في 18 شباط 2021، صدر عن الغرفة الجزائية السادسة لدى محكمة التمييز القرار رقم 5/2021 القاضي بقبول طلب نقل الدعوى من تحت يد المحقق العدلي فادي صوان ورفع يده عنها، على أن يتولى النظر فيها محقق عدلي آخر، يعيّن وفقاً لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 360 أ.م.ج.
في سياق هذه الملاحظات المختصرة، سوف نقتصر على بحث السببين اللذين استندت اليهما محكمة التمييز لقبول المراجعة أساساً (II)، ولكن بعد أن نتطرق الى سبب شكلي متعلق بإجراءات تقديم طلب النقل (I)، ثم نخلص الى الكلام على عدم اختصاص محكمة التمييز في تحديد آلية تعيين محقق عدلي آخر (III).
- في عدم توافر شروط تقديم طلب نقل الدعوى شكلاً
تنص المادة 340 أ.م.ج. في فقرتها الأولى أن أسباب نقل الدعوى هي: تعذر تشكيل المرجع المختص أصلاً أو وقف سير التحقيق أو المحاكمة أو المحافظة على السلامة العامة أو لداعي الحرص على حسن سير العدالة أو لسبب الارتياب المشروع.
وتحصر الفقرة الثانية من المادة ذاتها بالنائب العام التمييزي وحده طلب نقل الدعوى لسبب المحافظة على السلامة العامة. فيما تنص الفقرة الرابعة من ذات المادة أنه للنائب العام التمييزي أن يستدعي نقل الدعوى عفواً أو بناء على طلب النائب العام الاستئنافي أو النائب العام المالي أو المدعي الشخصي أو المدعى عليه أو وزير العدل للأسباب الواردة في الفقرة الأولى.
اجرائياً هذا يعني أنه لا يصح لأي من الخصوم (الجهة المدعى عليها في هذه الدعوى) أن يتقدم بطلب مباشر أمام المحقق العدلي، بل يجب أن يحصل ذلك بواسطة النائب العام التمييزي، بناء على طلب يتقدم به الخصوم المعنيون بالطلب المذكور. وهذا ما لم يحدث، إذ جرى تقدم طلب نقل الدعوى للارتياب المشروع مباشرة أمام المحقق العدلي خلافاً لنص المادة 340، الفقرة 4 التي تحدد بصورة واضحة إجراءات تقديم طلب الرد، علماً بأن تطبيق الفقرة الرابعة من المادة 340 يستوجب أن يقدم النائب العام التمييزي نقل الدعوى أمام محكمة التمييز بناء لطلب المدعى عليه، كما في القضية الراهنة، مشفوعاً بمطالعته وفقاً لما تفتضيه إجراءات المحاكمة الجزائية، اذ لا يصح اعتبار النائب التمييزي، مجرد ساعي بريد بين الخصوم ومحكمة التمييز الناظرة بطلب النقل.
ردت محكمة التمييز على هذا السبب، بأن نص المادة 343 أ.م.ج. نصّت انه
"إذا قدم المدعي الشخصي أو المدعى عليه طلب نقل الدعوى وقضت محكمة التمييز بردها فعليها ان تلزم مقدمه بغرامة تتراوح بين مئتين ألف ومليون ليرة وان تقضي للخصم بتعويض إذا طلبه."
