منذ تفشي جائحة كورونا بشكل كبير في العالم فرضت الدول الإقفال العام والكامل لفترات طويلة طال معظم المرافق فيها، كما فرضت العديد من الحكومات حظر تجوّل شامل على مواطنيها تحت طائلة العقوبة والغرامة، بحيث أصبحوا يلزمون منازلهم دون أن يستطيعوا ممارسة أعمالهم وحقوقهم ما دفع المجالس التشريعيّة إلى إصدار قوانين تعلّق المهل الممنوحة لممارسة الحقوق كمهل الإسقاط ومهل مرور الزمن وغيرها من المهل القانونيّة والعقديّة والقضائيّة، وكان نطاق هذه القوانين يضيق أو يتوسّع وفق حال كلّ دولة ووفقاً لمقتضيات الإقفال فيها.
أمّا في لبنان، فمع ظهور أوّل حالة إصابة بفيروس كورونا في 21/2/2020 وبدء تفشّي المرض بشكل واسع، وبتاريخ 15/3/2020 صدر المرسوم رقم 6198/2020[1]، والذي قضى بإعلان التعبئة العامة، وتمّ تمديده عدّة مرّات كان آخرها بالمرسوم 7315/2020 تاريخ 31/12/2020[2]، وذلك اعتباراً من 1/1/2021 ولغاية 31/3/2021.
ومنذ إعلان حالة التعبئة العامة عمدت الحكومة اللبنانيّة إلى إقفال البلد عدّة مرّات استناداً إلى توصيات اللجنة الوزاريّة المكلّفة متابعة موضوع التدابير والإجراءات الوقائيّة لفيروس كورونا، وبما يتماشى مع انتشار المرض، وعدد الإصابات الجديدة كل 24 ساعة، وقدرة المستشفيات والأطقم الطبيّة الاستيعابيّة ولمساعدتها على إبقاء الجهوزيّة العالية...
وفي العام الحالي 2021 كان قرار الإغلاق الأوّل بتاريخ 5/1/2021 الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء تحت رقم 2/م ص والذي فرض الإغلاق الكامل اعتباراً من صباح يوم الخميس 7 كانون الثاني 2021 ولغاية يوم الاثنين 1 شباط 2021. ووضع هذا القرار قيوداً على حركة المسافرين ومنع الخروج والولوج إلى الطرقات يوميّاً من الساعة السادسة مساءً ولغاية الساعة الخامسة صباحاً مع بعض الاستثناءات المبيّنة في متنه، وتمّ تعديله بالقرار رقم 10/م ص تاريخ 7/1/2021. وإثر تفاقم الحال وتزايد عدد المواطنين الذين أصيبوا بالمرض قرّر مجلس الوزراء توسيع قيود الإقفال وذلك بموجب القرار رقم 26/م ص تاريخ 11/1/2021 والذي قضى هذه المرّة، بالإضافة إلى القيود على حركة المسافرين جوّاً وبرّاً، بحظر تجوّل كامل اعتباراً من الساعة الخامسة من صباح يوم الخميس 14 كانون الثاني 2021 ولغاية الساعة الخامسة من صباح يوم الاثنين 25 كانون الثاني 2021. ومدّد العمل بهذا القرار لغاية صباح الاثنين 8 شباط 2021 بموجب القرار رقم 46/م ص تاريخ 21/1/2021.
وتماشياً وتوازياً مع حالة التعبئة العامة ووفقاً لمقتضيات الإقفال، وفي العام 2020، صدر القانون رقم 160/2020[3] تاريخ 8/5/2020 والذي قضى في مادته الأولى على أن يعلّق حكماً بين تاريخ 18 تشرين الأول 2019 و30 تموّز2020 ضمناً سريان جميع المهل القانونيّة والقضائيّة والعقديّة الممنوحة لأشخاص الحقّين العام والخاص بهدف ممارسة الحقوق على أنواعها، سواء أكانت هذه المهل شكليّة أو إجرائيّة أو امتدّ أثرها إلى أساس الحق، وشمل التعليق أيضاً المهل في المواد الإداريّة والمدنيّة والتجاريّة، كما شمل المهل القانونيّة لانعقاد الهيئات العامة العائدة للنقابات والجمعيات والتعاونيات وسائر الهيئات المنبثقة عنها. أمّا في المواد الجزائيّة فنصّ القانون على تعليق المهل المقرّرة للمدّعي الشخصي أو للمدّعى عليه أو للمتهم للطعن بالدفوع الشكليّة وبالأحكام والقرارات النهائيّة، ويستفيد من هذا التعليق المسؤول بالمال والضامن فيما يختص بالقرارات القابلة للطعن منهما. كما نصّ القانون على أن تعود المهل المذكورة إلى السريان مجدّداً بانقضاء مهلة التعليق. وفي المادة الثانية منه، نصّ القانون على الاستثناءات من أحكام التعليق، وهي:
1 - المهل القضائيّة التي يترك القانون للقاضي أن يقدّرها.
