• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

التوزيع الحصري: تميّزه عن التوزع العادي، اثباته، تسجيله، مدى اعتبار عدم التسجيل ملزماً للغير، فسخه، التعويض عنه

بعد اتساع نطاق التجارة في العالم واحتلالها دوراً لا يُستهان به في عالمنا الحالي، كانت الحاجة الى التمثيل التجاري الذي أصبح اليوم من القضايا ذات الدور البارز في بلدٍ يسعى الى تطوير نفسه اقتصادياً وتجارياً مثل لبنان، حيث التجارة تشغل حيّزاً مهماً مماشاة مع التحولات الجارية في البنية الاقتصادية للتجارة الداخلية والخارجية. 

ان النظام اللبناني من خلال اعترافه بجميع طرق التواجد التجاري النموذجية، قد منح المستثمر الأجنبي حق الخيار بين الوجود التجاري الفعلي والمباشر عبر إنشاء مكاتب أو فروع خاصة بالتمثيل التجاري أو من خلال تأسيس شركة في لبنان، بهدف تمكين الشركة الأجنبية من بيع منتجاتها وتسويقها في لبنان عن طريق التعاقد مع وكيل تجاري أو موزع حصري لها يقوم بأعمال بيع وشراء واستئجار باسم ولصالح الشركة الاجنبية أو تسمية موزع حصري يبيع لحسابه ما يشتريه من الشركة الاجنبية بموجب عقد الوكالة.

وايماناً بالدور البارز الذي يلعبه التمثيل التجاري والوكالات الحصرية لإعلاء شأن التجارة وتطويرها من خلال الوساطة التجارية بكافة أشكالها، ارسى المشرّع اللبناني أحكام التمثيل التجاري وتنظيمها وفق المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 الصادر بتاريخ 5/8/1967 وتعديلاته في سبيل تمكين الشركات الضخمة الساعية الى التطور التجاري تسويق منتجاتها بطريقة علمية مدروسة لتحقيق أهدافها في المجالات كافة من تجارية واستثمارية، اذ جاء المرسوم الاشتراعي المذكور عبارة عن قانون حمائي، يتعلق بالنظام العام ويحصر الاستفادة من الحصرية بالتاجر اللبناني هادفاً الى تأمين الحماية للممثل التجاري اللبناني الذي يكون قد روج للماركة الاجنبية موضوع الوكالة الحصرية متكبداً في سبيل ذلك المصاريف ليفاجأ بعدها بفسخ عقده دون خطأ منه.

ما الذي يميّز الموزع الحصري عن الموزع العادي؟ اثبات عقد التوزيع الحصري ؟ تسجيل عقد التوزيع الحصري في السجل التجاري، ومدى اعتبار عدم التسجيل ملزماً للغير؟ فسخ عقد التوزيع الحصري والتعويض عنه؟

الفقرة الاولى: تمييز الموزع الحصري عن الموزع العادي:

ان عقد التوزيع الحصري؛ هو عقد توزيع يقوم بموجبه المورد بمنح الموزع حق توزيع المنتج أو السلعة في إقليم محدد أو نطاق جغرافي معين وذلك بشكل حصري بحيث يكون لهذا الموزع وحده دون غيره الحق في توزيع هذا المنتج أو هذه السلع،

اما عقد التوزيع غير الحصري (العادي)، هو نموذج عقد توزيع الذي يقوم بموجبه المورد بمنح الموزع الحق في توزيع المنتج أو السلعة محل العقد في منطقة جغرافية محددة أو إقليم محدد بشكل غير حصري بحيث يكون المورد قد منح حق توزيع نفس السلعة أو المنتَج -بموجب عقد توزيع آخر- لأكثر من موزع في الوقت ذاته.

تكريساً لأحكام التمثيل التجاري وتنظيمها وفق المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 الصادر بتاريخ 5/8/1967 المتعلق بالتمثيل التجاري، عرّفت المادة الاولى من المرسوم الاشتراعي 34/67 معرّفة الممثل التجاري او الموزع الحصري بما حرفيته:

«الممثل التجاري هو الوكيل الذي يقوم بحكم مهنته الاعتيادية المستقلة، ودون ان يكون مرتبطاً بإجارة خدمة بالمفاوضة لاتمام عمليات البيع والشراء او التأجير او تقديم الخدمات.ويقوم عند الاقتضاء بهذه الاعمال بإسم المنتجين او التجار ولحسابهم.

