المقدّمة
الوساطة هي طريقة سلمية وحبية لحل الخلافات، تُعطي الحق لأطراف نزاع حالي أو مستقبلي بالاتفاق على تعيين وسيط حيادي، مستقل ومتخصّص، يساعدهم على التوصّل الى حل يلبي احتياجات جميع الأطراف ويراعي القوانين الالزامية والنظام العام يضعونه بأنفسهم ويكرّسونه بموجب عقد.
هي ايضا" تقنية سرية، سريعة، تحافظ على استمرارية العلاقات مستقبلا"، كما انّ اللجوء اليها هو فعل ارادي بحت لحل النزاعات (1) وقد عرّف الطبيب النفسي روس ستاغنر النزاع على الشكل التالي:
" هو موقف يرغب إنسانان أو أكثر تحقيق غايات فيه ويعتقدان أن ذلك ممكن لواحد منهما ولكن ليس للاثنين معا ويرى كل من الطرفين أنّ الآخر عقبة أو حاجز أمام تحقيق هذه الغاية. "
كما انّ للنزاع مستويات عدة فقد ينشأ بين الدول، بين المجتمعات، بين المنظمات، او بين الأشخاص.
وقد يكون نزاع قيم، او تضارب مصالح او نزاع حول كيفية الوصول الى الحل، اي خلاف على الوسيلة، او نزاع حول العوامل التي أدّت إلى وجود الأوضاع التي ظهر فيها الخلاف من خلال نسبة هذا الاخير الى الغير.
هناك العديد من الفوائد لاستخدام الوساطة لحل النزاع بحيث أنّها يمكن أن تساعد في تعزيز التواصل والتفاهم بين الأطراف، تحديد الأرضية المشتركة ووضع الحلول التي تلبي مصالح واحتياجات الأطراف، توفير الوقت والمال وتجنب التقاضي المكلف أو العنف.
كما تتميز الوساطة بِسِمات عدة ابرزها أنّها طوعية، بمعنى أنّه يجب أن توافق جميع الأطراف على المشاركة في الوساطة، سرية، أي لا يجوز للوسيط إفشاء أي شيء يقال في جلسة الوساطة إلا بموافقة جميع الأطراف، عدم انحياز الوسيط وحياده، حل المشكلات، ذلك أنّ الهدف من الوساطة هو مساعدة الأطراف على التوصل إلى تسوية مقبولة للطرفين، والمرونة لأنّ الوساطة عملية مرنة يمكن تكييفها مع الاحتياجات المحددة للأطراف.
أمّا مزايا الوساطة فمتعددة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، قدرتها على انقاذ الأرواح، أرخص من الحرب ومن أنواع أخرى من التدخلات، تمكّن من إعادة بناء العلاقات بين الأطراف، تساعد في التعامل مع الصراعات الكامنة أو عميقة الجذور، وتحقق نتائج جيدة.
بالمقابل، انّ نقاط ضعف الوساطة قد تكون عدم الفعالية، ارتفاع كلفة التنفيذ، بطء الاجراءات، الفشل في إقناع الجميع، الحاجة الى آليات دعم مكلفة للغاية أو غير متوفرة، وعدم ديمومة الاتفاق الذي قد يتم التوصّل إليه. (2)
أضحت الوساطة اليوم قبلة الانظار بعد أن ضاق ذرع الناس من تعثر التقاضي بشكله المعهود حتى ساد اقتناع بضرورة اللجوء الى الوسائل البديلة لحل النزاعات وتحرير المحاكم من عبء الدعاوى التي يمكن تسويتها من دون اللجوء اليها، كتلك التي تستند الى خبرات فنية او تجارية او تقنية، او فيما يتعلق بمنازعات البترول وغيرها من المنازعات التي يكون الأطراف فيها في امسّ الحاجة إلى ذوي الخبرة والتخصّص.
انّ ما تقدم يؤكد حاجة لبنان تحديدا" لاعتماد الوساطة نظرا" لما تعانيه قصور العدل والسلطة القضائية بشكل عام والمساعدين القضائيين من تأزّم على نحو غير مسبوق.
هذا على الصعيد المحلي، دوليا" ايضا" بات اللجوء الى الوساطة يشكّل حاجة ملحة لتهدئة الصراعات الدولية، وهو ما يخلق أدوار دولية جديدة، لأطراف تبدو بعيدة، ولو نسبيا، عن دائرة الصراع، بحسب قدرتها على تحقيق أكبر قدر من المرونة في التعامل مع المتغيرات الدولية، عبر تبني مواقف تحمل قدرا من الموضوعية، من شأنها تقديم حلول فعالة للأزمات، تحظى بثقة الأطراف المتصارعة، حتى تتمكن من القيام بدور "وسيط" موثوق" به يتحلى بالحيادية والموضوعية لتحقيق اختراقات كبيرة في المفاوضات الصعبة. (3)
فعلى سبيل المثال، غالبا" ما سعت الولايات المتحدة الاميركية للعب دور الوسيط تكريسا" لقوّتها وتقليصا" لأي دور محتمل للقوى التي يمكنها المنافسة على هذا الدور وخاصة تلك التي لا تدور في فلكها، غير أنّ مساعيها لم تنجح في لجم تصاعد دور منافسيها، على غرار الصين وروسيا، لتمتد إلى مناطق بعيدة عنهم جغرافيا، كما في الشرق الأوسط الذي يمثل عمقا" استراتيجيا لواشنطن.
في آذار من العام 2017 اعلنت الصين استعدادها للتوسّط بين كل من ايران والسعودية في مبادرة جاءت على لسان وزير الخارجية الصينية آنذا وانغ بي، قبيل زيارة قام بها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الى الصين. واعادت بكين الكرّة اثناء زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى البلاد عام 2019 حيث عادت واعلنت استعدادها للتوسّط مع ايران.
وجاء هذا الاتفاق بعد مباحثات جرت بين وفدي السعودية وايران في بكين خلال الفترة الممتدة من 6 الى 10 آذار 2023 ليمثّل تحوّلا" جديدا" في المنطقة وليطرح في الوقت ذاته العديد من الدلالات عن نجاح هذه الوساطة الصينية.
الاتفاق الثلاثي الذي تمّ التوصل له، سبقته مباحثات بين طهران والرياض خلال عامي 2021 و 2022، استضافتها سلطنة عمان وجمهورية العراق وقد استكملت الصين المحادثات وأوصلتها إلى النتيجة المرجوة، فكيف تمكنت الصين من الوصول لهذه النتيجة؟
يكمن سر الوساطة الصينية التي خرجت من اطار الوساطة التقليدية الى تجسيد دور الضامن من خلال تقديم "ضمانات" لتحقيق ما يمكن التوصل إليه من اتفاقات لحل الأزمات، بحيث انّ هذا البحث يهدف الى فهم " الوساطة السياسية الصينية بين كل من الجمهورية الاسلامية الايرانية والمملكة العربية السعودية واسبابها وأسرار نجاحها " وسيتم معالجة هذه الاشكالية من خلال اعتماد خطة البحث التالية:
القسم الأوّل: الحاجات والمصالح الدولية انطلاقا" من البعد الجيو- سياسي لكل دولة
أوّلا": المملكة العربية السعودية
ثانيا": الجمهورية الاسلامية الايرانية
ثالثا": الصين
القسم الثاني: مفاعيل الوساطة الصينية والتعاطي الاعلامي معها.
أوّلا": تفاعل الولايات المتّحدة الاميركية مع الوساطة الصينية بين الجمهورية الاسلامية الايرانية والمملكة العربية السعودية.
ثانيا": تأثيرها على الدول المحيطة وبصورة خاصة لبنان
ثالثا": التعاطي الاعلامي مع هذه الوساطة.
القسم الأوّل: الحاجات والمصالح الدولية انطلاقا" من البعد الجيو- سياسي لكل دولة:
أدركت الصين جيدا" العناصر الجوهرية لتصميم عملية لتسوية النزاعات منطلقة من الاعتقاد العام الراسخ بوجود مأزق، يحتّم اجراء مفاوضات بهدف الخروج ممّا يعرف بحالة الجمود المؤلم، ونضيف، الغيلان المؤلم والمولّد للنزاعات التي لا تنتهي.
أيضا"، أدركت الصين بحنكة سياسية كبيرة كيفية انتهاز واستغلال الفرصة واللحظة الناضجة في التوقيت المناسب وأجرت تقييما" دقيقا" للنزاع المستمر بين كل من ايران والسعودية مقدّمة نفسها كوسيط موثوق بها معتمدة المرونة في التفاوض ومتجنّبة الشروط المسبقة كي لا تصبح عقبات للحوار.