وأـنه يتبين من هذه المادة ان تقديم طلب نقل الدعوى مباشرة امام محكمة التمييز من المدعي الشخصي او من المدعى عليه هو امر جائز بدليل ان هذه المادة لم تستبعد ما ورد في الفقرة 4 من المادة 340 أ.م.ج. لجهة وجوب تقديم الطلب الى النائب العام التمييزي الذي له ان يستدعي أي ان يقدم بصفته هذه كنائب عام تمييزي نقل الدعوى امام محكمة التمييز بناء لطب المدعى عليه، كما في القضية الراهنة. وخلصت محكمة التمييز الى القول بأنه استناداً الى ما تقدم، فان نص الفقرة 4 من المادة 340 أ.م.ج. يُفسّر بأنه يوفر خياراً للمدعي الشخصي أو المدعى عليه في ان يطلب من النائب العام التمييزي التقدم بطلب نقل الدعوى، وذلك بهدف تجنب ما يمكن ان يتعرض له أي منهما في حال رد طلب النقل المقدم منه مباشرة امام محكمة التمييز من إمكانية الحكم عليه بالغرامة أو التعويض للخصم المتضرر ألخ... ثم تنشغل محكمة التمييز الى تفسير الفقرة 4 من المادة 340 عن طريق القياس مع ما نصت عنه المادة 328 أ.م.ج. المتعلقة بطلبات إعادة المحاكمة ألخ...
نرى أن محكمة التمييز بقبولها نقل الدعوى شكلاً أخطأت على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: ان الفقرة 4 من المادة 340 أ.م.ج. هي نص اجرائي بامتياز يحدد كيفية تقديم طلب الرد. والنصوص الاجرائية تفسر حصراً لأنها متعلقة بإدارة الدعوى توصلاً الى احقاق الحق. ولا يصح اطلاقاً التوسع في تفسيرها عبر "استحداث" طريقة إجرائية جديدة لتقديم طلب الرد (أي تقديمة مباشرة أمام محكمة التمييز) لم تنص عنها الفقرة 4 المذكورة.
المستوى الثاني: ان نص المادة 434 لا يتناول كيفية تقديم طلب النقل، بل جواز الحكم على طالب النقل الخائب بالغرامة والعطل والضرر. فضلاً على أنه لا مانع من الحكم عليه بالغرامة أو بالعطل والضرر اذ كان طلبه مقدماً بواسطة النائب العام التمييزي مشفوعاً بمطالعة هذا الأخير، لان مبررات الحكم بالغرامة أو بالعطل والضرر لا تنتفي إذا ما تم تقديم طلب نقل الدعوى بواسطة النائب العام التمييزي.
المستوى الثالث: لا يصح تفسير المادة 340، الفقرة 4 قياساً بالمادة 328 أ.م.ج. المتعلقة بطلبات إعادة المحاكمة. لان نص الفقرة الرابعة هو ذات طبيعة إجرائية، ويجب تفسيره، حصراً، والتفسير الحصري بطبيعته لا يأتلف مع التفسير عن طريق القياس.
اذ ان هذا النوع من التفسير يدرج في خانة التوسع في التفسير، بعيداً عن التفسير الضيق الذي يتطلبه تفسير النصوص الإجرائية كالفقرة 4 من المادة 340.
فتكون اذاً محكمة التمييز قد أخطأت في قبول طلب نقل الدعوى شكلاً.
- في عدم صحة السببين اللذين اعتمدتهما محكمة التمييز لقبول طلب نقل الدعوى أساساً
- في بحث السبب الأول
أدلى طالب النقل بوجود شبهة متولدة من المخالفة المتعمدة لنص المادة 40 من الدستور اللبناني ولنص المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة. فبمقتضى نص المادة 40 من الدستور لا يصح مباشرة أي إجراءات جزائية بحق النائب ضمن دورة الانعقاد العادي لمجلس النواب الا بإذن من المجلس. وبمقتضى المادة 79 محاماة يمنع ملاحقة المحامي جزائياً قبل الاستحصال على اذن من نقيب المحامين.
رد المحقق العدلي على هذا السبب بأن قراره بدعوة المستدعيين بصفة مدعى عليهما ثمّ بصفتهما وزيرين سابقين ولا علاقة له بصفتهما النيابية او بصفتهما محاميين، فلا تفيدهما الحصانة النيابية او الحصانة النقابية في شيء. ثم رد من جهة اخرى، بما حرفيته:
"وانه يؤكد امام هول الكارثة والخسائر البشرية المتمثلة باستشهاد أكثر من مايتين من اللبنانيين وغير اللبنانيين وبجرح أكثر من ستة آلاف آخرين أصيب ألف منهم بأعطال دائمة والمأساة الإنسانية الناجمة عن تهجر أكثر من ثلاثماية ألف من اللبنانيين من منازلهم وتهدم ثلث العاصمة، أنه لن يتوقف عن ملاحقة أي مسؤول مهما علا شأنه ولن يتوقف أمام أي حصانة أو أمام أي خط أحمر."