2 - المهل الممنوحة من الإدارة أو المحدّدة منها تبعاً لسلطتها الاستنسابيّة.
3 - مهل الإسقاط ومرور الزمن والترك وإخلاء السبيل في القضايا الجزائيّة، على أن تبقى المهل لممارسة الحقوق الشخصية معلقة فيها.
4 - جميع المهل القانونيّة والمهل المتعلّقة بانعقاد الهيئات العامة للنقابات والتعاونيات التي تمّ عقدها قبل صدور هذا القانون.
5 - المهل المتعلّقة بشؤون العائلة من نفقة ووصاية ومشاهدة وسواها.
6 - المهل الواردة في قانون الإيجارات الصادر بتاريخ 9/5/2014 والمعدّل بموجب القانون رقم 2/2017.
وبتاريخ 19/8/2020 صدر القانون رقم 185/2020[4]، والذي نصّت الفقرة الثالثة من مادته الوحيدة على تمديد مفاعيل القانون رقم 160/2020 لغاية 31/12/2020.
وفي الأسباب الموجبة للقانونين أوضح المشرّع بأنّ الهدف من إقرار قانون تعليق المهل هو حماية الحقوق إذ أنّ الظروف الطارئة الحاضرة يمكن أن تحول دون ممارسة أشخاص القانونين العام والخاص لحقوقهم ضمن المهل القانونيّة والقضائيّة والعقديّة لاسيّما المهل المسقطة للحقّ.
وأبّان تطبيق أحكام هذين القانونين طرأت عدّة نقاط قانونيّة أهمّها نقطتان: النقطة الأولى ما يتعلّق بنطاق تطبيق تعليق المهل وتأثيره على العقود المبرمة بين الأفراد والموجبات المحدّدة فيها لاسيّما عقود الإيجار خصوصاً لناحية مسألة البدلات وتسديدها.
وجواباً على هذه النقطة نقول بأنّ قانون تعليق المهل القانونيّة والقضائيّة والعقديّة هو قانون استثنائي Exceptionnel بمعنى أنّ المشرّع يُصدر عادةً هكذا نصوص لمواجهة الظروف الطارئة، وفي لبنان شهدت الحياة القانونيّة صدور عدّة قوانين مماثلة، من هنا يمكننا القول بإنّ الطبيعة الاستثنائيّة لهذا القانون تحتّم أن يصدر لغاية معيّنة ويكون محدوداً بالزمان لأنّ أحكامه لا تتّسم بالديمومة.
ويأتي هذا القانون لحماية الأشخاص الذين لم يتمكنوا من ممارسة حقوقهم خلال المهل القانونيّة والقضائيّة والعقديّة خشيةً على هذه الحقوق من الضياع والسقوط وذلك بفعل حدث خارجي طارئ يعترض دورة الزمن الطبيعيّة وانتظام الحياة القانونيّة. فالحقوق قانوناً تسير في مدارات زمنيّة تدور في إطارها وهي ما يُعرف بالآجال أو المهل فتعيش خلالها وتنقضي وتسقط بانقضائها، وهذه المهل تتكافأ وترتبط وتتلاءم مع الأوضاع القانونيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. ويمكن تقسيم المهل الزمنيّة لممارسة الحقوق وفق المصدر مهلاً قانونيّة أي تلك المنصوص عنها في القوانين والأنظمة المرعيّة الإجراء، والمهل القضائيّة أي تلك التي تمنحها المحاكم لأجل القيام بعمل معيّن أو بإجراء محدّد، أو العقديّة التي يتفق عليها الفرقاء في العقود والاتفاقات المتبادلة. ولعلّ المثال الأكثر دلالة عن ذلك هو مرور الزمن وهو من أسباب سقوط الموجبات الذي أفرد له المشرّع فصلاً في قانون الموجبات والعقود تضمّن الأحكام والمبادئ العامة والأساسيّة. فقد نصّ على وقف مرور الزمن suspension de la prescription وانقطاع مرور الزمن interruption de la prescription، والتمييز بينهما يفيد بحثنا وشرحنا حول قانون تعليق المهل. فالتوقف لا يسقط المدّة التي سبقت السبب الذي أوجبه، وتُحتسب هذه المدّة عند انتهاء السبب بمعنى أنّها تُضم إلى الحساب عندما يعود الزمن المتوقف لمتابعة سريانه بعد وزال سبب التوقّف. أمّا الانقطاع يعني أنّ المدّة الزمنيّة السابقة تُمحى نهائيّاً وتسقط من حساب مرور الزمن.
