مقدمة: اشتكى الانكليز في خضم معارك الحرب العالمية الثانية من أحوال بلدهم، الخراب يعم كل بريطانيا، وتراجع اقتصادي وتفشي للرشوة... ليبادر تشرشل ويسأل عن القضاء وبُعدِه عن الفساد والرشوة، وعند حصوله على جواب يؤكد أنه بخير قال جملته الشهيرة "اذن لا تقلقوا على بريطانيا فهي بخير".
كل تداعيات سقوط الدولة في لبنان تؤكد أن القضاء ليس بخير، فما يجرى كل يوم وعلى كل المستويات يؤكد بما لا يقبل الشك أن القضاء أصبح مرتعًا للسياسيين، وان تطبيق الدستور في الشق المتعلق باستقلالية السلطة القضائيّة وغيرها أصبح في خبر كان. الجميع يؤكد بعدم امكانيّة فصل السياسة عن القضاء، هذه الفوضى في تداخل القضاء بالسياسة في وقت تُطرَح امام القضاء ملفات هائلة تهدد العقد الإجتماعي اللبناني. لا أحد يعرف من اين يبدأ الإصلاح في لبنان، فالمنظومة كلها فشلت وسقطت، الفاسدون وعلى كل المستويات أصبحوا هم الأساس، يسيطرون على كل شيئ، يسرحون ويمرحون، فهم "قوى أمر واقع" لا رادع يردعهم ولا معاقبة لهم على تجاوزاتهم المتراكمة وعلى كل المستويات!!!
مشروع بناء الدولة الدستورية إعادة اطلاق مشروع المؤسسات الديمقراطيّة، من استكمال السلطة التشريعيّة بمجلس شيوخ طائفي لمعالجة معضلة نظام المحاصصة الطائفيّة في لبنان مع قانون انتخاب دستوري (Akoum، استكمال السلطة التشريعيّة بمجلس شيوخ طائفي لمعالجة معضلة نظام المحاصصة الطائفيّة في لبنان، 2024)، تحقيق لامركزيّة إداريّة تنموية متوازية ومتوازنة (Akoum، نحو لا مركزية ادارية وفق قواعد الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني، 2024)، قانون متخصص للأحزاب السياسية يخرجها من نمط عملها الميليشياوي التي اكتسبته خلال الحرب (س. عاكوم، 2024)، وقبل وبعد كل ما سبق تحقيق استقلاليّة السلطة القضائيّة كركن من أركان تحقيق مشروع الدولة الديمقراطيّة الطبيعيّة. ليكون مشروع مأسسة الدولة هذا، مع مشروع بناء وتحديث الإدارة بمختلف مستوياتها هي أُسُس مشروع متكامل لتطبيق الدستور بما يسمح بإستعادة وطننا من محاصصة الزعماء وإطلاق الحياة الدستوريّة في الدولة اللبنانيّة من جديد (س. ح. عاكوم، 2022)
تم تقديم اقتراح متعلق بقانون استقلاليّة السلطة القضائيّة في الأول من تموز 1997 ( الحسيني، الحص، كرامي، بيضون، و حرب، 1997). لم يقر قانون استقلاليّة السلطة القضائية بعد أكثر من 33 سنة على توقيع اتفاق الطائف نتيجة سيطرة مفاهيم ميليشيات الحرب على مفاصل سلطة محاصصة وجشع الإحتكار السياسي الذي أوصل الدولة الى ما وصلت اليه.
ايماننا العميق بالحل الدستوري يدفعنا الى مناقشة علميّة لملف تحقيق سلطة قضائية مستقلة وتبيات مقومات تحقيقها. فهذا الملف ليس مجرد عنوان ووجهة نظر بل هو أساس بناء أي دولة طبيعيّة في أي مكان في العالم، وغيابه يعني انتفاء وجود الكيان والدولة ووصولها الحتمي الى ما وصلنا اليه.
إن تحقيق قضاء مستقل هو ركن أساسي وحيوي لحسن سير النظام وتحقيق نظام من التوازن والرقابة. تكمن أهمية بناء نظام قضائي مستقل في الأنظمة الديمقراطية في تحقيق فوائد أساسية، من حماية حقوق المواطنين من التعدي والانتهاكات، تحقيق العدالة وتقديم قرارات عادلة ومستنيرة مستندة إلى القانون والأدلة دون تدخلات خارجية وتدخلات سياسيين ونافذين وأصحاب أموال. هذا ما يعزز التوازن الديمقراطي ويعزز استقرار المجتمع ليتسنى حل النزاعات والمشكلات بعيدًا عن التعطيل. ضمان سيادة الدستور والقانون وتطبيقه بدقة وعلى كل المستويات... وصولًا لتحقيق الإزدهار المالي والإقتصادي من خلال جذب الاستثمار حيث توفر البيئة القانونية المستقلة تحقيق هذه الغاية.
- السلطة القضائية المستقلة وسيادة الدول الديمقراطية:
إن تأسيس سلطة قضائية مستقلة أساسي لتحقيق وللمحفاظة على سيادة الدول الديمقراطية. تعتبر السلطة القضائية المستقلة ركيزة سيادة القانون، الذي يعتبر أساس تحقيق وظيفة المجتمع الديمقراطي.
تظهر أهمية السلطة القضائية المستقلة في سيادة الدول الديمقراطية من خلال (UNDP, 2023) :
- التوازن والرصد: تعمل السلطة القضائية المستقلة كرقيب على كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية. تضمن عدم تفوق أحداهما على الأخرى، وتحقق الحفاظ على توازن للقوى يمنع أي سوء محتمل لاستخدام السلطة.
- حماية حقوق الأفراد: هناك دور أساسي للسلطة القضائية متعلق بحماية حقوق وحريات الأفراد من خلال توفير منبر عادل ونزيه لحل النزاعات، تحمي السلطة القضائية المستقلة المواطنين من الإجراءات التعسفية. إن حماية حقوق الأفراد أمر أساسي لسيادة الدولة الديمقراطية، تضمن عمل الحكومة ضمن حدود القانون مع احترام حقوق المواطنين.
- سيادة القانون: مبدأ أساسي في الحكم الديمقراطي، تفسر السلطة القضائية المستقلة القانون وتطبقه دون أي تدخل سياسي. تضمن بأن جميع القوى، بما فيهم المسؤولين الحكوميين يخضعون لسيادة القانون. هذا ما يعزز إطارًا قانونيًا يتسم بالاتساق والشفافية، ويساهم في الاستقرار وسيادة الدولة بشكل عام.
- الحكم النزيه: السلطة القضائية المستقلة ضرورة للفصل بين المتنازعين. تضمن بأن القرارات القانونية تعتمد على جدارة القضية والقوانين المعمول بها بدلًا من الاعتبارات السياسية. هذا ما يعزز الثقة العامة في النظام القضائي، ويعزز الفكرة بأن العدالة هي الداعم لأي مكون وفق قيم العدالة والمساواة في النظام الديمقراطي.
- حل القضايا الدستورية: تطرأ غالبًا قضايا دستورية في الدول الديمقراطية تتطلب تفسيرًا وحلولًا. تلعب السلطة القضائية المستقلة دورًا حاسمًا وسريعًا في تفسير الدستور، حل النزاعات، وتحديد دستورية القوانين وتقييم أفعال وممارسات الحكومة. يساعد ذلك على وضع إطار لحكم البلاد يتماشى مع مبادئ الديمقراطية.
- تحقيق الإستقرار والتنبؤ: تساهم السلطة القضائية المستقلة في الإستقرار وبالتالي الإنتقال لمرحلة التخطيط والتنبؤ بما يعزيز الرخاء عبر جذب الاستثمارات وتعزيز التنمية الاقتصادية (UNDP, 2023).
الطرق التي تساهم من خلالها السلطة القضائية المستقلة في تحقيق هذه النتائج الاقتصادية هي:
- اليقين بوجود بنيّة قانونية: يميل المستثمرون والشركات إلى الاستثمار في الموارد ورأس المال عندما يكون لديهم ثقة في النظام القانوني. أي أن اليقين القانوني هو ضرورة لتنفيذ العقود وحماية حقوق الملكية، وحل النزاعات، وهذا ما يخلق بيئة ملائمة للنمو الاقتصادي.
- حماية حقوق الملكية: وجود نظام قانوني قوي مدعوم من السلطة القضائية المستقلة أمر حيوي لحماية حقوق الملكية. يميل المستثمرون ورجال الأعمال إلى المشاركة في الأنشطة الاقتصادية وتحقيق استثمارات طويلة الأمد عندما يكون لديهم ثقة في احترام حقوق ملكيتهم من قبل النظام القانوني. تشجع هذه الحماية القانونية على الإبتكار وريادة الأعمال والتنمية الاقتصادية الشاملة.
