• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

قرار صادر عن قاضي الامور المستعجلة في بيروت رقم 192 بتاريخ 17/12/2021: اعتبار حق العميل بتحويل أمواله ثابتًا وأكيدًا بمعزل عن الغاية المتوخاة من هذا التحويل

هيئة المحكمة: الرئيس كارلا شواح

شميدت/بنك بيروت ش.م.ل

1- اعتبار التحويل المصرفي من العمليات المصرفية الإعتيادية اليومية والبديهية الملازمة لفتح الحساب الجاري وموجب ملزم ملقى على عاتق المصرف دون الحاجة لإتفاق خطيّ لإثبات وجوده واعتباره مشمولًا بالعلاقة التعاقدية القائمة بين العميل والمصرف.

2- اعتبار امتناع المصرف عن تحويل المبلغ المطلوب نكولًا غير مبرر عن تنفيذ موجباته لا سيّما في ظل عدم وجود أي إتفاق بين الطرفين على إخراج هذه الخدمة المتعارف على شمولها بمفهوم الحساب غير المجمد. 

3- اعتبار التحويل المصرفي عملًا قانونيًّا شكليًّا بحتًا وإلتزامًا لا مجال لرفض إجرائه متى إستجمع الشروط المصرفية المتعارف عليها.

4- اعتبار حق العميل بتحويل أمواله ثابتًا وأكيدًا بمعزل عن الغاية المتوخاة من هذا التحويل.

5- عدم اعتبار خطوة المشرع بإقراره قانون الدولار الطالبي تأكيدًا منه على عدم أحقية العميل بتحويل أمواله لكون هذا القانون صدر بنتيجة توقف المصارف العاملة في لبنان عن تحويل الأموال إلى الخارج ووضع قيود ضيّقة على عمليات التحويل  دون تضمنه أي منع أو قيد  على  عمليات التحويل الحاصلة في حالات أخرى.

6- عدم اعتبار الأزمة المالية الراهنة بمثابة القوّة القاهرة المبررة لإمتناع المصرف عن الإيفاء بموجباته تجاه العميل بالنظر لكونها متوقعة لا سيّما من قبل المصارف.

7- اعتبار كل تقييد لحق العميل بتحريك حسابه بحرية مطلقة وبإجراء تحويلات مالية منه سواء داخلية أم خارجية خرقًا للمبادئ الدستورية ومن غير الجائز تبريره بأي تعميم صادر عن جمعية المصارف أو مصرف لبنان، عملاً بقاعدة سمو الدستور.

8- عدم اعتبار عرض المصرف لشيك مصرفي بالمبلغ المطلوب مبرئًا لذمته تجاه العميل إذ لهذا الأخير دون سواه حق إختيار العملية المصرفية التي يريد ومن غير الجائز إجباره على قبول أي عرض آخر خاصّة وأنّ الشيك غير قابل للتحصيل إلا في المصارف اللبنانية.

9- اعتبار رفض المصرف تحويل المبلغ المطلوب خروجًا عن نطاق حقوقه المشروعة وتعديًا على حق العميل الواضح والأكيد الأمر المبرر لتدخل قضاء العجلة لوضع حدّ لهذا التعديّ.

بناءً عليه،

حيث يطلب المدعي إلزام المدعى عليه بتحويل مبلغ قدره /100،000/ د.أ. من حسابه الجاري لديه رقم /1140670064000-USD LB09007500000001140670064000/ مع فوائده القانونية من تاريخ المطالبة بتسديد هذا المبلغ وحتى تاريخ الدفع الفعلي، إلى الحساب رقم /898080436958/ في مصرف BANK OF AMERICA التالية بياناته:

Bank SWIFT Code: BOFAUS3NXXX

Bank Name and Address: BANK OF AMERICA,100 WEST 33RD

STREET, NEWYORK, NY, UNITED STATES

Beneficiary Account Number: 898080436958

Routing number: 026009593

Beneficiary Name: C. S.