وبالعودة إلى قانون تعليق المهل، نرى بأنّه يتوافق من حيث المفهوم القانوني مع وقف مرور الزمن، بمعنى أنّ المهلة تعود إلى السريان بعد انقضاء مدّة التعليق المحدّدة في القانون، وتُضم المهلة السابقة إلى المهلة التي يُستأنف فيها السريان وذلك لإنتاج المفاعيل المقرّرة قانوناً. وهذا ما نصّت عليه الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون 160/2020 الممدّد بموجب القانون 185/2020 حيث ورد أنّه "تعود المهل المذكورة إلى السريان مجدّداً بانقضاء مهلة التعليق."
ومن ناحية أخرى، يرتبط تعليق المهل لممارسة الحقوق وفقاً للقانون 160/2020 الممدّد بالمبدأ العام المنصوص عنه في المادة /356/ من قانون الموجبات والعقود والتي نصّت على أنّه: "ويقف أيضاً حكم مرور الزمن بوجه عام لمصلحة الدائن الذي استحال عليه قطعه لسبب لم يكن فيه مختار." وبالتالي يتبيّن لنا بأنّ قوانين تعليق المهل تتعلّق بممارسة الحقوق وتعني مباشرة أصحاب هذه الحقوق ولا تمسّ أبداً الموجبات التعاقديّة ولا تُعدّ ذريعة للتفلّت من تلك الالتزامات.
أمّا لناحية تأثير قوانين تعليق المهل على عقد الإيجار فميّزنا بين عقود الإيجارات الخاضعة للقوانين الاستثنائيّة أي المبرمة قبل 23/7/1992 وهي منظّمة بموجب قانون الإيجارات الجديد تاريخ 9/5/2014 والمعدّل بموجب القانون رقم 2/2017 تاريخ 28/2/2017، وتلك الخاضع لحريّة التعاقد بمفهوم المادة /543/ من قانون الموجبات والعقود المعدّلة بموجب القانون 159/92 وهي المنظّمة بعد تاريخ 23/7/1992.
أ- بالنسبة للإيجارات الخاضعة لقانون الإيجارات الجديد تاريخ 9/5/2014 والمعدّل بموجب القانون رقم 2/2017 تاريخ 28/2/2017:
فالمهل فيه بطبيعة الحال مستثناة من التعليق وفق الفقرة السادسة من المادة الثانية من قانون تعليق المهل رقم 160/2020 الممدّد وهذا أمر مسلّم به وخطوة حكيمة اتخذها نواب الأمة من الناحية القانونيّة وفقاً لما استقرّ عليه التشريع اللبناني الذي وضع عدّة قوانين ومراسيم اشتراعيّة بهذا الخصوص لاسيّما في العام 1983 و1991 وجميعها استثنت قوانين الإيجارات المتعاقبة من أحكامها، وذلك باعتبار أنّ قانون الإيجارات الجديد هو قانون استثنائي وقانون تعليق المهل هو قانون استثنائي أيضاً، وبالتالي وعملاً بالقواعد العامة القانونيّة "لا استثناء على الاستثناء" exception sur exception ne vaut لأنّ الاستثناء في هذه الحال يصبح هو القاعدة، فالمشرّع في قوانين الإيجارات الاستثنائيّة المتعاقبة ومنها قانون الإيجارات الجديد نظّم العلاقة التعاقديّة بين المالك والمستأجر ضمن أحكام خاصة لها طابع استثنائي تمتدّ بين تسعة إلى اثني عشر عاماً ويُعتبر ذلك شذوذاً على القانون العام وهو قانون الموجبات والعقود الذي يرعى وينظّم أساساً عقد الإيجار وتدخّلاً بين فرقاء العقد بالوقت الذي ترعى العقود قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين". وبالتالي عدم جدوى تعليق وتمديد المهل فيما يتعلّق بالإيجارات طالما أنّ هذا القانون يتضمّن مهلاً وآجالاً طويلة.