- تنفيذ العقود: تضمن السلطة القضائية المستقلة تنفيذ العقود المبرمة بين مختلف الأفرقاء بشكل عادل ونزيه. هذا أمر ضروري لجميع عمليات الأعمال، حيث يحتاج أي طرف إلى ضمان بأن الإتفاقيات التعاقدية ستحترم. وعندما يكون النظام القانوني فعالًا في تنفيذ هذه العقود، تنخفض بشكل كبير مخاطر الأعمال والاستثمار، هذا ما يشجع على تحقيق نشاط اقتصادي أكبر وبالتالي جذب الاستثمارات المحلية والدولية.
- حل النزاعات: حل النزاعات بشكل فعّال ونزيه ضروري لبيئة أعمال صحية. توفر السلطة القضائية المستقلة ملجأ ومكان محايد لحل النزاعات، وهو أمر أساسي للحفاظ على الثقة بين الشركات والمستثمرين. يخفف حل هذه النزاعات بشكل فوري وعادل من التردد وعدم اليقين، ويشجع بالتالي على مشاركة الفاعلين الاقتصاديين في عمليات الأعمال والاستثمارات.
- تشجيع الاستثمار الأجنبي: غالبًا ما تكون الدول التي تمتلك سلطة قضائية قوية ومستقلة أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب. يبحث المستثمرون الدوليون عن أنظمة قانونية توفر حماية لاستثماراتهم، وتضمن لهم المعاملة العادلة، وتقدم لهم آليات موثوقة لحل النزاعات. بالمختصر تعزز السلطة القضائية الموثوقة سمعة البلد وتجعله أكثر تنافسية في السوق العالمية، بما يؤدي إلى زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر.
- الاستقرار المالي: يساهم النظام القانوني الفعّال في الاستقرار المالي. فهو يساعد في تنظيم المعاملات المالية، وضمان تنفيذ العقود المالية، وتوفير إطار قانوني للبنوك والمؤسسات المالية المحليّة، الإقليمية والدوليّة. هذا الاستقرار ضروري لجذب الاستثمارات الداخلية والدولية في قطاع المال.
من هنا تُعتبر السلطة القضائية المستقلة بالإضافة الى كونها نقطة ارتكاز وتوازن كل السلطات عاملًا رئيسيًا في خلق بيئة تعزز الرخاء وجذب الاستثمارات وتعزز التنمية الاقتصادية. من خلال توفير احتياجات تحقيق ما يمكن تسميته باليقين القانوني وحماية حقوق الملكية وتنفيذ العقود وضمان حل النزاعات بشكل عادل. لتسهم السلطة القضائية المستقلة في تحقيق رفاه اقتصادي شامل للدولة. الدول التي أُسست على بنيّة سيادة القانون القوي والسلطة القضائية النزيهة هي أكثر عرضةً لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وتحسين أعلى مستوى معيشة لمواطنيها ( FELD & VOIGT, 2003).
- التقييم والتعزيز المستمر للسلطة القضائيّة المستقلة: تحتاج الدول الديمقراطية إلى سياسة تقييم وتعزيز مستمر للعناصر التي تضمن المحافظة على سيادة القانون والمبادئ الديمقراطية، تتضمن هذه العمليّة ما يلي ( Préfontaine, Q.C & Lee, 2015):
- الإطار الدستوري: التمسك بالإطار الدستوري الواضح والشامل الذي يضمن استقلالية القضاء، يشمل ذلك البنود التي تحمي القضاة خلال مدة خدمتهم إضافة الى ضمان الرواتب وشروط الخدمة.
- التعيين: تعيين القضاة وفق عملية شفافة، قائمة على الجدارة بما يضمن أن تتم هذه التعيينات استنادًا إلى المؤهلات والخبرة والنزاهة بدلًا من المحسوبيات والاعتبارات السياسية والعائليّة.
- الأمان في الخدمة: إن توفير أمان للقضاة يسمح بحمايتهم من الضغوط الخارجية. يتضمن ذلك تحديد الفترات الزمنية لتقاعدهم وحمايتهم من الصرف التعسفي، وإنشاء آليات لمعالجة التجاوزات في القضاء.
- الاستقلال المالي: ضمان استقلالية مالية للقضاء بما يمنع التأثيرات الخارجية. قد يتضمن ذلك تخصيص ميزانية منفصلة للقضاء، تتحكم فيها السلطة القضائية أو لجنة مستقلة عنها.
- التدريب والتطوير المهني: يعزز التدريب المستمر والتطوير المهني للقضاة بتعزيز معرفتهم القانونية ومهاراتهم العمليّة. هذا ما يساهم في الحفاظ على قضاء كفء ومستقل.
- الأخلاقيات القضائية والمساءلة: العمل وفق القوانين والأخلاقيات القضائية ووضع آليات للمساءلة عند التعامل مع أي تجاوز. يشمل ذلك الإجراءات التأديبية والهيئات الرقابية وآليات التعامل مع الشكاوى ضد القضاة.
- ضمان الوصول إلى العدالة: ضمان وصول جميع المواطنين إلى العدالة بغض النظر عن وضعهم الإجتماعي والإقتصادي. جعل العملية القضائية متاحة، ميسرة، فعّالة وضمن سياق زمني محدد.
- تعزيز الثقة العامة والتثقيف: تعزيز الثقة العامة في القضاء من خلال تحقيق الشفافية والإنفتاح وتشجيع مبادرات التثقيف العام. إن رفع مستوى الوعي حول دور وأهمية القضاء المستقل في المجتمع الديمقراطي يعزز الدعم العام لتحقيق العدالة.
- فصل السلطات: ضمان الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدولة. هذا الفصل أساسي لمنع أي تأثير غير مبرر ومنع أي تدخل في عمل القضاء.
- المعايير الدولية والتعاون بين الدول: إن الإلتزام بالمعايير الدولية والسعي لتحقيق أفضل الممارسات في مجال استقلالية القضاء، المشاركة في برامج التعاون الدولي والشراكات من شأنه توفير رؤى وتبادل خبرات وتحقيق مستوى دعم على مستوى جيد وبما يتوافق مع القيم القضائيّة ( Préfontaine, Q.C & Lee, 2015).
العناصر الرئيسية لقواعد الإلتزام بالمعايير الدولية (United Nations, 1996-2024):
- تحديد المعايير الدولية: تُحدد هذه المعايير في الغالب من قبل منظمات دولية، هيئات قانونية، أو اتفاقيات تهدف إلى ضمان وجود أنظمة قانونية عادلة وغير متحيزة على مستوى العالم.
- أفضل ممارسات في استقلالية القضاء: خارج نطاق الامتثال البسيط، ينبغي للدول أن تسعى إلى اعتماد وتنفيذ أفضل ممارسات لإستقلالية القضاء. وهذا يتضمن تجاوز الحد الأدنى المطلوب والسعي الفعّال إلى تحقيق وسائل تعزيز استقلالية السلطة القضائية داخل أنظمتها القانونية.
- التعاون الدولي والشراكات العالمية: المشاركة في التعاون الدولي تعني أن الدول مستعدة للتعاون مع دول أخرى ومنظمات دولية وهيئات قانونية لتبادل المعرفة والتجارب والرؤى المتعلقة بالاستقلال القضائي. قد يشمل هذا التعاون مبادرات مشتركة وورش عمل ومنتديات تهدف إلى تعزيز تبادل الأفكار والممارسات.
- الرؤى والدعم: يُتوقع أن تؤدي المشاركة الفعّالة في التعاون الدولي والشراكات إلى تحقيق رؤى قيميّة. يمكن أن تتضمن هذه الرؤى فهمًا أفضل للأنظمة القانونية المتنوعة، وتحديد استراتيجيات فعّالة لتعزيز الاستقلال القضائي، وتبادل بين الدول في الممارسات أو التجارب الناجحة. بالإضافة إلى ذلك يمكن أن يوفر التعاون الدولي دعمًا في الموارد والخبرة والمساعدة الدبلوماسية.
تسمح المعايير العالمية بتحقيق مشاركة فعّالة في جهود التعاون لتعزيز استقلالية القضاء بالعمل معًا في تطوير مشهد قانوني عالمي عادل وغير متحيز، وعبر السعي المتواصل لزيادة مستوى الكسب المعرفي والدعم القيمي من المجتمع العالمي (United Nations, 1996-2024).
- نمط عمل مؤسسات السلطة القضائيّة المستقلة:
هناك طرق مختلفة تحدد طريقة عمل المؤسسات المعنيّة بإستقلاليّة السلطة القضائيّة:
- تعتمد فرنسا على وجود المجلس الأعلى للقضاء Conseil Supérieur de la Magistrature (CSM)، يتضمن هذا المجلس أعضاء من السلطة القضائية، وزير العدل وبرلمانيون، أي أن هناك أعضاء من الجسم القضائي ومن غير القضاة. يتولى هذا المجلس مسؤولية التعيينات، الترقيات، والشؤون الانضباطية المتعلقة بالقضاة. كما يساهم في حماية استقلالية السلطة القضائية عبر ضمان غياب أي تأثيرات سلبيّة على القضاة. تتبع النيابة العامة للسلطة القضائية، وتعمل بشكل مستقل عن السلطة التنفيذية. ولا يمتلك وزير العدل سلطة إصدار تعليمات محددة في حالات القضايا الفردية (Sauvé, 2011).