وذلك عملاً بأحكام المادة 579 أ.م.م. فقرتها الثانية وتحت طائلة غرامة إكراهية قدرها /10،000/د.أ. عن كل يوم تأخير في التنفيذ، لتوافر شرطي الفقرة الثانية المذكورة وهما أولاً وجود حق ثابت وأكيد له بتحويل أمواله وبالتصرف بها بحرية مكرّس في مقدمة الدستور وفي القوانين اللبنانية والعرف المصرفي والإتفاقية الدولية بين الجمهورية اللبنانية وجمهورية ألمانيا الإتحادية لحماية وتنشيط الإستثمارات المتبادلة وفي عقده مع المدعى عليه، ثانياً تعدي المصرف المدعى عليه بشكل فاضح وواضح عل هذا الحق من خلال امتناعه عن الإستجابة لطلبه دون أي مبرر مشروع،

وحيث يطلب المدعى عليه رد الدعوى لعدم إختصاص قضاء العجلة للبتّ بها وعدم صحتها وعدم قانونيتها لانتفاء شرطي الفقرة الثانية من المادة 579 أ.م.م. لعدم وجود أي حق أكيد وظاهر للمدعي بالتحويل المصرفي المطلوب وبإلزامه به، إذ ليس من موجب قانوني أو عقدي على عاتقه بإجراء هذا التحويل ولا يمكن للعرف المصرفي لهذه الناحية أن يشكّل موجباً على المصارف، فلا يكون ملزماً بتنفيذ التحويل المطلوب بل يحق له أن يقرر إستنسابياً الموافقة على تأديته أو الإمتناع عن ذلك، ولا يكون تالياً للمدعي أي حق بإلزامه به، فضلاً عن أن التحويل المصرفي هو توكيل من قبل العميل لمصرفه يفترض توافر رضى أطرافه الثلاثة، أي العميل والمصرف منفذ التحويل والمستفيد منه، وأنه بانتفاء أي حق أكيد وظاهر للمدعي بالتحويل المطلوب وبإلزامه به، ينتفي حكماً أي تعد من قبله على أي حق لهذه الناحية،

وحيث لا بد من الإشارة أولاً إلى إن مسألة إختصاص قاضي الأمور المستعجلة تتداخل مع موضوع الدعوى المطروحة أمامه بحيث لا يمكنه البتّ بها إلا بعد التدقيق في مضمون هذه الدعوى والوقوف على مدى تحقق شروط إنعقاد هذا الإختصاص ضمن الحدود التي رسمتها المادة 579 أ.م.م.، وما إذا كان التدبير المطلوب منه مؤقتاً أم من شأنه التعرض لأصل الحق؛ وإن ما تقدم يفرض على قاضي الأمور المستعجلة التمحيص والتدقيق في مستندات الدعوى وأوراقها والوقوف على وسائل الدفاع وسائر ظروف الدعوى ومعطياتها كافة وعناصرها المادية والواقعية لتبيان وجاهة الطلب المقدم إليه وتقدير جدية النزاع دون أن يخوض في أصل الحق، توصلاً لتقدير اختصاصه من عدمه؛ من هنا فإنه يقتضي الفصل في مسألة اختصاص هذه المحكمة في معرض البت بموضوع الدعوى في مرحلة لاحقة من هذا القرار،

حيث إن الإدلاءات والمطالب المثارة في إطار هذه الدعوى تتمحور حول مدى وجود حالة التعدي الواضح التي تبرر تدخل قاضي العجلة لتقرير إلزام المصرف المدعى عليه بإجراء التحويل المطلوب على النحو المبين أعلاه،

وحيث إن البحث في المسألة المشار إليها إنما يتمّ في ضوء أحكام الفقرة الثانية من المادة 579 أ.م.م. التي أولت قاضي الامور المستعجلة سلطة اتخاذ التدابير الآيلة الى إزالة التعدي الواضح على الحقوق والاوضاع المشروعة،

وحيث إن الفقرة المذكورة تفترض في إعمالها توافر شرطين: الأول أن يكون للمدعي حقاً أو وضعاً مشروعاً محمي قانوناً، والثاني وقوع تعد واضح على هذا الحق أو الوضع المشروع، علماً أنها لم تشترط توافر شرطي العجلة وعدم المساس بأصل الحق وذلك لأنه في الدعاوى المسندة إليها فإن التعدي يستوجب حكماً اتخاذ التدبير المستعجل الآيل إلى رفعه،

