• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

قرار القاضي المنفرد في بيروت رقم 51 الصادر بتاريخ 3/3/2021 :بالزام وزارة الصحة باعطاء لقاح كورونا لشخص من الفئات الاكثر عرضة للمضاعفات

هيئة المحكمة: كارلا شواح (منتدبة)

الحاج

1- ثبوت إختصاص القضاء العدلي بمجرد إرتكاب الإدارة خطأ جسيم ناتج عن مخالفة خطيرة لأحكام القانون والأنظمة والمبادئ العامة.

2- إختصاص قضاء العجلة للنظر في التعدي الحاصل من الإدارة والمنطوي على خطأ جسيم بإعتباره فرعًا من القضاء العدلي.

3- إعتبار فعل الإدارة بمخالفتها مضمون الخطة الوطنية للقاح والمنصة الإلكترونية والمعايير والشروط الموضوعة على أساسها خطأ جسيم ودون مبرر شرعي.

4- إعتبار "القرار السيادي" المتذرع به من الوزارة لتبرير إعطاء اللقاح لنواب غير مشمولين بالمرحلة الأولى مجردًا من أي سند قانوني ودالًا على إستنسابية مطلقة في توزيع اللقاح.

5- إعتبار عمل الإدارة بإعطائها اللقاح لفئات المرحلة الثانية قبل أولئك المشمولين بالمرحلة الأولى تعديًا على حق الإنسان في الحياة والصحة المكرس في الدستور والإتفاقيات الدولية.

6- إنعقاد إختصاص قاضي العجلة بمجرد ثبوت التعدي الواضح على حقوق الإنسان الأساسية.

7- إعتبار إرتباط النزاع بصحة وحياة المريض وحاجته الماسّة والطارئة لتلقي اللقاح مبررًا لتدخل قضاء العجلة لإزالة التعدي ودرء الخطر عبر إلزام الوزارة بتأمين اللقاح في خلال ثماني وأربعين ساعة.

لدى التدقيق،

بعد الاطلاع على الاستدعاء الراهن المقدم بتاريخ 2/3/2021 من السيد ج. ح. بواسطة وكيله المحامي ف. ح. وعلى مجمل مرفقاته،

حيث يطلب المستدعي، سنداً لاحكام المادتين 579 اصول محاكمات مدنية فقرتها الاولى و 589 من القانون عينه، قبول استدعائه شكلا والزام وزارة اكراهية يترك تقديرها للمحكمة، والا استطرداً تعيين خبير فني تكون مهمته مراقبة عمل المنصة الالكترونية التي اطلقتها الوزارة المعنية للحصول على اللقاح المذكور للمحافظة على حقه بموعده بتلقي هذا اللقاح وذلك على حساب تلك وزارة، وحفظ حقه بتقديم دعوى بوجه هذه الاخيرة والنواب والمدراء العامين الذين تلقوا اللقاح في المجلس النيابي امام محكمة الاساس للمطالبة بالتعويض في حال تعرضت صحته لية انتكاسة بسبب عدم تلقيه اللقاح، وتضمين الوزارة المستدعى بوجهها الرسوم والنفقات كافة،

عارضاً انه من مواليد العام 1941 ويعاني من انسداد في الشريان الرئيسي في رجله اليسرى وعليه الخضوع للعلاج الطبي طيلة حياته، وانه من الفئة الاكثر تعرضاً للاصابة بجائحة كورونا وقد بادر الى تسجيل اسمه للحصول على اللقاح عبر المنصة الالكترونية التي اطلقتها وزارة الصحة العامة لهذه الغاية، وانه تفاجأ كغيره من المواطنين بتصريح وزير الصحة العامة الواضح انه أرسل فرقة من وزارته الى المجلس النيابي قامت بتلقيح عدد من النواب والمدراء العامين متجاوزاً دورهم بحسب المعايير التي وضعت للخطة، وان هذه التجاوزات والمخالفات كانت موضوع مؤتمر صحفي لرئيس اللجنة الوطنية لمكافحة وباء كورونا الدكتور ع. ر. ب.،

