• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

اختصاص المحقق العدلي بقضية تفجير المرفأ المطلوب رده في البت بطلبات اخلاء السبيل: اقتراح بسيط لمسألة معقدة

ما زالت طلبات اخلاء السبيل العالقة امام المحقق العدلي بقضية تفجير المرفأ طارق البيطار بدون بت، بذريعة غير قانونية مفادها ان القاضي المطلوب رده لا يمكنه البت بها.

هذا الرأي القانوني مدحوض بمنطوق المادة 125 أ.م.م  للأسباب المذكورة ادناه؛ يضاف اليها سبب آخر مرتبط ارتباطا وثيقا بحقوق الانسان.

السبب الاول: عدم شمول طلبات اخلاء السبيل بالتوقف عن متابعة النظر في القضية

تنص المادة 125 أ.م.م في صدرها انه " منذ تبلغ القاضي المطلوب رده طلب الرد عليه ان يتوقف عن متابعة النظر في القضية الى ان يفصل في الطلب".

بالمفهوم القانوني الصرف، " متابعة النظر في القضية " تعني متابعة السير بالدعوى، اي هنا في وضع المحقق العدلي متابعة النظر بالتحقيق، بدون ان يشمل ذلك البت بطلبات اخلاء السبيل غير المشمولة بـ " متابعة النظر في القضية ". فالقاضي يبت بها بالنظر الى ماهية الجرم ومدة التوقيف، وليس النظر الى موضوع التحقيق بذاته. وماهية الجرم محددة في ادعاء النيابة العامة التمييزية الذي تمت بموجبه احالة الملف امام المجلس العدلي حيث يتولى المحقق العدلي طارق البيطار التحقيق بالقضية تمهيدا لإصدار قراره الاتهامي الذي تحال بموجبه القضية الى المجلس العدلي لمحاكمة المتهمين امامه. وبالتالي فالبت بقرارات اخلاء السبيل لا يمس بوظيفة المحقق العدلي الجوهرية ( او الموضوعية ) والمتمثلة بأمرين:

1 – اجراء التحقيقات اللازمة.

2 – اصدار القرار الاتهامي بناء على التحقيقات المجراة منه.

فلا شأن اذا لمسألة البت بطلبات اخلاء السبيل التي لا تشكل على الاطلاق " متابعة النظر في القضية "، لان النظر في القضية المطروحة امام المحقق العدلي طارق البيطار محصور بالنقطتين اعلاه: التحقيق ثم اصدار القرار الاتهامي.

ب ـ السبب الثاني: نص المادة 125 أ.م.م ذاته يتضمن تلطيفا لمسألة التوقف عن متابعة النظر في القضية

ان نص المادة 125 أ.م.م ذاته يتضمن في عجزه تلطيفا لمسألة التوقف عن متابعة النظر في القضية الى ان يفصل بالطلب، فيجيز " للمحكمة التي تنظر في طلب الرد في حال وجود ضرورة ان تقرر السير في المحاكمة دون ان يشترك فيها القاضي المطلوب رده ".

ان هذا التلطيف Atténuation لحدة النص - الذي يجيز للمحكمة في حال وجود ضرورة، ان تقرر السير في المحاكمة دون ان يشترك فيها القاضي المطلوب رده - يعني أمرين:

الامر الاول: وجوب الاخذ بحالة الضرورة، والبت بطلبات اخلاء سبيل الموقوفين الذين مضى على توقيفهم فترة طويلة، نظرا لكون هذا الامر يشكل " ضرورة ملحة "، خصوصا وان المحقق العدلي هنا لا يسير باي اجراء من اجراءات التحقيق ولا يصدر اي قرار في موضوع الدعوى المحالة أمامه، بل يكتفي بوجود "حالة الضرورة" الملطفة لحدة النص، لحل موضوع انساني اكثر مما هو قضائي.

الامر الثاني:  اذا كان " صعبا " على المحقق العدلي ان يبت بطلبات اخلاء السبيل من تلقاء ذاته، فليس ما يمنع المحكمة الناظرة بطلب الرد ان تقرر ذلك هي ، بالرغم من وجود طلب رد ضدها، لان حالة الضرورة التي تبيح للمحقق العدلي البت بطلبات اخلاء السبيل، هي ذاتها تبيح للمحكمة الناظرة بطلب رده ( ولو كانت هي ذاتها موضوع طلب رد ) ان تقرر نظرا لوجود حالة الضرورة، البت بطلبات اخلاء السبيل مباشرة من قبلها.