وحيث إن التعدي المقصود بحسب مفهوم الفقرة الثانية من المادة 579 أ.م.م. هو كل فعل غاصب أو غير مشروع أو امتناع عن فعل يصدر عن شخص خارج نطاق حقوقه المشروعة ويلحق ضرراً بالغير سواء في حقوقه أو أمواله أو سلامته أو راحته وما سواها، والذي يُفترض عدم وجود نزاع جدي بشأن تحقّقه وبشأن صفة الوضوح العائدة له، وأنّه بذلك يتعيّن أنْ يكون التعدي خارج نطاق أي تفسيرات أو تأويلات واقعيّة أو قانونية ولا يقوم حوله اي شك،

وحيث إن الفقه والإجتهاد استقرّا على أن عدم مشروعية الفعل المكوّن للتعدي لا ينجم فقط عن كون هذا الفعل محظوراً بنص القانون بل يمكن أن ينجم أيضاً عن كونه مخالفاً لالتزامات تعاقدية أو لعرف ثابت جرت عليه العادة أو طبيعة التعامل، أو للآداب أو حتى للأسلوب الحسن في التصرف كما ذهب إليه الإجتهاد الفرنسي،

وحيث يقتضي معرفة ما إذا كان للمدعي حقاً مشروعاً بإجراء التحويل المصرفي المطلوب أولاً، ثم الوقوف على ما إذا كان امتناع المدعى عليه عن إجراء هذا التحويل مسند الى ما يبرره أو أنه من قبيل التعدي الواضح على حقوق المدعي،

وحيث ثابت من المعطيات المتوافرة كافة أن للمدعي حساباً جارياً بالدولار الأميركي لدى المدعى عليه فرع الأشرفية السيوفي برقم /114070064000-USD LB09007500000001140670064000/ وهو مليء ويحتوي على المبلغ المطلوب تحويله، أي /100،000/ د.أ.، علماً أن المدعى عليه أقرّ بوجود هذا المبلغ في الحساب المذكور وأبدى استعداده لتسليم المدعي شيكا مصرفياً بقيمته؛ كما ثابت أن المدعي طلب من مصرفه تحويل المبلغ المشار إليه من هذا الحساب إلى حسابه في مصرف BANK OF AMERICA المبينة بياناته أعلاه غير أن المصرف رفض ولا يزال يرفض إجراء هذا التحويل،

1-وحيث يترتب على فتح الحساب الجاري منافع لصالح كلا الطرفين، ومن تلك المنافع العائدة لصاحب هذا الحساب الحصول على الخدمات التي يقدمها المصرف كدفتر الشيكات وبطاقة السحب الآلي والتحويلات، وما برحت المصارف تشمل هذا الموجب الأخير، أي التحويل، مع سواه ممّا تنفذه للعميل صاحب الحساب غير المجمّد، وهذه معلومات يعلمها الكافة، وهي عرف مهني ثابت لا يتطلب لاستنباطه أو تحديده والدلالة على وجوده أي تصدٍ لأساس النزاع بشكل يجعله خارجاً عن اختصاص قضاء العجلة؛ فالتحويل المصرفي يعتبر من العمليات المصرفية الإعتيادية واليومية والبديهية الملازمة لفتح الحساب الجاري والتي تؤديها المصارف اللبنانية والأجنبية، ولا يطلب الإتفاق الخطي عليه لإثبات وجوده واعتباره مشمولاً بالعلاقة التعاقدية الرابطة فيما بين المصرف وعميله ومن ضمن موجبات الأول الإلزامية؛ فصاحب المال، عندما يقصد مطلق أي مصرف لفتح حساب جار، إنّما يقوم بذلك لحفظ أمواله فيه واستفادته في المقابل من الخدمات التي يقدمها له المصرف المتعاقد معه والتي أمست لصيقة بهذا النوع من الحسابات بفعل العرف الثابت، بحيث يكون في تصوّره لدى فتحه هذا الحساب، وعن حق، أنه بمقدوره تحويل أي مبلغ منه في أي وقت يشاء دون أي قيد طالما أن طلبه مستوفٍ لشروطه، وذلك دون الحاجة إلى ذكر هذا الحق في تعاقده مع المصرف،

2-وحيث إن مخالفة العرف المهني وإخراج خدمة متعارف على شمولها بمفهوم الحساب غير المجمد ممكن، ولكن يجب أن يثبت من يدّعيه أنه حصل عند التعاقد،