صمّمت الصين اجراءات الوساطة الدولية وفقا" للأصول من خلال فهم النزاع وجمع وتحليل البيانات، التواصل مع الأطراف المعنية، وضع إطار زمني، وضع اطر للمناقشات والمفاوضات، والحرص على احترام السرية وعلى اتمام مفاوضات سريعة بعيدة عن أنظار الجميع مترافقة مع جلسات تفاوض سرية مع إصدار تقارير ظرفية أو دورية عن التقدم المحرز مع الحرص على اتفاق المشاركين كافة على حظر نشر الأخبار وعلى حسن إدارة العلاقات الإعلامية.
وقد جزّأت وساطتها الدولية على عدة مراحل نذكر منها ما يلي:
- المرحلة الاولى: جمع المعلومات عن الأطراف، التاريخ الوطني، الابعاد الجيو- سياسية لكل دولة وجمع وتحليل المعلومات الخلفية الاضافية والكشف عن المصالح الخفية وتحديد المواقف الحقيقية وتحديد المشاكل.
- المرحلة الثانية: بناء علاقات ثقة وتعاون مع كافة الاطراف والتوقف عند آرائهم.
- المرحلة الثالثة: مناقشة الخيارات للتسوية والتحقق من كل منها والتوصل الى تسوية ونشرها
- المرحلة الرابعة: التنفيذ.
- المرحلة الخامسة: الإشراف.
- المرحلة السادسة: التدخل مجدداً (إذا دعت الحاجة). (4)
نظرا" لاهمية المرحلة الاولى، سنستعرض للحالة الجيو- سياسية لكل من المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية والصين وفقا" لما يلي:
أوّلا": المملكة العربية السعودية:
المشكلة في المملكة العربية السعودية محددة بكلمتين: السعودية والعربية.
في عام 1740، كانت أجزاء من منطقة نَجَد في وسط الجزيرة العربية تحت سيطرة أمير محلي يُدعى محمد بن سعود. بحلول عام 1930، قام أحد أحفاده المباشرين بتوسيع تلك المنطقة إلى حد كبير وأعاد تسميتها بالمملكة العربية السعودية. وهنا يجدر التساؤل، إذا قامت إحدى العائلات بتسمية دولة على اسمها، فماذا عن كل شخص ليس من العائلة؟ هذا التعريف للذات مع الدولة يخلق بحد ذاته صعوبات في المواطنة (5) وهذا ما يفسّر التوترات التي تدور تحت سطحها.
البلاد في الغالب صحراء، وكانت مصادر الطاقة الأحفورية السبب الرئيسي في دفع المملكة العربية السعودية إلى القرن العشرين وجعلها لاعباً رئيسياً. النفط هو أيضًا أساس علاقة البلاد مع حليفها الرئيسي وحاميها: الولايات المتحدة الأمريكية. لقد منحها النفط ثروة هائلة، وهذه الثروة، في عالم متعطش للنفط، سمحت لها بالبقاء.
لكن هناك مشكلة: العالم يفطم نفسه ببطء عن النفط. ماذا تفعل الأسرة الحاكمة في أرض صحراوية لا يوجد فيها سوى الرمل والنفط، سكان متنازعون على شرعيتهم، محاصرون بأعداء من الداخل والخارج؟ يجب أن تقوم بتحديث التكنولوجيا واستخدامها لتسخير الطاقة المتجددة للتكيّف مع القرن الحادي والعشرين. لن يكون طريقًا سهلاً، وسيؤثر نجاحه أو فشله على الشرق الأوسط الكبير وما بعده.
سكّان المملكة العربية السعودية هي في الغالب من المذهب المسلم السنّي، ولكن مع أقلية شيعية كبيرة. يعيش معظمهم في المنطقة الشرقية وينحدرون من قبيلة البحارنة، وبسبب المئات من أنابيب النفط والغاز التي تعبر المنطقة، فهي معرّضة للتخريب. ترتبط المنطقة بالبحرين ذات الأغلبية الشيعية من خلال جسر طوله 25 كيلومترًا شيّده السعوديون في عام 1986 وهي مخصّصة رسميًا للتنقل والسياحة والتجارة، كما تعيش تجمّعات كبيرة من المسلمين الشيعة على طول الحدود مع اليمن.
مع ازدياد أهمية الأسرة، أقامت علاقة إستراتيجية مع عشيرة الوهاب. كانت الصفقة أنّ السعوديين هم من يتولون السياسة، لكن الجوانب الدينية للسياسة والمجتمع كانت من اختصاص الوهّابيين.
خلال الحرب العالمية الثانية، أظهر الصراع أنّ العالم الحديث يعتمد الآن بشكل مطلق على النفط، ليس فقط للصناعة والازدهار ولكن أيضا لخوض الحروب. كان ابن سعود يعرف ذلك، وكان الرئيس روزفلت يعرفه، واتفقا على ضمان وصول الأمريكيين إلى النفط السعودي، وضمان سلامة المملكة العربية السعودية من قبل الأمريكيين. بعد أيام قليلة أعلنت المملكة العربية السعودية الحرب على ألمانيا واليابان، وبالتالي حصلت على مقعد في الأمم المتحدة، وأصبح السعوديون لاعبين على المسرح العالمي، وجعلهم النفط مهمين، وجعلهم الأمريكيون آمنين.
لفهم السياسة الخارجية في عهد محمد بن سلمان، من المهم أن نرى السياسات التي ورثها، وخاصة الحرب الباردة الإقليمية مع إيران التي انحدرت إلى حروب بالوكالة هذا القرن. أنتجت الفوضى التي أطلقها الأمريكيون في العراق حكومة يهيمن عليها الشيعة ولها علاقات مع إيران، وتسلّح إيران العديد من الميليشيات الشيعية العراقية.
المملكة العربية السعودية لا تخشى فقط حصول إيران على أسلحة نووية بل تخشى ايضا" قدرتها على بسط نفوذها وعنفها في جميع أنحاء المنطقة. إذا أصبحت إيران دولة مسلّحة نوويا، فإنّ المملكة العربية السعودية ستنظر في أن تحذو حذوها.
كما وافق محمد بن سلمان على التدخل العسكري في اليمن من خلال تحالف من دول الخليج في «عملية عاصفة الحزم». كان التحالف يقاتل قوة شيعية متمردة تسمّى الحوثيين تدعمها إيران. لا تريد المملكة العربية السعودية أن يسيطر الحوثيون على اليمن بسبب علاقاتهم مع طهران.
كان ينظر إلى ولي العهد في البداية على أنه مصلح، لكن بعد حادثة مقتل الصحافي خاشقجي تغيّرت هذه الصورة. وفي قمة مجموعة العشرين بعد أسابيع قليلة من جريمة القتل، بدا أن بعض قادة العالم يتجنّبونه، لكن الرئيس الروسي بوتين احتضنه، وفي الصين أبرم صفقة اقتصادية بقيمة 28 مليار دولار.
على الجبهة الداخلية، لا يعاني محمد بن سلمان من مشاكل عائلية فحسب، بل لديه مشاكل في البلاد، من بينها الاستياء الشديد لأكبر أقلية: الشيعة، الذين واجهوا مشكلة خاصة مع الوهابيين، الذين ينظرون إلى الشيعة على أنهم مرتدون، ويذهب البعض إلى حد القول إنهم ليسوا مسلمين، وهذا التحيّز يعود إلى زمن بعيد.
لا يمكن تخفيف التوترات بين الدولة والشيعة إلا من خلال معاملتهم على قدم المساواة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والدينية.
من الناحية الاستراتيجية، يتعين على المملكة العربية السعودية التمسك بالأمريكيين لسنوات عديدة قادمة، على افتراض أنّ الأمريكيين يلتزمون بهم. بدون ضمان أمني من الولايات المتحدة الأمريكية، فإنّ الحدود البحرية للبلاد غير آمنة، لأنّ الخليج الفارسي والبحر الأحمر ضيقان، ولكل منهما نقاط اختناق. وفي غياب قوة بحرية سعودية قوية، يمكن لقوة معادية أن تمنع الصادرات السعودية من الوصول إلى المحيط الهندي أو قناة السويس.
ومع ذلك، على الرغم من العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، فإن العلاقات الاقتصادية مع الصين تتعزّز. وقد باعت الصين، المملكة، صواريخ باليستية متوسّطة المدى، وَنَمَت وارداتها النفطية بسرعة في السنوات القليلة الماضية، ووقّعت المملكة العربية السعودية أحد عقود 5ج الاثني عشر التي فازت بها هواوي في المنطقة، وفي العقدين الماضيين تم الإشادة بالنموذج الصيني باعتباره ناجحا".