قضت محكمة التمييز في معرض فصلها بهذا السبب ان جواب المحقق العدلي المبيّن فيما تقدم يثبت بأنه لم يكن بتاريخ الادعاء على المستدعيين جاهلاً بصفتهما كمحاميين وطبعاً لم يكن جاهلاً بصفتهما النيابية. وان ما ورد في جواب المحقق العدلي لجهة قوله بعدم التوقف عن ملاحقة أي مسؤول وعدم التوقف أمام أي خط أحمر فهو قول في محله ويدخل في صميم عمله كمحقق عدلي يسعى لكشف حقيقة الجرائم التي يحقق فيها وكشف الفاعلين والمساهمين فيها مهما علا شأن المسؤول الذي يكشفه التحقيق ودون التوقف عند أي خط أحمر، ولكن – تضيف المحكمة - يجب أن يتم كل ذلك ضمن حدود القانون وبما يحترم الأصول الإجرائية المنصوص عنها قانوناً. وان جواب المحقق العدلي بأنه " لن يتوقف أمام أي حصانة " يستدعي التدقيق فيه واستخلاص ما يمكن أن يستدل منه فيما خص ما يدلي به طالبا النقل لجهة تعمد المحقق العدلي الادعاء عليهما متجاوزاً الحصانة النيابية المقررة لهما بموجب المادة 40 من الدستور وتلك المقررة لهما بموجب المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة. وتتابع محكمة التمييز أنه من نافل القول أن الحصانات المثارة في المسألة الراهنة مقررة بموجب نص قانوني دستوري وبموجب نص قانوني عادي والمبدأ الذي لا جدال فيه هو أن الصفة الأولى لأي قانون هو الزاميته، وهو حتماً ملزم للقاضي الذي ينحصر دوره في تطبيق القوانين بمعزل عن رايه الشخصي فيها وإلا لو ترك للقاضي أن يقدر مدى ملائمة القانون أو مدى انطباقه على العدالة وفقاً لمفاهيم القاضي نفسه، لأدى ذلك الى انهيار البنيان القانوني بأكمله لأن مفهوم العدالة يبقى نسبياً وقد يراه قاضٍ بصورة مغايرة لما يتصوره قاضٍ آخر.
وتتابع محكمة التمييز أن قول المحقق العدلي بأنه لن يتوقف أمام أي حصانات جاء واضحاً وصريحاً لا يحتمل أي تأويل وجاء رداً على طلب نقل الدعوى، وهو يعني بصورة مباشرة واضحة أنه لن يتوقف أمام القوانين التي تنص على هذه الحصانات، ويتبين من الجواب المذكور أن المحقق يسند موقفه هذا الى هول الكارثة الإنسانية الناتجة عن الجرائم التي يحقق فيها، فيكون ما يدلي به طالبا النقل من أن المحقق العدلي تعهد بصورة صارمة خرق القانون وتجاوز الحصانتين النيابية والنقابية، قد توفر الدليل عليه من جواب المحقق العدلي بالشكل المبيّن فيما تقدم طالما أن المحقق العدلي نفسه ذهب الى أبعد ما قاله المستدعيان، فهو وفقاً لقوله لن يتوقف عند أي حصانة مقررة قانوناً لكل من تتوفر بحقه شبهات تبرر الادعاء عليه، بما يفيد أن هذا القول يطال المستدعيين اللذين يتذرعان بالحصانات المذكورة.