وحيث إن المصرف لم يدّع أنه استثنى خدمة التحويل عند التعاقد مع المدعي فلا يكون له من ثمّ أن يقرّر فجأة أنه لا يريد تنفيذ هذه الخدمة وتمكين المدعي من الإنتفاع بها لأن ذلك يعتبر نكولاً غير مبرر عن تنفيذ موجباته ولا سيّما أنه لم يثبت أن شروط التعاقد قد تعدلت برضى الطرفين، أمّا تعديل الشروط من قبل طرف واحد، وهو المدين بالموجب، إنّما يصبح بنداً إرادياً محضاً، وهو باطل، إن وجد، بطلاناً مطلقاً، على ما هو مكرّس منطقاً (بحسب منطق ومفهوم التعاقد) كما وقانوناً (المادة 84 موجبات وعقود)،

3-وحيث إن العرف التجاري المعمول به لدى المصارف لا يعطي المصرف سلطة إستنسابية في تقرير إجراء الحوالة المطلوبة من العميل الى خارج البلاد، فلا يسعه رفض طلب التحويل الذي يتلقاه من عميله متى كان هذا الطلب مستوفياً للشروط المصرفية المتعارف عليها، لا سيما بعد التطور الذي شهده عالمياً مفهوم التحويل المصرفي بحيث أضحى عملاً قانونياً شكلياً بحتاً ولم يعد ينظر إليه كعملية رضائية أو عقد يتطلب لإجرائه موافقة طرفيه أو أي شكليات معينة، إنما كوسيلة تنفيذ لعقدين سابقين قائمين، الأول عقد فتح الحساب فيما بين العميل والمصرف والثاني الإتفاق الجاري بين العميل طالب التحويل والمستفيد منه من جهة أخرى، لهذا، فليس للمصرف رفض أو قبول طلب التحويل المقدم إليه، بل يكون بمعرض تنفيذ إلتزام عليه يفرضه العقد الجامع فيما بينه وبين عميله،

وحيث وإن كانت موافقة المصرف المدعى عليه على التحويل لازمة وفقاً لما يدلي به، إلا إن الرضى المفروض في هذه الحالة يقتصر على آلية هذه العملية المطلوبة لا على مبدأ إتمامها، لأنه وبمجرد تعاقد المصرف مع عميله وقبوله وديعته ينشأ لهذا الأخير الحق بالخدمات المصرفية التي تقدمها المصارف بشكل عام على النحو المبين أعلاه، فلا يسع المصرف رفض إجراء التحويل المطلوب إلا في حال عدم توافر الشروط الموضوعية لهذه الخدمة كأن يكون حساب عميله غير مليء أو أن يكون البلد المطلوب إجراء التحويل إليه من عداد البلدان المحظر التعامل معها،

وحيث إن هوية المستفيد beneficiary من التحويل واضحة ولا تعتريها شائبة لناحية شخصه أو بيانات حسابه، والدولة المطلوب إجراء التحويل لها ليست من عداد الدول المحظر إجراء التحاويل لها sanction countries، ولم يتبين وجود أي مانع قانوني يحول دون التحويل إليه، كما إن حساب طالب التحويل مليء،

وحيث إن القانون اللبناني لا يحظر إجراء التحويل المطلوب أو يعطي المصرف سلطة إستنسابية بشأن تلبية أو عدم تلبية طلب عميله لهذه الجهة،

وحيث إن المدعى عليه هو من استدرج العرض إليه من خلال إعلانه عبر موقعه الإلكتروني عن مجموعة الخدمات والمنتجات المصرفية التي يوفرها لعملائه والتي تناسب متطلبات كلّ منهم، وعن حقوق العميل بالحصول على أي خدمة أو منتج يقدمه، فلا يسعه بعد ذلك، وفقاً لأحكام المادة 181 م.ع.، أن يرفض تأدية المنتج أو الخدمة التي يطلبها عميله لأسباب غير مبررة،

4-وحيث ليس للمصرف من جهة أخرى أن يسأل المدعي عن سبب التحويل المطلوب والغاية منه فهذا الأمر يعتبر من قبيل التدخل في شؤونه وخصوصياته وهو ما لا يجوز طبعاً، من هنا، لا يجوز للمدعى عليه الإدلاء بعدم إثبات المدعي للنفقات والمستحقات التي يريد تغطيتها بواسطة التحويل المطلوب أو بأنها ليست من النفقات الضرورية الملحة المبررة للتحويل، أو أنه باستطاعة المدعي تسديدها من خلال حساباته في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث يعمل وحيث مصدر أمواله، لأن لا شأن له بكل ما أثاره لهذه الناحية ولأن حق المدعي ثابت وأكيد في تحويل أمواله بمعزل عن الغاية المتوخاة من هذا التحويل وسببه،