تتمثل خطة المملكة في حصول مواطنيها على بلد أقل بيروقراطية مع انخفاض الفساد، واقتصاد سيكون قادرا على البقاء على قيد الحياة في النهاية البطيئة لعصر النفط. ذلك أنّه في حال لم يتم تنفيذ الإصلاحات، وانتقل العالم من النفط، فماذا ستقدم المملكة العربية السعودية لهذا العالم الجديد؟
يتعين على القيادة السعودية بناء مجتمع جديد واقتصاد جديد وجيش فعال لاّن قتال الاميركيين من أجل المملكة العربية السعودية للحفاظ على تدفق المواد السوداء لتشحيم عجلات الاقتصاد العالمي لن يدوم طويلا". (6)
ومن خلال ما تقدم، تكون الصين قد جمعت المعلومات الكافية عن المملكة ودرست تاريخها الوطني وتركيبة مجتمعها والابعاد الجيو- سياسية وجمعت وحلّلت المعلومات وكشفت عن الاحتياجات والمصالح الخفية للمملكة وحدّدت الاشكاليات، وانطلقت لدراسة وتحليل البعاد الجيو-سياسية لايران.
ثانيا": الجمهورية الاسلامية الايرانية:
رغم كونها اليوم دولة مضطربة نسبيا"، فقد تميّزت إيران عبر التاريخ بكونها دولة ذات تاريخ عظيم بحيث أنّ الإمبراطورية الفارسية كانت حضارة رائدة في العالم القديم.
لمعرفة الاسباب الموجبة التي دفعت ايران للانخراط بالوساطة الصينية، يجب فهم الابعاد الجيو- سياسية وحقيقة حاجاتها ومصالحها وهواجسها الداخلية والاقليمية والدولية.
من حيث الجغرافيا، تمتاز ايران بالصحاري المسطّحة من الداخل، وبجبالها التي جعلت منها قلعة، بحيث أنّ الثمن الذي يدفعه الغازي لاختراق الجدار الجبلي سيكون باهظا" جدا"، علما" أنّه عبر التاريخ، حاولت عدّة دول استخدام الأراضي الايرانية في محاولة للتلاعب بما يحدث داخل إيران، بحيث أنّه بعد اكتشاف النفط، قبل الحرب العالمية الأولى، ضمن البريطانيون فوزهم بالحقوق الحصرية للاستخراج، وبنوا أكبر مصفاة في العالم في ميناء عبادان، ومنها تدفق النفط الرخيص للإمبراطورية البريطانية.
كما أنّ إعلان الحياد في بلاد فارس في الحرب العالمية الأولى على سبيل المثال، لم يمنع القوات البريطانية والألمانية والروسية والتركية من استخدامها كساحة معركة، ما دفعها الى أن تبقى على أهبّة الاستعداد الدائم لمواجهة اي تدخل من الخارج.
وفي الحرب العالمية الثانية حاولت إيران مرّة أخرى أن تكون محايدة، لكنها وقعت مجددا" ضحية للقوى الخارجية.
وفي مرحلة النفوذ الاميركي، يعتقد المتشددون الإيرانيون أنّ الدور الأمريكي في منطقتهم يهدف الى ضمان سيطرتهم على ثروات المنطقة وحماية اسرائيل.
تعاني ايران من نقص في المياه، الامر الذي يعتبر من العوامل التي أعاقت التطور الاقتصادي الايراني السريع، ذلك أنّ حوالي عشر الأراضي مزروعة، ثلثها فقط مروي، ولا يوجد سوى ثلاثة أنهار كبيرة.
تمتلك إيران رابع أكبر احتياطي من النفط على مستوى العالم وثاني أكبر احتياطي من الغاز، وتشكّل قوة رئيسية في الشرق الأوسط خاصة أنّها دولة نووية محتملة، فلا بد وأن تكون دولة غنية. لكن الحرب الإيرانية - العراقية (1980-1988) شهدت تدميرا" لمرافق التكرير، وقد تفاقم الوضع صعوبة نتيجة العقوبات الدولية التي جعلت من
الصعب الحصول على المعدات الحديثة، أضف أنّ مجموعة الخبراء الأجانب الراغبين في العمل في إيران محدودة، وكذلك عدد الدول المستعدة لشراء الوقود الإيراني.
الطاقة هي أهم صادرات إيران. تقع حقولها النفطية في المناطق التي تواجه المملكة العربية السعودية والكويت والعراق. إحدى طرق التصدير الرئيسية هو خليج عمان عبر مضيق هرمز. هذا هو السبيل الوحيد لإيران للخروج إلى ممرات المحيط المفتوحة.
أحد الأسباب التي حرمتها من ان تكون قوة بحرية، هو أنه يمكن منعها بسهولة من الوصول إلى المحيط. ومع ذلك، فإنّ عرض مضيق هرمز يعني أن طهران يمكن أن تهدد بإغلاقه أمام الجميع. ولأنّ خمس إمدادات النفط العالمية تمر عبرها، فإنّ الإغلاق يعني الشلل. ومن شأن ذلك أن يضر بإيران أيضا، وربما يعني الحرب. لكنها ورقة يمكن أن تلعبها، وقد استثمر النظام في وسائل لمحاولة جعلها ورقة رابحة.(7)
من حيث تركيبة المجتمع الايراني، يمكن تتبّع مجتمع اليهود الصغير، والاكراد الذين يمثلون ابهى الامثلة عن احتفاظ سكان الجبال بثقافتهم في مواجهة سياسات الاستيعاب والانصهار، ذلك أنّ عرقهم ولغتهم ونزعتهم الاستقلالية وكون معظمهم من المسلمين السنّة في بلد يهيمن عليه الشيعة، وضعتهم في صراع مع السلطات المركزية لعدة قرون وهم ثاني أكبر أقلية بعد الأذربيجانيون، يعيش معظمهم في جبال زاغروس المتاخمة للأكراد في العراق وتركيا.
وهنا تبرز مشكلة الاقليات في المجتمعات التعددية المركّبة الخاضعة لنظام مركزي، في حين أنّها تحتاج لنظام لا مركزي يمكّن كل مجموعة من عيش هويتها وثقافتها وتقاليدها والحفاظ على كيانها كالنظام الفدرالي، بدلا" من الابقاء على النظام المركزي الذي يريد صهر الجميع غصبا" عنهم، ما يؤدي الى استيلاد الازمات والحروب بشكل مستمر.
سعت وتسعى ايران الى كسب النفوذ في جميع أنحاء المنطقة. ففي الحرب الأهلية في اليمن، على سبيل المثال، انحازت إلى فصيل الحوثيين الشيعة ضد القوات السنية المدعومة من السعودية، وأمضت طهران عشرين عاما في إنشاء ممر إلى البحر الأبيض المتوسط من خلال تمكين ودعم حليفها في لبنان حزب الله، بالاضافة الى هيمنتها على بغداد ودمشق.
هذه هي طريقة الجمهورية الإسلامية لإبراز قوتها في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام ولبنان، تماما كما فعل أسلافها في القرون السابقة.
في عام 2001، وصف الرئيس جورج بوش إيران بأنها جزء من « محور الشر»، وادّعى أنّ منشآت الطاقة النووية كانت غطاء لبناء ترسانة أسلحة نووية، الامر الذي أثار قلق الجميع بما فيها المملكة العربية السعودية.
كانت التوترات بين إيران والولايات المتحدة ثابتة، ومع صعود داعش، أدركت طهران أنّ الأمريكيين، الذين أنهكتهم خسائرهم، سيقبلون بأن تتولّى إيران القتال ضد داعش. كما أدركت أنّ الموافقة على الاتفاق النووي ستفتح الباب أمام تعاون سري مع الأمريكيين. كان الرئيس أوباما راغبا بشدة في نجاح السياسة الخارجية من خلال ابرام الاتفاق النووي، وقد تقاطعت مصلحة ايران مع المصلحة الاميركية حينها، فكان الاتفاق. وقد شكّل ذلك مثالا" عمليا" على أنّ تلاقي المصالح يمكن أن يؤدي الى تجاوز الاختلافات الأعمق، تماما" كما عاد وحصل مع الوساطة الصينية بين ايران والسعودية.
كان تنظيم داعش في حالة تراجع، لكن التوترات سرعان ما عادت، خاصة بعد وصول دونالد ترامب إلى السلطة وسط مخاوف من الحرب. لقد أخرج الولايات المتحدة من الصفقة النووية، وأعاد فرض العقوبات وتخويف الشركات الأوروبية حتى تكون حذرة للغاية من عقد صفقات مع إيران.