وتختم محكمة التمييز أنه استناداً الى ما تقدم ترى وجود ما يبرر موضوعياً ارتياب المستدعيين بحياده تجاههما سيما أنهما يعتبران ان الحصانة النيابية المقررة بموجب المادة 40 من الدستور اللبناني وتلك المستمدة من المادة 79 محاماة تنطبق على وضعهما في الدعوى الراهنة. أضف الى ذلك أن موقف المحقق العدلي بالشكل المذكور يدل على خلفية مسبقة في مقاربة مسألة الحصانات القانونية ويثير التساؤل حول جدوى تقديم المستدعيين لدفوع شكلية مستندة الى حصانتهما النيابية والنقابية. وتتابع محكمة التمييز أنه لا يغيّر ما تبينته أن يكون تجاهل الحصانات قد تم بدافع انساني لهول الكارثة الإنسانية الناشئة عن الجرائم المدعى بها، وفقاً لما هو مستفاد من قول المحقق العدلي ذاته. ولكن حياد القاضي هو في تمسكه بتطبيق القانون وليس في تقصد مخالفته او عدم التوقف عنده ولو كان ذلك وفقاً لعرف القاضي لغايات نبيلة إنسانية او اية خلفيات اخرى.
ان فصل محكمة التمييز بهذا السبب تضمن جملة أخطاء فادحة لا يجب ان يقع فيها قاضٍ متبصر، خصوصاً إذا كان قاضياً تمييزياً، فالمنتظر من المحكمة عليا تصويب الأخطاء القانونية وليس الوقوع فيها.
فمن جهة أولى، اقحمت محكمة التمييز الناظرة بطلب نقل الدعوى ذاتها في البحث بالمادتين 40 من الدستور و79 محاماة وإعطاء تفسيراً لهما وأكدت جدية تطبيقهما في الدعوى الحاضرة، بدون ان تكون صاحبة اختصاص في ذلك، لان دور محكمة التمييز الناظرة بطلب نقل الدعوى لا يجب ان يتعدى البحث في طلب الرد بعيداً عن الغوص، بل الفصل بمسائل قانونية ليست من اختصاصها. فموضوع حصانة المادتين 40 و79 مدار جدل فقهي، ولا يحق اطلاقاً لمحكمة التمييز في مجال بحثها يطلب نقل الدعوى أن تفصل في هاتين المسألتين توصلاً الى الحكم بتوافر الارتياب بحق المحقق العدلي وتقرير نقل الدعوى.[1]
ومن جهة ثانية، ان الحكم بالارتياب المشروع يستوجب المرور بمرحلتين : اثبات التصرف المخطئ، ثم اثبات عدم حياد القاضي من خلال ارتكابه الخطأ المذكور.
في القضية الراهنة، اعتبرت محكمة التمييز بصورة تلقائية أن المحقق العدلي ارتكب خطأ عند بته بالحصانة المستمدة من المادتين 40 من الدستور و79 محاماة. في حين أنه ليس من اختصاصها الفصل في هذه النقطة. وبالتالي فلا يحق لها البت بالشق الثاني من مرحلة مسألة الارتياب المذكور المتمثل بنية القاضي الانحراف الى جهة دون اخرى في النزاع لأسباب ذاتية لا علاقة لها بالقانون، ولنا عودة الى هذه المسألة لاحقاً في هذه الدراسة.
ومن جهة ثالثة، وهنا الامر الخطير، فان محكمة التمييز شوهت اقوال المحقق العدلي عندما ذكرت أنه غير مقّر بالحصانات وأنه لا يحق له – ولو بدافع انساني – رفض تطبيق القانون!
ان في ذلك تشويه واضح لأقوال المحقق العدلي لأن قوله إنه لا يتوقف أمام أي "حصانة" لا يعني به أنه غير مقّر بحصانتي المادتين 40 و79 السالفتين الذكر والدليل على ذلك أنه أجاب عليهما بقوله ان حصانة المادة 40 غير متوافرة الشروط لأن الادعاء على المستدعيين لم يحصل بصفتهما النيابية، بل الوزارية، مستبعداً بذلك توافر شروط المادة 40. كما ان الادعاء عليهما لم يحصل بصفتهما محاميين مستبعداً بذلك توافر شروط المادة 79.
