جريمة شهادة الزور هي إحدى أخطر الجرائم الواردة في باب الجرائم المخلّة بالإدارة القضائية، وتحديداً في فصل الجرائم المخلّة بسير القضاء من قانون العقوبات اللبناني.
فلقد عرّفت المادة 408 من قانون العقوبات اللبناني جريمة شهادة الزور كالآتي:
"من شهِد امام سلطة قضائية او قضاء عسكري او إداري فجزم بالباطل أو أنكر الحق او كل ما يعرفه من وقائع القضية التي يُسأل عنها، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر الى ثلاث سنوات".
"إذا أديت شهادة الزور في اثناء تحقيق جنائي او محاكمة جنائية قضي بالأشغال الشاقة عشر سنوات على الاكثر.
"وإذا نجم عن الشهادة الكاذبة حكم بالإعدام أو بعقوبة مؤبدة، فلا تنقص الاشغال الشاقة عن عشر سنوات، ويمكن ابلاغها خمسة عشر سنة".
"إذا كان المجرم قد استُمع دون ان يحلف اليمين خفض نصف العقوبة".
إلى ذلك نصت المواد 409 و410 و411 من القانون عينه على حالات يعفى خلالها الشاهد من العقوبة او يصار الى تخفيض نصف العقوبة، بحيث تتم ملاحقته جزائياً بجرم شهادة الزور، وإنما يعفى من العقوبة.
فالمادة 409/عقوبات تعفي من العقوبة الشاهد الذي أدى الشهادة في اثناء تحقيق جزائي إذا رجع عن الإفادة الكاذبة قبل أن يختم التحقيق ويقدم بحقه إخبار.
وكذلك الشاهد الذي شهـد في أية محاكمة، اذا رجع عن قوله قبل اي حكم في اساس الدعوى ولو غير مبرم.
أما المادة 410/عقوبات فتعفي من العقوبة الشاهد الذي يتعرض حتماً إذا قال الحقيقة لخطر جسيم له مساس بالحرية او الشرف أو يعرّض له زوجه ولو طالقاً او احد اصوله او فروعه او أخوته أو أخواته أو اصهاره من الدرجات نفسها.
وكذلك الشخص الذي أفضى امام القاضي بإسمه وكنيته وصفته ولم يكن من الواجب استماعه كشاهد أو كان من الواجب ان ينبّه إلى ان له ان يمتنع عن أداء الشهادة اذا شاء.
أما اذا عرّضت شهادة الزور شخصاً آخر لملاحقة قانونية او لحكم، خفضت العقوبة من النصف الى الثلثين.
إلى ذلك خفضت المادة 411/عقوبات نصف العقوبة عن الشخص الذي أديت شهادة الزور بتحريض منه اذا كان الشاهد يعرضه حتماً لو قال الحقيقة او يعرض احد اقربائه لخطر جسيم كالذي اوضحته الفقرة الاولى من المادة السابقة.
* عناصر جريمة شهادة الزور:
وفقاً لأحكام قانون العقوبات اللبناني فإن العناصر القانونية لجريمة شهادة الزور هي:
- الشهادة أمام القضاء.
- ثبوت الكذب في هذه الشهادة ما يؤدي الى تغيير في الحقيقة.
- حدوث ضرر أكيد او محتمل.
- القصد الجرمي.
- إذاً، الشهادة يجب أن تؤدّى امام سلطة قضائية في اية دعوى عالقة امام القضاء، على ان يكون الشاهد قد جرى استدعاؤه فيها بقرار من المرجع القضائي بناءً لطلب احد الفرقاء في الدعوى.
أما بشأن وجوب حلف الشاهد اليمين القانونية عند الادلاء بشهادته امام القضاء، فهو ما نصت عليه المادة 87 من قانون اصول المحاكمات الجزائية امام قاضي التحقيق، والمادة 181 منه امام القاضي المنفرد الجزائي، وكذلك المادتين 248 و255 من القانون عينه امام محكمة الجنايات. فكل هذه المواد تتناول اجراءات الادلاء بالشهادة امام كل من المراجع القضائية المذكورة.
وقد يحصل سهواً أن تؤدى الشهادة الكاذبة امام القضاء دون حلف اليمين القانونية، أو ربما تظهر عقبات قانونية تحول دون تحليف الشاهد اليمين القانونية، فتكون الجريمة متحققــــــــــــــــة، وإنما يصار الى تخفيض العقوبة الى النصف وفق أحكام الفقرة الاخيرة من المادة 408 من قانون العقوبات اللبناني، في حين ان القانون الفرنسي يشترط لتحقق جريمة شهادة الزور، حلف اليمين القانونية.
- أما فيما يتعلق بعنصر ثبوت الكذب في الشهادة ومجافاة الحقيقة والواقع، فإنه يعود لتقدير القاضي الجزائي المرفوعة امامه دعوى شهادة الزور اثبات هذا الامر، وهو غير مقيد برأي المرجـــــــــــــــــــــــع القضائي الذي أديت الشهادة امامه لدى بحثه في مدى صحة او كذب شهادة
الشاهد، بحيث يمكن ان يكون تقديره لتلك الشهادة مخالفاً لرأي هذا المرجع، والقول خلاف ذلك من شأنه تعطيل مبدأ معاقبة شهود الزور اذا لم يتم اكتشاف جريمتهم قبل الفصل في الدعوى التي جرى فيها أداء الشهادة.