تبع ذلك سلسلة من الحوادث التي رفعت درجة الحرارة، وقد لاقت صداها في الداخل الايراني واشعلت المظاهرات الشعبية من جديد، ولكن هذه المرّة كانت مقلقة اكثر للنظام الحاكم في ايران لأنّ الجزء الأكبر من المتظاهرين لم يعودوا في كثير من الأحيان طلابا، انّما من الطبقات الليبرالية والطبقة العاملة التي لطالما شكّلت العمود الفقري لثورة 1979،
وكان لافتا" سماع هتافات « الموت لخامنئي »، وفي توبيخ للسياسة الخارجية الإيرانية هتفت الحشود: «لا غزة، ولا لبنان، حياتي لإيران»، و«اخرجوا من سوريا». كان الناس يشيرون إلى أنهم سئموا من التضحية بشبابهم في الحروب الأهلية العربية.
ثم جاء كوفيد-19، وشكّل صفعة للحكومة وتعرّض رجال الدين للسخرية الشديدة على وسائل التواصل الاجتماعي بمجموعة متنوعة من النكات والرسوم الكاريكاتورية التي انتشرت بسرعة أكبر من الفيروس نفسه.
هذا الموضوع يشكّل مناسبة هامة لدراسة التحديات الداخلية التي تواجه النظام والقوة التي يمتلكها لمواجهتها.
من الناحية الاقتصادية، يبرع الايرانيون في الالتفاف على العقوبات، ورغم ترنّح الاقتصاد عاما بعد عام، أقامت إيران علاقات اقتصادية جيدة مع الصين، التي هي أكثر استعدادا من العديد من الدول لتجاهل عدد من العقوبات.
ايضا" من ضمن التحديات الداخلية، تظهر اشكالية الاكراد اللذين سبق أن انتفضوا في الماضي، لكن من غير المرجّح أن يتّخذوا خطوة متقدمة جديدة طالما ظلّت قبضة النظام المركزي مُحْكَمة.
في الجنوب الغربي، تشعر الأقلية العربية في خوزستان بالغضب لأنّ ثروات إيران النفطية لم تجعل حياتهم أفضل. وهم من بين أفقر الأقليات، وقد أدّى الاستياء المنخفض المستوى من ذلك إلى هجمات بالقنابل من حين لآخر ضد أهداف حكومية.
لكن ذلك كلّه لا يصنع ثورة، بسبب القبضة الحديدية للنظام المركزي واستئثاره بالسلطة وقوة أجهزة المخابرات، وهذا الواقع غير آيل الى التغيير على ما يبدو في المدى المنظور ما لم تتغيّر الديناميكية.
وأخيرا، هناك الإصلاحيون الذين يعملون من الداخل. لقد حاولوا الحفاظ على التقاليد الإسلامية القوية في البلاد وفي الوقت ذاته بناء الديمقراطية. لا يزال العمل جارٍ ولكن ببطء شديد وفعالية ضعيفة.
قد يواجه المُشاهد صعوبة في فهم سبب فشل المظاهرات الشعبية الايرانية في تحقيق اهدافها، ذلك أنّ المراقب يرى الشباب يطالبون بالتغيير، وهذا التغيير لا يحدث. هذا لا يعني أنّ الأشخاص الذين يوظفهم الحرس الثوري يدعمون النظام بالضرورة، لكنه يُظهر قوة النظام في استيعاب ما أمكن من اشخاص من أجل ضمان البقاء، وفي التفاصيل توظّف الذراع الإعلامية للحرس الثوري آلاف الأشخاص وتراقبهم عبر جناحها الاستخباراتي.
لقد جرّب كل رئيس أمريكي منذ ثورة 1979 نهج العصا والجزرة لتحقيق « صفقة كبرى» مع الجمهورية الإسلامية. ويتطلب مثل هذا الاتفاق من كل جانب تقديم ما يعتبره تنازلات ضخمة. سيتعيّن على إيران السماح للأمم المتحدة بالتحقق القوي من أنها لا تصنع أسلحة نووية، والحد من برنامجها للصواريخ الباليستية، ووقف تمويل الجماعات المسلّحة الموالية لها، وإنهاء ما تعتبره الولايات المتحدة سلوكا مزعزعا للاستقرار في أفغانستان واليمن والعراق ولبنان وسوريا، وعدم الممانعة في اتمام تسوية تفاوضية تنهي الصراع العربي الإسرائيلي.
تفتخر إيران بكونها ثوروية وسعت دائما إلى تصدير مبادئ الثورة، لتصبح زعيمة للحركات ذات التفكير المماثل. ومع ذلك، هناك سيناريو قد تتخلى فيه عن هذا الدور من أجل إنقاذ الثورة في الداخل. وفي المقابل، ستضمن الولايات المتحدة أنها لا تسعى إلى تغيير النظام في إيران، وإنهاء عقوباتها الأحادية الجانب،
وبعد استعادة العلاقات الدبلوماسية، العمل مع إيران اقتصاديا، لتحديث صناعة الطاقة لديها، ودبلوماسيا"، لضمان الاستقرار الإقليمي، هذا ما لم يتدخل المارد الصيني ويقول أنا هنا أعيدوا حساباتكم، وقد تدخّل فعلا" وغيّر الحسابات والرهانات.
في عهد الرئيس جو بايدن، تخلّى الأمريكيون وآخرون عن فكرة « تغيير النظام» وَسَعوا بدلا من ذلك ببساطة إلى « تغيير سلوك النظام». قد لا تتقرب الحكومات العربية أبدا من طهران، ولكن إذا لم تعد تتدخل في المملكة العربية السعودية واليمن وسوريا والعراق والبحرين، فقد تتصالح معها.
وعلى العكس من ذلك، إذا بدت إيران قريبة من امتلاك أسلحة نووية، فإنّ الدول العربية ستوحّد صفوفها ضدها، وتسعى إلى إقامة علاقات أوثق مع الولايات المتحدة، وإذا فشلت في ذلك، فإنها ستحتمي تحت مظلة المملكة العربية السعودية المسلّحة نوويا في المستقبل، وهنا يكمن الذكاء الصيني الذي عرف قراءة كل هذا الواقع بدقة لامتناهية وادرك حاجات ومصالح كل من السعودية وايران وعلاقة كل منهما مع الولايات المتحدة الاميركية، واحسن اختيار التوقيت المناسب لفرض نفسه على الساحة الدولية من بابها العريض والتقدمي، تحقيقا" لطموحها الجامح في الخروج الى العالم واستثمار طاقاتها الضخمة في تحقيق مصالحها الاستراتيجية.
ثالثا": الصين
ركّزت الحكومة الصينية، خلال العقود الماضية على أهمية تقوية جبهتها الداخلية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وانكفأت خارجياً متبعة سياسة محايدة إلى حد ما، متجنبةً الخوض في المشكلات الدولية أياً كانت، واضعة الهدف الاقتصادي نصب عينيها وساعية إلى تحقيقه، مبتعدة عن أي سبب قد يعرقل وصولها إلى تحقيق هذا الهدف.
ولأنّ الصين لم تكن تشكّل خطراً حقيقياً حينها فقد تُركت وشأنها، وذلك نتيجة لمصالح اقتصادية كبيرة للدول الغربية التي دخلت إلى السوق الصينية مستفيدة من اليد العاملة الرخيصة فيها، وكبر حجم هذه السوق، والذي يعدّ هدفاً لأي دولة أو شركة في العالم.
وإذا كانت العبرة في النتائج كما نقول دوماً، فإنّ ما وصلت إليه الصين اليوم خير دليل على نجاح نظامها السياسي في تحويل الصين الى دولة تنافس للتربّع على عرش العالم. تلك النجاحات الكبيرة، جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تشعر بالقلق من نظام استطاع أن ينافسها ويهدد بقاءها قطباً مهيمناً على السياسة الدولية. فبدأت الانتقادات الأمريكية توجّه إلى الصين، لجهة عدم تطبيق الديمقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان، ...إلخ.
انّ نجاح التجربة الصينية على غالبية المستويات جعلها تطمح للعب دور دولي متقدم وديبلوماسي رفيع وَرَمَت شباكها رمية موفّقة في بحر لم يكن يتوقّعه أحد، بحيث وقع اختيارها على العلاقة بين السعودية وإيران، لأنها العلاقة الوحيدة التي يمكن أن تقلب المشهد السياسي في المنطقة رأسا على عقب.
بدأت الصين تدريجيا تنفيذ مرحلة جديدة من سياستها الخارجية انتقلت بموجبها من دور المراقب إلى لاعب مؤثر.