- يوجد في المملكة المتحدة لجنة التعيين القضائي (JAC)، وهي هيئة مستقلة مسؤولة عن ايصال الأفراد المرشحين للتعيين القضائي. تختار هذه اللجنة المرشحين استنادًا إلى مقاييس الجدارة، وتساهم في استقلالية السلطة القضائية عبر منع التدخل السياسي في التعيينات. هناك أيضًا مكتب تحقيق السلوك القضائي (JCIO) الذي يحقق في الشكاوى المتعلقة بالسلوك الشخصي لأصحاب المناصب القضائية. يضمن هذا المكتب المساءلة داخل السلطة القضائية، ويساهم في الحفاظ على المعايير الأخلاقية العالية.
- هناك دور عام منوط بالمحامين ونقابتهم في ضمان استقلالية السلطة القضائية منها:
- حماية سيادة القانون: المحامون حماة لسيادة القانون، يتحدثون باعتبارهم حماة لنظام قانوني يتخذ القرارات بشكل نزيه ومن دون أي تأثير خارجي.
- التمثيل القانوني: يعتمد المحامون على السلطة القضائية المستقلة لضمان سير المحاكمات العادلة والإدارة السليمة للعدالة. يلعب المحامون دورًا رئيسيًا في الدفاع عن حقوق الأفراد من خلال تمثيلهم القانوني.
- الترويج للوعي العام: يساهم المحامون من خلال الجمعيات القانونية والهيئات المهنية في حملات التوعية العامة والترويج لأهمية السلطة القضائية المستقلة في المجتمع الديمقراطي ( Andoulsi, 2012).
- التشريع البرلماني والسلطة القضائيّة:
تتسم العلاقة بين السلطة القضائية المستقلة والتشريع البرلماني في فرنسا بالتوازن والتفاعل الضروريين ضمن إطار فصل السلطات واحترام مبدأ استقلالية القضاء. يحدد التشريع الذي يتم تصديقه من البرلمان الإطار العام للقضاء، وتحتفظ السلطة القضائية المستقلة بحقها في تفسير وتنفيذ ماهية هذا التشريع، وكيفية تطبيقه وفقًا للقوانين والمبادئ القضائية.
يتسنى للقضاة في فرنسا القيام بالتدقيق القضائي لأحكام التشريع بما يضمن توافقه مع الدستور والقوانين القضائية، كما يمكن للقضاء إلغاء التشريع الذي يتعارض مع هذه المبادئ.
يُعَدُّ التشريع إطارًا عامًا يحدد القوانين والسياسات العامة، في حين يقوم القضاة بتفسيره وتطبيقه بمرونة وفقًا للظروف الفردية. وذلك وفق مبادئ التشديد على حماية استقلالية القضاء، مع ما يعنيه من خضوع أي احتماليّة تأثير سلبي للتشريع على استقلالية السلطة القضائية للرقابة والفحص.
تشمل هذه العلاقة حوارًا مستمرًا، وفي بعض الأحيان توترًا ما بين التزام القضاء بتفسير وتطبيق القوانين والإمتياز المتعلق بالتشريع. هذا التفاعل الديناميكي على الدوام يعتبر أساسيًا للحفاظ على توازن ديمقراطي يمنع ممارسة السلطة بعيدًا عن المراقبة والتدقيق (Council of Europe, 2019).
ولكن عملية التشريع ليست متجانسة بين البلدان، الأساس هو المحافظة على مبدأ فصل السلطات بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية. في الأنظمة البرلمانية تكون السلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومة مسؤولة عن تحويل ملفات التشريع، وفيما بعد تتخذ السلطة التشريعية الممثلة في البرلمان على عاتقها مهمة استعراض وتعديل واتخاذ القرارات النهائية بالموافقة على القوانين المقترحة أو رفضها (Council of Europe, 2019).
ومع ذلك، قد تلعب السلطة القضائية دورًا في الشؤون التشريعية مثال على ذلك:
- المراجعة القضائية: على الرغم من أنها ليست جزءًا مباشرًا من عملية الموافقة التشريعية، إلا أن العديد من الأنظمة القانونية تتضمن مراجعة قضائية. ويمكن لهذه الآليّة منح السلطة القضائية القدرة على فحص دستورية القوانين التي أقرها البرلمان. قد تكون للسلطة القضائية في حالات محددة سلطة تسمح لها بإبطال القوانين برمتها أو بعض أحكامها إذا تبين أنها غير دستورية.
- فصل السلطات: تسهم السلطة القضائية في بعض الأنظمة في عملية التشريع بشكل غير مباشرة، من خلال الإقتراح المباشر أو من خلال التأثير على التشريع، يتجلى ذلك من خلال تقديم السلطة القضائية توصيات أو آراء قانونية للسلطة التشريعية.
- المبادرات والاستفتاءات: توجد آليات في بعض البلدان تسمح للمواطنين أو مجموعات معينة، بما في ذلك السلطة القضائية، بتقديم مقترحات تشريعية مباشرة من خلال مبادرات أو استفتاءات. قد تتجاوز هذه العمليات إلى حد ما التدخل الحكومي معتميدين على إطار قانوني خاص.
هناك تباين كبير في هذه العمليات بين البلدان، تعتمد على الإطار أو النظام القانوني والدستوري للبلد المعني (Council of Europe, 2019).
- الوقت المخصص لمتابعة ملفات العدالة: تطورت الإجراءات أو المعايير المحددة لإدارة وتحديد الوقت المخصص لمتابعة ملفات العدالة. يعتبر التعامل الفعّال مع ملفات العدالة في فرنسا أمرًا حاسمًا لضمان فعالية النظام القانوني والإلتزام بحق الحصول على محاكمة عادلة في الوقت المناسب.
فيما يلي بعض الجوانب التي تسهم في تحديد وإدارة الوقت المخصص لمتابعة الملفات (CEPEJ-GT-QUAL, 2016):
- الإطار القانوني: يتضمن الإطار القانوني أحكامًا تهدف إلى ضمان معالجة القضايا القانونية بطريقة معقولة وفي الوقت المناسب. يمكن أن يتم ذلك في مدونة الإجراءات المدنية، مدونة الإجراءات الجنائية الفرنسية وقوانين أخرى ذات الصلة.
- ممارسات إدارة القضايا: تستخدم السلطة القضائية في فرنسا ممارسة إدارة القضايا لتحديد الأولويات وتسهيل معالجة القضايا. ويشمل ذلك وضع جداول زمنية واقعية لمختلف مراحل الإجراءات القانونية.
- الاستقلالية القضائية: تعتبر استقلالية القضاء مبدأً أساسيًا. تتيح هذه الإستقلالية للقضاة اتخاذ قراراتهم دون أي تدخل خارجي، هذا ما يُمكنهم من إدارة جداول أعباء العمل بسرعة، بكفاءة وبشكل عادل ومنصف.
- تحديد أولويات القضايا: غالبًا ما تحدد المحاكم أولويات القضايا استنادًا إلى طبيعتها وتعقيدها وطابعها العاجل. يمكن تعيين بعض القضايا كقضايا ذات أولوية لضمان معالجة سريعة لها.
- الحد الزمني القانوني: يتم تحديد حدود زمنية قانونية لمراحل الإجراءات القانونية المختلفة. يساعد هذا التحديد في منع أي تأخير غير مبرر وضمان تقدم القضايا القانونيّة بشكل موفق.
- استخدام التكنولوجيا وأنظمة إدارة القضايا: أصبح استخدام التكنولوجيا وأنظمة إدارة القضايا أمرًا متزايدًا لتسهيل تتبع ومراقبة القضايا. يمكن لهذه الأنظمة أن تساعد في تحديد المعوقات وتسريع العمليات.
- الاستعراض والتقارير المنتظمة: تقوم المحاكم والسلطات القضائية باستعراض منتظم لأعباء العمل لديها بهدف تحديد القضايا التي تتطلب اهتمامًا عاجلًا. هناك آليات وتقارير تسمح بمتابعة التقدم وتحديد المجالات التي تتطلب تحسين.
- التدريب المهني: قد يخضع القضاة والموظفون القضائيون للتدريب لتعزيز مهاراتهم في إدارة القضايا وإدارة الوقت وتطبيق الإجراءات القانونية ذات الصلة. يسهم هذا التدريب في معالجة القضايا بشكل أكثر فعالية.
- التحسين المستمر: تعتبر التقييمات الدورية وآليات التغذية الراجعة feedback ضرورية لتحديد التحديات وتنفيذ تدابير تعزيز الكفاءة.