يعتبر أيضاً بحكم الممثل التجاري التاجر الذي يقوم لحسابه الخاص ببيع ما يشتريه بناءً لعقد يتضمن اعطاءه صفة الممثل او الموزع الوحيد بوجه الحصر».

حيث يظهر من نص المادة الاولى من المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 انها تتمل على فئتين من الاشخاص يعتبرهم القانون ممثلين تجاريين:

  1. الممثل التجاري الوكيل.
  2. الممثل التجاري صاحب الحق الحصري بالمبيعات او المفوض الحصري بالبيع.

 

فالموزع الحصري هو "الموزع الذي يحق له وحده بيع البضاعة التي يمثلها، وضمن النطاق الجغرافي الممنوح له بموجب عقد التمثيل التجاري، بحيث لا يحق للشركة الموكلة ان تبيع بضاعتها لسواه في المنطقة المعينة في العقد، لا بصورة مباشرة ولا بصورة غير مباشرة".

من الملاحظ ان الفقه، كما الاجتهاد الحديث، اعتبرا ان احكام الفقرة الثانية من المرسوم الاشتراعي رقم 34/67  تاريخ 5آب  1967قد اخضعت "الممثل او الموزع الوحيد بوجه الحصر" الى احكام المرسوم الاشتراعي المذكور معتبرة اياه بحكم الممثل التجاري وبالتالي منحته الحماية القانونية التي يتمتع بها الممثل التجاري، معتبرة ان العنصر الرئيسي، في الحالة المنصوص عليها في الفقرة الثانية المذكورة، هو ان يكون للتاجر المذكور صفة الممثل او الموزع الوحيد بوجه الحصر، كما انها اضفت عليه صفة الوكيل، في حين ان الموزع العادي لا يسبغ بهذه الصيغة، اي لا يعتبر وكيلاً".

والجدير بالذكر ان الممثل التجاري بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 تاريخ5  /8/1967 يتمتع بالاستقلالية التي تعتبر من جوهر عقد التمثيل التجاري التي تضفي عليه طابعاً مميزاً وخصوصية معيّنة كونها تنصهر ضمن نطاق طبيعة الرابطة بين الموكل والممثل التجاري دون الطريقة المعتمدة من الممثل التجاري في معرض تنفيذه عقد تمثيله، هذا بالإضافة الى عنصر امتهان الممثل التجاري للنشاط الذي يمارسه والذي يفرض عليه القيام بعمله بصورة اعتيادية مستمرة.

كما يستفاد أيضاً من المادة الاولى من المرسوم الاشتراعي المذكور في فقرتها الثانية انها تقصد الممثل او الموزع الحصري الوحيد باعتباره بحكم الممثل التجاري، حيث رتّبت على كلّ منهما موجباً حصرياً متبادلاً ومقيّداً لهما معاً انطلاقاً من كونها تحدّثت عن "عقد التمثيل التجاري"وما ينتج عنه من علاقات الزامية وموجبات ملقاة على عاتق طرفيه كونه شرعة المتعاقدين ومندرجاته هي المعوّل عليها لتحديد تلك الموجبات من خلال الحؤول دون امكانية البائع بيع البضاعة المذكورة لغير المفوّض بالبيع، كما أوجبت على هذا الاخير بيع البضاعة موضوع بند الحصر بمفردها دون غيرها من البضائع المماثلة العائدة لشركات أخرى.

ان المشترع اللبناني اذاً، قصد في الفقرة الثانية من المادة الاولى من المرسوم الاشتراعي رقم 34 حماية الممثل والموزع الوحيد بوجه الحصر، المقيد بالشرط الحصري المتبادل والذي يلقيه، حصر نشاطه بترويج  البضاعة التي تخص المفوض دون غيرها من بضاعة مماثلة، وذلك دون المفوض والموزع العادي بالبيع.

وفي اطار التمييز بين الموزع الحصري والموزع العادي اعتبر الفقه " ان المفوض العادي بالبيع او الموزع العادي يحق له ان يبيع، بالاضافة الى بضاعة ومنتوجات معاقده، بضاعة مماثلة لشركات منتجة اخرى. وهذا يعني ، بشكل صريح وواضح انه لا مجال للحديث عن توزيع حصري محصور بشخص فرد، في حين ان المفوض بالبيع بوجه الحصر، فانه يتبادل الحصرية مع موكله، ولا يسوغ له بالتالي بيع منتجات او بضاعة مماثلة ومضاربة للبضاعة المفوض ببيعها اصلاً".