في البداية، أعلن الرئيس شي جينبينغ في منتدى بواو الآسيوي المبادرة الاستراتيجية العالمية، ووصفها بأنها "رؤية صينية للأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام". ومن ثم اغتنم بينغ مؤتمر الحزب الشيوعي لإعلان سياسة خارجية أكثر حزما"، وقد اختارت الشرق الأوسط، بعناية ووفق نظرة إستراتيجية ثاقبة، لإضفاء مضمون على سياستها الجديدة.
بالنسبة إلى الوضع في الشرق الأوسط، لطالما نأت بكين في الغالب بنفسها عن معترك سياسات المنطقة لينصب اهتمامها على بناء علاقات اقتصادية مع جميع اللاعبين بمن فيهم الدول العربية وتركيا وإيران وإسرائيل. بدا كأن بكين تنظر بعين الرضا تجاه ترك إدارة أمن المنطقة إلى كل من الولايات المتحدة وروسيا. لكنها أدركت انّ استمرار الوضع الراهن من عدم الاستقرار في المنطقة سيعود بأثر سلبي على مشروعها الاستراتيجي.
رغم استمرار المحادثات السعودية الإيرانية، إلا أنها لم تُظهر أي بارقة أمل في شأن إحراز تقدم ملحوظ. وخلافا لذلك، ظلت الرياض وطهران على طرفي نقيض حول لبنان وسوريا، والأهم من ذلك: اليمن.
اختيار الصين للصراع التي تتوسّط فيه في الشرق الأوسط كان حذرا وله غرض استراتيجي. لقد اختارت التوسّط في العلاقة التي قد تغير شكل المشهد السياسي للمنطقة: وهي العلاقات ما بين السعودية وإيران.
جاءت الصين لتثبت قدرتها على دفع الطرفين إلى تخطي ما تبقى من عقبات، وباختيارها الوساطة بين الرياض وطهران، أكدت بكين عدم رضاها عن الوضع الراهن السائد، الذي يحوز، بحسب ما يبدو، رضا الولايات المتحدة وروسيا إلى حد ما. أمّا الاتحاد الأوروبي، فقد استكان واكتفى بلعب دور هامشي في وضع حد للصراعات العديدة في المنطقة.
لطالما أشارت الرياض إلى أن التدخل الإيراني في اليمن وسوريا ولبنان يمثل مصدر قلق كبير لها، لا سيما اليمن. لذلك ليس من المرجّح أن تقبل الرياض استئناف العلاقات مع طهران من دون تفاهم على الأقل على خريطة طريق لمعالجة مخاوفها الأمنية وبالتحديد في اليمن وسوريا. وفي حال انتخاب رئيس في لبنان، فسيمثل ذلك مؤشّرا مبكرا إلى التفاهم بين الرياض وطهران.
تمثلت مشكلة الرياض في التدخل الإيراني، وبدا أنّ الولايات المتحدة غير قادرة على المساعدة، فاستغلّت الصين هذا الواقع وتحركت لملء الفراغ.
من غير المحتمل أن تكون الصين قد انضمت إلى غمار المعركة السياسية الشديدة التعقيد في الشرق الأوسط إذا لم يكن هناك قدر معقول من أسس النجاح في التأثير على عملية إعادة رسم ملامح المنطقة. وإلا ثبُت الانطباع القائل بأنّ سياسة الصين مجرّد شعارات لا ترقى إلى المستوى العملي.
من ناحية أخرى، تملك الصين مصلحة مباشرة في استقرار الشرق الأوسط، نظرا" إلى مشروعها الاستراتيجي وتُمثل المنطقة عقدة وصل حيوية لما تتمتع به من ممرات برية وبحرية تربط آسيا بكل من أفريقيا وأوروبا.
في حال تمكّنت الوساطة الصينية من تحقيق غاياتها، فقد يتغير المشهد السياسي في المنطقة برمّته. وفي خضم هذه العملية، ستعزز الصين مكانتها ونفوذها، ليس فقط في المنطقة ولكن في العالم بأسره. (8)
لذلك، حرصت الصين على اتّباع أصول الوساطة من خلال التركيز على العناصر الكبرى في عملية تسوية النزاعات والاتفاق على القواعد والإجراءات الأساسية وحسن التعامل مع الشروط المسبقة للتفاوض، وتذليل عقبات الحوار وتأمين بيئة متساوية للأطراف مع تحديد الاطار الزمني وضمان التنفيذ والالتزام، وفهم خلفيات وسياق النزاع وتاريخه وتحليل الاحداث، واعتماد المرونة وحسن الاصغاء لفهم اعتبارات وهواجس ورغبات وحاجات كل فريق، وادراك المواقف والاهداف المعلن عنها والمصالح الضمنية لكل فريق وما اذا كان يوجد ثمّة مصالح مشتركة قد تشكّل اساسا" للاتفاق.
كما راقبت الصين طبيعة العلاقات بين الطرفين عبر الزمن وكيفية التواصل فيما بينهما سواء بصورة مباشرة او من خلال وسطاء موثوقين ومدى امكانية قبولهما بالتوصّل الى اتفاق مشترك وذلك في حال الرغبة في بناء علاقات مستقبلية، ومدى توفر المصلحة المشتركة في تنفيذ الاتفاقية المزمع التوصل اليها والتفاعل الايجابي
فيما بينهما، وتكون بذلك قد طبّقت القاعدة الذهبية التي تنص على وجوب الصرامة في التعاطي مع الامور والمرونة في التعامل مع الفرقاء.(9)
مما لاشك فيه أنّ الصين وجدت في منطقة الخليج العربي مجالا" جغرافيا" يشكّل منفذاً حيوياً لها يجعلها نقطة ارتكاز استراتيجي في تحقيق طموحاتها الاستراتيجية كقوة صاعدة في النظام الدولي .
وبناء عليه، تحظى منطقة الخليج العربي بأهمية إستراتيجية نظرا" لموقعها، فهي تتوسّط العالم ونقطة اتّصال بين ثلاث قارات أسيا وأوروبا شمالا وإفريقيا جنوبا بسواحلها الشرقية والجنوبية الشرقية اذ يتّصف الخليج العربي بخصائص تكاد تكون منفردة من حيث الاعتبارات الجغرافية. وقد اكتسبت منطقة الخليج العربي وسواحلها أهمية جيو- استراتيجية بعد اكتشاف النفط والغاز الطبيعي بكميات هائلة في مطلع القرن العشرين ( 10 )
ومن هذا المنطلق، لدى الصين علاقات تاريخية مهمة مع دول منطقة الخليج العربي بحكم القرب الجغرافي وحركة التجارة بينها وبين دول الإقليم، ومع الصعود الصيني، حظي الإقليم بعلاقاتٍ اقتصادية وتكنولوجية وتنموية يمكن وصفها بالمثالية مع الصين، وتعتمد هذه الاخيرة على إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط لتحريك عجلة إنتاجِها الفائقة.
وبموازاة ذلك، تدرج الصين منطقة الخليج العربي ضمن استراتيجيتها الكبرى: مبادرة ” الحزام والطريق”، الذي يستهدف زيادة ترابط الصين اقتصادياً مع أوروبا وإفريقيا وآسيا، عبر شبكة واسعة من ممرات النقل البرية والبحرية.
وفي عام (2015) ، تم طرح “مبادرة الحزام والطريق” في منطقة الخليج العربي، وغدت الركيزة الرئيسية للسياسة الصينية تجاه المنطقة، والمحور الرئيسي للعلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، وبدأ منذ ذلك الحين التصاعد الملحوظ للسياسة الصينية في المنطقة عبر تواتر زيارات المسؤولين الصينيين لدولها بهدف تعزيز التنسيق والتشاور معها بشأن المشروع، ومن ناحيتها، أعلنت دول الخليج مشاركتها في “مشروع الحزام والطريق” بتوقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي، بل وتأسيس شراكات استراتيجية شاملة مع الصين (11)
تصبّ الصين اهتمامها في المجال الجيو- سياسي لخدمة مصالحها في مناطق الشرق الأوسط وأوروسيا والمحيط الهندي.
منذ عام 2010 والصين تعتبر أكبر مستورد للنفط في العالم، وتستمر بوصفها اقتصادا" صاعدا" تسير به مؤشرات النمو باتجاه تعزيز مكانتها العالمية، وربما الصدارة الاقتصادية.
ثمة نوافذ مختلفة تراقب عبرها الصين العلاقات مع إيران، وهي تضع التقارب الصيني الإيراني ضمن سياق لحظة سياسة دولية في غاية الحساسية للمصالح الصينية، وتسعى لربط طرق الإمداد اللوجستية بإيران والتي توصلها بنقاط جيو- سياسية غاية في الأهمية.