قد تختلف هذه المعايير والممارسات المحددة حسب نوع القضايا بين مختلف محاكم النظام القضائي الفرنسي (مدنية، جنائية، إدارية) هناك إصلاحات وتحديثات مستمرة للإجراءات القانونية (Pim, 2010).
- المحاكم الإستثنائيّة:
تم انشاء المحاكم الاستثنائية من أجل التعامل مع حالات أو ظروف معينة قد تتطلب الانحراف عن الإجراءات القانونية العادية. يتطلب التوفيق بين السلطة القضائية المستقلة والمحاكم الاستثنائية في الأنظمة الديمقراطية تدقيقًا في بعض المبادئ والتدابير الضامنة:
- النطاق والمدة المحدودة: الضمان بأن المحاكم الاستثنائية لديها نطاقًا محددًا، لتتناول قضايا أو حالات معينة بدلًا من أن يكون لديها صلاحيات واسعة. تعريف الظروف التي يتم فيها إنشاء المحاكم الاستثنائية بوضوح، وتحديد الحد الزمني لوجودها وذلك لمنع إساءة استخدامها.
- ضمانات دستورية: يكون إنشاء وعمل المحاكم الاستثنائية مرتبطة بإطار دستوري يحدد بشكل واضح الحدود القانونية ويمنع اي استخدام تعسفي. تتضمن ضمانات حماية حقوق الأفراد مع توفر عملية قانونية نزيهة ومحاكمة عادلة وفق المبادئ القانونية الأساسية ضمن الظروف الاستثنائية.
- المعايير الشفافة: وضع معايير شفافة لإنشاء المحاكم الاستثنائية، مثل وجود تهديد واضح للأمن الوطني أو في حالة الطوارئ العامة. هذا ما يساعد على منع سوء الاستخدام السلطوي.
- الرقابة القضائية: تنفيذ آليات رقابة قضائية على المحاكم الاستثنائية من خلال السماح للمحاكم العادية بمراجعة قراراتها وأفعالها. يساعد ذلك في المحفاظة على مراقبة صلاحياتها وضمان المحاسبة.
- المساءلة العامة: تعزيز الوعي العام والشفافية بشأن إنشاء وعمل المحاكم الاستثنائية لضمان المساءلة العامة. تشجيع النقاشات المفتوحة والتدقيق من قبل المجتمع المدني، وسائل الإعلام وغيرها من المؤسسات الديمقراطية لمنع أي إستغلال سلطوي محتمل.
- حماية الحقوق الأساسية: ضمان حماية الحقوق خلال عمل المحاكم الاستثنائية. يجب أن يبرر أي تحايل على الإجراءات القانونية العادية بشكل واضح، ويكون ذلك متناسبًا مع أي تهديد أو أي حالة طارئة.
- فصل السلطات: الحفاظ على فصل واضح بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية عند إنشاء المحاكم الاستثنائية. وهذا الفصل أمر أساسي لمنع تجاوزات السلطة.
- الرقابة التشريعية: إشراك الفرع التشريعي في الرقابة على آليّة إنشاء وعمل المحاكم الاستثنائية. ويتعين الحصول على موافقة تشريعية لإنشائها وعملها باستمرار لضمان المساءلة الديمقراطية.
- المعايير الدولية: مواءمة إنشاء وعمل المحاكم الاستثنائية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان لضمان توافقها مع المعايير العالمية.
يتطلب تحقيق التوازن بين السلطة القضائية المستقلة والحاجة لمحاكم استثنائية توازنًا دقيقًا يحترم المبادئ الديمقراطية ومواجهة التحديات التي قد تنشأ في ظل الظروف الإستثنائية. المراجعة والتحسين المستمر للإطار القانوني هو أمر أساسي يمنع سوء الإستخدام ويحمي الأساس الديمقراطي للنظام القانوني (UNODC, 2020).
- متابعة القرارات القضائيّة: إن التنفيذ الصحيح للقرارات القضائية جانب حيوي يساهم في الحفاظ على سيادة القانون وضمان فعالية النظام القضائي. هناك العديد من الخطوات والاعتبارات المطلوبة بعد إصدار القرار القضائي لضمان التنفيذ الصحيح، منها:
- الوضوح: التأكد من أن القرار القضائي يوفر توجيهات واضحة للتنفيذ وغير مبهمة. قد يؤدي أي التباس في القرارات القضائية إلى التسبب بالإرتباك والتأخير.
- الإشعار والتبليغ الفوري: الإبلاغ السريع لجميع الأطراف ذات الصلة، بما في ذلك الجهات الحكومية والقانونيّة والأطراف المعنيّة بمحتوى القرار القضائي والمتطلبات الخاصة فيه.
- جهات التنفيذ: تحديد جهات التنفيذ أو السلطات المسؤولة عن تنفيذ قرارات المحكمة. تشمل هذه الجهات إنفاذ القانون، هيئات التنظيم، أو كيانات أخرى ذات صلة.
- الموارد: ضمان تخصيص الموارد الضرورية، سواء كانت مالية أو بشرية أو لوجستية، لتسهيل تنفيذ القرار القضائي.
- آليات الامتثال: إنشاء آليات رصد الامتثال لأوامر المحكمة. قد يتضمن ذلك إنشاء هيئات رقابية أو تكليف الجهات المعنيّة بالمتابعة والإبلاغ عن الامتثال.
- عواقب عدم الامتثال: تحديد واضح لعواقب عدم الامتثال للقرارات القضائية، عقوبات قانونية، غرامات وإجراءات، أو تدابير أخرى مناسبة لتحقيق الإمتثال. بدء إجراءات محكمة الازدراء ضد الأفراد أو الكيانات التي تتخلف عن الامتثال لأوامر المحكمة وهي وسيلة فعّالة لضمان الامتثال وتعزيز سلطة السلطة القضائية.
- مراجعة قضائية: إمكانية مراجعة القضاء في حال وجود نزاعات أو تحديات بشأن تفسير أو تنفيذ أوامر المحكمة. هذا ما يوفر وسيلة قانونية لحل القضايا التي قد تنشأ خلال عملية التنفيذ.
- التواصل العام: نقل تفاصيل القرار القضائي وتنفيذه إلى الجمهور، هذه الشفافية تعزز الثقة العامة في النظام القانوني وتؤكد أهمية التمسك بقرارات المحكمة.
- جلسات المتابعة: جدولة جلسات لمتابعة واستعراض التقدم بالتنفيذ. يتيح ذلك للمحكمة معالجة القضايا، تقديم إرشادات وضمان تنفيذ القرار كما هو مقصود.
- المساعدة القانونية والدعم: توفير المساعدة القانونية والدعم للأطراف المعنية في عملية التنفيذ، خاصة عندما يكون للقرار تأثير على الأفراد الذين قد يواجهون تحديات تؤثر سلبًا على حقوقهم.
- تدريب الجهات التنفيذية: إجراء جلسات تدريب للجهات المسؤولة عن تنفيذ أوامر المحكمة لضمان فهم واضح للمتطلبات والإجراءات القانونية.
- التعاون الدولي: سعي مستمر للتعاون الدولي أو طلب الحصول على هذه المساعدة إذا كان ذلك ضروريًا، خصوصًا في الحالات التي تشمل قضايا عابرة للحدود، أو في حال كان هناك تحديات تتطلب التعاون مع جهات أخرى.
- توثيق: الحفاظ على الوثائق الشاملة لعملية التنفيذ، بما في ذلك الإجراءات المتخذة والجدولة الزمنية والنتائج. لهذه الوثائق قيمة عند المساءلة وعند الرجوع اليها في المستقبل.
إن تنفيذ القرارات القضائية بنجاح يتطلب تعاونًا بين السلطة القضائية والسلطات التنفيذية وباقي الأطراف، إنها عملية ديناميكية تنطوي على الرصد وعلى تعديلات مستمرة لمعالجة القضايا الناشئة وضمان استمرار الفعالية في النظام القانوني (IMF, 2017) .
- إدارة السجون:
- معايير إدارة السجون:
- الإطار القانوني: معايير إدارة السجون في فرنسا محددة ضمن الإطار القانوني أي الدستور الفرنسي والقوانين ذات الصلة. توضح هذه الوثائق حقوق السجناء وفق القانون، مسؤوليات إدارة السجون والمبادئ التي توجه معاملة الأفراد ضمن النظام الجنائي.
- معايير حقوق الإنسان: الالتزام بمعايير حقوق الإنسان معيار أساسي. تحترم السجون الفرنسية كرامة السجناء وحقوقهم الأساسية، يشمل ذلك توفير معاملة إنسانية والحصول على الرعاية الطبية، وحمايتهم من التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية المهينة.
- التأهيل وإعادة الإدماج: تتضمن المعايير أيضًا التركيز على التأهيل وإعادة الإدماج. يهدف نظام السجون الى تأهيل المجرمين اضافة إلى العقوبة. هناك برامج ومبادرات لمعالجة الأسباب الجذرية للسلوك الجنائي ومساعدة السجناء في إستعادة تكاملهم في المجتمع بنجاح.
