• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

حساب "صندوق مساعدات المستأجرين" ومفاعيل المادة /58/ من القانون التعديلي 2/2017 بين الواقع القانوني الصحيح والتفسير المغلوط

1- مقدّمة موجزة:

صدر قانون الإيجارات الجديد بتاريخ 9/5/2014 وأصبح نافذاً وواجب التنفيذ اعتباراً من 28/12/2014. وتمّ تعديله بموجب القانون النافذ حكماً رقم 2/2017 تاريخ 28/2/2017 الذي دخل بدوره حيّز التنفيذ بتاريخ 28/2/2017 (أيّ منذ تاريخ نشره في الجريدة الرسميّة وفق ما نصّت عليه المادة /60/ منه). وقد تضمّن قانون الإيجارات الجديد شيئاً جديداً لم نعهده في القوانين الاستثنائيّة السابقة وهو إنشاء "صندوق" لمساعدة المستأجرين الذين اعتبرهم المشرّع من الفئات غير المقتدرة وغير الميسورة التي يجب مساعدتها من قبل الدولة على تسديد الزيادات على بدلات الإيجار المقرّرة بموجب هذا القانون. ولأوّل مرّة منذ ما يُقارب السبعين عاماً من القوانين الاستثنائيّة المتعاقبة نجد أنّ المشرّع أدخل الدولة كشخص ثالث في العلاقة بين المالك والمستأجر ولم يكتف فقط بـ"تنظيم" العلاقة بينهما جبراً والتحكّم بمفاصلها عن طريق تمديد قسري للعقود والتدخّل بتحديد البدلات خلافاً لقاعدة "العقد شريعة المتعاقدين".

2- الفوارق بين النصّ الأصلي لقانون الإيجارات والنصّ التعديلي لناحية "الصندوق":

نصّ القانون الجديد في مادته الثالثة على إنشاء "الصندوق". وهو ليس مؤسّسة لها جهاز إداري ومالي ومستقلّة بذاتها، إنّما هو فقط حساب في موازنة وزارة الماليّة، نصّت المادة /5/ على طريقة تمويله على أن تكون بشكل أساسي ورئيسي من مساهمات سنويّة من الدولة تُلحظ في موازنة وزارة الماليّة لتغطية التزاماته. وبموجب المادة /6/ من القانون تخضع إدارة الأموال فيه بما في ذلك أصول الإنفاق والجباية لنظام مالي خاص يصدّق بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الماليّة.

وبالمقارنة بين نصوص المواد التي تنظّم "الصندوق" فيما بين القانونين الأساسي الصادر في 9/5/2014 والتعديلي 2/2017 تاريخ 28/2/2017 نرى بأنّ المشرّع عدّل البعض منها. وأهمّ المسائل التي تناولها التعديل فيما يتعلّق بهذه الأحكام، هي الآتية:

  • تعديل التسمية: فيما كانت المادة /3/ قبل التعديل تنصّ على "صندوق خاص للإيجارات السكنيّة"، جاءت المادة المعدّلة لتقول "حساب مدين للإيجارات السكنيّة" ويحتوي هذا التعديل توضيحاً من المشرّع وتأكيداً على أن "الصندوق" هو حساب في وزارة المال باعتبار أنّ البعض اعتقد عن خطأ أنّه إدارة مستقلّة. فقد أراد المشرّع باعتماد عبارة "حساب مدين" بتّ الموضوع وحسم الجدل حول هذه النقطة منعاً لأيّ التباس أو تأويل أو تفسير معاكس لإرادته.
  • توسيع مروحة المستفيدين من الحساب: فيما كانت المادة /3/ قبل التعديل تنصّ على أنّ الصندوق يهدف "إلى مساعدة جميع المستأجرين ... الذين لا يتجاوز معدّل دخلهم الشهري العائلي ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور، نصّت المادة /3/ بعد تعديلها توسيع الفئة من المستأجرين التي تستفيد من تقديماته ومساهماته لتشمل "الذين لا يتجاوز معدّل دخلهم الشهري العائلي خمسة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور".
  • وضع مدّة زمنيّة لإنشاء الصندوق: نصّت المادة /3/ أيضاً على أنّ يتم إنشاء الصندوق خلال أربعة أشهر من تاريخ نشر القانون 2/2017 ونجد بأنّ النصّ الأصلي لهذه المادة في القانون الأساسي الصادر في 9/5/2014 يخلو من هذه العبارة. ولهذه العبارة معنى من الناحية القانونيّة وفقاً لما سوف نفصّله أدناه.