ب- بالنسبة للإيجارات الحرّة الخاضعة لأحكام قانون الموجبات والعقود والقانون 159/92:
إنّ القانون 160/2020 الممدّد نصّ على تعليق المهل، والمقصود بها المهل الإجرائيّة لممارسة الحقوق كمهل الإسقاط أو مهل مرور الزمن مثلاً، وذلك بمفهوم المادة /356/ من قانون الموجبات والعقود والتي نصّت على وقف مرور الزمن بوجه عام لمصلحة الدائن الذي استحال عليه قطعه لسبب لم يكن فيه مختاراً.
ولا يمتدّ تعليق المهل أبداً إلى تعليق الموجبات التعاقديّة، ولا يعني إطلاقاً تعليق دفع بدلات الإيجار (كما يعتبر البعض عن خطأ) باعتبار أنّ تسديد البدل في عقد الإيجار هو موجب المستأجر المقابل لموجب المؤجّر بتأمين وضمان الانتفاع بالمأجور، لا بل هو الموجب الأساسي للمستأجر وفقاً لأحكام المادة /568/ من قانون الموجبات والعقود، وبالتالي يشكّل البدل سبباً للعقد عملاً بالمادة /177/ من القانون عينه.
والبدل في عقد الإيجار ليس فقط موجباً أساسيّاً وحسب بل هو أيضاً ركن جوهري من أركان العقد ذاته، بمعنى أنه لا يقوم إلاّ بتوافره. فالمادة /533/ من قانون الموجبات والعقود عرّفت الإيجار على أنّه "عقد يلتزم به المرء أن يولي شخصاً آخر، حق الانتفاع بشيء ثابت أو منقول أو بحقّ ما لمدّة معيّنة مقابل بدل يلتزم هذا الشخص أداءه إليه." فعقد الإيجار يفقد كيانه القانوني عند تخلّف موجب "تسديد البدل" ويعتبر منعدم الوجود كونه أصبح دون سبب.
وبالإضافة إلى ذلك، يُعتبر عقد الإيجار من العقود المتبادلة contrats synallagmatiques وفقاً لأحكام المادة /168/ من قانون الموجبات والعقود والعقد المتبادل وفقاً للتعريف القانوني "هو الذي يكون فيه كلّ فريق ملتزماً تجاه الآخر على وجه التبادل بمقتضى الاتفاق المعقود بينهما". وعقد الإيجار هو أيضاً من عقود العوض contrats à titre onéreux، وهذا العقد وفقاً للمادة /169/ ق.م.ع. هو "الذي يوضع لمصلحة جميع المتعاقدين فينالون منه منافع تعدّ متعادلة على وجه محسوس". فإنّه انطلاقاً من ذلك كلّه يكون التبادل في الموجبات هو الأساس في العلاقة التعاقديّة بين فريقيّ العقد، وفقدان هذا التبادل يزيل عن عقد الإيجار التوازن التعاقدي ويوجد خللاً هاماً في الموجبات، وبالتالي عند عدم تسديد البدل أي عند عدم قيام المستأجر بموجبه الرئيسي يسقط موجب المؤجّر بتمكينه من الانتفاع وينتج عن ذلك فسخ عقد الإيجار.
وبالتالي، بتبيّن لنا أنّه بموجب قانون تعليق المهل رقم 160/2020 الممدّد والذي صدر في ظلّ الظروف الاستثنائيّة التي مرّ ويمرّ بها لبنان، أوقف المشرّع سريان المهل الإجرائيّة والمتعلّقة بممارسة الحقوق دون أن يمسّ ذلك الموجبات التعاقديّة التي تبقى واجبة الأداء وخصوصاً في مسألة استحقاق بدلات الإيجار، إذ إنّ الهدف الأساسي من هذا القانون هو الحفاظ على الحقوق وليس هدرها.
أمّا النقطة الثانية الذي أثارها تطبيق قانون تعليق المهل 160/2020 الممدّد هي إشكاليّة حول مدى تأثير هذا القانون على مهل حضور جلسات المُحاكمة أمام القضاء.