بمعزل عما إذا كان قاضي التحقيق على حق في موقفه من توافر شروط تطبيق هاتين المادتين، وفضلاً عن عدم اختصاص محكمة التمييز الناظرة بطلب نقل الدعوى بحث هاتين النقطتين، فان التفسير الصحيح لكلام المحقق العدلي يأتي في سياق القول إنه لا حدود أمام محاكمة المجرم، فلا مظلة فوق رأس أحد... ولا خطوط حمراء في هذا المجال اما استعمال كلمة "حصانة" فلا يأتي في مدلولها القانوني الصرف، بل في مدلولها اللغوي انه لا أحد "محصن" ضد العدالة التي تطال الجميع. وهذا من صلب واجبه كقاضٍ يحقق في جريمة سميت جريمة العصر.
ان ما يؤكد هذا التفسير الصحيح لكلام المحقق العدلي هو بحثه بمسألة الحصانة قبل القول انه لا "حصانة" لاحد، فلو كان يقصد انه لا يقر بالحصانات بمعناها القانوني الصرف، لما تطرق اليها قبل الادلاء بحملته التي استندت اليها محكمة التمييز واضعة إياها بين قوسين ... بهدف اعتبار انها تشكل "تمرداً" للقاضي على القانون.
أضف الى ذلك ان القاضي فادي صوان "ليس ابن مبارح" في القضاء، فهو قاضي متمرس وصاحب خبرة طويلة وله باع طويل في القضايا الجزائية خصوصاً في التحقيق، الذي قضى دهراً طويلاً من الزمن في ممارسته بمهنية عالية سواء كقاضي تحقيق عدلي في جبل لبنان او كقاضي تحقيق عسكري لدى المحكمة العسكرية... فلا نتصور اطلاقاً ان يقع قاضي في مستواه الرفيع اداءً خلقية ومسلكاً في هذا الخطأ الذي لا يرتكبه أي قاضٍ! فأي قاضٍ يمكن أن يجاهر بعدم رغبته بتطبيق القانون؟! ليس مسموحاً لمحكمة التمييز أن تشوه أقوال المحقق العدلي الى درجة الافراط في الخطأ في التفسير، بل الوصول الى تحريف كلام المحقق العدلي توصلاً الى اعتبار الارتياب المشروع متوافراً في حقه. فليس معقولاً أن يبت المحقق العدلي بمسألة حصانة المادتين 40 و79 واعتبار شروط تطبيقهما غير متوافرة لأن أفعال المستدعيين لم يأتيا بها بصفتهما نائبين ومحاميين، بل بصفتهما وزيرين، ثم يتنقل الى عدم "الاعتراف" بالحصانات. فهذا تشويه غير مقبول لأقواله، فضلاً عن كون محكمة التمييز الناظرة بطلب النقل قد تجاوزت اختصاصها عندما اعتبرت ان شروط المادتين المذكورتين متوافرة.
ومن جهة رابعة، فان موضوع الحصانات يدخل في إطار الدفوع الشكلية وليس من اختصاص محكمة التمييز الناظرة بطلب نقل الدعوى ان تبحث في الدفوع الشكلية التي يقتضي تقديمها وفقاً للأصول امام المحقق العدلي أولاً ثم امام المجلس العدلي. ولا يرد على ذلك قول محكمة التمييز ان المحقق العدلي باعتباره ان شروط الحصانة غير متوافرة، يكون قد نفى إمكانية تقديم أي دفوع شكلية في هذا الصدد لان الدفوع الشكلية لم تقدم اصلاً من قبلهما، ثم ان المجلس العدلي، كمحكمة اساس، يبقى المجال متاحاً امامه لتقديم أي دفوع شكلية.