ان الاجتهاد السائد، قد اوضح المبرّر من تقرير الحماية بموجب الفقرة الثانية من المادة الاولى من المرسوم الاشتراعي 34/67 على الموزع الوحيد بوجه الحصر دون الموزع العادي بالبيع، مشيراً الى ان ما يبرر حماية الممثل او الموزع الوحيد بوجه الحصر دون الموزع العادي هو اعتباره ان الموزع الوحيد يكون قد قطع كل علاقة مع كل شخص غير الذي كلفه بالتوزيع ومع الزبائن الذين لا يشترون بضاعة مكلفه المذكور، بمعنى ان عدم تجديد التعاقد بينهما من شأنه ان يؤول الى انهياره من الوجهة التجارية، بينما في حال ارتباط الموزع مع مكلفين عديدين لنوع معين من البضاعة، فان عدم تجديد التعاقد مع احدهم ليس من شأنه ان يؤول سوى لخسارة بعض الزبائن، فضلاً عن انه يمكنه حث وحمل زبائنه على شراء المنتجات التي لا يزال يوزعها".

ومن الملاحظ ايضاً ان هدف المادة الاولى من المرسوم اعلاه، هو حماية الممثل التجاري اللبناني. وهذا الهدف يتحقق كائنة ما كانت الطريقة التي يتبلور عبرها حق التمثيل الحصري لمصلحة التاجر اللبناني اي سواء كانت العملية تمت بواسطة الشركة الاجنبية مباشرة او بواسطة وكيل لها، او نائب عنها او ممثل او ما سوى ذلك خصوصاً عندما تكون قد عبرت عن موافقتها بصورة صريحة وان لاحقة.

تأسيساً على ذلك، ان المشرع اللبناني قد حمى الممثل التجاري الذي يمارس مهنته ضمن الشروط والاحكام المكرّسة في المرسوم الاشتراعي رقم 34/67، لا سيّما لجهة أن يكون لبنانياً وان يكون له محل تجاري في لبنان، محدّداً الموجبات الملقاة على عاتق الممثل التجاري في حال كونه شركة ، وذلك في المادة الاولى من المرسوم المذكور التي نصت على ما يلي:

" وإذا كان الممثل التجاري شركة وجب:

  • في شركات الاشخاص والشركات المحدودة المسؤولية، ان تكون أكثرية الشركاء من اللبنانيين وأكثرية رأس المال للبنانيين وأن يكون صاحب الحق بالتوقيع عنها لبنانياً.
  • في الشركات المساهمة، ان تكون أسهمها اسمية وأكثرية رأسمالها للبنانيين وأن يكون ثلثا اعضاء مجلس ادارتها ورئيس مجلس ادارتها ومديرها العام او الشخص المنتدب من قبل رئيس مجلس الادارة او المدير العام لكل وظائف ادارتها او لجزء منها، جميعهم من اللبنانيين".

الفقرة الثانية: اثبات عقد التوزيع الحصري:

  • ...

اوجب المشترع اللبناني اثبات عقد التمثيل التجاري خطياً من اجل الاثبات وليس لصحته او لوجوده، وبعدم سريان مفعوله بحق الاشخاص الثالثين، بالاضافة الى غرامة لعدم قيده في السجل التجاري ( بحيث لا يعود من الجائز اثبات الاتفاق بين الفريقين الا بالاقرار او باليمين: المادتان 241 و310 أ.م.م.)، بحيث في حال عدم كفاية العقد الخطي فانه يشكل في هذه الحالة بدء بينة خطية يمكن تعزيزها ببينة الشهود او القرائن كي ترتقي الى مرتبة الدليل الكامل الذي يقوم مقام البينة الخطية،

وفي هذا الاطار، نصت الفقرة الاولى من المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 المتعلق بالتمثيل التجاري على ما حرفيته:

« كل عقد تمثيل تجاري ينشأ بعد العمل بهذا المرسوم الاشتراعي يجب ان يكون خطيا ويمكن ان يكون لمدة محددة او غير محددة.»