5-وحيث إن إدلاء المصرف بأن إقرار المشرع لما يعرف بقانون الدولار الطلابي إنما يؤكد أن التحويل ليس موجباً على المصارف وبأنه لا حق للمدعي بالتحويل المطلوب لعدم انطباق طلبه على أحكام هذا القانون، لا يستقيم، فالمصرف يعلم تمام العلم أن إقرار هذا القانون إنما تمّ نتيجة توقف المصارف العاملة في لبنان عن تحويل الأموال إلى الخارج ووضع قيود ضيقة جداً على عمليات التحويل، ما نتج عنه أضرار كبيرة لحقت بالأخصّ وبنسبة كبيرة بالطلاب اللبنانيين في الخارج، فتدخل المشرع سعياً لإيجاد حلّ على الأقلّ لأزمة هؤلاء الطلاب وهم بالآف بسبب الخطر الذي كان ولا يزال يتهددهم بدراستهم وبمعيشتهم نتيجة امتناع المصارف كافة عن تحويل الأموال اللازمة إليهم لدفع أقساطهم الجامعية ومصاريفهم الأساسية، وبسبب مطالبة ذويهم بإيجاد حلّ فوري لهذا الوضع، وللتأكيد على إلزام المصارف بالتحويل أقلّه بالنسبة لهؤلاء متى توافرت الشروط المنصوص عنها في هذا القانون، وذلك بعد أن التزم مصرف لبنان بدعم "الدولار الطلابي" لتغطية هذه النفقات إسوة بالدولار الغذائي والدولار الذي له علاقة بالمشتقات النفطية ودولار الأدوية؛ فأتى القانون المذكور ليلزم المصارف بإجراء التحويل، متى توافرت الشروط المحددة فيه، ضمن السقف الذي التزم مصرف لبنان بدعمه؛ وإن إقرار هذا القانون لا يعني إطلاقاً نية المشرع التأكيد على عدم وجود أي موجب على المصارف بالتحويل خارج إطاره وهو لم يمنع التحويل في أي حالة أخرى ولم يضع قيوداً عليه، فترد تالياً إدلاءات المدعى عليه المخالفة،

وحيث إزاء ما تقدّم يضحى ثابتاً وعلى نحو غير منازع فيه أن للمدعي حقاً مشروعاً بإجراء التحويل المصرفي المطلوب وبإلزام المدعى عليه به، وحقه هذا مستمد من صفته كعميل لدى المصرف المذكور والتي توليه إياها العلاقة التعاقدية الناشئة عن العقد الجامع فيما بينهما مع جميع الحقوق والموجبات الملازمة لهذه الصفة، ومن هذه الحقوق حقه بالإستفادة من الخدمات المصرفية التي يقدمها المصرف والتي يدخل التحويل المصرفي في عدادها،

وحيث إن امتناع المدعى عليه في حالة المنازعة الراهنة عن إجراء الحوالة المطلوبة والمستوفاة لشروطها غير مسند الى ما يبرره لأنه لم يستثن هذه الخدمة من إطار تعاقده مع المدعي وليس له سلطة إستنسابية في رفض أو قبول هذا التحويل على النحو المبين آنفاً، كما لم يدل بعدم شرعية مصدر الأموال المودعة فيه أو بواقعة كون البلد المطلوب إجراء الحوالة لديه محظراً أو بكون هوية المستفيد موقع جدل،

وحيث إن المصرف يتذرع بالظروف الإستثنائية التي تمرّ بها البلاد والشحّ بالعملة الأجنبية وبالتعاميم الصادرة عن جمعية المصارف والقيود المفروضة على التحاويل لتبرير رفضه إجراء التحويل المطلوب واعتباره مشروعاً، في حين يدلي المدعي بأن الظروف المذكورة لا تبرر للمصرف النكول عن تنفيذ موجباته، وبأن تعاميم جمعية المصارف لا قيمة قانونية لها وغير ملزمة للقضاء،

وحيث إن المبرر الوحيد لعدم الإيفاء بالموجب إنما يكمن، في معرض ما يدلي به المصرف، باستحالة التنفيذ المنصوص عليها في المواد 341 وما يليها من قانون الموجبات والعقود، والتي لا تعفي من التنفيذ إلا بتحقق القوة القاهرة،