ومن جهة خامسة، كان على محكمة التمييز ان تدرك جيداً مدى اختصاصها الضيق والحصري عندما تنظر بطلب نقل الدعوى للارتياب المشروع، اذ انه لا يحق لها ان تبحث أي نقطة تخرج عن هذا الموضوع، خصوصاً يجب عليها تجنب "الانزلاق" نحو البحث بدفوع شكلية – كما فعلت في هذه القضية، كما يجب عليها تجنب الغوص في نقاط تدخل في أساس النزاع خصوصاً عند تطرقها لبحث شروط ومفهوم الحصانة.
ومن جهة سادسة، لقد خلطت محكمة التمييز بصورة غير مقبولة بين سلطة القاضي في تفسير القانون وبين عدم جواز رفضه تطبيق القانون! وهنا يكمن الخطأ الأكثر فداحة! فالمحقق العدلي لم يرفض البتّة تطبيق القانون، لاسيما المادتين 40 و79 السالفتي الذكر، بل فسرهما وفسر شروط تطبيقهما، انطلاقاً من سلطانه المطلق في تفسير القانون، بدون قيد سوى رقابة المحكمة العليا، عندما تنظر تمييزاً في الدعاوى وليس عندما تنظر كمرجع في البت بطلبات النقل. فالمحقق العدلي لم يرفض تطبيق المادتين 40 و79 المتعلقتين بالحصانة، بل فسرهما وفقاً لما يرتأيه، فما شأن المحكمة الناظرة في طلب النقل بذلك؟!
ليس صحيحاً ان المحقق العدلي رفض الاعتراف بالحصانات بل رفض إعمال الحصانات المنصوص عنها في المادتين 40 و79، بعد البحث في عدم توافر شروط تطبيقهما. هذا علماً بأنه لا يجب أن ننسى أنه ليس من اختصاص محكمة التمييز كمحكمة ناظرة بنقل الدعوى ان تتطرق الى هذه المسائل الخارجة عن اختصاصها، الذي يجب أن يبقى محصوراً بالبحث بطلب النقل دون ان تتعدى ذلك الى البحث في الدفوع الشكلية، أو في دفوع في الأساس.
فيكون ما توصلت اليه محكمة التمييز عند بحثها في هذا السبب مخالفاً للقانون، بل منطوياً على خطأ فادح.
- في بحث السبب الثاني
جاء في القرار الراهن وفي معرض بحث محكمة التمييز للسبب الثاني الذي ارتكزت عليه لتقرير توافر شروط نقل الدعوى للارتياب المشروع أن منزل القاضي فادي صوان قد تضرر من الانفجار، ما يجعله متضرراً شخصياً ويمنعه من الحكم في الدعوى بغير ميل عاطفي ويؤدي الى انعدام الحيادية في تعاطيه مع إجراءات الملف، الامر الذي يوجب نقل الدعوى. أجاب المحقق العدلي على هذا السبب بأن الاضرار المادية لا تؤثر إلا في صغار النفوس وقليلي الايمان الذين يلهثون وراء الماديات ويكنزون الذهب والفضة ولا يشبعون. أما المحقق العدلي فقد عمد الى اصلاح الاضرار المادية وشكر ربه ألف مرة على اختصار الاضرار على الماديات وتابع عمله بصورة طبيعية دون الحياز ألخ...
ردت محكمة التمييز أن المحكمة الناظرة في طلب نقل الدعوى للارتياب المشروع تتمتع بسلطة مطلقة في تقدير مدى توافر عناصر الارتياب المشروع الذي يتحقق كلما تحققت أسباب جدية وهامة مبنية على وقائع محددة وثابتة من شأنها ان تثير موضوعايً لدى فرقاء الدعوى أو أحدهم الشك في حياد المحكمة أو المرجع القضائي الواضع يده على الدعوى، وترى المحكمة أن من بين هذه الأسباب الجدية الحالة التي يتحقق فيها في شخص القاضي الواضع يده على الدعوى وضع يبرر للخصم الاعتقاد أن القاضي لن يتمكن من الحكم في الدعوى بحياد ودون ميل. وهذا الوضع يمكن استخلاصه من ظرف شخصي يتوافر في وضع القاضي نسبة الى موضوع الدعوى أو نسبة الى أشخاص الخصومة أو ببعضهم ألخ...