ان الاجتهاد الحديث قد استقر على ان القول بوجود الوكالة الحصرية او لا يعود للمحكمة الواضعة يدها على النزاع، اذ ان النص على عدم الحصرية في عقد التمثيل التجاري لا يكفي وحده للقول بعدم وجود الحصرية التي تستثبتها المحكمة من طبيعة التعامل اليومي فترة طويلة ومن وجود اثباتات خطية، وذلك يخضع لسلطة محكمة الاساس ولا يخضع لرقابة محكمة التمييز ، اذ يلجأ القاضي الى تفسير العقد وتحديد طبيعته انطلاقاً من بنوده ومندرجاته، ومن حقوق وموجبات المتعاقدين فيه والوقوف على نيتهم،

وحيث من المسلم فقهاً واجتهاداً، ان اشتراط الكتابة لعقد التمثيل التجاري هو فقط لاثباته لا لصحته، لان الحصرية ليست مطلوبة بعبارات احتفالية، وانما يكفي ان تستنتج بشكل واضح من عبارات العقد او من شكل التعامل، بحيث يستدل عليها من نية الطرفين المتعاقدين، هذا وان المراسلات تشكل الدليل الخطي على وجود عقد التوكيل التجاري بين الفريقين، كما يمكن تأمين الدليل الخطي من خلال الرسائل الواضحة والقاطعة لجهة ارتضاء طرفي العقد بالارتباط بعقد التمثيل التجاري.

كما اجمع الفقه والاجتهاد ايضاً، ان كتب التأكيد الخطية المرسلة من الشركة والمتضمنة اسماء الاطراف والمنتوجات المشمولة بها ومدة العقد عقد تمثيل حصري، ولا ينال من تلك النية تذرع الطرف الآخر بجهله وجود قانون للتمثيل الحصري في لبنان عملاً بالقاعدة القائلة بأنه لا يمكن لاحد أن يتذرع بجهله القانون.

ان المشرع اللبناني أوجب في المادة /2/ م.إ. رقم 34/67 أن يكون عقد التمثيل التجاري خطياً، بحيث أن الدليل الخطي الذي فرضه المشرع هو بهدف الاثبات وليس كشرط صحة العقد مما يقتضي معه القول بأن لا شكل معيناً يفرض لمثل هذا الدليل المثبت للعقد، وبالتالي، انه يكون بالامكان تأمين الدليل الخطي بتبادل الرسائل شرط ان تظهر من هذه الرسائل ومن تنفيذ مضمونها بشكل واضح لا يرقى اليه الشك نية الفريقين بالتعاون والتعامل وفقاً لقواعد التمثيل المحددة في المرسوم الاشتراعي رقم 34/67.

الفقرة الثالثة: تسجيل عقد التمثيل التجاري في السجل التجاري:

ان مجرد تسجيل الممثل التجاري بوجه الحصر بند حصر التمثيل في السجل التجاري، فان هذا الامر يسري بمواجهة الاشخاص الثالثين، بحيث لا يحق لهؤلاء الاستيراد المباشر او غير المباشر للبضاعة التي يمثلها ويوزعها الوكيل الحصري، وهو ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 المتعلق بالتمثيل التجاري على انه:

« لا يسري بند حصر التمثيل على الأشخاص الثالثين إلا إذا أعلنه الوكيل بقيده في السجل التجاري.....»

ولا يسوغ للغير التذرع بجهل الحصر، اذ بمجرد تسجيل بند حصر التمثيل في السجل التجاري، تنشأ قرينة قاطعة غير قابلة لاثبات العكس، على سوء نية المستورد. فالسجل التجاري اداة للنشر، يقصد بها جعل مندرجاته نافذة بحق الغير عند وجود نص قانوني صريح بهذا المعنى. اذ ان تسجيل بند حصر التمثيل يجعله سارياً بوجه الاشخاص الثالثين، ومنتجاً لمفاعيله بحقهم، الامر الذي ينشئ تجاه هؤلاء "موجب نتيجة" ويرتب مسؤولية الغير في حال مخالفة هذا الموجب، ويلزمه بالتعويض.

وعلـــــــــــيه، ان عدم تسجيل بند حصر التمثيل في السجل التجاري يؤدي الى اعادة اعمال مبدأ نسبية العقود، فلا تسري الحصرية على الاشخاص الثالثين، ويكون لهؤلاء ادخال وبيع نفس البضائع الداخلة في نطاق الحصرية،

اجمع الفقه والاجتهاد على عدم سريان شرط حصر التمثيل على الغير عند اغفال الوكيل الحصري اجراء القيد في السجل التجاري بالقول انه "اذا اغفل الوكيل الحصري اجراء القيد في السجل التجاري، فلا يسري شرط حصر التمثيل على الغير ولو علم به بطريق آخر"

ان الاجتهاد اللبناني والفرنسي، اشار الى مبدأ نسبية العقود لا يطبق في حالة عقد التمثيل التجاري الحصري المسجل في السجل التجاري، مكرساً ذلك الى انه بالعودة الى المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 تاريخ 5 آب سنة 1967، ينهض جلياً ان الفقرة الثالثة من المادة الثانية من المرسوم المذكور، قد اعتبرت انه " لا يسري بند حصر التمثيل على الأشخاص الثالثين إلا إذا أعلنه الوكيل بقيده في السجل التجاري، ما يعني عدم تطبيق مبدأ نسبية العقود في حالة عقد التمثيل التجاري الحصري المسجل في السجل التجاري،