6-وحيث إن القوة القاهرة حدث خارجي غير متوقع وغير قابل للدفع وله الطابع الأجنبي، أي إنه يحصل بمعزل كلّي عن المديون ولا يرتبط مصدره بشخص هذا الأخير أو بظروفه وأوضاعه،

وحيث لم ينهض في المعطيات المتوافرة كافة حصول مثل هذا الحادث الخارجي غير المتوقع لكي يبرر المصرف عدم الإيفاء بالموجب، فالعوامل التي يتذرع بها الأخير والمتعلقة بالمحافظة على حقوق المودعين ليس لها طابع أجنبي إنما هي مرتبطة بشخصه وبأوضاعه الخاصة، وإن الأزمة المالية التي تمر بها المصارف لم تأت وليدة الساعة ولم تحدث بصورة غير متوقعة ولم تكن بمثابة الحدث المفاجئ، خاصة بالنسبة للقطاع المصرفي الذي يفترض به أن يكون أول المتوقعين لحصولها ومنذ أكثر من سنتين، خاصة ولا سيما أنها كانت محل تقارير ومقاولات ودراسات عدة من قبل الخبراء الماليين والإقتصاديين وغيرهم،

وأمام هذا الواقع، فإن الأزمة الراهنة لا يمكن وصفها بالحدث الطارئ الخارجي المستجدّ الذي لم يكن بالإمكان دفعه، وبالتالي لا يمكن أن تشكل القوة القاهرة المتذرع بها لحلّ المصرف من موجبه تجاه عميله،

وحيث إن موجب تأمين السيولة والملاءة يقع وفقاً للنصوص التشريعية والتنظيمية على المصارف، وفي هذا السياق تفرض المادة 156 من قانون النقد والتسليف على المصارف أن تراعي في استعمال الأموال التي تتلقاها من الجمهور القواعد التي تؤمن صيانة حقوقه،

وحيث في ضوء ما تقدم، فإنه لا يسع المدعى عليه تبرير عدم إجراء التحويل بشحّ السيولة طالما أن حساب المدعي مليء، وإدلائه هذا يتناقض مع واقع ملاءة هذا الحساب، كما يتناقض مع عرضه التسديد بواسطة شيك مصرفي، فيكون ملزماً بتأدية خدمة التحويل من ضمن الخدمات المصرفية الأخرى التي يقدمها،

7-وحيث فضلاً عن ذلك فإن مقدمة الدستور اللبناني نصت على أن النظام الإقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة، وهذا القانون هو الأسمى في الدولة لا يعلوه أي قانون آخر، بحيث تلتزم به كل القوانين الأدنى مرتبة في الهرم التشريعي، كما إن القوانين اللبنانية تضمن حركة رؤوس الأموال من وإلى لبنان الذي يقوم على التبادل الحر، ولا توجد قيود رسمية على ذلك في أي من القوانين المرعية الإجراء، وهذا يشكل إحدى ركائز الإقتصاد اللبناني،

وحيث يبنى على ما تقدّم أن أي تقييد في حركة رأس المال يشكل مخالفة للقوانين المرعية الإجراء، من هنا، فإن أي تقييد لحق المدعي بتحريك حسابه بحرية مطلقة وبإجراءت تحويلات مالية منه سواء داخلية أم خارجية، يشكل خرقاً للمبادئ الدستورية والقانونية أعلاه لا يجوز تبريره بأي ظرف وبأي ذريعة كانت أو تعميم، عملاً بقاعدة سمو الدستور على النحو المبين، وإن القيود والضوابط على عمليات السحب والتحويل تفترض لإجرائها تشريعاً يبررها، الأمر غير المتحقق حتى الساعة؛ من هنا، فإن القيود والضوابط التي وضعتها جمعية المصارف ومصرف لبنان على بعض العمليات المصرفية هي مخالفة للقانون ولا يمكن التذرع بها ولا يمكن أن تسري على المودع،

وحيث إن المصرف يعرض من جهة أخرى تسليم المدعي شيكاً مصرفياً صادراً عن مصرف لبنان بقيمة المبلغ المطلوب تحويله مدلياً بأنه يشكل وسيلة إيفاء، في حين يرفض المدعي عرضه هذا لأنه لا يفي بالغرض من التحويل إذ لا يمكن صرفه لدى المصارف الأجنبية، ولأنه لا يعتبر وسيلة إيفاء في الظروف الراهنة،

