل المالكون والمستأجرون الذين أبرموا عقودهم بالدولار الأميركي في مأزق كبير لجهة تسديد البدلات: هل تكون بالليرة اللبنانيّة أو بالدولار الأميركي المفقود من الأسواق بفعل الأزمة. وفي حال التسديد بالليرة اللبنانيّة وفق أيّ سعر صرف خاصةً مع وجود أسعار متعدّدة سعر 1,507/ل.ل. المعتمد في التعامل بين مصرف لبنان والمصارف التجاريّة، وهناك سعر 3,900/ل.ل. المحدّد في المنصّة الإلكترونيّة الرسميّة لعمليّات الصرافة، وهناك سعر السوق السوداء (أو السوق الموازي) الذي قارب كما قلنا حوالي 9,000/ل.ل..

إزاء هذه المعضلة، تسرّع البعض قائلين بوجوب تسديد بدلات الإيجار المحدّدة بالدولار الأميركي على أساس سعر الـ1,507/ل.ل. زاعمين أنّ هذا السعر هو "السعر الرسمي المحدّد من مصرف لبنان"، وذهب البعض الآخر إلى حدّ القول بعدم جواز رفض القبض بالعملة اللبنانيّة وذلك تبعاً لأحكام المادة /192/ من قانون النقد والتسليف التي تنصّ على أنّ من يمتنع عن قبول العملة اللبنانيّة يجرّم ويُعاقب وفق المادة /319/ من قانون العقوبات بالحبس من ستّة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من خمسماية ألف ليرة إلى مليوني ليرة بالإضافة إلى نصّ المادة /767/ من قانون العقوبات أيضاً التي تنصّ على أنّه "من أبى قبول النقود الوطنيّة بالقيمة المحدّدة لها يُعاقب بالغرامة من ألف ليرة إلى عشرة آلاف ليرة". وذهب البعض الثالث إلى الزعم أنّ القانون اللبناني ألزم المتعاقدين بالتسديد حصراً بالليرة اللبنانيّة تحت طائلة العقوبات سنداً لأحكام المادة /301/ من قانون الموجبات والعقود التي قرأ أصحاب هذه الفتوى القسم الأوّل من فقرتها الأولى التي تنصّ على أنّه عندما يكون الدين مبلغاً من النقود يجب ايفاؤه من عملة البلاد ولم يُكملوا قراءة الفقرة عينها في جزئها الثاني ولم يكلّفوا نفسهم حتّى عناء تفسيرها ضمن السياق الزمني الذي صدرت فيه...، باعتبار أنّ للعملة الوطنيّة قوّة إبرائيّة شاملة وغير محدودة على الأراضي اللبنانيّة وفق المادتين /7/ و/8/ من قانون النقد والتسليف... وصولاً إلى إعطاء "النصح" للمدين وهنا هو المستأجر بأن يودع لدى الكاتب العدل بدلات الإيجار المحدّدة بالدولار الأميركي على أساس 1,507/ل.ل. واللجوء إلى القضاء من المالك أو المستأجر لأجل إثبات العرض أو لإعلان بطلانه سنداً لأحكام المادة /824/ من قانون أصول المحاكمات المدنيّة... وبرزت دراسات قانونيّة مطوّلة من النواحي النظريّة عالجت الموضوع من زوايا أخرى معاكسة تماماً للوضع الحقيقي والواقعي للمشكلة وبعيدة كلّ البعد عنه حيث تكلّمت هذه الدراسات عن "النظام العام المالي الحامي للعملة الوطنيّة" وتعلّق الأمر بـ"سيادة الدولة"... وافضت إلى رفض مسألة الإيفاء بغير العملة الوطنيّة... وللجواب على جميع هذه الآراء نقول أنّ الموضوع ليس مسألة عدم قبول الليرة اللبنانيّة أو رفض الإيفاء بها، الموضوع هو بكلّ بساطة هو على أيّ سعر الصرف يجب الإيفاء.