وفي هذا الاطار، ان ما يجدر التأكيد عليه ان اعمال ما هو مذكور اعلاه، يتم فقط في الحالة التي يكون فيها عقد التمثيل الحصري مسجلاً في السجل التجاري، بحيث ان انتفاء التسجيل يؤدي الى اعادة اعمال مبدأ نسبية العقود، فلا تسري الحصرية على الاشخاص الثالثين، ويكون لهؤلاء ادخال وبيع نفس البضائع الداخلة في نطاق الحصرية، حتى ولو تم تسجيل عقد التمثيل التجاري الحصري فيما بعد في السجل التجاري، حيث قضي بان البضائع التي تم ادخالها قبل التسجيل يكون من ادخلها حراً في بيعها، اذ ان الاعلان هذا هو معاملة جوهرية لا بد منها لسريان احكام الوكالة الحصرية على الغير.

كما ان الاجتهاد قد استقر على ترتب مسؤولية مستورد البضائع موضوع عقد التمثيل الحصري المسجل  في السجل التجاري في بلد الوكيل، بالرغم من استيرادها من الشركة الموكلة او من فرع اخر لها في بلد اخر او من السوق الحرة، انطلاقاً من سريان عقد التمثيل التجاري المسجل في السجل التجاري على مستورد البضاعة بالرغم من شرائها من بلد المنشأ او من مصد اخر عملاً بالطابع الحمائي للممثل التجاري وسنداً لاحكام قانون التمثيل التجاري، ومن حصر حق استيراد البضائع موضوع عقد التمثيل الحصري المسجل اصولاً في السجل التجاري، وبيعها في لبنان، بالممثل الحصري دون سواه بصرف النظر عن مصدر البلد المصدّر،

انطلاقاً مما تقدم، من الملاحظ ان المرسوم الاشتراعي 34/67 قد انطلق إذا من طبيعة عقد التمثيل الحصري كونه التزام من شركة تجاه شركة أخرى من أجل منح أحداها للاخرى حق تمثيلها في بلد معين وتسويق وبيع منتجاتها بطريق الحصر، حامياً الوكيل تجاه الاشخاص الثالثين من خلال تسجيل بند حصر التمثيل أصولاً في السجل التجاري.

وبالتالي فإن من يشتري بضائع وسلع حاملة لماركة عائدة للشركة مانحة حق التمثيل والتوزيع الحصري من خارج الوكيل الحصري لبيعها في السوق التي تحصر الشركة المانحة حق بيعها وتوزيعها بوكيل حصري لهذه السلع والمنتجات ، يكون مسؤولاً تجاه الوكيل المحدد وملزماً بالتعويض عن فعله الضار اللاحق به .

وعلــيه، فالموزع الحصري هو وحده صاحب الحق ببيع البضائع التي يمثلها، وضمن النطاق الجغرافي الممنوح له بموجب عقد التمثيل التجاري، وان تسجيله لبند التمثيل الحصري في السجل التجاري يمنع الاشخاص الثالثين من الاستيراد المباشر او غير المباشر للبضاعة التي يمثلها ويوزعها الوكيل الحصري، والاّ ترتبت مسؤوليتهم تجاهه انطلاقاً من عدم امكانيتهم التذرع بجهل الحصر كون تسجيل بند الحصر في السجل التجاري منشئاً لقرينة قاطعة على سوء نيّة المستورد ، فلا يعود لأي شخص ان يتذرع بمبدأ نسبية العقود او حرية التجارة.

الفقرة الرابعة: فسخ عقد التوزيع الحصري:

من المقرر فقهاً واجتهاداً انه لا يمكن في الاساس فسخ العقود الاّ بتراضي جميع الذين انشأوها، وبالتالي ان مثل هذه العقود تبقى قائمة ومنتجة لمفاعيلها ما دام انها لم تفسخ رضاء او قضاء ولم تكن متضمنة بنداً بالفسخ الحكمي.

على ضوء التمثيل التجاري، اذا مما حصل توزيع للخدمات من خلال اعطاء حق التمثيل لممثل أخر بعد نزعه من الممثل التجاري القديم، فيغدو الفسخ في هذه الحالة مستنداً الى سبب غير مشروع ومرتباً للمسؤولية وموجباً للتعويض.