- ان عنصر الضرر الحاصل، او المحتمل، هو احد عناصر هذه الجريمة، بحيث لا يشترط المعاقبة على شهادة الزور ان يكون الضرر قد تحقق فعلاً، وانما يكفي ان يكون محتملاً، إذ بمجرد ثبوت انه كان من المحتمل ان تؤثر هذه الشهادة الكاذبة على القرار القضائي، يتحقق عنصر الضرر.
- يبقى العنصر الاخير ألا وهو القصد الجرمي.
فشهادة الزور تعتبر من الجرائم العمديّة، وبالتالي يجب ان يتوافر فيها القصد الجرمي.
فالقانون اللبناني لا يعاقب الشاهد في حال أخطأ، بل يعاقبه اذا كذب بإرادة فاعلة، كما ويعتبر القصد الجرمي متحققاً متى تعمّد الشاهد تحوير الحقيقة بهدف تضليل القضاء. وربما قد يكون عامل الافادة المادية او عامل الإضرار بالمتهم ما دفعه بأن يشهد زوراً خلافاً للحقيقة.
* إجراءات الملاحقة الجزائية في جريمة شهادة الزور:
أورد قانون اصول المحاكمات الجزائية احكاماً تعنى بإجراءات الملاحقة الجزائية بحق الشاهد الذي يدلي امام القضاء بإفادة كاذبة، إن في مرحلة التحقيق او في مرحلة المحاكمة.
ففي مرحلة التحقيق امام قاضي التحقيق نصت المادة 89 من قانون اصول المحاكمات الجزائية على انه:
"اذا جزم الشاهد بالباطل او انكر الحقيقة او كتم بعض او كل ما يعرفه من وقائع القضية التي يسأل عنها فيحيل قاضي التحقيق المحضر الذي دوّنت فيه افادتــــــــه الى النيابة العامة الاستئنافية لتلاحقه بجريمة شهادة الزور المنصوص عليها في المادة 408 من قانون العقوبات".
أما في المرحلة التي تلي التحقيق، اي مرحلة المحاكمة، فاستناداً إلى احكام المادة 188 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، اذا تبين للقاضي ان الشاهد يدلي بإفادة كاذبة، فيكلف قوى الامن بوضعه في نظارة المخفر ويضع تقريراً يرفعه الى النائب العام في هذا الشأن ويشير فيه الى وضع الشاهد في النظارة. وللنائب العام ان يلاحق هذا الشاهد بجرم شهادة الزور وفقاً للأصول.
وهنا يعود استنسابياً للقاضي ان يقرر إما استئخار البت في ملف القضية لحين الفصل في دعوى شهادة الزور، او إهمال هذه الشهادة بما له من حق تقدير مطلق للأدلة، وبالتالي متابعة الدعوى العالقة لديه بصرف النظر عن نتيجة دعوى شهادة الزور.
اما امام محكمة الجنايات، فوفق احكام المادة 261 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، اذا ظهر تباين او تغيير بين شهادة الشاهد وبين اقواله في التحقيق الأولي او الابتدائي فيأمر الرئيس كاتب المحكمة بتدوين ذلك. ولكل من المدعي الشخصي وممثل النيابة العامة والمتهم ان يطلب تدوين ذلك التباين او التغيير في محضر المحاكمة.
واذا كان هذا التباين او التغيير في افادة الشاهد يحمل على الاعتقاد ان الشاهد كاذب في افادته، فلرئيس المحكمة ان يأمر، تلقائياً او بناءً على طلب من سبق ذكرهم، بتوقيفه.
يتولى ممثل النيابة العامة الادعاء عليه بشهادة الزور. ويتم اثبات هذا الادعاء في محضر المحاكمة. وعلى الاثر يقوم رئيس المحكمة او من ينتدبه من مستشاريها بالتحقيق مع الشاهد في جريمة شهادة الزور المدعى عليه بها دون ان يبدي رأيه في التحقيق الذي أجراه، فيختم التحقيق ويحيله على النيابة العامة لإبداء مطالعتها، ومن ثم ترفع الملف الى الهيئة الاتهامية. ولهذه الهيئة أن تصدر القرار في شأن الاتهام او عدمه، وقرارها يقبل النقض. فإذا قررت اتهام الشاهد بجناية شهادة الزور فتفصل المحكمة فيها قبل او مع الدعوى الاصلية.
الى ذلك ووفق احكام المادة 262 اصول جزائية، وعند الادعاء بشهادة الزور على الوجه المبين اعلاه، يكون لكل من ممثل النيابة العامة والمدعي الشخصي والمتهــــــــــــــــم ان يطلب ارجاء الجلسة في الدعوى الاصلية الى حين الفصل في دعوى شهادة الزور. تبت المحكمة في الطلب، كما يعود لها ان تقرر ذلك من تلقاء نفسها.
وفي حال لم يتم اكتشاف كذب الشهادة المدلى بها امام القضاء الا بعد صدور الحكم النهائي، تبقى الملاحقة جائزة امام القضاء الجزائي المختص.
واستناداً إلى احكام الفقرة (ج) من المادة 328 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، اذا حكم على شخص بحكم مبرم بالاستناد الى شهادة شخص آخر ثبت فيما بعد انها كاذبة، فإنه يجوز للمحكوم عليه استناداً إلى هذا الحكم طلب اعادة المحاكمة.
صفوة القول، ان جريمة شهادة الزور هي جريمة قائمة بذاتها. جريمة من شأنها الإخلال بحسن سير العدالة. فشهادة الزور، وإن لم تؤتي أُكلها، فهي حتماً تؤدي الى تضليل القضاء. (تحميل النسخة الكاملة)