وأنّ حلّ هذه المعضلة القانونيّة والاجتماعيّة لا يكون بـ"التشاطر" و"التذاكي" من قبل بعض المدينين من أصحاب النيّة السيّئة الذين يريدون تسديد ديونهم بشكل عام وبدلات إيجاراتهم بشكل خاص على أدنى معدّل لسعر الصرف يتمّ التداول به ولو كان وهميّاً ومجحفاً وغير حقيقي وذلك تأميناً لمصالحهم الشخصيّة الأنانيّة الضيّقة ولا يأبهون لقضم حقوق الآخرين وهدرها لدرجة أنّ تبيّن في الواقع مثالاً على ذلك وجود شخص يطالب بتسديد دين له على أساس سعر السوق (9,000/ل.ل.) وإذا طُلب منه تسديد دين بذمّته يُسارع بالتذرّع بالآراء السابقة ليدفع الدين على سعر الصرف 1,507/ل.ل. وبالتالي فإنّ هذه الازدواجيّة المقيتة لا تستقيم في المجتمع الذي يُفترض أن تسود فيه مبادئ الاستقامة في التعامل بين الناس... لذلك، يجب أن يكون حلّ هذه المسألة بشكل واقعي وعلى أسس قانونيّة واضحة مبنيّة على مبدأ إعادة التوازن للعلاقة التعاقديّة إلى حدّ معقول وإبقاء الالتزامات متعادلة أو قريبة إلى التعادل ما يتماشى مع العدالة والإنصاف والمساواة وحسن النيّة وعلى ضوء النصوص القانونية الموجودة في منظومة التشريع وعلى هداية المبادئ العامة القانونيّة.

والتساؤلات المطروحة هنا هي: هل مصرف لبنان مخوّل قانوناً لكي يحدّد سعر صرف الليرة اللبنانيّة مقابل العملات الأجنبيّة؟ وهل هناك شيء اسمه "سعر الصرف الرسمي"؟ وما هي الأحكام التي ترعى العقود التي تنفّذ بشكل متتابع (عقد الإيجار مثالاً لها) وكيف يجب تنفيذ الالتزامات النقديّة المحدّدة في هذه العقود بالعملة الأجنبيّة عند انهيار سعر صرف العملة الوطنيّة؟ وما هي النصوص والمبادئ القانونيّة التي ترعى ذلك؟

للإجابة على هذه التساؤلات جميعها يمكننا البدء بالآتي:

أوّلاً- عقد الإيجار كمثال للعقود ذات التنفيذ المتتابع

ولبدء البحث الحاضر لا بدّ لنا من التوضيح أوّلاً بأنّ عقد الإيجار، كغيره من العقود، يخضع للأحكام العامة التي ترعى العقود. فالعقد le contrat بشكل عام هو بحسب المادة /165/ من قانون الموجبات والعقود الاتفاق الذي يرمي إلى إنشاء علاقات إلزاميّة وليس فقط لإنتاج مفاعيل قانونيّة. وهذا العقد يخضع للحريّة التعاقديّة ولمشيئة المتعاقدين بحسب المادة /166/ من القانون عينه ويجب أن يُفهم ويُفسّر ويُنفّذ وفقاً لحسن النيّة والانصاف والعرف سنداً لأحكام المادة /221/ق.م.ع.

وقد قيل إنّ العقد شريعة المتعاقدين pacta sunt servanda، وبالتالي فإنّه يُلزم طرفيّه أو أطرافه بالتقيّد بأحكامه وتنفيذها فلا يمكن لأيّ طرف في العلاقة التعاقديّة خرق وانتهاك مندرجات وأحكام العقد المبرم بينهم. والتعريف المذكور للعقد يأتي من الناحية القانونيّة الضيّقة، أمّا من الناحية الواسعة، يمكننا تعريف العقد على أنّه أداة قانونيّة تهدف إلى تنظيم جوانب الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة على اختلاف أنواعها فهو يجمع بين مشيئتين أو أكثر وبالتالي تكون الإرادة فيه إلى محاولة التوفيق بين عدّة مصالح عادةً ما تكون متضاربة ومتناقضة على أسس من التوازن بين الموجبات فيكون هذا العقد إطاراً لهذه العلاقة التعاقديّة التي يمكن أن تكون متشعّبة وتحوي تفاصيل كثيرة.

وبالنسبة لعقد الإيجار بشكل خاص، فقد عرّفته المادة /533/ من قانون الموجبات والعقود على أنّه "عقد يلتزم به المرء أن يولي شخصاً آخر، حقّ الانتفاع بشيء ثابت أو منقول أو بحقّ ما لمدّة معيّنة مقابل بدل يلتزم هذا الشخص اداءه إليه". وقد حدّدت المادة /543/ من القانون عينه المدّة الدنيا للإجارة وهي ثلاث سنوات كما أجازت أن يكون التعاقد لمدّة أكبر. ومن الطبيعي أن يكون تنفيذ الموجبات المحدّدة في عقد الإيجار متماد في الزمان وذلك لغاية انتهاء المدّة التعاقديّة المتّفق عليها، وأبرز هذه الموجبات موجب تسديد البدل والذي يُعتبر الركن الأساسي والجوهري لهذا النوع من العقود.