من هنا، ان المشرع اللبناني منح الممثل التجاري في المادة الرابعة من م.إ.34/67 الحق في المطالبة بتعويض في حال فسخ عقد التمثيل التجاري من قبل موكله دون خطأ منه أو سبب آخر مشروع نتيجة الضرر اللاحق به وما يفوته من ربح، كما منحه الحق في حال انتهاء العقد بحلول اجله وبالرغم من كل بند مخالف، المطالبة بتعويض عادل يقدّره القضاء، إذا كان نشاطه قد أدى الى نجاحٍ ظاهرٍ في ترويج ماركة موكله او في زيادة عدد زبائنه وحال دون جنيه الربح من جراء امتناع موكله عن تجديد عقد التمثيل، حيث نصت المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 المتعلق بالتمثيل التجاري على:

« ان عقد التمثيل التجاري يعتبر حاصلا لمصلحة المتعاقدين المشتركة.
وعليه فان فسخه من قبل الموكل، دون خطأ من الممثل او سبب آخر مشروع, يجيز لهذا الاخير بالرغم من كل اتفاق مخالف, المطالبة بتعويض يوازي الضرر الذي يلحق به وما يفوته من ربح.
وكذلك يحق للممثل التجاري, حتى في حالة انتهاء العقد بحلول اجله, وبالرغم من كل اتفاق مخالف, المطالبة بتعويض يقدره القضاء اذا كان نشاطه قد ادى الى نجاح ظاهر في ترويج ماركة موكله او في زيادة عدد زبائنه وحال دون اجتنابه الربح من وراء ذلك النجاح عدم موافقة موكله على تجديد عقد التمثيل.»

من الملاحظ اذاً ان المشرّع اللبناني اراد في المادة الرابعة المذكورة حماية الممثل التجاري من خلال حفظ حقه بالمطالبة بالتعويض بالرغم من كل نص مخالف، إذ لم يجز فسخ العقد الاّ بسبب خطأ من قبل الممثل التجاري أو لأي سبب آخر مشروع ، او لانتهاء العقد بحلول أجله، مانعاً فسخ عقد التمثيل التجاري من قبل طرف واحد بمشيئته المنفردة ودون اسباب مبرّرة.

وفي هذا السياق، كان للاجتهاد اللبناني دوراً بارزاً في ارساء قواعد عقد التمثيل التجاري من خلال صدور عدة قرارات متعلقة بهذا الموضوع لها من الاهمية ما يستوجب الاضاءة عليها وترتيب تعويض على فسخ العقد من قبل الموكل دون خطأ من الممثل الموزع او سبب آخر مشروع انطلاقاً من الغاية التي سعى المشرع اليها من خلال تحقيق توازن في الحقوق والموجبات واعتبار التمثيل التجاري الحصري من العقود المتبادلة الموضوعة لمصلحة المتعاقدين من أجل نيل منافع متعادلة ومحسوسة.

ان اجتهاد محكمة التمييز اللبنانية قد استقر على ان ارسال كتاب من قبل الشركة تفيد فيه بانتفاء صفة الحصرية هو بمثابة فسخ للعقد يتوجب التعويض عن الضرر الذي لحق بالموزع الحصري نتيجة فسخ العقد تعسفيا، وان عبء اثبات السبب المشروع المبرر لفسخ عقد التمثيل التجاري يقع على عاتق الموكل، نظراً لمسؤوليته المفترضة عن فسخ العقد، حيث جاء في احد قراراتها:"  بما ان محكمة الاستئناف لم تقلب عبء الاثبات ولم تخالف احكام المادة 132 اصول مدنية عندما قالت بان عبء اثبات المشروع يقع على عاتق الموكل بالنظر لتمديد العقد لان مسؤوليته مفترضة"،

كما اكّد اجتهاد المحاكم على انه "يقع عبء اثبات خطأ الممثل التجاري الذي يبرر فسخ عقد التمثيل التجاري دون التعويض عليه على عاتق الشركة او المؤسسة الممثلة، التي عليها تقديم الاثبات على وجود اهمال او اخلال هام ارتكبه الممثل التجاري خلال سريان عقد التمثيل التجاري، فاذا عجزت او قصّرت عن تقديم هذا الاثبات فانها تكون مسؤولة بالتعويض على الممثل التجاري عن فسخ العقد".

اما بالنسبة لمسؤولية الغير، اي الشخص المتعاقد مع الموكل فانه يشترط لترتيب مسؤوليته ان يكون عالما بموجبات العقد او بامكانه ان يعلم نتيجة ظروف خاصة، ويساعد احد المتعاقدين على الاخلال به.