3- وجوب التفريق بين إنشاء "الصندوق" من جهة وبين وضعه قيد التنفيذ من جهة ثانية:

يجب التفريق بين إنشاء "الصندوق" لناحية كونه حساباً في موازنة وزارة الماليّة، وبين وضع هذا "الصندوق" موضع التنفيذ أي بدء عمله من الناحية الفعليّة والعمليّة. وللأسف خلط البعض بين هاتين الفكرتين ما أدّى إلى بروز بعد الآراء المغلوطة وغير الصحيحة من الناحية القانونيّة وحتّى المنطقيّة.

أ- فإنّ إنشاء "الصندوق" وفقاً لماهيّته أيّ وفقاً لكونه حساباً ماليّاًcompte financier  يكون بطبيعة الحال بتمويله أي برصد الأموال له في موازنة وزارة الماليّة ووضعها في البند المخصّص لهذا الحساب. وبالفعل بدأت الدولة برصد الأموال للصندوق وفقاً للجدول الآتي:

العام

المبلغ المرصود

(ل.ل.)

السند القانوني

رقمه وتاريخه

المرجع في الجريدة الرسميّة

2017

30 مليار

قانون الموازنة للعام 2017

66/2017

تاريخ 3/11/2017

عام 2017 ملحق العدد /52/ تاريخ 7/11/2017 ص. /1/

2018

100 مليار

و132 مليون

قانون الموازنة للعام 2018

79/2018

تاريخ 18/4/2018

عام 2018 ملحق العدد /18/ تاريخ 18/4/2018 ص. /1/

2019

30 مليار

قانون الموازنة للعام 2019

144/2019

تاريخ 31/7/2019

عام 2019 ملحق العدد /36/ تاريخ 31/7/2019 ص. /2/

2020

30 مليار

قانون الموازنة للعام 2020

6/2020

تاريخ 5/3/2020

عام 2020 ملحق العدد /10/ تاريخ 5/3/2020 ص. /1/

2021

(50 مليار)

مشروع قانون الموازنة للعام 2021 (لم يُقرّ)

-

-

2022

25 مليار

قانون الموازنة للعام 2022

النافذ حكماً رقم 10/2022

تاريخ 15/11/2022

عام 2022 العدد /49/ تاريخ 15/11/2022 ص. /2769/

215 مليار و100 مليون ل.ل.

المجموع

(بدون الاعتماد المخصّص في مشروع موازنة العام 2021 لأنّ الموازنة في هذا العام لم تقرّ)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هذا الأمر يدلّ على أنّ الدولة أنشأت حساب صندوق دعم المستأجرين بتاريخ وضع أوّل مبلغ تمّ رصده لهذه الغاية في قانون الموازنة لعام 2017. أيّ أنّه من الناحية القانونيّة فإنّ إنشاء الحساب كان بتاريخ 7/11/2017 تاريخ نشر قانون الموازنة العامة والموزانات الملحقة للعام 2017 في الجريدة الرسميّة وتاريخ النشر هو تاريخ العمل به وفقاً لأحكام المادة /66/ منه.

ب- أمّا لناحية وضع "الصندوق" قيد التنفيذ، فقد نصّت المادة /6/ من قانون الإيجارات الجديد على أنّه " تخضع إدارة اموال هذا الصندوق بما في ذلك أصول الإنفاق والجباية لنظام مالي يصدّق بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الماليّة".

يُستفاد من هذه الأحكام أنّه طالما أنّ المشرّع أقرّ بنصّ قانوني وجوب صدور النظام المالي للصندوق وذلك بمرسوم عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الماليّة، تخضع له إدارة الأموال فيه بما في ذلك أصول الإنفاق والجباية، وبالتالي يكون وضع حساب "صندوق مساعدات المستأجرين" قيد التنفيذ منذ تاريخ صدور ونشر مرسوم النظام المالي. وبالفعل، وبتاريخ 1/10/2019 صدر المرسوم رقم 5700/2019 وتمّ نشره في الجريدة الرسميّة للعام 2019 العدد /46/ تاريخ 3/10/2019 ص. /3387/. ونصّ هذا المرسوم على تحديد الآليّة التي سوف تعتمدها وزارة الماليّة لدفع الأموال من حساب "صندوق مساعدات المستأجرين". فيكون هذا الصندوق قد دخل فعلاً إلى حيّز الوجود من الناحية القانونيّة بتاريخ نشر المرسوم 5700/2019 في الجريدة الرسميّة أي في 3/10/2019.