وعقد الإيجار هو عقد متبادل contrat synallagmatique بمفهوم المادة /168/ ق.م.ع أي "الذي يكون فيه كل فريق ملتزماً تجاه الآخر على وجه التبادل بمقتضى الاتفاق المعقود بينهما". وهو عقد ذو عوض contrat à titre onéreux بمفهوم المادة /169/ ق.م.ع "الذي يوضع لمصلحة جميع المتعاقدين فينالون منه منافع تعدّ متعادلة على وجه محسوس".

والبدل في عقد الإيجار هو ركن جوهري وأساسي من أركانه، بل وأكثر من ذلك فإنّ موجب المالك بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور واستعماله المستأجر يقابله موجب هذا الأخير بتسديد البدل. والبدل في عقد الإيجار يجب أن يكون جديّاً وحقيقيّاً sérieux et réel ولا يمكن أن يكون تافهاً dérisoire أو زهيداً. والجديّة هنا تعني أن يكون هنالك توازناً بين البدل وبين الانتفاع والكلام بعكس ذلك يعني فقدان ركن من أركان العقد وبالتالي يُعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً. أمّا في حال كان التفاوت بين البدل والانتفاع كبيراً بحيث يمكن وصفه بالشاذ والخارج عن المألوف loyer lésionnaire وجب تطبيق أحكام الغبن الذي عرّفته المادة /213/ من قانون الموجبات والعقود على أنّه "التفاوت وانتفاء التوازن بين الموجبات التي توضع لمصلحة فريق، والموجبات التي تُفرض على الفريق الآخر في العقود ذات العوض".

وبالتالي فإنّ انهيار العملة يؤدّي بالنتيجة إلى زعزعة الأسس التي اعتمدها فريقيّ العقد عند إنشائه ويؤثّر تأثيراً بالغاً في توازنه، وفي حالتنا الحاضرة المالك المؤجّر والمستأجر، مما يجعل تنفيذ أحدهما، وهو المؤجّر، لموجباته عسيراً على وجه كبير، وبالمقابل تحلّل المستأجر بنسبة هامة من التزامه المقابل فندخل في نظريّتي الإثراء بغير سبب عند إفقار الدائن (المؤجّر) والتعسّف في استعمال الحقّ عند إكراهه على التنفيذ عندما يُصبح ذلك مرهقاً أو متعسّراً ما يتعارض مع أحكام العدالة والإنصاف وما يتناقض مع إرادته عندما وقّع العقد مع المستأجر وارتضيا ببدل إيجار معيّن.

ثانياً- عدم صلاحيّة واختصاص مصرف لبنان لتحديد سعر صرف الليرة اللبنانيّة مقابل العملات الأجنبيّة وعدم وجود "سعر رسمي" لليرة

يتمّ التداول بعبارة هي "سعر الصرف الرسمي المحدّد من قبل مصرف لبنان" (للكلام عن سعر الصرف 1,507/ل.ل. للدولار الأميركي الواحد) وهذه العبارة خاطئة ومغلوطة إن من الناحية القانونيّة أو من الناحية الاقتصاديّة - النقديّة إذ أنّ المصرف المركزي ليس هو المرجع الصالح لتحديد سعر صرف الليرة اللبنانيّة مقابل العملات الأجنبيّة من ناحية، ومن ناحية ثانية ليس هنالك لـ"سعر رسمي" لليرة مقابل الدولار تبعاً لما سوف نبيّنه أدناه.