لا يمكن استبعاد التقارب الإيراني - الصيني عن التقدم الذي تحققه الصين في أوراسيا، ونتيجة الفراغ الذي قد يتعمق في وسط آسيا بعد الانسحاب الأمريكي وعدم قدرة روسيا على تلبية احتياجات دول آسيا الوسطى التنموية، لذا، فإنّ شراكة الصين وإيران في طريقها للتقدم وربما الازدهار في المستقبل القريب، فوفق ما حدده السياسيون الصينيون، تعتبر إيران إحدى الدول المهمة كونها تنفرد بميزات جيو- سياسية تساعدها على إعطاء الكثير من المساهمات في ربط منطقة آسيا الوسطى بخطوط اتّصال تجارية وانفتاح في العلاقات الاقتصادية مع دول المنطقة، وقد كشفت إيران مؤخرا عن ممرّين إلى آسيا الوسطى يجري التجهيز لهما:
من الناحية الجيو- سياسية، إنّ نوعية العلاقات التي تلاءم مساعي الصين للتصدي لأشكال الضغط الأمريكي أصبحت مناسبة أكثر من أي وقت آخر، وقد أكد وزير الخارجية الصيني ذلك، في احدى زياراته الى ايران، بقوله إنّ الصين ثابتة في معارضة العقوبات الأحادية المفروضة على إيران من قبل دول أخرى لأنها تنتهك القانون الدولي، وأكد الدبلوماسي الصيني بأنّ الصين مستعدة للعمل مع إيران والدول الأخرى من اجل دعم الإنصاف والعدالة الدوليين والدفاع عن القواعد الأساسية للعلاقات الدولية. (12) الامر الذي لن يمر مرور الكرام بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية، وسيكون له مفاعيل عديدة ستشغل الاعلام لفترة طويلة وستتصدّر اهتماماته.
القسم الثاني: مفاعيل الوساطة الصينية والتعاطي الاعلامي معها.
أحوال وظروف عديدة تشجع على النزاع السياسي، منها على سبيل المثال لا الحصر قضايا الامن والهوية والمواطنة مع سلطة مبعثرة للدولة وأقطاب متعددة للسلطة، التمكين من الحصول السهل على الأسلحة، معلومات خاطئة أو نقص المعلومات عن الآخر، الاختلافات الإيدولوجية أو الاقتصادية، اختلاف المفاهيم عن الآخر وعدم فهم حقيقة المشكلة، بالاضافة الى الخوف الموجود منذ وقت طويل الذي يدفع كل فريق لمحاولة السيطرة على الآخر.
كثر هم الاطراف المتداخلة في القضية موضوع البحث، ومصالحهم متعارضة ومتشابكة ومعقدة، بحيث يوجد أطراف أساسية لها علاقة مباشرة بالنزاع، تسعى خلف تحقيق نتيجة، وأطراف ثانوية لها علاقة غير مباشرة بالنزاع وهي عادة أقل اهتماماً بالنتيجة، بالاضافة الى الحياديين الذين ليس لهم أي علاقة من أي ناحية،
غير أنهم يتدخلون لتعزيز إنتاجية العملية، والمراقبون الذين ليس لهم أي علاقة خاصة ولكن لهم مصلحة في الإجراءات، والمكلّفون بالتنفيذ الذين ليس لهم أي علاقة بالنزاع ولكن تقع عليهم مسؤولية الحفاظ على النظام الذي يجري النزاع في إطاره.
تتحدد قوة كل طرف من خلال عدم حاجته الى طرف آخر لبلوغ الاهداف، تراكم الخبرات في عمليات صنع القرارات المشتركة، عدم الحاجة الى اي طرف آخر للمشاركة الفاعلة في عمليات صنع القرارات المشتركة، والقدرة على وقف أي قرار لا يوافق عليه.
ولأنّ الولايات المتحدة الاميركية تتوافر لديها نقاط القوة المذكورة، بالاضافة الى قدم علاقتها مع كل من السعودية وايران، واتّسام هذا التاريخ بالصراع حينا" والانتاجية حينا" آخر، لذلك سيتم البحث فيما يلي في مقاربتها وتفاعلها مع الوساطة الصينية فيما بين السعودية وايران.
أوّلا": تفاعل الولايات المتّحدة الاميركية مع الوساطة الصينية بين الجمهورية الاسلامية الايرانية والمملكة العربية السعودية.
تربط السعودية بالولايات المتحدة الاميركية علاقات وثيقة وتاريخية بالرغم من أنّ فجوة حدثت بين البلدين في ظل إدارة الرئيس جو بايدن، ومن ناحية أخرى، فإنّ إيران بكل المعايير الأمريكية، تعدّ خصماً يهدد واشنطن في أكثر من جبهة، أهمها سعيها لامتلاك الأسلحة النووية.
أمّا الصين (الوسيط) فهي «المنافس الأول» الآن للولايات المتحدة في العلاقات الدولية، وهي التي خطفت الأضواء بطرح مبادرة سلام لتسوية الأزمة الأوكرانية. ومن جانبها، أعلنت الولايات المتحدة أنها كانت تعلم بالمفاوضات السعودية الإيرانية، والسعي نحو الاتفاق بينهما بوساطة صينية،
بعد أن تم إبلاغها بذلك من قِبل المملكة. وفي هذا الإطار، فإنّ رد الفعل الأمريكي لم يحمل عداءً ولا خيبة أمل، وإنما حمل أملاً في أن يؤدي هذا الاتفاق إلى حل الأزمة اليمنية.
مما لاشك فيه أنّ منطقة الخليج العربي تتمتع بميزة فريدة جعلتها موضع للتنافس والصراع ما بين القوى الإقليمية والدولية، وهذا يأتي من اعتبارات أهميتها الجيو- سياسية والجيو- استرايجية والجيو- طاقوية ومحاولة الأطراف الدولية تقديم رؤى للمجالات الجيو- سياسية مبنية على أولويات استراتيجية أساسها توسيع مجالات تأثيرها في إقليم الشرق الأوسط بما فيها منطقة الخليج العربي.
وعليه، جاءت التحركات الاستراتيجية الصينية مدفوعة بتطلعات جيو- سياسية تجاه منطقة الخليج العربي، من خلال توظيف التطورات والنزاعات التي تشهدها المنطقة لصالحها،
ومدّ نطاق نفوذها وتأمين مصالحها الاستراتيجية في المجالات الجغرافية الحيوية، والعمل على تقوية علاقاتها بدول منطقة الخليج العربي على مختلف المستويات والمجالات والقطاعات الخدمية والاستثمارية، على نحو أفضى إلى شراكات استراتيجية بين الصين ودول المنطقة.
تتميز منطقة الخليج العربي بوجود ممرات مهمة ذات تأثير في حركة النقل البحري الدولي، وعلى وجه الخصوص ممر (باب المندب ومضيق هرمز فضلا عن قناة السويس)، بذلك أدركت الصين أنّ تأمين الملاحة في هذه الممرات يضمن لها استمرارية النفوذ والوصول إلى الأسواق العالمية، لذلك تتمتع المنطقة من المنظور الجيو- سياسي أو الاستراتيجي الصيني بميزتين مهمّتين،
الأولى: من حيث قرب هذه الأسواق من الأسواق الصينية قياساً بالأسواق الأمريكية أو الأوروبية أو الإفريقية،
والثانية: توفر القدرة الشرائية لاسيما في الدول النفطية، وهو أمر قد يدفع الشركات الأمريكية لمزيد من الضغط على حكومتها للضغط على الأسواق الشرق أوسطية من ناحية، وعلى الصين من ناحية أخرى لتحسين حصتها في أسواق المنطقة (12)
يعتقد العديد من الباحثين إلى أنه مع وجود هواجس من تراجع الولايات المتحدة عن دورها في منطقة الشرق الأوسط، ومحاولة نقل تركيزها نحو آسيا، أنّ الفرصة تهيأت للصين إلى بناء علاقات شراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي واندماج الصين في العديد من النشاطات الاستثمارية في هذا المجال الحيوي، كمحاولة لملء الفراغ أو جزء منه وإيجاد موطئ قدم لنفوذها في المنطقة، ضمن استراتيجية أشمل في إنشاء تحالفات أو شراكات إقليمية ضمن مناطق النفوذ التقليدي لواشنطن تاريخياً.
ومن هنا تغدو منطقة الخليج العربي المجال الأهم في اتجاهات الاستراتيجية الصينية الجديدة (13) وهو الأمر الذي يمكن ترجمته في الاتفاقيات التعاقدية التي وقّعتها الصين مع دول المنطقة وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي والعمل على إيضاح أهدافها الاستراتيجية لضمان مصالحها، من شأنها أن تساعدها على حماية نفسها من الآثار السلبية، لاحتمالات امتداد الحرب الباردة إلى الشرق الأوسط، بما يهدد أمن الطاقة وأمن الملاحة البحرية ومبادرة الحزام والطريق والمصالح التجارية والاستثمارية للصين في المنطقة (14)
إضافة إلى ذلك يلاحظ أن العلاقات الخليجية – الصينية لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تعدّتها إلى جوانب استراتيجية.