وللجواب على هذه النقطة نقول بأنّ المشرّع حدّد في المادة الثانية من القانون 160/2020 الممدّد الاستثناءات من أحكام التعليق، فنصّت الفقرة الأولى من هذه المادة على أن تُستثنى "المهل القضائيّة التي يترك القانون للقاضي أن يقدّرها"
وانطلاقاً من قانون أصول المحاكمات المدنيّة يتبيّن لنا أنّه وفقاً لأحكام الفصل الثامن من الباب الرابع والذي يتعلّق بإجراءات المحاكمة لدى محكمة الدرجة الأولى، فإنّ المواد /449/، /452/، /456/ و/457/ تنظّم مسألة تحديد مهل تبادل اللوائح بين فرقاء الدعوى والإجراءات التي تتخّذها المحكمة لأجل تحضير القضيّة للمرافعة وصولاً إلى إعطاء القانون الصلاحيّة لرئيس المحكمة (كما للقاضي المنفرد) تعيين موعد الجلسة للنظر بالدعوى وذلك وفقاً لمعطيات وظروف كلّ قضيّة، وبالتالي فإنّ مسألة تحديد الجلسات أو ما يُعرف بـ"مهل الحضور" أمام المحكمة délais de comparution أمر متروك للقاضي ولسلطته التقديريّة. فتكون هذه المهل مستثناة حكماً من قانون تعليق المهل القانونيّة والقضائيّة والعقديّة وفقاً لما تمّ بيانه بموجب النصّ القانوني الواضح والصريح.
إلاّ أنّه شاع في الأوساط الحقوقيّة تفسير خاطئ لهذه النصوص والذي اعتبر أنّ مهل الحضور هي مشمولة بقانون تعليق المهل ما يعني عمليّاً أنّ عدم حضور أحد الخصوم لا يؤدّي إلى مُحاكمته غيابيّاً.
وقال أصحاب هذا التفسير أنّه بالرغم من أنّ مسألة تحديد موعد جلسة لنظر الدعوى وبالتالي تحديد مهل الحضور أمام المحكمة هو أمر منوط بالقاضي ووفقاً لتقديره، إلاّ أنّهم وجدوا أنّ مهلة الحضور هذه مرتبطة ومقيّدة بمهلة التبليغ ومهلة الساعة القانونيّة وفق نصّ المادتين /471/أ.م.م. التي نصّت على أنّه "لا يجوز تثبيت التخلّف عن الحضور بحقّ أحد من الخصوم إلاّ بعد انقضاء ساعة على الموعد المعيّن للمحاكمة"، و/483/ من القانون عينه التي تنصّ على أنّه "يبلّغ موعد الجلسة إلى الخصوم قبل حلوله بثلاثة أيام على الأقل" معتبرين أنّ هاتين المادتين تحتويان على مهل قانونيّة مشمولة بأحكام التعليق.
إنّ هذا التفسير هو غير منطقي ولا يُعبّر عن نيّة المشرّع عند إقرار قانون تعليق المهل ويؤدّي إلى تعطيل إجراءات المُحاكمة وبالتالي إلى عرقلة عمل المرفق القضائي. فالمشرّع الذي استثنى "المهل القضائيّة التي يترك القانون للقاضي مسألة تحديدها" أراد استثناء مهل حضور الجلسات والقول بعكس ذلك لا يستقيم قانوناً للأسباب الآتية:
- لقد استثنى المشرّع في قانون تعليق المهل بموجب الفقرة الأولى من مادته الثانية المهل "القضائيّة التي يترك القانون للقاضي أن يقدّرها" من أحكامه وذلك بموجب نصّ صريح وواضح، وأنّه عملاً بالقاعدة القانونيّة لا اجتهاد بمعرض النصّ الواضح والصريح لا يمكن المضيّ في أيّ تفسير معاكس.
- إنّ المبادئ العامة التي ترعى قواعد تفسير النصوص القانونيّة تقضي بوجوب تفسيرها بشكل يؤدّي إلى إعمالها لا إلى إهمالها. وبالتالي فإنّ القول بأنّ مهل الحضور مشمولة بالتعليق يؤدّي إلى إهمال النصّ القانوني القاضي باستثناء المهل القضائيّة التي يتمّ تحديدها من قبل القاضي وفقاً لسلطته الاستنسابيّة وتعطيله.
- بالرجوع أيضاً إلى أحكام قواعد تفسير القانون فإنّ نيّة المشرّع هي التي يعوّل عليها ويُفترض الأخذ بها ليس فقط بالمعنى الظاهر للنصّ بل بروحه وفحواه تحقيقاً للغاية التي أرادها المشرّع من قانون التعليق وهي حماية الحقوق من جهة وأيضاً تحقيق العدالة من جهة ثانية. ونيّة المشرّع هنا ظهرت بشكل واضح وصريح وبالتالي يجب أن تُحترم في التفسير والتطبيق وأيّ أمر معاكس يعني تشويه مقاصد المشرّع.