ج ـ السبب الثالث: احترام قاعدة تسلسل القواعد ( المادة 2 أ.م.م )

ان عدم البت بطلبات اخلاء السبيل بذريعة وجوب طلب رد ضد المحقق العدلي طارق البيطار، يخالف مبدأ عاما متعلقا بحقوق الانسان هو مبدأ حرية الانسان، الذي يشكل التوقيف الاحتياطي خرقا له. فالتوقيف امام المحقق العدلي، مهما كانت ماهية الجرم ( او طبيعته ) ليس سوى تدبيرا احتياطيا ( تحفظيا )، لكنه يتحول الى " اعتقال " وحجز حرية اذا طال أمده ولم يبت بطلبات اخلاء السبيل لأسباب عائدة الى " عرقلات سياسية " معروفة الهدف والمصدر.

وبالتالي، فنحن امام تنازع بين مبدأ قانوني ونص تشريعي: مبدأ الحرية الشخصية الذي يمس به التوقيف لفترة طويلة اذ يتحول الى " اعتقال " ويشكل مسّا بحق الانسان في العيش بحرية، وبين نص تشريعي شكلي " غير حاد " يغل يد القاضي عن متابعة النظر في النزاع، اي في متابعة التحقيق واصدار القرار الاتهامي، كما اسلفنا، دون ان يصل الى حد منعه من البت بطلبات اخلاء السبيل.

فمهما كان التفسير المعطى لهذا النص " غير الحاد " والمتضمن في متنه تلطيفا عند توافر حالة الضرورة، فانه لا يمكننا ان نغلبّه على المبدأ العام، إعمالا لقاعدة الهرمية في تسلسل القواعد القانونية المنصوص عنها في المادة 2 أ.م.م، خصوصا اذا كان المبدأ المذكور ناهضا من المبادئ العامة الانسانية التي تسمو على النصوص التشريعية.

د ـ آلية البت بطلبات اخلاء السبيل

هنا يمكننا اعتماد احدى الآليتين الاثنتين:

فإما ان يضع قاضي التحقيق العدلي المطلوب رده طارق البيطار يده على طلبات اخلاء السبيل بصورة مباشرة ويبت بها وفقا لما بيّناه أعلاه،

واما ان تقرر المحكمة الواضعة يدها على طلب الرد ( ولو كانت هي ذاتها موضوع طلب رد ) ونظرا للضرورة الملحة، البت بالطلبات المذكورة.

في الخلاصة، نقول ان العلم القانوني ليس علما مغلقا، بل على العكس هو علم منفتح، ويجب ان تكون " العقول القانونية " خلاّقة وليست اسيرة تفسيرات خاطئة للنصوص التشريعية ؛ تلك النصوص التي يجب ان تفسر في الاتجاه الذي يؤمن حقوق الانسان وليس في الاتجاه المعاكس! نحن رجال القانون لسنا " خداما " للنصوص التشريعية، او أسرى لها، والاّ تحولنا الى ادوات تطبيق للقانون ونحن لسنا كذلك ! فبدلا من البحث عن بدائل غير قانونية مثل " اختلاق " مؤسسة " محقق عدلي رديف " او سواها من الهرتقات القانونية، فلنتطيّع النصوص التشريعية لجعلها اكثر انطباقا على العدالة وحقوق الانسان. اليس الانسان هو الهدف الاساس للنص التشريعي ؟

دون ان ننسى ان جلاء الحقيقة في جريمة تفجير المرفأ ومعاقبة المجرمين هو الهدف الاساسي من التحقيق العدلي ؛ فمهما حاول شذاذ الافاق عرقلة التحقيق، لن ندعهم يحققون مآربهم الدنيئة، وجعل قضية الموقوفين شعارا كاذبا يحاولون من خلاله " تدمير التحقيق ".

وتبقى العقول القانونية الخلاّقة هي الحل، وسط المأزق الذي نحن فيه.   

PDFالملف المرفقملف PDF · 322 ك.بتحميل ↓