- منع التطرف: نظرًا للتحديات المعاصرة، هناك معيار متعلق بمنع تطرف السجناء في السجون. يتم تنفيذ برامج وتدابير متخصصة لتحديد ومعالجة التطرف، مع ضمان سلامة وأمان السجناء والموظفين.
- التنظيم المتعلق بإدارة السجون:
- وزارة العدل: تلعب وزارة العدل دورًا مركزيًا في الرقابة على نظام السجون. تحدد السياسات، الأولويات وتخصص الموارد لضمان العمل الفعال للنظام الجنائي.
- المديرية العامة لإدارة السجون: تعتبر المديرية العامة لإدارة السجون وحدة تنظيمية رئيسية مسؤولة عن الإدارة اليومية للسجون. تعمل تحت إشراف وزارة العدل ومكلفة بتنفيذ السياسات وإدارة الموارد وضمان العمل السليم للنظام الجنائي بأكمله.
- الوحدات الإقليمية والمحلية: يمتد التنظيم إلى الوحدات الإقليمية والمحلية المسؤولة عن السجون. تكون هذه الوحدات مسؤولة عن تنفيذ السياسات الوطنية مع مراعاة الاحتياجات والتحديات الإقليمية.
- التعاون مع جهات أخرى: يعد التعاون مع وكالات حكومية أخرى ومنظمات غير حكومية وهيئات دولية جزءًا حيويًا من هذا التنظيم. تساعد هذه الشراكات على التعامل مع قضايا معقدة مثل التأهيل، والصحة النفسية، ومنع التطرف (Crétenot & Liaras, 2013).
- تحقيق الانضباط أثناء إدارة السجون:
- اللوائح الداخلية: يحتوي كل سجن على مجموعه خاصة من اللوائح الداخلية التي توضح السلوك المتوقع من السجناء والموظفين على حد سواء. تساهم هذه اللوائح في الحفاظ على الانضباط داخل بيئة السجن.
- التدريب والتطوير المهني: يتم الحفاظ على الانضباط من خلال التدريب المستمر والتطوير المهني لموظفي السجن. يشمل ذلك التدريب على حل النزاعات، التواصل وإدارة المواقف المتنوعة والمعقدة.
- الرصد والإشراف: تلعب آليات الرصد الداخلية والخارجية دورًا في الحفاظ على الانضباط. تضمن التفتيشات والتدقيقات والتقييمات، تلتزم إدارة السجون بالمعايير المحددة، وتتخذ الإجراءات التصحيحية عند الحاجة.
- برامج التحفيز: تساهم برامج التحفيز وتعزيز الإيجابيات في الحفاظ على الانضباط. يمكن للسجناء الذين يشاركون بنشاط في برامج التأهيل ويظهرون سلوكًا جيدًا الحصول على بعض الامتيازات، هذا ما يخلق نظامًا يشجع على السلوك الإيجابي.
تعمل إدارة السجون في فرنسا بموجب معايير محددة من الأطُر القانونية ومبادئ حقوق الإنسان. يأخذ هذا التنظيم الشكل الهرمي فيما بين وزارة العدل والمديرية العامة لإدارة السجون كونهما يلعبان دورًا مركزيًا في هذا المجال. يتم المحافظة على الإنضباط من خلال مجموعة من اللوائح الداخلية، التدريب، الرصد وبرامج التحفيز، تهدف هذه المعايير إلى ضمان عمل سليم للنظام السجني وضمان حقوق السجناء (Crétenot & Liaras, 2013)
- الفصل بين العمل السياسي والتدخل في شؤون الإدارة العامة:
الحفاظ على تمييز واضح بين العمل السياسي والتدخل في شؤون الإدارة العامة في البلدان الديمقراطية أمرًا ضروريًا لتعزيز مبادئ الديمقراطية والحوكمة الجيدة وسيادة القانون.
جوانب رئيسية يجب أخذها بعين الإعتبار لتحقيق هذا الهدف:
- سيادة القانون: التأكيد أن سيادة القانون هي الأساس لجميع الأفعال داخل النظام الديمقراطي. مع ما يعنيه ذلك من الزاميّة اتباع القوانين والتعليمات المرتبطة بالمعايير من قبل السياسيين والإداريين العامين على السواء.
- الإطار القانوني: إنشاء وتعزيز إطار قانوني واضح يُعَرّف الأدوار والمسؤوليات والحدود لكل من الفاعلين السياسيين والإداريين العامين. يشمل ذلك القوانين المتعلقة بالخدمة العامة والإجراءات الإدارية وسلوك الشخصيات السياسية.
- الحياد السياسي في الإدارة العامة: التأكيد على مبدأ الحياد السياسي في الإدارة العامة. يجب أن يكون الموظفون العامون ملتزمين بخدمة المصلحة العامة بدلاً من التحالف مع أي أيديولوجية سياسية أو حزبية أو طائفيّة.
- نظام التوظيف والترقية: تحقيق النظام والمحفاظة عليه يعتمد على الجدارة في توظيف وترقية الإداريين العامين. هذا يضمن أن التعيينات تستند إلى المؤهلات والمهارات والخبرات بدلاً من الانتماءات السياسية.
- الاحترافية: تشجيع وتعزيز ثقافة الاحتراف في الإدارة العامة. يجب أن يكون الموظفون العامون مخلصين لواجباتهم، يتصرفون بحيادية، ويلتزمون بالمعايير الأخلاقية بغض النظر عن الضغوط السياسية.
- الشفافية والمساءلة: تعزيز الشفافية والمساءلة في كل العمليات السياسية والإدارية. ويشمل ذلك توفير الوصول إلى المعلومات وإجراء عمليات اتخاذ القرارات المفتوحة والعادلة، ومحاسبة المسؤولين العامين عن أفعالهم.
- آليات الرقابة: إنشاء آليات مستقلة للرقابة، مثل مكاتب التفتيش العام، ومؤسسات التدقيق، وهيئات الأخلاق لرصد وتحقيق أي تدخل سياسي محتمل في شؤون الإدارة العامة.
- التعليم والتدريب السياسي: توفير التعليم والتدريب السياسي للإداريين العامين لمساعدتهم في فهم مبادئ الديمقراطية والإطار القانوني، ودورهم في خدمة المصلحة العامة.
- مشاركة المواطن: تشجيع مشاركة المواطنين في عمليات اتخاذ القرار لضمان أن تعكس السياسات العامة احتياجات واهتمامات المواطنين المتنوعة. ويمكن أن تعتبر هذه خطوة للتحقق من التدخل السياسي المحتمل.
- المؤسسات القوية: بناء مؤسسات قوية وقادرة على مقاومة الضغوط الخارجية والمحافظة عليها. تلعب السلطة القضائية المستقلة والخدمة المدنية وغيرها من المؤسسات الرئيسية دورًا حيويًا في تعزيز التفريق بين العمل السياسي وعمل الإدارة العامة.
يمكن للبلدان الديمقراطية من خلال التأكيد على هذه المبادئ والممارسات العمل على ضمان إجراء عمل سياسية ضمن حدود القانون وأن لا تتجاوز حدودها في التدخل في الوظائف العامة بطريقة غير حيادية (Nowak, 2012, pp. 19-23).
- تحقيق سلطة قضائية مستقلة في لبنان:
بعد استعراضنا لمفاهيم ومقومات تحقيق سلطة قضائيّة مستقلة في الأنظمة الديمقراطيّة، ننتقل الى بحث اشكاليّة عدم تحقيق هذه السلطة في النظام اللبناني. في الشق الأساسي المتعلق بالإطار الدستوري، يضمن الدستور اللبناني بشكل واضح وشامل استقلالية القضاء، يظهر هذا بوضوح الفقرة "ه" من مقدمة الدستور اللبناني والمادة ٢٠ منه، أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، تمارس السلطة القضائية من قبل القضاة الذين يزاولون فعليا مهامهم القضائية في المحاكم التي يشملها التنظيم القضائي للجمهورية اللبنانية (الدستور اللبناني، 1990، صفحة 19).
اذًا المشكلة ليست دستوريّة انما هي في عدم اقرار قانون السلطة القضائيّة في لبنان، ففي الأنظمة الديمقراطية ذات الإطار الدستوري الدستور هو القانون الأعلى للبلاد، يحدد المبادئ الأساسية وهيكل الحكومة وحقوق ومسؤوليات المواطنين. ولكن الدستور هو إطارًا واسعًا لا يتعمق في التفاصيل الدقيقة أو الآليات العملية لتنفيذ الأحكام، لسد هذا الفجوة، تصدر الهيئات التشريعية قوانينًا تعرف باسم القوانين التنفيذية أو التمكينية. تهدف هذه القوانين إلى ترجمة المبادئ الدستورية إلى قواعد وإجراءات عملية يمكن تطبيقها في الممارسة. تُظهر القوانين التنفيذية تفاصيل البنية القانونية الضرورية لتحقيق أحكام الدستور، تشمل هذه العملية الخطوات التالية:
- التشريع التمكيني: يصدر البرلمان قوانين تمكين تمنح الوكالات أو المؤسسات الحكومية سلطات لأداء وظائف محددة ينص عليها الدستور.