وحيث إن كل طلب أو دفع أو دفاع لا بد من أن يكون مطلوباً من ذي مصلحة في طلبه أو دفعه أو دفاعه،

وحيث إن المصرف يعرض شكاً على اعتبار أن المؤونة موجودة طبعاً، مؤكداً أن الشك يستوي والنقد،

وحيث إن أقوال المصرف تجعله في موقع من يرغب أن يفي المبلغ المطلوب تحويله بدلاً من أن يحوّله ويستوفي عمولته، وهو الأمر المستغرب طالما هو مصرف يقوم بالأعمال المصرفية لقاء أجر، اللّهم إلا إذا كان الشك لا يُصرف، وهذه فرضية يستبعدها المصرف نفسه وتستبعدها المحكمة طبعاً لا سيما وأن عرض الإيفاء على هذا النحو صادر عن مصرف وفي سياق دعوى قضائية،

وحيث إن طلب المدعى عليه لناحية ما تقدم لا يقع عليه بالنفع والإفادة، بل يجعله في موقع أسوأ من التحويل، طالما سيؤدي المال فعلاً كما يقول، ما يعني أن مصلحته متلاشية في ما يطلب، ممّا يوجب رد ذلك وإلزامه بالتحويل المطلوب؛ علماً أن ما يعرضه يدحض أي مبرر ساقه لعدم إنفاذه موجباته تجاه المدعي ولا سيما لناحية الشحّ بالسيولة لأنه إن كان بمقدوره حجز مؤونة الشيك المعروض منه فيكون بمقدوره بطبيعة الحال تحويل هذه المؤونة وفق ما يطلبه هذا الأخير؛ فهما احتمالان اثنان لا ثالث لهما، إمّا أن المؤونة غير موجودة فيكون عرض المصرف غير جدي وغير صحيح، أو إنها متوافرة وليس بالتالي ما يمنع هذا الأخير من تحويلها لصالح عميله بدلاً من حجزها له،

وحيث فضلاً عن ذلك، فإن الشيك الذي يعرضه المصرف المدعى عليه لا يمكّن حامله من التوجه به إلى المصرف المركزي المسحوب عليه لوضعه قيد التحصيل وقبض قيمته، فليس من نص قانوني خاصة في قانون النقد والتسليف يجيز له هذا الأمر، بل يتوجب في هذه الحالة على المدعي إعادة وضع الشيك المذكور في حساب مصرفي لقيد قيمته فيه؛ وأنه كما بات معلوماً من الجميع، فإن المصارف العاملة في لبنان ترفض بأغلبيتها في الآونة الأخيرة فتح حسابات مصرفية جديدة ولا سيما بعملة الدولار الأميركي وبموجب شيكات مصرفية، وإن كان بعضها يقبل بذلك، فهو يحصل ضمن شروط جدّ ضيقة كشرط تجميد الحساب لفترة أقلّها ستة أشهر، الأمر الذي من شأنه أن يدخل المدعي في دوّامة لا تنتهي من القيود على حقه بتحريك أمواله والتصرف بها، والمصرف المدعى عليه على أتمّ العلم بهذا الوضع، من هنا، فإنه وإن كان الشك وسيلة إيفاء لدى الإطلاع ويقوم في كثير من الأحيان مقام النقود، على أن يكون معلقاً على شرط تحصيل قيمة الشيك، إلا أن الشك المصرفي المشطوب الذي يعرض المصرف المدعى عليه الإيفاء به لا يعتبر كذلك، لأن شروط استيفائه الحالية، والمعلومة من الكافة، عبر إعادة حجزه من قبل مصرف آخر على النحو المبين أعلاه، لا تجعله وسيلة إبراء غير محدودة كالنقود إذ يبقى أيضاً للمواطن الحق في ألا يكون زبوناً لأي مصرف، وإلزامه بقبول الشك المصرفي هو اعتداء على هذا الحق وتقييد للحرية وإكراه على التعاقد مع مؤسسة مصرفية، وإلغاءً للحق في الإستغناء عنها وعن غيرها، وإنهاءً لمبدأ حرية التعاقد الذي لا يمكن أن يقوم إلا بحرية المرء أولاً في التعاقد، إضافة إلى أن إعادة فتح حساب مصرفي جديد بموجب الشك المذكور بات بمطلق الأحوال شبه مستحيل على النحو المبين آنفاً،