ج- ومن جهة أخرى، وفيما يتعلّق بمهلة الـ4 أشهر المنصوص عنها في المادة /3/ من القانون الجديد، فإنّ المشرّع أعطاها للحكومة على سبيل الحثّ أو التحفيز un délai de motivation ليس إلاّ طالما أنّ الحكومة لم تعمد إلى إنشاء الصندوق منذ صدور القانون الأساسي في العام 2014، وهذا النوع من المهل لا قيمة له من الناحية القانونّية ولا ينتج أيّة مفاعيل خصوصاً أنّ المشرّع نفسه لم يُعطها أيّة صفة إلزاميّة ولم ينصّ على أيّة مفاعيل تنتج عن مخالفتها، وبالتالي فإنّ هذه المهلة تختلف عن مهل الإسقاط ومهل مرور الزمن وأنّ عدم إتمام العمل خلالها ليس من شأنه أن يُعيب العمل الذي أنجز بعد انقضائها. وفي هذا الإطار سارع البعض، عن خطأ أيضاً، فاعتبروا أنّه بانقضاء هذه المهلة لم يعُد باستطاعة مجلس الوزراء إصدار مرسوم النظام المالي لحساب الصندوق طالما لم تتقيّد الحكومة بمهلة الـ4 أشهر لإصداره... وحاكوا على هذه المغالطة نظريات وهميّة لا أساس لها من الصحّة.

4- مفاعيل المادة /58/ من القانون التعديلي 2/2017:

أما فيما يتعلّق بالمادة /58/ من القانون التعديلي رقم 2/2017، وقبل تبيان ومدى مفاعيلها خصوصاً بعد تمويل حساب "صندوق مساعدات المستأجرين" وصدور مرسوم نظامه المالي، لا بدّ لنا من أن نضع في الحسبان وأن نأخذ بعين الاعتبار السياق العام والظروف العمليّة التي دفعت المشرّع إلى تضمين القانون التعديلي 2/2017 هكذا نصّ.

نصّت المادة /58/ من القانون التعديلي على أنّه "خلافاً لأيّ نصّ مُخالف، يُعلّق تطبيق أحكام مواد هذا القانون المتّصلة بالحساب المساعدات والتقديمات، كما المراجعات القضائيّة في الأساس أو التنفيذ أو الأحكام التي سبق وأن صدرت والتي تؤدّي إلى تحديد بدل إيجار أو إخلاء المستأجر المعني بتقديمات الصندوق المذكور إلى حين دخوله حيز التنفيذ."

بدايةً، لا بدّ لنا من الإشارة إلى أنّه، وبالنسبة لظروف صدور هذا النصّ وسياقه وتضمينه في القانون التعديلي، يجب أن نعلم أنّ القانون الجديد صدر في 9/5/2014 وأصبح نافذاً اعتباراً من 28/12/2014، بينما تعديل قانون الإيجارات كان في 28/2/2017 أيّ أنّه انقضى بين صدور القانون الأساسي ونفاذه وبين تعديله مدّة سنتين وشهرين. وبالعودة إلى نصّ المادة /3/ من القانون التعديلي نجد أنّ المشرّع وضع مهلة معيّنة لإنشاء الصندوق (ولو كانت على سبيل الحثّ) وهي 4 أشهر، وبالتالي فإنّ المشرّع أراد أن يكون مفعول التعليق عملاً بأحكام المادة /58/ قصيراً جدّاً.

من جهة ثانية، لا بدّ لنا أن نتوقّف قليلاً أمام كلمة "تعليق" التي استعملها المشرّع وهي بمعنى وقف الإجراءات التي حدّدتها المادة /58/ suspension وليس انقطاعها interruption، وهذا يعني تجميد سريانها لغاية زوال المانع (وفي حالتنا لغاية دخول "الصندوق" حيّز التنفيذ") وبالتالي عند زوال هذا المانع يجب متابعتها والسير بها من جديد من النقطة التي وصلت إليها.