مدلياً بأن هذه التجاوزات للمعايير التي أنشئت على اساسها المنصة تؤدي الى ضياع حقه بدوره بتلقي اللقاح وحمايته من الاصابة بالفيروس وابعاد شبح الموت المحتمل عنه، وبأن التعدي على حقه واضح وصريح والضرر الذي قد يلحق به جسيم وقد لا يعوّض،

وحيث ان البتّ بطلب المستدعي في وجه الادارة المعنية يستدعي التحقق من مدى اختصاص قضاء العجلة لتقرير اتخاذ التدبير المنشود في وجه هذه الاخيرة من جهة، ومدى توفر شروط تقريره من جهة اخرى ومن مدى امكانية تدخل القضاء المستعجل لتقرير هذا التدبير بموجب امر على عريضة من جهة ثالثة، في ضوء سلوك المستدعي للأصول الإجرائية،

وحيث انه في المسائل المتعلقة بتعامل الادارة مع الافراد يثبت اختصاص القضاء العدلي عند تحقق حالة من التعدي voie de fait التي تخرج فيها الادارة عن نطاق السلطة المقررة لها بارتكابها عملاً ينطوي على عيب جسيم ناتج عن مخالفة خطيرة لأحكام القانون او الأنظمة او المبادئ العامة ويشكل مساساً بحقوق اساسية للأفراد، وذلك انطلاقاً من المبدأ الراسخ في هذا المجال والذي يقيم المحاكم العدلية حارسة للملكية الفردية وللحرية الشخصية والحريات العامة،

وحيث ان الاختصاص يعود في مثل هذه الحالة للمحاكم العدلية العادية، اي الغرف الابتدائية، على انه يجوز للقضاء المستعجل التدخل ضمن الشروط والحدود المقررة له، باعتباره فرعاً من هذا القضاء،

وحيث ان المادة 579 اصول محاكمات مدنية تجيز لقاضي الامور المستعجلة في فقرتها الثانية إتخاذ التدابير الآيلة الى ازالة التعدي الواضح على الحقوق او الاوضاع المشروعة،

وحيث بالعودة الى معطيات الاستدعاء الراهن يتبين انه بتاريخ 26 كانون الثاني 2021 اطلقت وزارة الصحة العامة منصة الكترونية لتسجيل الرغبة في تلقي اللقاح المضاد لفيروس كورونا المستجد، وفق مراحل توزيع أربعة، تشمل كل مرحلة منها فئات مختلفة؛ وتشمل المرحلة الاولى التي انطلقت في 14 شباط 2021 العاملين في القطاع الصحي والفئة العمرية 75 وما فوق،

وحيث ان المستدعي هو من مواليد العام 1941 وقد سجل رغبته في تلقي اللقاح المضاد لفيروس كورونا عبر المنصة المذكورة وانه لغاية تاريخه لم يتم توفير هذا اللقاح له،

وحيث بتاريخ 23 شباط 2021 نقلت الوسائل الاعلامية المحلية واخرى عالمية خبراً عن تلقي ستة عشر نائباً في البرلمان اللبناني اللقاح بحضور فرقة من وزراء الصحة، وتمّ نشر اسماء النواب المذكورين حيث تبين ان غالبيتهم لا تندرج ضمن المرحلة الاولى من المراحل الاربع المعتمدة في المنصة الالكترونية المذكورة كونهم ما دون الخامسة والسبعين من العمر وغير عاملين في القطاع الصحي، وهم السادة إ. ف.، غ. ز.، ع. ع.، س.س.، ا. ن.، ن. ن.، ي.ج. و أ. ح.، علماً ان هذا الامر ثابت من خلال الاطلاع على السيرة الذاتية لكل من المذكورين عبر موقع Google،

وحيث ان رئيس اللجنة الوطنية للقاح كورونا الدكتور ع. ر. ب. دعا بعد تداول هذا الخبر الى مؤتمر صحفي ملوحاً باستقالته من اللجنة بسبب مخالفات تحصل في تطبيق الخطة الوطنية للقاح؛ وفي مؤتمره، اكد الـ ب. تلقي النواب المذكورين للقاح وتجاوز الخطة المذكورة واصفاً ما حصل بأنه "دق الاسفين في نعش خطة التلقيح" وبأنه "امر فظيع" و خرق لا يمكن السكوت عنه" و "تمييز بين المسؤولين والمواطنين"، كما اكد ان الخروقات غير محصورة في المجلس النيابي بل انها تحصل يومياً في مراكز التلقيح مشيراً الى تلقي اشخاص اللقاح في مستشفى رياق لا تتجاوز اعمارهم خمسة وسبعين عاماً،