ان القواعد الأساسية الجوهرية في أي محاكمة لا تأتلف مع واقع أن يحقق أو يحكم قاضٍ في جرم هو متضرر منه شخصياً ومباشرةً. وتختم محكمة التمييز أنه بما لها من سلطة تقدير لهذا الواقع الذي وجد فيه المحقق العدلي كمتضرر شخصي من أحد الأفعال الجرمية المدعى بها ولما لذلك من تأثير نفسي عليه بحكم الطبيعة البشرية، توفر ما يبرر اعتقاد المستدعيين أن هذا الواقع سيصعّب على المحقق العدلي اتخاذ القرارات في الدعوى التي يحقق فيها مع المحافظة على تجرده من أي ميل، ما يجعل ارتياب المستدعيين المدعى عليهما في حياد المحقق العدلي مشروعاً.
لقد أخطأت هنا أيضاً محكمة التمييز في قبول هذا السبب.
فمن جهة أولى، إن تحطم زجاج منزل قاضٍ في موقع المحقق العدلي لا يمكن ان يكون سبباً للارتياب المشروع به ونقل الدعوى من امامه!
ليس هذا فقط، بل ان جريمة تفجير المرفأ المسماة جريمة العصر أصابت اللبنانيين في الصميم، ومن لم يتأثر مادياً منها، فقد تأثر معنوياً وعاطفياً، بل ولدت ثورة عارمة، لا مجال للحديث في خصهما عن تحطيم زجاج منزل المحقق العدلي! لبنان كله أصيب بجريمة 4 آب 2020، على مختلف المستويات، فليس مسموحاً اعتبار تحطم زجاج منزل المحقق العدلي سبباً للارتياب غير المشروع به!
إن ولوج هذا الجانب من قبل محكمة التمييز هو غير موفق اطلاقاً ويفتح باب الكلام عن ميول القاضي النفسية أو السياسية أو الاجتماعية وحتى الدينية ألخ... وما إذا كانت تشكل أيضاً سبباً لنقل الدعوى للارتياب المشروع حتى ولو لم يفصح عنها؟! صحيح أن القاضي انسان له احاسيسه ومشاعره، ولكن الصحيح أيضاً ان القاضي الممتهن، مثل المحقق العدلي، لا يحكم انطلاقاً من أي ميول له. وهنا تمكن كل صفات القاضي وتميزه على هذا المستوى عن الآخرين. فأخلاق القاضي فادي صوان ومهنيته العالية أقوى بكثير من الاضرار الناشئة عن تحطم زجاج منزله! هذا فضلاً عن أن القاضي فادي صوان عُيّن محققاً عدلياً بعد تحطم زجاج منزله وليس قبله، وذلك بموجب مرسوم، ألم يكن على المستدعيين أن يطعنا بمرسوم تعيينه، بدلاً من أن يتخذا من تحطم زجاج منزله سبباً للارتياب به؟! لا ما هكذا يعامل القضاة الكبار...
ان الخطـأ الأكبر الذي ارتكبته محكمة التمييز في هذا الصدد هو تناسيها بأن المبدأ هو قرينة حياد القاضي وليس توافر الارتياب المشروع بحقه، بالتالي وطالما أن الارتياب المشروع هو استثناء وقرينة الحياد هي المبدأ، فانه يجب عدم التساهل اطلاقاً في قبول طلبات نقل الدعوى للارتياب إلا بعد التثبت من توافرها، بعيداً عن الاستنتاجات المفرطة، كما فعلت محكمة التمييز عندما اعتبرت ان تحطم زجاج منزل القاضي يشكل سبباً لنقل "دعوى العصر" للارتياب المشروع.