- الإطار التنظيمي: غالبًا ما تقوم القوانين التنفيذية بإنشاء إطار تنظيمي يحدد كيفية تنفيذ مختلف جوانب الحوكمة والإدارة وحماية الحقوق.
- الأحكام التفصيلية: تحتوي هذه القوانين على أحكام وتنظيم مفصل تساعد في التطبيق العملي للمبادئ الدستورية. تغطي قضايا مثل الإجراءات الانتخابية والهياكل الإدارية وحماية حقوق الفرد.
- المرونة: توفر القوانين التنفيذية مرونة للتكيف والتعديل مع مرور الوقت، بما يسمح بالتكيف مع التغيرات في الظروف دون الحاجة إلى تعديلات دستورية.
- تتضمن القوانين أحكامًا لآليات الإعتماد لضمان توافق أفعال الحكومة مع المبادئ الدستورية.
تتغير العلاقة بين الدستور والقوانين التنفيذية من بلد إلى آخر. تقدم بعض الدساتير أحكامًا دقيقة ومحددة، مما يترك مساحة أقل للتشريع التنفيذي، في حين تقدم البعض الآخر إطارًا أوسع، مما يستلزم تشريعًا أكثر توسعًا لتنفيذ المبادئ الدستورية. الهدف هو إيجاد توازن بين توفير أساس دستوري مستقر وتمكين مرونة ضرورية لمواجهة متطلبات وتحديات المجتمع المتطورة (IDEA, 2014).
الدستور اللبناني مع جميع تعديلاته إطارًا واسعًا مكون من ميثاقيّة مقدمته و 102 مادة لا يتجاوز حجمه 88 صفحة. يستلزم تشريعًا موسعًا يسمح بتنفيذ المبادئ الدستورية بهدف إيجاد توازن بين توفير أساس دستوري مستقر وتمكين المرونة الضرورية لمواجهة متطلبات مشروع الدولة وتحديات المجتمع المتطورة، يرتكز هذا التشريع الموسع على الأخذ في الإعتبار المقومات المؤسساتيّة المتكاملة لتنظيم الدولة مع احترام ثوابت، معايير ميثاقيّة البنود العشرة لمقدمة الدستور.
تحدث الرئيس حسين الحسيني عن مخالفة السلطات المتعاقبة منذ بداية التسعينات لنص الدستور، وعدم وجود عشرات قوانين تطبيقية للدستور وميثاقه. من ضمن هذه القوانين قانون اللامركزية الإدارية، قانون الانتخاب لتأمين برلمانية النظام والمراقبة والمحاسبة، قانون التنظيم الإداري للدولة ـــــ الوزارات والإدارات، قانون تنظيم أعمال مجلس الوزراء، قانون تحقيق السلطة القضائية المستقلة وغيرها الكثير (محمد نمر، 2023). أي أن المشكلة في لبنان ليست مشكلة دستورية بقدر ما هي مشكلة "عملة رديئة طردت العملة الجيدة" أي هي مشكلة زعماء ميليشيات سيطرت على مقاليد السلطة وعطلت الدستور خدمةً لمصالحها واحتكارها السياسي وارتباطاتها الخارجيّة ( النهار، 2020).
تم تقديم اقتراح قانون استقلاليّة السلطة القضائيّة في الأول من تموز 1997 ( الحسيني، الحص، كرامي، بيضون، و حرب، 1997). تم تغييبه كما المواد الأساسيّة، ولم يُقر شأنه شأن عشرات القوانين بعد أكثر من 33 سنة على توقيع اتفاق الطائف نتيجة سيطرة مفاهيم ميليشيات الحرب كقوى أمر واقع على مفاصل السلطة، ليمنع جشع الإحتكار السياسي والإصرار على تطبيق الإتفاق الثلاثي بدلًا من الدستور والطائف قيام دولة المؤسسات والوصول الى مرحلة الإنهيار الكامل (ح. الحسيني، 2013).
يتضمن اقتراح قانون استقلاليّة السلطة القضائيّة المذكور أربعة وعشرون مادة، على رأسها انشاء مجلس أعلى للسلطة القضائية يتولى شؤون السلطة القضائية، الصلاحيات العامة والخاصة، الشخصيّة القانونيّة والإستقلال المالي والإداري، علاقة المجلس بالسلطات الأخرى، تكوين المجلس بحكم المنصب وبالإنتخاب، موعد الإنتخاب وكيفيته، الرئاسة ونيابة الرئاسة، القسم، اجتماعات المجلس وقراراته، الأمانة العامة والنظام الداخلي، المجلس التأديبي وعمله، التفتيش القضائي وضمانة المتقاضين، تكليف القاضي بأعمال أخرى، النيابة العامة والأمر بالملاحقة، تأكيد مبدأ تسلسل القواعد، وجوب التقيد بقرارات ديوان المحاسبة، استبدال كلمة دولة بكلمة حكومة، التدخل في أعمال القضاء والعقوبة، طلب الاتهام وحصانة السلطة الإجرائيّة، جمع وتنسيق القوانين والأنظمة القضائيّة، التقرير السنوي، الغاء النصوص المتعارضة ونشر القانون والعمل به ( الحسيني، الحص، كرامي، بيضون، و حرب، 1997). من شأن هذا الإقتراح وضع مدماك تحقيق سلطة قضائيّة مستقلة تحقق وتحافظ على سيادة لبنان كدولة ديمقراطية حقيقيّة، مع تحقيق مبدأ التوازن والرصد المطلوب في مراقبة السلطتين التنفيذية والتشريعية. هذه المواد يمكن تطويرها مستقبلًا وفق تفاصيل ومبادئ بناء الأنظمة الديمقراطيّة التي بيناها في الدراسة ضمن رؤية مشروع الدولة. يتكامل هذا المشروع مع قانون تحقيق اللامركزيّة الإداريّة (Akoum، نحو لا مركزية ادارية وفق قواعد الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني، 2024) تحرير الإدارة العامة من سيطرة ميليشيات السلطة واعادة تنظيمها وزيادة فعاليتها بما يتلاءم مع عمل الإدارة المركزيّة والإدارات العامة في المحافظات المختلفة بعد اعادة هيكلتها، كما يتكامل مع تطبيق المادة 22 من الدستور المتعلقة بإستكمال السلطة التشريعيّة وقانون دستوري للإنتخابات (Akoum، استكمال السلطة التشريعيّة بمجلس شيوخ طائفي لمعالجة معضلة نظام المحاصصة الطائفيّة في لبنان، 2024)، وقانون التخصصيّة الحزبيّة لإخراج الأحزاب من نمطها الميليشياوي الذي قتل الدولة (س. عاكوم، 2024).
يجب الإلتفاف في هذه المرحلة حول اقرار اقتراح قانون السلطة القضائيّة، وتوضيح كل الأحكام المختصة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائيّة، والتنظيم القضائي، ونظام القضاة، وتنظيم معهد الدروس القضائية وهيئة الإشراف القضائي، ونظام المساعدين القضائيين وغيرها من الأمور. ليشرع قوانين استقلاليّة القضاء، ولتناط سلطة تعيين قضاة جدد وإدارة المعهد القضائي الى مجلس القضاء الأعلى، ولينضوي القضاة في مجمع القضاء لإنتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائيّة، ولا تتدخل الحكومة أو أية سلطة أخرى بالتعيينات والتشكيلات القضائيّة. وتكون علاقتها مع الحكومة وفق المادة الخامسة والمادة السادسة من قانون استقلاليّة السلطة القضائيّة المقترح ( الحسيني، الحص، كرامي، بيضون، و حرب، 1997) (مرفق ربطًا).
ما يحصل حاليًا من سياق رفع الإقتراحات المتعلقة بالقضاء الى الحكومة، لتقوم الحكومة بعدها بإدراج هذا الإقتراح على أحد اجتماعاتها، ليتحول بعدها الى مشروع قانون يرسل الى مجلس النواب، وهناك امكانية أو لا للمجلس أن يبحث امكانية الإقرار أو لا، هذا السياق يظهر أن هناك طعن فعلي بإستقلالية السلطة القضائية (هذه الإشكاليّة تحل في قانون مجلس النواب وصلاحيات رئيسه).
