اثير مؤخراً - وفي معرض البحث في القرار الصادر عن الغرفة الجزائية السادسة لدى محكمة التمييز الجزائية تحت رقم 5/2021 القاضي بقبول طلب نقل الدعوى من تحت يد المحقق العدلي فادي صوان ورفع يده عنها، على أن يتولى النظر فيها محقق عدلي آخر، يعيّن وفقاً لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 360 أ.م.ج. – موضوع جواز "طلب رد" قاضي التحقيق العدلي، الذي يخضع لنظام قانوني خاص مختلف عن النظام الذي يخضع له سائر القضاة، اذ يعيّنه وزير العدل بناء على موافقة مجلس القضاء الأعلى.
يرى البعض عدم جواز قبول محكمة التمييز لطلبات رد المحقق العدلي، فهل هم على حق في ذلك؟ وهل ينطبق رأيهم على قضية رفع يد المحقق العدلي في قضية تفجير المرفأ القاضي فادي صوان؟
لا بد لنا للإجابة على هذا الموضوع من التطرق الى جواز طلب رد قاضي التحقيق بصورة عامة (I) للانتقال الى جواز رد قاضي التحقيق العدلي (II) ولا بد في الختام من التفريق بين مؤسستين قانونيتين مختلفتين: "طلب رد القاضي" و"طلب نقل الدعوى للارتياب المشروع" (III).
- جواز رد قاضي التحقيق بصورة عامة
يدلي أصحاب الرأي القائل بعدم جواز رد قاضي التحقيق العدلي، بأن قانون أصول المحاكمات المدنية تناول في المادة 123 أ.م.م. كيفية تقديم طلب رد قضاة محاكم الدرجة الأولى وقضاة محاكم الاستئناف وقضاة محاكم التمييز. كما نص في المادة 128 منه على وجوب تطبيق أحكام الرد على قضاة النيابة العامة والمحكمين والخبراء.
ولم يذكر المشترع في أي مادة من مواد قانون أصول المحاكمات المدنية جواز تقديم طلب رد قاضي التحقيق وان قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يتناول هذا الموضوع سوى بصورة عرضية... فنص في المادة 52، الفقرة 2 منه انه "تطبق على كل من طلب التنحي والرد القواعد الواردة، في هذا الشأن في قانون أصول المحاكمات المدنية". لكن قانون أصول المحاكمات المدنية لم يشر الى الإجراءات الواجب اتباعها - كما رأينا - بل لم يشر الى جواز رد قاضي التحقيق!
وإذا كانت الموانع المتوافرة في حالة "الرد"، متوافرة ايضاً في حالة "التنحي"، فإن القضاء وجد في الفقرة 3 من المادة 52 أ.م.ج. حّلا عملياً وقانونياً مناسباً، فالفقرة المذكورة نصت أنه "اذا حال مانع ما دون قيام قاضي التحقيق بوظيفته فينتدب الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف قاضياً للقيام بها".
فكان دائماً يلجأ قاضي التحقيق الى التقدم بعرض تنحيه أمام الرئيس الأول، الذي يعمد الى "انتداب" قاضٍ آخر مكانه.
هكذا يمكننا القول بأنه إذا كان صحيحاً بأن المادة 52، الفقرة 2 أ.م.ج. تنص على جواز رد قاضي التحقيق فانه لا توجد أي آلية لتقديم طلب رده كما ذكرنا أعلاه.
- جواز رد قاضي التحقيق العدلي
نظّم المشترع المجلس العدلي في الباب الخامس من قانون أصول المحاكمات الجزائية (المواد 355 الى 367). وقد نصت المادة 357 منه أنه "يؤلف المجلس العدلي من الرئيس الأول لمحكمة التمييز رئيساً ومن أربعة قضاة من محكمة التمييز أعضاءً يعينون بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى. يعين في المرسوم قاضٍ إضافي أو أكثر ليحل محل الأصيل في حال وفاته أو تنحيه أو رده او انتهاء خدمته".
هذا يعني أن قضاة المجلس العدلي يمكن ردهم ولكن ما هي إجراءات الرد الواجب اتباعها؟
اذا كان صحيحاً ان أعضاء المجلس العدلي هم قضاة من محكمة التمييز وهم بهذه الصفة يخضعون الى إجراءات الرد المنصوص عنها في الفقرة الأخيرة من المادة 123 أ.م.م.، فالصحيح ايضاً انهم -وبصفتهم أعضاء في المجلس العدلي. يخضعون الى نظام خاص بهم اذ يعينون – وفقاً للمادة 357 أ.م.ج. – "بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى". فهل يجوز اتباع القواعد العامة المطبقة على رد قضاة محكمة التمييز بصورة عامة عليهم؟ الامر متروك للاجتهاد، وان كنا نرى وجوب اخضاعهم لنظام الرد العام المطبق على قضاة محكمة التمييز، تماشياً مع قواعد تفسير القوانين، التي يقتضي بموجبها تفسير النصوص التشريعية بالاتجاه الذي يؤدي الى اعمالها لا الى تعطيلها. هذا فيما خص قضاة المجلس العدلي، ماذا بخصوص قاضي التحقيق العدلي؟
لم يتضمن قانون أصول المحاكمات الجزائية في الباب الخامس منه (المواد 355 و367) أي إشارة الى جواز رد قاضي التحقيق العدلي. وان كانت المادة 363 أ.م.ج. قد نّصت ان المحقق العدلي "يطبق الأصول المتبعة امام قاضي التحقيق". فهذا لا يعني انه يخضع لذات النظام القانوني، خصوصاً، اننا قد أشرنا أعلاه، الى انتفاء أية إشارة الى الإجراءات الواجب اعتمادها لطلب رد قاضي التحقيق العادي، فهل يمكن الذهاب الى حد القول ان محكمة التمييز هي المختصة، للبت بطلب رده قياساً على اعضاء المجلس العدلي؟ اننا نرى في ذلك، افراطاً في التفسير، ونميل الى القول بعدم جواز رد قاضي التحقيق العدلي لعدم توافر الآلية اللازمة لذلك.