- إنّ طبيعة المهلة القضائيّة التي يترك القانون للقاضي أمر تحديدها تفترض أنّها غير مقيّدة بآجال محدّدة أو ثابتة وذلك تبعاً لأنّ كل قضيّة أو دعوى تستقلّ بظروفها ومعطياتها عن الأخرى وهي تالياً لا تأتلف مع مفهوم التعليق. والمشرّع في هذا الخصوص أوجد شيئاً من المرونة وترك هامشاً كبيراً للمحكمة في مسألة الإجراءات تبعاً لكلّ قضيّة، والدليل على ذلك وعلى سبيل المثال لا الحصر ما نصّت عليها المادة /455/ من قانون أصول المحاكمات المدنيّة التي أجازت للمحكمة تقصير أو إطالة مهل التبادل في حال وجود مبرّرات لذلك، وذلك وفقاً للسلطة التقديريّة والاستنسابيّة التي منحها القانون للقاضي.
- إنّ المهل المنصوص عنها في المادتين /471/ و/483/ من قانون أصول المحاكمات المدنيّة هي من قبيل المهل الحمائية الضامنة لحقّ الدفاع وهي مقرّرة لصحّة الإجراء التي تتبع له وهو حضور المدّعى عليه في الجلسة المحدّدة من القاضي وبالتالي هي بطبيعتها تابعة ومتلازمة ومرتبطة بهذه المهلة الأصليّة فتتبعها أيضاً في الاستثناء من مفاعيل التعليق.
- لقد نصّ قانون تعليق المهل في المادة الرابعة منه على أنّه للفرقاء الحقّ بالتنازل عن مفاعيل التعليق في العقود والاتفاقات التي يعقدونها شرط أن يكون هذا التنازل صريحاً وخطيّاً. وبحجّة أولى تطبيق هذا المبدأ على الدعاوى التي يتقدّم بها الفرقاء في نزاع معيّن أمام القضاء ويمضون في السير بإجراءات المُحاكمة وتبادل اللوائح فيكونوا بذلك متنازلين حكماً وبشكل واضح عن مفاعيل تعليق المهل وبالتالي تسري بوجههم جميع المهل خاصةً مهل الحضور مع ما يترتّب عن ذلك من نتائج قانونيّة وهي وجوب المحاكمة الغيابيّة في حال التغيّب بدون عذر مشروع وبدون مبرّر عن الجلسة. والقول بعكس ذلك يفتح الطريق أمام بعض أصحاب النوايا السيّئة في تعسّفهم وتمنحهم حجّة للتملّص من الحضور أمام القضاء مع ما يستتبع ذلك من إرهاق للفريق الحسن النيّة في الدعوى وما يستتبع ذلك من مماطلة وتسويف وبالنتيجة تأخير الفصل بالدعاوى المتكدّسة أصلاً والتي أصبحنا بحاجة ماسة للبتّ بها بأسرع وقت ممكن...
ونُشير في هذا المجال إلى أنّ جانب مجلس القضاء الأعلى كلّف لجنة لدراسة هذه المسألة وقد أصدرت هذه اللجنة توصياتها آنذاك بوجوب استثناء مهل حضور جلسات المُحاكمة من أحكام التعليق.
ومن ناحية ثانية، ولأجل احتساب المهل القانونيّة والعقديّة والقضائيّة، وكما ذكرنا أعلاه، بأنّ قصد المشرّع في مسألة "تعليق المهل" وسريانها من جديد بعد انقضاء مهلة التعليق هو وقف المهل suspension des délais وليس قطعها وبالتالي فإنّ مفهوم وقف المهل هو تعليق مؤقّت لسريانها بحيث تبقى المدّة السابقة والتي سرت قبل نفاذ مفعول التعليق قائمة وتُضاف إليها المدّة اللاحقة بعد انتهاء هذا المفعول وهذا ما نصّت عليه صراحةً المادة /2230/ من القانون المدني الفرنسي التي تضمّنت تعريفاً لوقف التقادم (مرور الزمن):
"La suspension de la prescription en arrête temporairement le cours sans effacer le délai déjà couru"
أيّ ما تعريبه "وقف التقادم يعلّق مؤقّتاً سريان المهلة بدون محو المهلة التي سبق أن سرت من قبل.