الهيئات الرقابية هي جزء أساسي من واجبات السلطة القضائية ولا يوجد وصاية لأي سلطة سياسية عليهاـ وتضم هيئاتها على سبيل المثال كل من التفتيش المركزي، ديوان المحاسبة وغيرهم، كتأكيد عملي على مبدأ الفصل بين السلطات، فمبدأ تعاون السلطات هو مبدأ يفرضه واقع الحال، صلاحيات المجلس الأعلى للسلطة القضائية متعلق بدراسة وتطوير النصوص الخاصة بالنظم القضائية، وبالقضاة والمحاكم، وذلك عند دراسة هذه النصوص ومعرفة كيفية تحصين القضاء والقضاة وكيفية تطوير وزيادة فعاليّة عملهم، وكذلك بتعيين القضاة وتشكيلاتهم وإدارة معهد القضاء، وهو منتخب من قبل مجمع القضاة، الذي ينتخب هيئة التفتيش القضائي.
على المجلس الأعلى للسلطة القضائية تحويل المبادئ التي أنتجها واستخلصها من دراساته وأبحاثه الى مشاريع قوانين تطبيقية، فالسلطة الوحيدة المخولة للتشريع هي السلطة التشريعيّة، من هنا تكون هذه القناة الحقيقية من قنوات التعاون، قناة استثنائية، كون اقتراح القوانين يأتي في العادة من مجلس النواب، أما مشاريع القوانين فتأتي من الحكومة أي مجلس الوزراء.
يجب أن يعطى المجلس الأعلى للسلطة القضائية الصلاحية الكاملة، وعلى رأسها صلاحية اقتراح القوانين، ويقوم بالدراسات والأبحاث وفق معايير ومبادئ علمية دستورية وتنظيميّة صحيحة، وبصفته سلطة مستقلة، ويعود الأمر كما يجب الى أم السلطات أي السلطة التشريعيّة (مجلس النواب)، لمناقشة اقرار هذه القوانين أو ردها، وهذه الإقتراحات تدرج حكمًا على جدول أعمال مجلس النواب في دوراته العادية، ما لم يكن مجلس النواب في حالة انعقاد بدورة استثنائية، عندها يعود للرئيس ولمكتب المجلس ادراجها على جدول أعمال المجلس أم لا.
هذا التوضيح يبين بوضوح أن مبدأ فصل السلطات هو لصالح السلطة القضائيّة في الأساس، تعزيزَا للعدالة، إذ ان النظام القائم هو نظام برلماني مما يربط تأليف الحكومة وحلها بإرادة المجلس النيابي، ومن المستحيل ارساء مبدأ الدولة من غير تكريس استقلالية السلطة القضائيّة تكريسًا بالنص والفعل، لذلك وجدنا أن الفقرة "ه" من مقدمة الدستور التي تتحدث عن استقلال السلطات وتعاونها هي مبدأ دستوري من مبادئ الدولة الديمقراطيّة الحديثة، وموجهة بشكل أساسي للسلطة القضائية قبل غيرها.
يجب الأخذ سريعًا بالإقتراح المقدم عام 1997 (اقتراح قانون السطة القضائيّة)، ويمكن إعادة صياغته وتطويره وفق مبادئ تحقيق سلطة قضائيّة مستقلة في الدول الديمقراطيّة التي أوضحنا قواعدها في هذه الدراسة.
هذه هي الطريقة الفُضلى وفق رؤيتنا لتكون السلطة القضائية، ووفقًا للدستور سلطة مستقلة حقيقة تستمد قوتها من خلال المشترع الذي يمثل الإرادة الشعبية ويمثل الشعب كأعلى سلطة في الدولة.
خلاصة:
إن تأسيس سلطة قضائية مستقلة أساسي لتحقيق سيادة الدول الديمقراطية والمحافظة عليها. يحقق مبدأ التوازن والرصد المطلوب في مراقبة السلطتين التنفيذية والتشريعية، حماية حقوق وحريات الأفراد، تحقيق سيادة القانون، اقامة الحكم النزيه وفق قيم العدالة والمساواة، حل القضايا الدستورية، تحقيق الاستقرار والتنبؤ بما يحقق رفاه اقتصادي شامل للدولة عبر جذب الاستثمارات لتعزيز التنمية والاستقرار المالي، وتحسين المستوى المعيشي للبنانيين.
تحتاج الدول الديمقراطية إلى سياسة تقييم وتعزيز مستمر للعناصر التي تضمن المحافظة على سيادة القانون والمبادئ الديمقراطية، عبر التمسك بالإطار الدستوري الواضح والشامل الذي يضمن استقلالية القضاء، تعيين القضاة وفق عملية شفافة، حماية القضاة من الضغوط الخارجية ومن الصرف التعسفي، وإنشاء آليات لمعالجة التجاوزات في القضاء. ضمان استقلالية مالية للقضاء بما يمنع التأثيرات الخارجية، التدريب المستمر والتطوير المهني للقضاة بتعزيز معرفتهم القانونية ومهاراتهم العمليّة. إقامة قوانين للأخلاقيات القضائية، آليات المساءلة وهيئات رقابية وآليات للتعامل مع الشكاوى ضد القضاة. ضمان الوصول إلى العدالة لجميع المواطنين، تعزيز الثقة العامة في القضاء من خلال تحقيق الشفافية والانفتاح وتشجيع مبادرات التثقيف العام. ضمان فصل واضح بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدولة، الإلتزام بالمعايير الدولية والسعي لتحقيق أفضل الممارسات في مجال استقلالية القضاء.
المجلس الأعلى للقضاء ركن أساسي لبناء مؤسسات السلطة القضائيّة المستقلة، يتضمن هذا المجلس أعضاء من الجسم القضائي ومن غير القضاة كوزير العدل وبرلمانيون. يتولى هذا المجلس مسؤولية التعيينات، الترقيات، الشؤون الانضباطية المتعلقة بالقضاة. كما يساهم في حماية استقلالية السلطة القضائية عبر ضمان غياب التأثيرات السلبيّة على القضاة، تتبع النيابة العامة للسلطة القضائية، وتعمل بشكل مستقل عن السلطة التنفيذية. ولا يمتلك وزير العدل سلطة إصدار تعليمات محددة في حالات القضايا الفردية.
تعزيز الدور المنوط بالمحامين ونقابتهم في ضمان استقلالية السلطة القضائية عبر حماية سيادة القانون بشكل نزيه ودون أي تأثير خارجي، ضمان المحاكمات العادلة والإدارة السليمة للعدالة، لعب دور رئيسي في الدفاع عن حقوق الأفراد من خلال تمثيلهم القانوني، الترويج للوعي العام حول أهمية السلطة القضائية المستقلة في المجتمع الديمقراطي.
تحقيق علاقة متوازنة بين السلطة القضائية المستقلة والتشريع البرلماني بشكل متفاعل ضمن إطار فصل السلطات واحترام مبدأ استقلالية القضاء. يكون التدقيق القضائي في أحكام التشريع بما يضمن التوافق مع الدستور والقوانين القضائية. المطلوب أن تلعب السلطة القضائية دورًا في الشؤون التشريعية عبر مراجعة أي إقتراح مباشر متعلق بالتشريع.
العمل وفق معايير متكاملة متعلقة بالوقت المخصص لمتابعة ملفات العدالة تسهم في تحديد حدود زمنية قانونية لمراحل الإجراءات القانونية لمنع أي تأخير غير مبرر وضمان تقدم القضايا القانونيّة بشكل موفق، والقيام بالتحسينات المستمرة وفق تطورات العمل ودراسة الواقع.
التوفيق بين السلطة القضائية المستقلة والمحاكم الاستثنائية عبر التدقيق في بعض المبادئ والتدابير الضامنة، توضيح النطاق والمدة المحدودة لتتناول القضايا، ضمانات دستورية وقانونية واضحة تمنع الإستخدام التعسفي. العمل على الدوام وفق معايير شفافة تمنع سوء الاستخدام السلطوي، الإلتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان. يتطلب تحقيق التوازن بين السلطة القضائية المستقلة والحاجة لمحاكم استثنائية توازنًا دقيقًا يحترم المبادئ الديمقراطية ومواجهة التحديات التي قد تنشأ في ظل الظروف الإستثنائية. فهناك حاجة للمراجعة والتحسين المستمر للإطار القانوني بما يمنع سوء الإستخدام ويحمي الأساس الديمقراطي للنظام القانوني.
متابعة القرارات القضائيّة الصادرة لضمان التنفيذ الصحيح وفق عملية ديناميكية تنطوي على الرصد والتعديل المستمر لمعالجة فاعلة للتجاوزات والقضايا الناشئة.
إدارة السجون وفق معايير الإطر القانونية، معايير حقوق الإنسان، التركيز على التأهيل وإعادة الإدماج. تعمل إدارة السجون بموجب معايير محددة من الأطُر القانونية ومبادئ حقوق الإنسان، يأخذ هذا التنظيم شكلًا هرميًا فيما بين وزارة العدل والمديرية العامة لإدارة السجون، ويكون لهما دورًا مركزيًا في هذا المجال. تكون الوحدات الإقليمية والمحلية لهذه السلطة مرتبطة بالتوزيع الجديد للمحافظات والأقضيّة اللبنانيّة المقترحة. التدريب والتطوير المهني لموظفي السجن، برامج التحفيز وتعزيز الإيجابيات هي من ضمن برامج المحافظة على الانضباط.