ولا يمكن فسخ الوكالة المعقودة للمصلحة المشتركة بالارادة المنفردة لاحد الفريقين وعند حدوث ذلك دون سبب مشروع، يعتبر الخطأ المرتب للمسؤولية بالتعويض حاصلاً.

ما هو  السبب المشروع والمبرّر لفسخ عقد التوزيع الحصري ؟

لم تحدّد المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي رقم 34/67، السبب المبرّر والمشروع الذي من شأنه ان يؤدي الى الاعفاء من دفع التعويض المتوجب، ما يستوجب تدخل محاكم الاساس لتحديد هذا السبب،

ومن المسلم به، ان عقد التوزيع الحصري من العقود ذات الطابع الشخصي، الذي يعوّل على شخص معاقده، وبالتالي فان افلاس الممثل التجاري او وفاته او حل شركته من شأنه ان يؤدي الى فسخ العقد، الامر نفسه الذي يطبق في حالة القوة القاهرة او الاسباب الطارئة، تلك الاسباب التي من شأنها الحؤول دون تنفيذ العقد تعتبر مبرراً للفسخ دون تعويض.

الفقرة الخامسة: التعويض عن فسخ عقد التوزيع الحصري:

ان الفقرة الثانية من المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي رقم34/67 اعفت الممثل التجاري من اثبات تضررة من فسخ عقد التمثيل التجاري، واعتبرت ان الضرر مفترضاً حكماً في كل مرة لا يكون فسخ العقد مستنداً الى خطأ منه او الى سبب مشروع يبرره، وذلك خلافاً للقواعد العامة التي ترعى المسؤولية التقصيرية، اذ يقتضي على من يدعي بها اثبات توافر كافة عناصرها.

من المسلّم به فقهاً، واجتهاداً ان التعويض المتوجب لمصلحة الممثل التجاري يشمل "الخسارة الفعلية، والربح الفائت وخسارة الزبائن وخسارة الفرص والخسارة المعنوية الناتجة عن الضرر المعنوي، كما يدخل في حساب هذا التعويض نفقات الدعايات التي يكون قد انفقها الممثل التجاري والاضرار المعنوية اللاحقة به، مع الاشارة الى ان مقدار التعويض وطرق احتستبه يدخل في نطاق السلطة السيادية لمحكمة الاساس دون معقب عليها من محكمة التمييز،

كما استقر الاجتهاد على تحديد بدل التعويض بمبلغ يتراوح ما بين ضعف وخمسة اضعاف معدل الربح السنوي الصافي خلال السنوات الثلاث الاخيرة من العمل بعقد التمثيل، ويؤخذ بعين الاعتبار مدة عقد التمثيل التجاري وكمية البضائع التي باعها الممثل التجاري في السوق اللبنانية وكمية البضائع التي اشتراها الموزع الحصري، " واذا كان العقد يتضمن شرط ايداع البضائع، فان القضاء يضيف تعويضاً يقابل فوات العمولة الخاصة التي يقتضيها اتساع نطاق مهام الممثل التجاري،

كما اوردت الفقرة الثالثة من المادة الرابعة من المرسوم  الاشتراعي رقم 34/67 شرطين ليستحق الممثل التجاري تعويضاً عن عدم تجديد عقد التمثيل التجاري، اولهما نجاحه بشكل ظاهر في ترويج ماركة الشركة او المؤسسة الممثلة، وثانيهما زيادة عدد زبائن هذه الاخيرة.

لا يشترط ان يتوفر كلا الشرطين المذكورين اعلاه، ليحق للممثل التجاري المطالبة بالتعويض، بل يكفي ان يتوفر احدهما، وهذا ما يستفاد من استعمال حرف العطف "او" في نص االفقرة الثالثة المذكور اعلاه، والتي وردت بمعنى التخيير بالمطالبة بالتعويض عند توفر اي من الشرطين اعلاه، نظراً لاختلافهما وعدم تطابقهما في بعض الاحيان، ويتبين ذلك في معرض عقد استغلال العلامات التجارية. ذلك انه لا يصح القول بان الممثل التجاري ادى نشاطه الى رواج العلامة التجارية موضوع العقد، لان العقد يستند ابتداء الى ما يرتبط بالعلامة التجارية من شهرة وسمعة عالمية، لكا جهود الممثل قد تفضي الى زيادة العملاء، بمعنى ان الممثل يكون قد ساهم في خلق عنصر اتصال جديد بالعملاء لم يكن يتوفر للمنتج من قبل.