وحيث ان وزارة الصحة العامة رعت رسمياً عملية التلقيح التي حصلت في مجلس النواب وتبنتها إذ صرح وزير الصحة السيد ح. ح. في حديث تلفزيوني انه اتخذ "قراراً سيادياً" وارتأى بأن تتوجه الفرق الطبية الى مجلس النواب من اجل اجراء عملية التلقيح للنواب "تقديراً لجهودهم لأن المجلس النيابي اجتمع خلال سبعة ايام بشكل متتال وأقر قانون الاستخدام الطارىء للقاح"،

وحيث يتبين مما تقدم ان المستدعى بوجهها قررت اعطاء اللقاح لأشخاص اعمارهم دون خمسة وسبعين عاماًن سواء في مجلس النواب ام في مراكز التلقيح، وهذه معلومة بات الجميع يعرفها ويتداولها ولم تدحض الوزارة المذكورة صحتها، ما يدلّل إما على أنها قد باشرت عملياً بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة اللقاح، الامر الذي يفترض بداهة ان تكون قد أنهت بداية المرحلة الاولى منها واعطت اللقاح للمشمولين بها كافة، غير انها في الواقع استثنت المستدعي، او انها لم تنه بعد هذه المرحلة ووفرت رغم ذلك اللقاح لمن ليسوا من ضمن اولوياتها في حين لم تعطه للمستدعي الذي يدخل في تلك الاولويات،

وحيث في كلتا الحالتين يكون فعل الادارة لناحية تخلفها لغاية تاريخه عن تزويد المستدعي باللقاح على النحو المذكور مشوباً بعيب جسيم يتمثل بمخالفة مضمون الخطة الوطنية للقاح والمنصة الالكترونية التي اطلقتها في هذا المجال والمعايير والشروط التي وضعت على اساسها، مخالفة جسيمة وخطيرة دون اي مبرر شرعي،

وحيث يتثمل هذا العيب ايضاً بقيامها، اي الادارة، بإعطاء اللقاح لنواب غير مشمولين بالمرحلة الاولى، بناء على سند قانوني مشوب بعيب جسيم، فالقرار "السيادي" الذي استندت اليه الوزارة في اجراء هذا العمل غير مبرر بأي سند قانوني ولا يستوفي اي من شروط ومعايير خطة اللقاح والمنصة المشار اليها لا بل يخالفها ويستند الى استنسابية مطلقة في توزيع اللقاح لا سيما وان تبريره بأنه تقديراً للجهود التي بذلها السادة النواب في إقرار قانون الاستخدام الطارىء للقاح لا يستقيم ولا يضفي عليه اية شرعية لا بل هو مستغرب ويجعله على درجة اعلى من الجسامة تظهر بجلاء الى حدّ يتعذر معه القول ان هذا القرار والعمل المبني عليه يعتبر تطبيقاً لقانون او نظام او لاختصاص تملكه الادارة، بإقرار المجلس النيابي لقانون الاستخدام الطارىء للقاح وانكبابه على دراسته سبعة ايام متتالية، كما جاء في تصريح السيد ح.، يدخل في صميم عمل هذا المجلس ومن واجباته وليس منّة منه ليكافأ عليه،

وحيث ان الادارة بعملها هذا الخاطىء وغير المبرر تكون قد ميزت فيما بين المستدعي وسواه ممن تلقوا اللقاح لغاية تاريخه دون اي مبرر مشروع وخالفت بصورة واضحة وفاضحة مبدأ المساواة le principe de l’egalite الذي كسرته شرعة الامم المتحدة التي فرضت على الدول الاعضاء موجب احترام حقوق الانسان والحريات الاولى والثالثة من الشرعة كما كرسته المادة السادسة من اعلان حقوق الانسان والمواطن للعام 1789، وكرسه الدستور اللبناني في الفقرة (ج) من مقدمته والمادة 7 منه فساوى بين المواطنين امام القانون وفي الحقوق والواجبات دون تمايز او تفضيل،