ففي كانون الأول عام 2021، تدخلت الولايات المتحدة لوقف بناء ميناء خليفة التجاري، والذي يبعد 50 كم عن مركز مدينة أبوظبي من جانب شركات صينية، وفي نيسان عام 2022، تدخلت لوقف صفقة كبيرة تشتري بموجبها السعودية أسلحة صينية.
وفي هذا الصدد يرى جونثان فولتون Jonathan Fulton في معرض تقييمه السياسة الصينية تجاه دول منطقة الخليج العربي خلال السنوات العشرين الماضية، تحت عنوان “ الصين تحاول دق إسفين بين أميركا والخليج ”، قائلا: ” إن بكين تبنّت نهجاً استراتيجياً، وهو خيار القوى العالمية،
بحسب نظرية العلاقات الدولية، من خلال الرغبة في مواصلة جني الفوائد من نظام إقليمي يناسب طموحاتها وتعميق علاقاتها مع مختلف دول المنطقة من دون استثناء أحد، وعدم استعداء أميركا، الدولة الأقوى في التوازن الإقليمي. وعادة ما يبدأ ذلك بعلاقات اقتصادية متدرجة نحو علاقات سياسية أعمق، مع تعزيز النفوذ والسلطة ببطء في المنطقة (15)
من جانب آخر، يتبين أنّ التحركات الصينية تهدف الى تعزيز قدراتها الاستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة في المجالات الجغرافية الحيوية، حيث تسعى الصين الى تشكيل تحالف عسكري مع إيران من خلال بناء قواعد عسكرية على ميناء “ تشابهار” الإيراني الذي يقع جنوب شرق إيران في محافظة سيستان وبلوشستان. ويسهّل الميناء الوصول إلى المحيط الهندي وكذلك بحر عمان والخليج العربي وذلك من أجل تعزيز موقفها التنافسي مع إعلان الولايات المتحدة استراتيجيتها تجاه منطقة المحيطين الهادي والهندي.
وبالتالي، انّ ما تقدّم يمثل تطورًا يهدد المصالح الأمريكية في الإقليم، وعليه، سيكون لأي توسّع في النشاط العسكري لكل من إيران والصين في المنطقة تأثير على القاعدة العسكرية الأمريكية في جزيرة دييغو غارسيا.
انّ الصين في مرحلة الصعود للوصول إلى مرتبة القوة العظمى, حيث تتوافر لها كافة المقوّمات التي تؤهلها للوصول إلى هذه المرتبة، وفى هذا الإطار، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحجيم الصين كونها تمثل التحدي الأعظم لها ولكل المصالح القومية الأمنية الأمريكية في آسيا خاصة مع تصاعد القوة العسكرية والنووية للصين.
وإزاء ذلك، فأنّ الولايات المتحدة تبذل قصارى جهدها لتطويق النفوذ الصيني في منطقة الخليج العربي للحيلولة دون ظهور قوة آسيوية تتحدى مكانتها ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط، ولكن الصين جاءت الآن لتكسر هذه القاعدة، فقد صارت قوة صاعدة محورية في النظام الدولي سياسياً وعسكرياً واقتصاديا بالشكل الذي يمكّنها من أن تهدد المصالح والنفوذ الأمريكي ليس فقط في آسيا وحدها،
ولكن أيضا على المساحة العالمية وهذا ما دفع الولايات المتحدة الى إعادة الانخراط المتجدد في منطقة الشرق الأوسط خاصة في منطقة الخليج العربي تحدياً للحضور الصيني وفقاً للحسابات الجيو- سياسية،
وهنا لابد أن نشير إلى أنه ثمة أحداث دولية وأخرى إقليمية أسهمت في دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة النظر في سياستها الخارجية، خصوصاً أنّ ابتعادها عن المنطقة، منذ تولي الرئيس جو بايدن للرئاسة، أسهم في حدوث اختلالات أمنية دفعت دول المنطقة إلى البحث عن بدائل أمنية، وهو ما دفع دول المنطقة إلى التقارب مع الصين وروسيا وتركيا من أجل تغطية الفراغ الأمني الذي خلّفه غياب الدور الأمريكي عن المنطقة.
إنّ تأكيد واشنطن على الشراكة الاستراتيجية مع دول الإقليم، سواء على المستوى الثنائي أو الجماعي، وترجمة ذلك في مبادرات تتعلق بأزمات الطاقة وتغير المناخ والامن الغذائي، أو الاستثمار في البنية التحتية في الدول مُنخفضة ومُتوسطة الدخل؛ يكشف عن سياسة احتواء جديدة تنتهجها واشنطن في مواجهة بكين في الشرق الأوسط. وهذه السياسة ترتكز على العودة وتكثيف الانخراط في الإقليم، خاصةً على المستوى الدبلوماسي، وذلك بمبادرات جديدة تجاوز فكرة التركيز على الدور العسكري الأمريكي في المنطقة.
وعليه، من المؤكد أنّ الأسلوب الذي انتهجته كلاًّ من الصين والولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع مصالحهما المشتركة في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة الآسيوية التي تؤدّي إليه جغرافياً لن تكون مؤشّراً هاماً على كيفية ارتباطهما الواحدة بالأخرى على مستوى العالم فحسب, بل ستؤثر أيضاً بشكل كبير على علاقاتهما الأوسع انتشاراً ونطاقاً. فلقد حرصت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها أن يبقى الخليج، السوق الأساسي للسلاح، وهو أكثر الوسائل فاعلية وسرعة للعائدات النفطية, كل هذا قد أكسب دول مجلس التعاون الخليجي عامة الخاصية الاستراتيجية الفريدة.
وبناءاً على ذلك، وعلى الرغم من سعي الولايات المتحدة والهند إلى ربط التحالفات الآسيوية بالتحالف بين الولايات المتحدة والإمارات وإسرائيل والهند حتى يساهم في تحجيم نفوذ الصين في المنطقة على غرار تحالف “كواد” بين (الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان)، لمواجهة توسّع نفوذ الصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فإنه من غير المتوقع أن يكون له ذات الفاعلية؛ حيث انّ دول الشرق الأوسط تدرك تماماً أنه يجب عليها تنويع تحالفاتها في ظل تركيز الاهتمام الأمريكي على آسيا وتثبيت أصولها العسكرية هناك.
ينصبّ تركيز الصين في استثمار جوانب ضعف النفوذ الأمريكي نتيجة الحرب في العراق وأفغانستان، والفشل في إيجاد تسوية للصراع العربي – الإسرائيلي، والموقف الشعبي المعادي للولايات المتحدة في أغلبية دول منطقة الشرق الأوسط، وتمادي النزاع بين ايران والسعودية من دون أي حل جذري، للحد من النفوذ الأمريكي وتوسيع النفوذ الصيني فيه.
في ضوء ما تقدم، يتزامن الحضور المتصاعد للصين في منطقة الخليج العربي مع الإخفاق الأمريكي في العديد من القضايا الإقليمية، فضلاً عن الانسحاب النسبي من المنطقة والتركيز على مجالات حيوية أخرى، انطلاقاً من مصالحها وأولوياتها الاستراتيجية، ومن ناحية أخرى، انّ السلوك الصيني يواجه العديد من التحديات في علاقاته مع دول المنطقة تعكسها حالة التنافس والصراع في جغرافية المنطقة. (16)
أثار إعلان كل من السعودية وإيران في 10 آذار 2023 عن توصّلهما من خلال وساطة صينية، إلى اتفاق يقضي باستئناف قريب للعلاقات الدبلوماسية بينهما، نقاشًا مستفيضًا في الولايات المتحدة الأميركية حول أهمية الاتفاق وتداعياته على المصالح الأميركية. وفي حين مالت المعارضة الجمهورية (17) الى اعتبار الاتفاق نكسة للسياسة الأميركية، ودليلًا على تراجع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط لمصلحة الصين، رفضت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن هذه القراءة، معتبرةً أنّ تخفيف حدة التوتر في منطقة الخليج يصبّ في المصلحة الأميركية. وفي مقابل ذلك، يطرح أغلب الخبراء الأميركيون في الشرق الأوسط مقاربةً مفادها أنّ ثمّة تحولات إقليمية حقيقية ومنافسة صينية، وبدرجة أقل روسية، للولايات المتحدة في المنطقة، من دون أن يعني ذلك أنّ الولايات المتحدة فقدت أفضليتها فيها.