اخيراً، ن المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 في المادة الخامسة منه قد حمى الممثل التجاري حين حفظ صلاحية محاكم المحل الذي يمارس فيه الممثل التجاري نشاطه  للنظر في النزاعات الناشئة عن عقد التمثيل التجاري إذ نصت على ما حرفيته:

"بالرغم من كل نص مخالف، تعتبر محاكم المحل الذي يمارس فيه الممثل التجاري نشاطه، صالحة للنظر في النزاعات الناشئة عن عقد التمثيل التجاري"

  ان نص المادة المذكورة حفظ صلاحية المحاكم اللبنانية وبالتالي فهو من النصوص الالزامية المتعلقة بالنظام العام، بحيث يمتنع على المتعاقدين في عقود التمثيل التجاري و/أو التوزيع الحصري ان يتفقوا على ايلاء النظر في النزاعات الناشئة عنها الى المحكمة التي يريدونها والغاية من ذلك حماية الممثل التجاري اللبناني وتأمين عدالة مضمونة له وفقاً لقوانين بلاده،

ولا بدّ من الاشارة الى ان المرسوم الاشتراعي 34/67 جاء ليكون نصاً استثنائياً خاصاً منظماً موضوعاً خاصاً معيناً بالذات هو موضوع التمثيل التجاري وحدد مفاهيمه وأحكامه تماشياً مع متطلبات التجارة وتطوّرها اللامتناهي،

وختاماً، ان هذه الدراسة المختصرة والصفحات القليلة لهي أعجز من أن تفي هذا الموضوع حقه كونه من المواضيع التي تحتاج معالجتها الى مطوّلات ودراسات عدة لا بل الى مجلّدات ،

وإذ نحن على يقين من أن ما سطرته أقلامنا عبر معالجة الاحكام العامة للتوزيع الحصري في محاولة لإلقاء الضوء على أهمّيته يظلّ مجالاً من المجالات المتفرعة والمتشعّبة لهذا الموضوع، نتطلّع الى المستقبل القريب الذي نراه زاخراً بكتابات للعقول الفقهية النّيرة التي ستتناول الجوانب الاخرى من هذا الموضوع بمزيد من التعمّق والتمحيص. (تحميل النسخة الكاملة)

اولاً: المراجع باللغة العربية:

  1. ادوار عيد، الاعمال التجارية والتجار والمؤسسة التجارية، مطبعة باخوس وشرتوني، بيروت، 1971.
  2. الياس ابو عيد، التمثيل التجاري، الجزء الاول،1991.
  3. الياس ابو عيد، التمثيل التجاري، الجزء الثاني،1992.
  4. الياس ابو عيد، المؤسسة التجارية والتمثيل التجاري، طبعة 1983، الجزء الاول.
  5. عاطف النقيب، نظرية العقد، منشورات عويدات، بيروت، باريس، 1981.
  6. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الاول، تفسير العقد طبعة 1964.
  7. عبده غصوب، تعليق على قرار محكمة البداية في بيروت، الغرفة الثالثة المدنية، تاريخ 5/4/1994، مجلة العدل، 1994.
  8. علي غصن، الوسيط في التمثيل التجاري، دراسة مقارنة، بيروت، لبنان.
  9. فابيا وصفا، شرح قانون التجارة، الجزء الثاني، 2004.
  10. ماهر محمصاني، تعديل المرسوم الاشتراعي رقم 34/67 المتعلق بمهنة التمثيل التجاري، مجلة العدل 1975.
  11. هاني دويدار، النظام القانوني للتجارة، العقود التجارية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، 1997.
  12. هاني دويدار، القانون التجاري اللبناني، دار النهضة العربية للطباعة والنشر،1995

ثانياً: مجموعات الاجتهاد:

  1. مجموعة اجتهادات هيئة الاستشريع والاستشارات، المنشورات الحقوقية صادر.
  2. صادر في التمييز، القرارات المدنية 2005.
  3. مجلة الاحكام العدلية.
  4. مجموعة حاتم.

ثالثاً: المرجع باللغة الفرنسية:

  1. Maher Mahmassani, la representation commercial en droit positif libanais, 1972, pages 54 et 55
  2. Fabia et Safa, Code de commerce annote. Decret-Loi No. 34.
  3. Francois Terre,Philippe Simler, Yves Lequette, Droit civil, les obligations, 11e ed.Broche,2013

 

PDFالملف المرفقملف PDF · 336 ك.بتحميل ↓