فسعر الصرف، في تعريفه البسيط، هو "السعر النسبي لعملة بلد ما مقارنةً بعملة بلد آخر"[1]. ومن خلال التمحيص في أحكام قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي الذي يحدّد في القسمين الخامس والسادس منه مهمّة المصرف العامة بالإضافة إلى إصدار النقد، وهذه المهمّة هي المحافظة على سلامة النقد اللبناني، وعلى الاستقرار الاقتصادي وسلامة أوضاع النظام المصرفي وتنظيمه وتطوير السوق النقديّة والمالّية وتأمين ثبات القطع عبر شراء وبيع الذهب والعملات الأجنبيّة، إلاّ أنّه لا يوجد أيّة أحكام في منظومة التشريع اللبناني تُجيز لمصرف لبنان وتُعطيه صلاحيّة واختصاص تحديد سعر صرف الليرة اللبنانيّة مقابل العملات الأجنبيّة وهذا الأمر أساسي لاعتبار أنّ مقولة "سعر الصرف الرسمي المحدّد من قبل مصرف لبنان" هي من الأخطاء والمُغالطات القانونيّة التي يجب أن يُكفّ عن استعمالها خصوصاً من قبل رجال القانون.

ومن جهة ثانية لا يوجد في لبنان من "سعر رسمي" لليرة اللبنانيّة، فسعر العملة الوطنيّة مقابل العملات الأجنبيّة الأخرى يحدّد إمّا وفقاً لقاعدة العرض والطلب في سوق القطع لدى الصرّافين الشرعيين، وإمّا وفقاً لما يُستفاد من نصّ المادة /229/ من قانون النقد والتسليف التي تتكلّم عن "سعر قانوني لليرة اللبنانيّة"، وبالتالي فإنّ تحديد سعر الصرف يدخل في الإطار التشريعي وليس في الإطار التنظيمي أيّ أن تحديد سعر صرف الليرة اللبنانيّة مقابل الدولار الأميركي (أو أيّة عملة أجنبيّة أخرى) يحدّد بموجب قانون صادر عن مجلس النوّاب. وفي هذا المجال لا بدّ لنا من الإشارة إلى استشارة قيّمة ومهمّة جدّاً حول هذا الموضوع صادرة عن هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل بتاريخ 9/10/1985 تحت رقم 881/1985 والتي بحثت موضوع سعر الصرف بشكل معمّق وأعطت تعريفاً للسعر القانوني لليرة اللبنانيّة على أنّه "هو السعر الذي يحدّده القانون في معادلة الليرة اللبنانيّة بالنسبة للذهب أو الدولار وسائر العملات الاجنبيّة"، وخلُصت أنّه لا سعر قانوني لليرة في لبنان (والحال في يومنا الحاضر باق على ذلك)، وبالتالي يبقى سعر الصرف المعتمد في السوق على أساس العرض والطلب. والذي يحدّد هذا السعر هو عمليّات الصرافة في السوق الشرعي للصرّافين الرسميّين المعتمدين وفقاً للأصول المنصوص عنها في القانون رقم 347/2001 تاريخ 6/8/2001 (تنظيم مهنة الصرافة) وليس في السوق السوداء لأنّ هذه السوق تعتمد في أغلبيّتها على مضاربات غير مشروعة على العملات دون أيّة رقابة ودون أيّ ضوابط.

ثالثاً- كيفيّة تنفيذ الالتزامات النقديّة المحدّدة بالعملة الأجنبيّة في العقود ذات التنفيذ المتتابع عند انهيار سعر صرف العملة الوطنيّة والنصوص والمبادئ القانونيّة التي ترعى ذلك

اعتنق لبنان الاقتصاد الليبرالي الحرّ وهذا ما ورد صراحةً في الفقرة "و" من مقدّمة الدستور اللبناني التي نصّت على أنّ "النظام الاقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفرديّة والملكيّة الخاصة". وبالتالي يكون من حقّ المتعاقدين تحديد الالتزام النقدي في العقد بعملة أجنبيّة وهنا لا تقوم العملة الوطنيّة بوظيفتها كأداة للوفاء إلاّ ظاهراً. وهذا الاتفاق لا يمنعه القانون اللبناني لا بلّ يشجّعه. وفي قرار مبدئي لمحكمة التمييز ورد ما حرفيّته: "بما أنّ العملة المتعاقد عليها في العقد هي الاسترلينيّة، فتكون بالتالي العملة التي يترتّب على المتعاقدين أن يتحاسبوا على أساسها، وهي وحدها الملزمة لهم، في حين أنّ العملة اللبنانيّة إذا شاء المدين أن يستعملها لإبراء ذمّته ليست سوى عملة للدفع يحقّ له أن يلجأ أو أن لا يلجأ إلى استعمالها وقت قيامه بإبراء ذمّته من دينه المحرّر بالعملة الاسترلينيّة. وبما أنّه ما دام للسيّد (فلان) الحقّ بأن يوفي دينه بالعملة الاسترلينيّة الفعليّة دون أن يكون من حقّ الدائن أن يطالبه بأن يفيه بالعملة اللبنانيّة، فإنّه يكون من حقّه أيضاً إذا اختار الإيفاء بالعملة اللبنانيّة بدلاً من الاسترلينيّة أن يوفيها من العملة اللبنانيّة مقداراً يمكّنه من الحصول على ما يوازي دينه بالعملة الاسترلينيّة لا أكثر ولا أقلّ."[2] وبالتالي فإنّ التعاقد والايفاء بالنقد الأجنبي ليس ممنوع قانوناً بل على العكس هو مطلوب لأنّ النقد هو من السلع الذي يجوز التعاقد عليها.