أخيرًا الفصل بين العمل السياسي وتدخل السياسيين في شؤون الإدارة العامة. اتباع السياسيين والإداريين العامين على السواء القوانين والتعليمات المرتبطة بالمعايير، تعزيز إطار قانوني واضح يُعَرّف الأدوار والمسؤوليات والحدود، الإلتزام بخدمة المصلحة العامة بدلاً من التحالف مع أي أيديولوجية سياسية، حزبية أو طائفيّة. الجدارة عند توظيف وترقية الإداريين، تعزيز الشفافية والمساءلة، إنشاء آليات مستقلة للرقابة وغيرها من التعليمات والتدابير للخروج من سيطرة ميليشيات سلطة المال والسلاح على الإدارة العامة في لبنان وتطويعها لخدمة مصالح الأحزاب والزعامات والعمل على الغاء كل المجالس والصناديق التي تعمل خارج اطار عمل الإدارة العامة والوزرات وبشكل مخالف للدستور.
هناك حاجة ملحة وطارئة لمعالجة تداعيات سقوط الدولة في لبنان والإنطلاق بمشروع إصلاحي متكامل بعد الفشل على مختلف الصعد وسقوط المنظومة والدولة الدستوريّة الذي وصلنا اليه.
يتطلب هذا الأمر التفكير بإعادة بناء كل شيء من جديد وفق ركيزة الدستور والطائف ووفق قيم ورؤية مشروع الدولة. مشروع بناء الدولة يعني ركائز عدة، من استكمال السلطة التشريعيّة بمجلس شيوخ طائفي لمعالجة معضلة نظام المحاصصة الطائفيّة في لبنان، تحقيق اللامركزيّة الإداريّة الدستوريّة من ضمن مشروع استكمال السلطة التشريعيّة مع قانون انتخابي يتوافق وميثاقيّة مقدمة الدستور، قانون متخصص للأحزاب السياسية يخرجها من نمط العمل الميليشياوي، تحرير الإدارة العامة من سيطرة الميليشيات ومحاصصاتهم، وقبل وبعد كل ما سبق تحقيق استقلاليّة السلطة القضائيّة التي هي أهم ركن من أركان تحقيق مشروع الدولة الطبيعيّة.
ليكون مشروع مأسسة الدولة هذا المنفتح على كل الطاقات، مع مشروع بناء وتحديث الإدارة بمختلف مستوياتها، توجيهًا للدولة من خدمة محاصصة زعماء ميليشيات الطوائف الى فتح الباب أمام كل الطوائف لتقديم من هم أكثر كفاءة والتزام وطني وانساني لتحقيق المصالح التنمويّة المشتركة خدمة لكل المواطنين بعدالة وإنصاف، أي العمل وفق أُسُس مشروع متكامل لإستعادة وطننا وإطلاق الحياة في الدولة اللبنانيّة من جديد.
المطلوب بأسرع وقت ممكن الأخذ باقتراح قانون استقلاليّة السلطة القضائيّة المقدم الى المجلس النيابي في الأول من تموز 1997 مع امكانيّة تطوير نصوصه بمفاهيم وقواعد بناء الأنظمة الديمقراطيّة التي بيناها في هذه الدراسة. هذا الملف ليس مجرد عنوان أو وجهة نظر بل هو أساس بناء أي دولة ديمقراطيّة طبيعيّة، وغيابه يعني انتفاء وجود الكيان والدولة اللبنانيّة ووصولنا الى ما وصلنا اليه والإندثار الحتمي اللاحق.
للإطلاع على نص افتراح قانون السلطة القضائية
المراجع
- Andoulsi, I. ( 2012, May). The Role of Lawyers in Judicial Proceedings in Europe. Retrieved from EUROPEAN COMMISSION FOR THE EFFICIENCY OF JUSTICE (CEPEJ): https://rm.coe.int/1680748270
- FELD, L., & VOIGT, S. (2003, APRIL). ECONOMIC GROWTH AND JUDICIAL INDEPENDENCE: CROSS COUNTRY EVIDENCE USING A NEW SET OF INDICATORS. Retrieved from https://www.ssrn.com/
- Préfontaine, Q.C, D., & Lee, J. (2015). THE RULE OF LAW AND THE INDEPENDENCE OF THE JUDICIARY. Retrieved from The International Centre for Criminal Law Reform and Criminal Justice Policy: https://biblioteca.cejamericas.org/
- النهار. (11 02, 2020). الحسيني لـ"النهار": كل ما يجري في مجلس النواب غير شرعي. تم الاسترداد من جريدة النهار: https://www.annahar.com/
- CEPEJ-GT-QUAL. (2016, December 7). Guidelines on how to drive change towards Cyberjustice. Retrieved from EUROPEAN COMMISSION FOR THE EFFICIENCY OF JUSTICE: https://rm.coe.int/16807482de
- Colombatto, E. (2007). It Was the Rule of Law. Presses de Sciences Po, pp. (Vol. 58), pages 1163 à 1180.
- Council of Europe. (2019, 09 03). The independence of judges and the judiciary under threat. Retrieved from Commissioner for Human Rights: https://www.coe.int/sv/web/commissioner/
- Council of Europe. (2019, 09 03). The independence of judges and the judiciary under threat. Retrieved from Commissioner for Human Rights: https://www.coe.int/sv/web/commissioner/
- Crétenot, M., & Liaras, B. (2013, September). Prison conditions in France. Retrieved from European Prison Observatory: http://www.prisonobservatory.org/
- IDEA. (2014, August). What Is a Constitution? Principles and Concepts. Retrieved from International IDEA: https://constitutionnet.org/
- IMF. (2017, November). Reforming the Judiciary: Learning from the Experience of Central, Eastern, and Southeastern Europe. Retrieved from International Monetary Fund : file:///C:/Users/HP/Downloads/eur-reo-chapter-2.pdf
- Ministry of Justice. ( 2015 , January ). Judicial Appointments Commission. Retrieved from Triennial Review – Judicial Appointments Commission: https://www.judiciary.uk/judicial-appointments-commission/
- Nowak, M. (2012, April). Strengthening International Law to Support Democratic Governance and Genuine Elections. Retrieved from Democracy Reporting International: https://www.eods.eu/
- Pim, A. (2010). The management of judicial time. Retrieved from Council of Europe: https://rm.coe.int/
- Samir Hassan Akoum. (19 01, 2024). استكمال السلطة التشريعيّة بمجلس شيوخ طائفي لمعالجة معضلة نظام المحاصصة الطائفيّة في لبنان. تم الاسترداد من المجلة القضائيّة - صادرلكس: https://lebanon.saderlex.com/category/
- Samir Hassan Akoum. (08 01, 2024). نحو لا مركزية ادارية وفق قواعد الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني. تم الاسترداد من المجلة القضائيّة-صادرلكس: https://lebanon.saderlex.com/category/
- Sauvé, J.-M. (2011, 06 22). The Judiciary and the Separation of Powers. Retrieved from CONSEIL D'ETAT: https://www.conseil-etat.fr/
- UNDP. (2023). INDEPENDENCE OF THE JUDICIARY. Retrieved from United Nations Development Programme: https://www.undp.org/lebanon/projects/
- United Nations. (1996-2024). Basic Principles on the Independence of the Judiciary. Retrieved from Human Rights Instruments: https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/
- UNODC. (2020, February). General issues. Judicial independence as a fundamental value of the rule of law and of constitutionalism. Retrieved from Judicial independence: https://www.unodc.org/
- Voermans , W., & Albers, P. (2003). Councils for the Judiciary in EU Countries. The Hague: Organisaties en Instellingen-Councils of Justice in Europe.
- الدستور اللبناني. (1990). الصادر في 23 ايار سنة 1936 مع جميع تعديلاته. بيروت: المجلس النيابي.
- ح. الحسيني، س. الحص، ع. كرامي، م. ي. بيضون، و ب. حرب. (1997). أقتراح قانون السلطة القضائيّة. بيروت.
- ح. الحسيني. (01 كانون الأول, 2013). حسين الحسيني: الطائف لم ينفذ بل الإتفاق الثلاثي الذي يرعى اللبنانيين. تم الاسترداد من سلام وكلام، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: https://www.salamwakalam.com/
- س. ح. عاكوم. (2022). نحو نظام سياسي فاعل مرجعيته الدستور وميثاقيّة مقدمته. بيروت: ISBN 978-9953-0-5812-2.
- س. عاكوم. (04 01, 2024). ماذا نعني بقانون حديث ومتخصص لتنظيم الأحزاب السياسيّة في لبنان؟ تم الاسترداد من النهار، حرر فكرك: https://www.annahar.com/
- محمد نمر. (11 01, 2023). لبنان الكبير” ينشر “وصية” الرئيس الحسيني: لا لتمزيق الدستور. تم الاسترداد من لبنان الكبير: https://www.grandlb.com/politics/42321/