ومع بداية العام 2021، وتفاقم الحال الصحيّة على النحو المبيّن أعلاه، صدر القانون رقم 212/2021[5] والذي نصّ في الفقرة الثانية من مادته الوحيدة على أن "تعلّق حكماً جميع المهل القانونيّة والقضائيّة والعقديّة الممنوحة لأشخاص الحقّين العام والخاص بهدف ممارسة الحقوق على أنواعها، سواء كانت هذه المهل شكليّة أو إجرائيّة أو امتدّ أثرها إلى أساس الحقّ طول فترة الإغلاق الكامل المحددّة أو التي تُحدد استناداً إلى قرار إعلان حالة التعبئة العامة والمتخذ بموجب المرسوم رقم 7315 تاريخ 31/12/2020".
وقد ورد في الأسباب الموجبة أنّ إقرار هذا القانون جاء نتيجة "قرار الإغلاق الكامل الذي صدر بتاريخ 11/1/2021 لمواجهة انتشار فيروس كورونا والذي أوجب في مادته الرابعة منع الخروج والولوج إلى الشوارع والطرقات اعتباراً من الساعة الخامسة من صباح يوم الخميس الموافق فيه 14/1/2021 ولغاية الساعة الخامسة من صباح يوم الاثنين الموافق فيه 25/1/2021".
الجديد في هذا القانون أمران، الأوّل هو أنّه لم ينصّ على أيّة استثناءات كما نصّ عليها القانون 160/2020 الممدّد بموجب القانون 185/2020، والأمر الثاني هو عدم تقييد القانون بمهلة زمنيّة محدّدة لسريانه كما فعل المشرّع في القانونين المذكورين، بل ربط مسألة التعليق بفترة الإغلاق الكامل المحددّة أو التي تُحدد استناداً إلى قرار إعلان حالة التعبئة العامة والمتخذ بموجب المرسوم رقم 7315 تاريخ 31/12/2020.
ويجب الإشارة هنا إلى أنّ مسألة ربط المشرّع التعليق "بفترة الإغلاق الكامل المحددّة أو التي تُحدد" تعني أنّ التعليق يسري فقط عندما نكون في فترات الإغلاق الكامل والتام للبلاد أيّ عندما يكون هناك حظر تجوّل ومنع تحرّك المواطنين على الطرقات، وعندما تكون معظم القطاعات والمرافق مقفلة إقفالاً تاماً وبالتالي عندما يكون المواطن غير قادر على ممارسة حقوقه أو المطالبة بها، ومعنى ذلك أيضاً أنّ المشرّع لم يربط تعليق المهل بحالة التعبئة العامة إذ أنّه يمكن أن نكون في حالة من التعبئة العامة ويكون هنالك إمكانيّة لممارسة الحقوق.
إلاّ أنّه وبتاريخ 6/2/2021 صدر القرار عن رئاسة مجلس الوزراء 96/م ص الذي وضع الاستراتيجيّة لمواجهة الفيروس وبيّن مراحل التخفيف التدريجي لقيود الإغلاق وذلك لعودة الحياة إلى مختلف المرافق في البلاد وذلك بموازاة بداية حملة التلقيح الوطنيّة. وعملاً بهذا القرار تمّ تقسيم هذه المراحل إلى أربعة:
- المرحلة الأولى: اعتباراً من 8/2/2021 ولغاية 22/2/2021.
- المرحلة الثانية: اعتباراً من 22/2/2021 ولغاية 8/3/2021.
- المرحلة الثالثة: اعتباراً من 8/3/2021 ولغاية 22/3/2021.
- المرحلة الرابعة: اعتباراً من 22/3/2021.
وبالتالي يمكننا أن نجزم بأنّ الحياة بدأت بالعودة إلى طبيعتها ابتداءً من 8/2/2021.