والمشكلة الكامنة حاليّاً هي وجود بعض الآراء المبنيّة على تفسير مغلوط للأحكام القانونيّة في قانونيّ الموجبات والعقود وقانون النقد والتسليف، والتي تعتبر بأنّه يمكن للمدين أن يوفي دينه بالعملة الوطنيّة بالرغم من تحديد الدين بالعملة الأجنبيّة ووجود اتفاق سابق بين الدائن والمدين على اعتماد عملة أجنبيّة في التعاقد ورفض التسديد إلاّ على ما يعتبرونه أنّه "سعر رسمي" لليرة مع عدم صحّة هذه المقولة-البدعة كما بيّنا أعلاه. وتستند هذه الآراء أوّلاً إلى تفسير مغلوط للمادة /301/ق.م.ع. والتي تم تحويرها والاكتفاء بذكر القسم الأوّل منها التي لم تمنع إطلاقاً الاتفاق والإيفاء بالعملة الأجنبيّة ولم يحصر النصّ القانوني وجوب الإيفاء بالعملة الوطنيّة. وتأكيداً على ذلك القسم الثاني من الفقرة الأولى من المادة /301/ التي نصّت على أنّ المتعاقدين هم أحرار في اشتراط الإيفاء بعملة أجنبيّة. وبالتالي فإنّ الإيفاء بالدولار الأميركي ليس جريمة معاقب عليها في القانون.

وبالفعل، فإنّ قانون الموجبات والعقود أرسى عدّة قواعد مُنشأة على أساس المبادئ القانونيّة العامة وهي مبدأ العقد شريعة المتعاقدين (المادة /166/) واشتراط الرضى في التعاقد والذي هو الصلب والركن لكلّ عقد (المادة /176/)، فإنّ النيّة الحقيقيّة للمتعاقدين وإرادتهم ورضاهم يتّجه دوماً إلى افتراض التعادل والتوازن والتوازي في الموجبات. والقوّة الملزمة للعقد وحسن النيّة في تنفيذه (المادة /221/)، ووجوب تعادل المنافع والحقوق المتبادلة خصوصاً في عقود المعاوضة (المادتين /168/ و/169/)، فالمتعاقدين أقاموا علاقتهم العقديّة على جملة من الظروف والأوضاع التي يفترضون اسمرارها، وأنّهم لم يكونوا ليبرموا العقد فيما لو أدخلوا في حساباتهم تغيّر تلك الظروف والأوضاع أو زوالها.

كما وأنّ مبدأ حسن النيّة يفترض أن لا يُلزم المتعاقد بتنفيذ موجباته إذا كان الأساس التعاقدي غير موجود أو تغيّر بشكل كبير وبالغ بسبب تبدّل الظروف في وقت لاحق وهذا ما يبرّر طلب إبطال العقد أو فسخه في حال لم يكُن التصحيح وإعادة التكييف ممكنة. باعتبار أنّ الأساس التعاقدي هو مجموعة الأحداث التي يكون وجودها واستمرارها مفترضاً وقت إبرام العقد في ضوء محتواه وهدفه ومدلوله الاقتصادي وهي الأحداث التي وحدها تسمح بأن يكون للعقد من معنى وبأن يكون "وسيلة تنظيميّة تتكيّف مع قواعد نظام الأمّة" كما أشار الأستاذ Larenz[3]

أمّا في مسألة الإيفاء فنصّت المادة /299/ق.م.ع. على أنّه " يجب ايفاء الشيء المستحقّ نفسه. ولا يُجبر الدائن على قبول غيره وإن كان أعلى قيمةً منه. وإذا كان الشيء لم يعيّن إلاّ بنوعه فلا يجب على المديون تقديمه من النوع الأعلى ولكن لا يجوز له تقديمه من النوع الأدنى."، كما وأنّ المادة /249/ اعتبرت أنّ للدائن حقّاً مكتسباً في استيفاء موضوع الموجب بالذات...