ان ما ذهبت اليه محكمة التمييز لا يشكل فقط خطأ فادحاً ناشئاً عن تساهلها في نقض قرينة حياد القاضي وهي المبدأ، بل يشكل مسّاً مرفوضاً في مهنية القاضي فادي صوان العالية وسلوكه المهني المشهود له.
- في تجاوز محكمة التمييز اختصاصها عبر تحديد آلية تعيين محقق عدلي آخر
قررت محكمة التمييز في البند "ثانياً" من الفقرة الحكمية "نقل الدعوى الراهنة من تحت يد المحقق العدلي فادي صوان ورفع يده عنها على أن يتولى النظر فيها محقق عدلي آخر يعين وفقاً لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 360 أ.م.ج."
اذا كان صحيحاً أن المادة 340 أ.م.ج تجيز لمحكمة التمييز الناظرة بطلب نقل الدعوى، رفع يد القاضي عن الدعوى واحالتها الى مرجع قضائي آخر من الدرجة ذاتها لمتابعة النظر فيها، فان هذا الحكم لا ينطبق على الدعوى الراهنة لأن قاضي التحقيق العدلي معيّن بمرسوم يصدره وزير العدل بناء على موافقة مجلس القضاء الأعلى، وبالتالي تكون محكمة التمييز قد تجاوزت اختصاصها في هذا الصدد في مسألتين:
المسألة الأولى: تقرير تعيين محقق عدلي آخر، في حين اننا لا نجد مانعاً من الإبقاء على المحقق العدلي الحالي، اذا ما ارتأى وزير العدل ذلك، بموافقة مجلس القضاء الأعلى، عملاً بمبدأ فصل السلطات، اذ لا يمكن لمحكمة التمييز أن تفرض على وزير العدل تعيين محقق عدلي آخر، كما ذهبت اليه، فالسلطة التنفيذية ليست خاضعة لقرارات السلطة القضائية فضلاً عن ان السلطة التنفيذية ليست ملزمة تنفيذ الاحكام القضائية، عملاً بمبدأ فصل السلطات.
المسألة الثانية: وهي الأخطر اذ لا يحق لمحكمة التمييز ان تحدد لوزير العدل (بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى) آلية تعيين محقق عدلي جديد وفقاً لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 360 أ.م.ج. فذلك يخرج عن اختصاصها ويعود حصراً لوزير العدل (بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى)، خصوصاً وان آلية التعيين هي موضوع جدل وليس الكل موافقاً على التعيين بالاستناد الى مبدأ الموازاة في الشكل Parallelisme des formes، اذ لكل رأيه في هذا السياق، خصوصاً وأنه في المبدأ ليس لمحكمة التمييز أن تحدد لوزير العدل كيفية تعيين البديل.
إذا كان صحيحاً أن تحطم زجاج منزل القاضي فادي صوان، وسوء تفسير محكمة التمييز لكلامه "أطاحا" به، فالصحيح أيضاً ان جريمة تفجير المرفأ أطاحت بلبنان كله، واللبنانيون ينتظرون معرفة هوية الفاعل، والتعويض عليهم، فهل سيطول انتظارهم؟ وهل سينجو قرار محكمة التمييز غير القابل لأي طريق من طرق المراجعة (وفقاً للفقرة الأولى من المادة 342 أ.م.ج.) من سيف أحكام المادة 741، البند 4 أ.م.م. (مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن اعمال القضاة العدليين)، فتطيح أخطاؤها الجسيمة بقرارها، كما أطاحت هي بالمحقق العدلي؟
[1] انظر مقالنا حول الحصانة المستمدة في المادة 40 من الدستور اللبناني، في SADERLEX (صادر اونلاين)، حيث أبدينا رأياً مخالفاً لرأي المحكمة.