ولكن هذا الأمر يمكن أن يُطرح أمام القضاء في المستقبل سيّما وأنّ القانون 212/2021 لم يُبيّن إطاراً زمنيّاً واضحاً لحدّد بداية وانتهاء مفعول التعليق على غرار القانون 160/2020 الممدّد بموجب القانون 185/2020، وذلك حول نقطتين:
النقطة الأولى هي متى يبدأ مفعول التعليق؟ هل هو اعتباراً من بدء سريان الإقفال العام؟ وما هو هذا التاريخ هل هو اعتباراً من 7/1/2021 (بموجب القرار الأوّل الذي قضى بالإقفال رقم 2/م ص) أو هل هو اعتباراً من 11/1/2021 (بموجب القرار الثاني رقم 26/م ص) أم اعتباراً من تاريخ نشر القانون 212/2021 في الجريدة الرسميّة؟
والنقطة الثانية هي أيّ تاريخ يجب اعتماده للقول بوقف مفعول التعليق وبمعنى آخر متى تبدأ المهل بالسريان من جديد؟ هل هو تاريخ 8/2/2021 أيّ اعتباراً من بدء المرحلة الأولى للتخفيف التدريجي للإقفال أو هو 22/3/2021 أيّ بداية المرحلة الرابعة والأخيرة؟
بالنسبة للنقطة الأولى، وبرأينا فإنّ بداية مفعول التعليق تبدأ اعتباراً من تاريخ نشر القانون 212/2021 في الجريدة الرسميّة أيّ اعتباراً من تاريخ 21/1/2021 وليس اعتباراً من تاريخ بدء فترة الإغلاق لأنّ الفقرة الثالثة من المادة الوحيدة من هذا القانون نصّت على أنّه يُعمل به فور نشره في الجريدة الرسميّة، وذلك حتى ولو ذكرت الفقرة الثانية بأنّ التعليق يشمل طوال فترة الإغلاق الكامل، باعتبار أنّه في مسألة تفسير القوانين يؤخذ بنيّة المشرّع التي عبّر عنها في المواد اللاحقة في تشريع معيّن حتى ولو كانت تنصّ على ما يتناقض مع مواد سابقة لأنّ ذلك يتضمّن تعديلاً لهذه المواد السابقة.
أمّا بالنسبة للنقطة الثانية، فإنّ الجواب الجازم هو أنّه مع انتهاء حظر التجوّل وبداية المرحلة الأولى من الخطّة لرفع قيود الإقفال في 8/2/2021 لم يعُد بالإمكان الكلام عن تعليق للمهل لأنّه أصبح بالإمكان ممارسة حقوقه والمحافظة عليها خصوصاً وأنّ الاستثناء يجب أن يُفسّر ويُطبّق حصراً سيّما وأنّ الأسباب الموجبة للقانون 212/2021 ذكرت بشكل واضح وصريح على ما حرفيّته "بما أنّ قرار الإغلاق الكامل الذي صدر بتاريخ 11/1/2021 لمواجهة انتشار فيروس كورونا والذي أوجب في مادته الرابعة منع الخروج والولوج إلى الشوارع والطرقات اعتباراً من الساعة الخامسة من صباح يوم الخميس الموافق فيه 14/1/2021 ولغاية الساعة الخامسة من صباح يوم الاثنين الموافق فيه 25/1/2021" (والذي تمّ تمديده إلى 8/2/2021 بموجب القرار رقم 46/م ص تاريخ 21/1/2021) أيّ أنّ نيّة المشرّع انصرفت بجلاء إلى اعتبار أنّ تعليق المهل مرتبط بمسألة حظر التجوال وهذا أمر طبيعي ومنطقي من ناحية، ومن ناحية ثانية فإنّ نيّة المشرّع هي من الأمور التي يجب الركون إليها عند تفسير القوانين وهذه النيّة تجلّت بوضوح في الأسباب الموجبة. كما وأنّ القرارين 26/م ص و46/م ص وضعا تاريخاً لانتهاء مدّة الإغلاق الكامل وهي 8/2/2021 ولأجل هذه الغاية صدر القرار 96/م ص تاريخ 6/2/2021 الذي يُعتبر تنفيذاً للقرارين السابقين ووضع آليّة التخفيف التدريجي لقيود الإغلاق.
وفي المحصّلة تكون المهل القانونيّة والعقديّة والقضائيّة معلّقة استناداً لأحكام القانون 212/2021 بين تاريخيّ 21/1/2021 و8/2/2021، أيّ لفترة 19 يوماً فقط.
وفي الختام نقول بأنّ قوانين تعليق المهل هي نصوص استثنائيّة لا يجب التوسّع في تفسيرها وتطبيقها من جهة، ولا يجب أن تكوّن هذه القوانين مجالاً للمماطلة وهدر الحقوق وحجّة لأصحاب النوايا السيّئة وسلاحاً بيدهم للتذرّع به للتحايل على أحكام القانون لأنّ ذلك يتناقض مع علّة وجود هذه القوانين.
[1] منشور في الجريدة الرسميّة ملحق العدد /12/ تاريخ 19/3/2020 ص. /1/.
[2] منشور في الجريدة الرسميّة العدد /1/ تاريخ 7/1/2021 ص. /37/.
[3] منشور في الجريدة الرسميّة العدد /20/ تاريخ 14/5/2020 ص. /1164/.
[4] منشور في الجريدة الرسميّة العدد /36/ تاريخ 27/8/2020 ص. /1571/.
[5] منشور في الجريدة الرسميّة العدد /3/ تاريخ 21/1/2021 ص. /191/.