ولكن، هل يصح الكلام على الحالة التي نحن بصددها والتي جرى في معرضها "رفع يد" قاضي التحقيق العدلي فادي صوان؟ لقد نص قانون أصول المحاكمات المدنية وقانون أصول المحاكمات الجزائية على مؤسستين قانونيتين مختلفتين تماماً.
مؤسسة "رد القاضي" ومؤسسة "نقل الدعوى للارتياب المشروع".
إن التفريق بين هاتين المؤسستين ورسم حدود لكل منهما يؤدي بنا الى استخلاص النتيجة الصحيحة، اذ لا يصح - بأي حال من الأحوال – خلط المفاهيم القانونية، فهذا يؤدي الى تشويه المؤسسات القانونية، فنقع في المحظور.
- التفريق بين مؤسستين قانونيتين مختلفتين: Deux institutions juridiques différentes "رد القاضي" و"طلب نقل الدعوى للارتياب المشروع"
يجب معالجة هذا التفريق في ضوء قرار محكمة التمييز تاريخ 18 شباط 2021، القاضي برفع يد المحقق العدلي القاضي فادي صوان، ولكن بعد تحديد هاتين المؤسستين ورسم الحدود الفاصلة فيما بينهما.
ان قانون أصول المحاكمات المدنية ينظم رد القاضي وتنحيه عن الحكم في المواد 120 الى 130 منه. وان المادة 120 تحدد أسباب رد القاضي، لكنها لا تتناول "الارتياب المشروع" بحد ذاته كسبب لرفع يد القاضي، بل تكتفي في بندها السابع بالإشارة الى وجود "عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل". وهذا السبب يمكن - برأينا – ان يتم إدخاله تحت عنوان "الارتياب المشروع".
أما طلب نقل الدعوى، فقد نصت عنه المادة 340 أ.م.ج.، التي جاء فيها: "تتولى احدى الغرف الجزائية لدى محكمة التمييز مهمة الفصل في طلب نقل الدعوى من مرجع قضائي الى مرجع قضائي آخر. تقرر رفع يد مرجع قضائي، في التحقيق أو الحكم، عن الدعوى وتحليلها الى مرجع آخر من الدرجة نفسها لمتابعة النظر فيها أما لتعذر تشكيل المرجع المختص أصلاً او لوقف سير التحقق أو المحاكمة او للمحافظة على السلامة العامة او لداعي الحرص على حسن سير العدالة أو لسبب الارتياب المشروع".
لا بد بادئ ذي بدء من الإشارة الى ان الطلب الذي تم التقدم به أمام محكمة التمييز الجزائية بوجه المحقق العدلي فادي صوان لم يكن "طلب رد"، بل كان طلب نقل دعوى للارتياب المشروع[1].
فهل ما يصح قوله، بالنسبة لطلب الرد، ينعكس على طلب نقل الدعوى للارتياب المشروع؟
لا بد من القول بأن نص المادة 340 أ.م.ج. الذي يتضمن طلب نقل الدعوى للارتياب المشروع قد ورد بصورة عامة ولم يرد في إطار قضاة المجلس العدلي أو قضاة التحقيق العدلي، فهل يصح تطبيقه بصورة تلقائية على قاضي التحقيق العدلي كما فعلت محكمة التمييز في قرار 18 شباط 2021 السالف الذكر؟
يتجاذب الاجابة هنا اتجاهان:
الاتجاه الأول: يميل الى اعتبار قاضي التحقيق العدلي قاضياً خاصاً "يعينه وزير العدل بناء على موافقة مجلس القضاء الأعلى". وأنه بناء لعدم وجود آلية لطلب رفع يده بسبب الارتياب المشروع في معرض طلب يرمي الى "نقل الدعوى"، فانه لا يصح التقدم بطلب "رفع يده" امام محكمة التمييز المختصة، لكونه يخضع لنظام خاص خارج المنظومة القضائية التي
يخضع لها قضاة المحاكم العدلية العاديون، وتالياً لا تكون محكمة التمييز الجرائية مختصة لقبول طلب رفع يده للارتياب المشروع.