ولنأخذ مثالاً عمليّاً وواقعيّاً لعلاقة تعاقديّة تأجيريّة، فإذا اتفق المالك والمستأجر في العقد على أنّ بدل الإيجار الشهري يُدفع بالدولار الأميركي على أساس 500/$ (خمسماية دولار أميركي)، وكان المؤجّر يقبض هذا المبلغ بالليرة اللبنانيّة على أساس سعر الصرف الثابت (وليس الرسمي) والبالغ 1,500/ل.ل. فكانت ذلك يوازي 750,000/ل.ل. (سبعماية وخمسون ألف ليرة لبنانيّة). أمّا اليوم وبعد أن أصبح سعر الصرف في السوق السوداء حوالي 9,000/ل.ل. أصبح المبلغ المقبوض على أساس العملة الوطنيّة يوازي 83/$ (ثلاثة وثمانون دولار أميركي) فيكون المالك قد خسر في منفعته من العقد بنسبة حوالي 84% أيّ أنّ الخسارة هنا أصبحت بالغة وكبيرة بالوقت الذي ينتفع المستأجر بالمأجور وهذا الأمر لا يجوز ويؤدّي بالنتيجة إلى استفادة متعاقد على حساب متعاقد آخر بدون سبب مشروع وفي استغلال فاحش واختلال فاضح للتوازن في العقد باعتبار أنّ الأوراق النقديّة لا قيمة لها بذاتها وأنّ قيمة العملة الفعليّة تكمن في قدرتها الشرائيّة، إذ أنّ العقد هو في النهاية أداة اقتصاديّة لتأمين المنفعة لكلّ متعاقد وهذا ما يُعرف قانوناً بـ"المنفعة الاقتصاديّة للعقد" l'intérêt économique du contrat والتي تتجلى بما يجنيه كلّ فريق على نحو التبادل.  وفي هذا المجال أيضاً لا يمكننا استيفاء البدلات على أساس سعر السوق السوداء أوّلاً لعدم تشجيع التعامل على أساس هذا السعر المتغيّر بفعل المضاربات التي غالباً ما تكون غير مشروعة وثانياً لأنّ تسديد البدل المعقود بالدولار على أساس سعر الصرف في السوق السوداء (ولو كان يمثّل القيمة الفعليّة للتعاملات بين الناس) هو من ضروب الظلم. 

وفي مجال الإيفاء، وحيث صدر العديد من الأحكام القضائيّة أوجبت التسديد بالليرة اللبنانيّة على أساس سعر الصرف 1,507/ل.ل.، فيجب التمييز بين حالتين مختلفتين تماماً الأولى هي التعامل بين شخص عادي ومصرف والثانية التعامل بين شخصين عادييْن (كما هي في عقد الإيجار) فالنسبة للأولى من المنطقي تطبيق سعر الصرف الذي يعتمده مصرف لبنان في تعاملاته مع المصارف باعتبار أنّ البنك المركزي عمّم على جميع المصارف العاملة في لبنان أن تتعامل مع عملائها في جميع القروض الممنوحة على أساس سعر الصرف هذا وذلك من اختصاص مصرف لبنان باعتبار أنّه عملاً بأحكام قانون النقد والتسليف فإنه المرجع الصالح لتنظيم القطاع المصرفي. أمّا في الحالة الثانية فيحكمها قانون الموجبات والعقود وأحكام العقد وفيما يتعلّق بسعر الصرف فإنّ الموجبات فيها تخضع للسعر المحدّد في سوق القطع لدى الصرّافين الرسميين.

وفي الختام ولكي نُبدي الحلول المناسبة لهذه المشكلة نقول بأنّه عند تدنّي قيمة العملة واختلال التوازن التعاقدي نتيجةً لذلك يجب إعادة التوازن للعلاقة التعاقديّة إلى حدّ معقول وإبقاء الالتزامات متعادلة أو قريبة إلى التعادل ما يتماشى مع روح العدالة والإنصاف والمساواة وحسن النيّة وذلك يتمّ عبر تعديل العقد باعتبار أنّ ذلك يحقّق الاستقرار العقدي بين طرفيه. فيجب بدايةً أن يتمّ التفاوض بين المالك والمستأجر رضاءً على إعادة النظر بالعقد وتعديله خصوصاً لناحية البدل ليؤمّن من جهة منفعة ماديّة للمالك تتماشى مع القدرة الشرائيّة للبدل، ومن جهة ثانية يتماشى مع الانتفاع الذي يستفيد منه المستأجر.