ومن جهة ثالثة، وبمعرض التفسير الصحيح لأحكام المادة /58/ يكون المشرّع قد ربط التعليق بدخول "الصندوق" حيّز التنفيذ وليس بإنشائه، وقد أوضحنا أعلاه ضرورة التفريق وعدم الخلط بين هذين المفهومين. وهذا التفريق له دلالات عديدة مرتبطة بتطبيق المادة /58/ وتفسيرها.

وبالتالي يكون نصّ المادة /58/ واضحاً وصريحاً لناحية "تعليق تطبيق أحكام المواد المتعلّقة بالصندوق والدعاوى القضائيّة التي يكون موضوعها تحديد بدل المثل أو إخلاء المستأجر المعني بتقديمات الصندوق وإجراءات التنفيذ والأحكام التي سبق أن صدرت"، ويكون هذا التعليق لحين دخول "الصندوق" حيّز التنفيذ أيّ أنّه حينئذ ينتهي مفعول التعليق ويُصبح بالإمكان استكمال إجراءات الدعاوى والتنفيذ والسير بها. إنّما الخطأ الذي وقع به البعض يتعلّق بتفسير عبارة "إلى حين دخوله حيّز التنفيذ" وهذه العبارة تُشير بما لا شكّ فيه إلى دخول "الصندوق" حيّز التنفيذ من الناحية القانونيّة البحتة ولا ترتبط بإجراءات وآليّة عمل الصندوق من الناحية اللوجستيّة إذا جاز التعبير. وبالفعل، وكما ذكرنا أعلاه، فإنّه من الناحية القانونيّة، وكون "صندوق مساعدات المستأجرين" هو حساب مالي فإنّ إنشاءه يكون برصد الاعتمادات والأموال من خلال موازنة وزارة الماليّة وهذا ما حدث فعلاً كما بيّناه أعلاه. أمّا وضع "الصندوق" موضع التنفيذ من الناحية القانونيّة يكون بصدور مرسوم نظامه المالي الذي صدر فعلاً بموجب المرسوم 5700/2019 تاريخ 1/10/2019.

هذا يدفعنا إلى الجزم بأنّه، وبصدور المرسوم رقم 5700/2019 تكون الحاجة لإعمال المادة /58/ قد انتفت والمانع الذي يُبرّر تعليق تطبيق أحكام مواد قانون الإيجارات المتّصلة بحساب المساعدات والتقديمات، كما المراجعات القضائيّة في الأساس أو التنفيذ أو الأحكام التي سبق وأن صدرت والتي تؤدّي إلى تحديد بدل إيجار أو إخلاء المستأجر المعني بتقديمات الصندوق، قد زال، وأصبحت هذه المادة بدون أيّة قيمة من الناحية القانونيّة وليس لها أيّة مفاعيل على الإطلاق وأضحت بحكم الملغاة. ما يعني ضرورة متابعة جميع الدعاوى والإجراءات القانونيّة والقضائيّة التي توقّفت من النقطة التي وصلت إليها أيّ منذ نشر المرسوم 5700/2019 في الجريدة الرسميّة أيّ منذ 3/10/2019.

5- الخاتمة:

إنّ النصوص القانونيّة ليست ولا يمكن أن تكون "وجهة نظر"، ولا يُمكن تفسيرها وفقاً للأهواء والتمنّيات الشخصيّة والأنانيّات الذاتيّة، إنّما هي قواعد موضوعيّة يضعها المشرّع لتنظيم العلاقات بين الناس ويجب أن تكون قواعد تفسيرها خاضعة لقيم الاخلاق والاستقامة أوّلاً وللمنطق القانونيّ ثانياً ولقواعد التفسير التي أرسى أسسها الفقه والاجتهاد على مدى العصور والتي تقتضي بأنّ يجب إعمال النصّ القانوني لا إهماله بمعنى أن يكون التفسير بما يُنتج للنصّ مفاعيله العمليّة وحدوده المنطقيّة من الناحية القانونيّة وأن يخدم الهدف والغاية التي وضعه المشرّع لأجلها لا بهدف تعطيله أو عرقلة تنفيذه.

PDFالملف المرفقملف PDF · 265 ك.بتحميل ↓