نحن لا نؤيد هذا الاتجاه، بل نؤيد الاتجاه الثاني الذي نبينه كما يلي[2]:
- لقد نصت المادة 357 صراحة على جواز رد قضاة المجلس العدلي، ما يعني أن "محاسبة" هؤلاء القضاة جائزة، وبحجة أولى تكون جائزة محاسبة المحقق العدلي.
- ان المادة 340 أ.م.ج. نصت على جواز طلب رفع يد قضاة التحقيق في معرض طلب نقل الدعوى للارتياب المشروع. هذه المادة لم تفرق بين قاضي تحقيق عادي وقاضي تحقيق عدلي.
- ان المادة 341 أكدت على جواز تقديم طلب رفع يد قاضي التحقيق للارتياب المشروع في معرض طلب نقل الدعوى، بل وضعت آلية لذلك، عند وجود قاضيي تحقيق بجرائم متلازمة في دائرة واحدة، حيث يعود في هذه الحالة لقاضي التحقيق الأول "أن يسمي أحدهما لمتابعة السير بالتحقيق" في حال رفع يد أحدهما للارتياب المشروع.
- اننا لا نرى مانعاً قانونياً يحول دون اختصاص محكمة التمييز الجزائية في نظر طلب "رفع يد" المحقق العدلي للارتياب المشروع في معرض النظر بطلب نقل الدعوى، بالرغم من كون المحقق المذكور يخضع لنظام خاص به، مختلف عن النظام الذي يخضع له قضاة التحقيق العاديون، كما بيننا أعلاه، اذ أنه – وفي ظل عدم وجود آلية لطلب رده – كما بينا أعلاه، يغدو طلب رفع يده للارتياب المشروع من قبل محكمة التمييز في معرض طلب نقل الدعوى، أفضل بكثير من ترك هذا القاضي غير خاضع لأي محاسبة سواء عن طريق طلب رده أو عن طريق رفع يده للارتياب المشروع.
- يبقى ان اعمال المادة 340 أ.م.ج. لجهة إحالة الدعوى الى مرجع قضائي آخر بعد الفصل بطلب نقل الدعوى، غير جائز إذ أن المحقق العدلي "يعينه وزير العدل بناء على موافقة مجلس القضاء الأعلى". وهذا خلافاً لما قضت به الغرفة السادسة لمحكمة التمييز الجزائية في قرار 18 شباط 2021، اذ قررت في البند ثانياً من الفقرة الحكمية "نقل الدعوى الراهنة من تحت يد المحقق العدلي فادي صوان ورفع يده عنها على ان يتولى النظر فيها محقق عدلي آخر يعين وفقاً لأحكام الفقرة 360 أ.م.ج.
- نحن نرى أنه لم يكن جائزاً لمحكمة التمييز أن تحدد كيفية تعيين محقق عدلي جديد، اذ انها في ذلك توجه أمراً الى السلطة التنفيذية التي يعود لها وحدها هذا الاختصاص، عملاً بمبدأ فصل السلطات، فكان يقتضي على محكمة التمييز أن تقرر رفع يد القاضي صوان، بدون تحديد طريقة تعيين محقق عدلي جديد، احتراماً لمبدأ فصل السلطات، حيث يعود لوزير العدل في هذه الحالة، حرية التقيّد بقرار المحكمة أو لا، وفي الأيجاب لا نرى مانعاً من تعيين المحقق العدلي المرفوعة يده نفسه، بموافقة مجلس القضاء أو أي قاضٍ آخر، كما فعلت وزيرة العدل، عقب صدور قرار 18 شباط 2021[3].
- أمام تعقيدات آلية رفع يد المحقق العدلي لعلة الارتياب المشروع، أو تركه "متفلتاً" من أي محاسبة، سواء لجهة جواز طلب رده أم لجهة جواز طلب رفع يده لعلة الارتياب المشروع، نختار المحاسبة اذ ليس مناسباً تركه حراً طليقاً بدون رادع، خصوصاً وان "تطويع" نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية في هذا الاتجاه، ممكن كما قدمنا أعلاه.
- يبقى ان نشير الى عدم تقيد محكمة التمييز في قرار 21 شباط 2021بآلية تقديم طلب نقل الدعوى بواسطة المدعى عليهما بواسطة النائب العام التمييزي ما شّكل خطأ فادحاً مفضياً الى مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن اعمال القضاة العدليين (المادة 471 – 4 أ.م.م.) لعلة الخطأ الجسيم[4].
بين التقيد بآلية تطبيق النصوص وحماية حقوق المتخاصمين، نغّلب الثانية على الأولى، اذ تبقى العدالة هي الهدف في بلد "تنحر" فيه العدالة مئة مرة كل يوم!
[1] مراجعة لطفاً مندرجات قرار محكمة التمييز
[2] ان ما ورد في الاتجاه الثاني يعود لنا شخصياً ولسنا نعلم إذا كان يوجد آراء اخرى في هذا الاتجاه
[3] راجع لطفاً ملاحظاتنا على القرار الصادر عن الغرفة السادسة الجزائية لمحكمة التمييز، المذكور أعلاه المنشور في SADERLEX (صادر اونلاين)
[4] راجع ملاحظاتنا أعلاه.