وتعدت بشكل واضح على حق المستدعي بالمساواة طالما ان اللقاح توفر لمن تشملهم الاولى وبوشر بإعطائه لفئات المرحلة الثانية، كما تكون قد تعدت على حقه في الصحة المكرس في دستور منظمة الصحة العالمي وفي الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وهو حق انساني اساسي، وحقه في الحياة المكرس كذلك في الاعلان المذكور وفي العديد من اعلانات واتفاقيات الامم المتحدة الاخرى، وحقه بالحصول على اللقاح وبالحفاظ على دوره وفقاً للخطة الوطنية المتفق عليها مع البنك الدولي،

وحيث ازاء ما تقدم يسمى ثابتا تحقق حالة التعدي الواضح من قبل الادارة المستدعى بوجهها على حقوق اساسية للمستدعي ما يعقد اختصاص هذه المحكمة،

وحيث ان التعدي المذكور من شأنه ان ينتج عنه خطر داهم يتهدد صحة المستدعي وحياته لا سيما في ضوء سرعة انتشار الوباء وبالنظر لسن اكثر واسرع عرضة من غيره للاصابة بهذا الفيروس وربما لخطر على صحته او حياته،

وحيث ان الفقرة الاولى من المادة 579 اصول محاكمات مدنية تجيز لقاضي الامور المستعجلة اتخاذ التدابير المستعجلة في المواد المدنية والتجارية دون التعرض لاصل الحق،

وحيث ان معيار اتخاذ قرار على عريضة يكمن وفقاً للمادة 604 اصول محاكمات مدنية اما في وجود عجلة ماسة تبرر اتخاذ الامر على عريضة لدرء خطر حال او في فقدان التدبير المطلوب اقراره كل فعالية فيما لو تمّ التقيد بمبدأ الوجاهية،

وحيث في ضوء ما تقدم وبما ان المسألة تتعلق بصحة المستدعي وحياته وفي ضوء عدم امكانية انتظار سلوك اجراءات التقاضي العادية لما تستغرقه من وقت فضلا عن كونها معلقة حالياً، يكون طلبه الزام المستدعى بوجهها بإعطائه لقاح كورونا مستجمعاً حتماً في هذه الحالة ظروف العجلة القصوى الطارئة والخطورة الساطعة التي تبرر لا بل تستوجب التدخل السريع لهذه المحكمة لازالة التعدي الواقع عليه ومنع الضرر ودرء الخطر المحدق به عبر الزام المستدعى بوجهها بتوفير اللقاح له وذلك خلال مهلة ثماني واربعين ساعة من تاريخ تبلغها هذا القرار وتحت طائلة غرامة اكراهية ترى المحكمة تقديرها بعشرة ملايين ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير في التنفيذ،

وحيث بالوصول الى النتيجة اعلاه يمسى ناقلاً بحث كل ما زاد او خاف مما يقضي برده، بما في ذلك الطلب الاستطرادي وطلب حفظ حق المستدعي بمطالبة المستدعى بوجهها بالتعويض امام محكمة الاساس لان الحقوق ان وجدت تحفظ بقوة القانون

لذلك،

وسنداً لاحكام المادة 579 اصول محاكمات مدنية معطوفة على المادتين 589 و 604 من القانون عينه،

يقرر:

1- الزام المستدعي بوجهها الدولة اللبنانية – وزارة الصحة العامة بإعطاء اللقاح المضاد لفيروس كورونا المستجد الى المستدعي السيد ج. ح. وفق الآلية المعتمدة منها وذلك خلال مهلة ثماني واربعين ساعة من تاريخ تبلغها هذا القرار وتحت طائلة غرامة اكراهية قدرها عشرة ملايين ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير في التنفيذ.

2- ابلاغ نسخة عن هذا القرار من رئيسة هيئة القضايا في وزارة العدل.

3- رد كل ما زاد او خالف وابقاء الرسوم والنفقات على عاتق من عجلها.

قراراً نافذاً على اصله صدر في بيروت بتاريخ 3/3/2021.

*   *   *

 

PDFالملف المرفقملف PDF · 2.6 م.بتحميل ↓