وفي حال فشل المفاوضات الحبيّة يجب اللجوء إلى القضاء الذي عليه الحكم بتعديل العقد بشكل يُعيد التوازن المفقود ورفع الجور والظلم اللاحق بالمالك الذي تضرّر بشكل كبير بفعل هبوط قيمة العملة، كما يمكن إنهاء العقد خصوصاً وأنّ ذلك يتخطّى المخاطر العاديّة aléa normal وأضحى التباين الحاصل في الموجبات بين المالك والمستأجر كبيراً وغير عاديّ ومن شأنه أن يزعزع أسس العقد التي لحظها الفريقان عند التعاقد وبينا عليها تعاقدهما، وأيضاً لأنّه وفي كلّ عقد يُفترض وجود بند ضمني يفترض تعديله (أو إنهاؤه) في حال تغيّرت الظروف بشكل شاذ، وذلك حتى في حال عدم وجود نصّ قانونيّ صريح بهذا الشأن باعتبار أنّ لا يجوز للقاضي تحت طائلة اعتباره مستنكفاً عن إحقاق الحق أن يمتنع عن الحكم بحجّة غموض النص أو انتقائه أو أن يتأخّر بغير سبب عن إصدار الحكم، وعند غموض النص يفسرّه القاضي بالمعنى الذي يُحدث معه أثراً يكون متوافقاً مع الغرض منه ومؤمنّاً التناسق بينه وبين النصوص الأخرى، وعند انتفاء النصّ يعتمد القاضي المبادئ العامة والعرف والإنصاف وذلك سنداً لأحكام المادة /4/ من قانون أصول المحاكمات المدنيّة، فالاجتهاد يُنشئ القاعدة القانونيّة.

وهذا الحلّ الطبيعي والمنطقي سار وأكّد عليه المشرّع الفرنسي في نصّ المادة /1195/ من القانون المدني المعدّلة بموجب المرسوم تاريخ 10/2/2016 والذي جاء من ضمن الإصلاحات التي أدخلها على نظريّة الموجبات وقانون العقود، والتي ورد فيها ما حرفيّته:

Si un changement de circonstances imprévisible lors de la conclusion du contrat rend l'exécution excessivement onéreuse pour une partie qui n'avait pas accepté d'en assumer le risque, celle-ci peut demander une renégociation du contrat à son cocontractant. Elle continue à exécuter ses obligations durant la renégociation.

En cas de refus ou d'échec de la renégociation, les parties peuvent convenir de la résolution du contrat, à la date et aux conditions qu'elles déterminent, ou demander d'un commun accord au juge de procéder à son adaptation. A défaut d'accord dans un délai raisonnable, le juge peut, à la demande d'une partie, réviser le contrat ou y mettre fin, à la date et aux conditions qu'il fixe.

أيّ ما تعريبه: إذا طرأت ظروف لم تكن متوقّعة عند إبرام العقد من شأنها أن تجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً بدرجة كبيرة للمتعاقد الذي لم يقبل تحمّل المخاطر، جاز له أن يطلب من المتعاقد الآخر إعادة التفاوض، على أن يستمر في تنفيذ التزاماته أثناء إعادة التفاوض. وفي حال رفض أو فشل إعادة التفاوض، فإنه يجوز للطرفين الاتفاق على فسخ العقد في الوقت وبالشروط التي يحددانها، أو أن يطلبا من القاضي تحديد مصير العقد. فإذا لم يتفق الطرفان خلال مدّة معقولة، جاز للقاضي، بناءً على طلب أحدهما مراجعة شروط العقد أو إنهاءه في الوقت وبالشروط التي يحددّها.

 

[1] Harvard Business Review: Exchange Rate

[2] محكمة التمييز، القرار تاريخ 29/1/1973 – مجموعة باز /21/ ص. /150/ رقم /8/.

وأيضاً محكمة التمييز، القرار تاريخ 10/1/1951 – النشرة القضائيّة 1951 ص. /369/.

[3]   La force obligatoire du contrat et les changements dans les circonstances, 1955 No. /535/

PDFالملف المرفقملف PDF · 318 ك.بتحميل ↓