8-وحيث إن الإيفاء عيناً هو الأصل، وعرض المصرف الإيفاء عرضاً بواسطة شيك مصرفي لا يستقيم ولا يشكل تنفيذاً للموجب ولا يبرئ ذمته تجاه المدعي ولا يلبي طلب الأخير الرامي إلى تحويل مبلغ من المال من حسابه إلى حساب آخر، ولا يضفي الشرعية على موقف المدعى عليه الرافض لإجراء هذا التحويل، علماً أنه يعود للمدعي فقط إختيار العملية المصرفية التي يريد ولا يعود للمصرف إجباره على قبول أي عرض آخر خاصة وأن الشيك المعروض لا يمكن وضعه في التحصيل إلا في المصارف اللبنانية وقد دأبت المصارف اللبنانية مؤخراً على وضع العبارة التالية على الشيكات المصرفية المسحوبة على مصرف لبنان: “To Be Cleared only in Lebanon”، أي أن هذه الشيكات لا يمكن وضعها في التحصيل إلا في المصارف اللبنانية،

9-وحيث يكون المصرف المدعى عليه، وللأسباب المبينة أعلاه، قد خرج عن نطاق حقوقه المشروعة في رفض التحويل المطلوب وتعدّى بالنتيجة بكل وضوح على حق المدعي الواضح والأكيد، مما يبرر تدخل قضاء العجلة لوضع حد لهذا التعدي تفعيلاً لأحكام الفقرة الثانية من المادة 579 أ.م.م.، عبر إلزامه بتحويل مبلغ قدره /100،000/ دولار من حساب هذا الأخير بالدولار الأميركي إلى الحساب المبين أعلاه، وذلك فور تبلغه هذا القرار وتحت طائلة غرامة إكراهية ترى المحكمة تقديرها بثلاثة ملايين ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير في التنفيذ،

وحيث إن المحكمة لا ترى من جهة أخرى وجود عجلة وضرورة تستوجب إصدار القرار بصيغة النافذ على أصله مما يقضي برد طلب المدعي لهذه الناحية لانتفاء مبرر إجابته،

وحيث بعد النتيجة التي آلت اليها المحاكمة يبقى رد سائر الأسباب الزائدة أو المخالفة إما لعدم الجدوى، أو لكونها لقيت في ما سبق تبيانه الردّ الضمني، بما في ذلك البحث في مدى انطباق أحكام "الإتفاقية الدولية بين الجمهورية اللبنانية وجمهورية ألمانيا الإتحادية حول تنشيط وحماية الإستثمارات المتبادلة" تاريخ 28/3/1997 على الدعوى الراهنة طالما أنه قضي بحق المدعي بالتحويل وبإلزام المدعى عليه به سنداً إلى الأحكام المبينة آنفاً، وكذلك البحث في الطلب الإستطرادي أي السلفة الوقتية في ضوء إجابة الطلب الأصلي، وطلب تحويل الفائدة عن المبلغ المقرر تحويله لعدم القانونية وطلب حفظ حقوق المدعي لأي جهة كانت لأن الحقوق إن وجدت تحفظ بقوة القانون،

لذلك،

يقرر:

1- إلزام المدعى عليه بنك بيروت ش.م.ل. فرع الأشرفية- السيوفي بتحويل مبلغ قدره /100،000/ د.أ. (مائة ألف دولار أميركي) من حساب المدعي السيد ك.ش. /1140670064000-USD LB09007500000001140670064000/ إلى الحساب رقم /898080436958/ في مصرف BANK OF AMERICA التالية بياناته:

Bank SWIFT Code: BOFAUS3NXXX

Bank Name and Address: BANK OF AMERICA, 100 WEST 33RD

STREET, NEWYORK, NY, UNITED STATES

Beneficiary Account Number: 898080436958

Rounting number: 026009593

Beneficiary Name: C. S.

وذلك فوراً وتحت طائلة غرامة إكراهية قدرها ثلاثة ملايين ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير في التنفيذ.

2- رد سائر الأسباب والمطالب الزائدة أو المخالفة.

3- تضمين المدعى عليه الرسوم والنفقات القانونية.

قراراً معجّل التنفيذ صدر وأفهم علناً في بيروت بتاريخ 17/12/2021.

*   *   *