حرصت إدارة بايدن على تجنب إظهار القلق من الاختراق الذي حققته الصين في منطقة الخليج، وحاولت الموازنة بين ثلاثة مستويات في تعاملها مع المسألة؛ إذ يتمثّل المستوى الأول في التقليل من أهمية أي حديث عن تدهور العلاقات الأميركية - السعودية، عبر تأكيد أن المملكة العربية السعودية كانت على اتصال وثيق مع الولايات المتحدة بشأن المحادثات مع إيران في بيجين (18).
أمّا المستوى الثاني، فهو يتمثّل في الترحيب بالاتفاق السعودي - الإيراني، بغضِّ النظر عن الطرف الذي قاد جهود الوساطة، على أساس أنّ ذلك يسهم في خفض التصعيد وحدّة التوتر في المنطقة.
يقول بعض المسؤولين الأميركيين انّ لدى كل من الولايات المتحدة والصين مصلحة في شرق أوسط مستقر، لأسباب منها ضمان تدفق إمدادات الطاقة العالمية (19) في حين يتمثّل المستوى الثالث في رفض أيّ إشارة توحي بتراجع دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أو تآكل نفوذها فيه، وتحديدًا منطقة الخليج العربي، وتأكيد أنّ الولايات المتحدة لا تزال منخرطة على نحو مكثّف فيها، مع الإشارة في هذا السياق إلى التدريبات العسكرية الأخيرة المشتركة مع كل من الإمارات العربية المتحدة والسعودية.
على الرغم من تأكيدات للولايات المتحدة أنّ نفوذها في منطقة الشرق الأوسط لا يتعرّض للانحسار حاليًّا، فإنّه يوجد إجماع بين الخبراء الأميركيين على أنّ النظام الإقليمي آخذٌ في التغيّر فعلًا، وأنّ الولايات المتحدة، وإن كانت لا تزال الفاعل الدولي الأهم في المنطقة فإنها لم تَعُد الفاعل الوحيد (20).
بحسب المقاربة الأميركية، فإنّ الصين هي الدولة الوحيدة التي لديها نية إعادة تشكيل النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، في الوقت الذي تتعاظم فيه قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية للقيام بذلك (21) وتؤكد استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية أنّ الصين تعمل على إنشاء بنية تحتية خارجية وقواعد أقوى للسماح لها بإبراز قدراتها العسكرية على امتداد مسافات أبعد.
إيران، مثلًا، تحاول كسر طوق العزلة والعقوبات المفروضة عليها من الولايات المتحدة والغرب بسبب برنامجها النووي، عبر تطوير علاقاتها بالصين التي تقدّم لها سوقًا مهمّة لنفطها. وتعاني إيران أوضاعًا اقتصادية صعبة، وارتفاعًا في معدلات التضخم، واضطرابات شعبية من جرّاء ذلك، ومن العنف في التعامل مع المتظاهرين المدنيين السلميين، فضلًا عن استنزاف مواردها نتيجةً لدعمها عددًا من الصراعات التي ينخرط فيها بعض حلفائها الإقليميين مثل الحوثيين في اليمن، والميليشيات المحسوبة عليها في العراق وسورية ولبنان (22) ومن ثمَّ، فإنّ الاتفاق مع السعودية عبر الصين يمثّل محاولة لتخفيف الضغوط عليها.
بدورها، تعاني السعودية استنزافًا كبيرًا بسبب الحرب في اليمن، واستهداف الحوثيين مدنها ومنشآتها الحيوية على نحو متكرر، وخصوصًا منشآتها النفطية. وفي ظل امتناع إدارة الرئيس بايدن عن مساعدتها لحسم هذه الحرب، وعدم قدرة الولايات المتحدة على جلب إيران إلى المفاوضات، ومن ثمّ الضغط على الحوثيين للتوصل إلى اتفاق، فإنّ الصين كانت هي الحل الأمثل بالنسبة إليها.
وتبقى حاجة السعودية إلى الولايات المتحدة كبيرة، خصوصًا أنّ الصين ليس من المرجّح أن تقدم ضمانات أمنية للسعودية في المدى المنظور، وتحديدًا ضد طرف آخر ترتبط بعلاقة شراكة معه، هو إيران. ولا يوجد بديل من الولايات المتحدة بوصفها حليفًا استراتيجيًّا. ولكن دول المنطقة شرعت في تنويع علاقاتها منذ أن تبيّن في عام 2011 عدم تمكّن الولايات المتحدة من ضمان مستقبل الأنظمة، على الرغم من التزامها للدول بذلك (23).
خدم تدخل الولايات المتحدة في الأزمة الروسية - الأوكرانية مصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك توحيد الحلفاء الأوروبيين الذين انضموا تحت إملاءات واشنطن إلى الجبهة المعادية لروسيا. لكن في الوقت الذي كان فيه الجيش الأمريكي يضع سيناريوهات لشنّ حرب في تايوان واتباع الصحافة الأمريكية سياسة إلهاء الرأي العام عن طريق نشر تكهّنات حول المنطاد الصيني المتّهم بالتجسّس على الولايات المتحدة، فقد ضربت الصين من موقع غير متوقّع وهو الشرق الأوسط عن طريق لعب دور الوسيط بين الرياض وطهران لاستعادة العلاقات الدبلوماسية.
لكن عدم قدرة السعوديين في الوقت الراهن على الاستغناء عن المظلة العسكرية الأمريكية في السنوات القادمة واعتماد المملكة العربية السعودية على الولايات المتحدة في ضمان أمنها هدّأ من روع الأمريكيين.
ان الأسباب التي تدفع طهران والرياض لتطبيع العلاقات عديدة ومتنوعة، من بينها استنزاف إيران جهودها جرّاء ضغوط العقوبات الغربية والاحتجاجات الداخلية والمشاركة في العديد من المؤامرات الجيو- سياسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
يصعب على الإيرانيين والسعوديين تجاوز الصراع اليمني والمشاكل الأخرى وقد نجحت بكين في تحويل مواردها الاقتصادية والتجارية إلى نفوذ سياسي أقنعت من خلاله طهران والرياض باتخاذ خطوة نحو الانفراج (24)
ثانيا": تأثيرها على الدول المحيطة وبصورة خاصة لبنان
شكّل إعلان السعودية وإيران، استئناف علاقاتهما الدبلوماسية، وتفعيل اتفاقية التعاون الأمني لعام 2001، وتطوير علاقات حسن الجوار، بوساطة صينية، مفاجأة لدول تعتبر ساحة للمنافسة والصراع بين البلدين، منها لبنان.
ألقى الخلاف السعودي - الإيراني بثقله على لبنان الواقع تحت سيطرة النفوذ الإقليمي للبلدين، تُرجم ذلك من خلال الانقسام الحاد بين الفرقاء السياسيين.
تشكّل السعودية وإيران قطبين أساسيين على مستوى النفوذ، لذلك كان للتوتر والتصعيد بينهما انعكاسات سلبية في أكثر من بلد ومكان، كما كان ينعكس على الصراع والخلاف السنّي الشيعي، بالتالي، لا بد أن يكون لاتفاقهما انعكاسات إيجابية على الكثير من الملفات، لا بل تجفيف المشكلات بينهما في أكثر من ساحة وبلد.
بالنسبة للبنان قد يكون أحد الانعكاسات الإيجابية حل مشكلة الفراغ الرئاسي وتشكيل الحكومة، والدفع باتجاه التجاوب مع مطالب المجتمع الدولي والمؤسّسات النقدية العالمية والاتحاد الأوروبي ودول الخليج حول ضرورة تنفيذ لبنان الإصلاحات المطلوبة في نظامه المالي وانظمته الاقتصادية والحكومية ومحاربة الفساد وتوفير الشفافية وغيرها من المطالب، وإذا تحقق هذا الأمر، فسيكون من السهل بعد ذلك تقديم الدعم المالي المباشر من الدول الراعية والداعمة للبنان، خاصة الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية والإمارات والكويت وقطر(25)
على الصعيد الاقليمي، سينعكس الاتفاق على قضايا عربية عالقة منذ سنوات، أبرزُها الحرب في اليمن، حيث يؤدي تطبيع العلاقات الإيرانية - السعودية إلى التوصل لاتفاق بين الأطراف المتصارعة في اليمن لما تلعبه كلتا الدولتان من أدوار رئيسية في حرب اليمن، كذلك سينعكس هذا الاتفاق على لبنان،
والدفع باتجاه تحسين الاقتصاد والاتفاق على رئيس للبلاد. كما أنّ الاتفاق قد ينسحب على سوريا، حيث يؤدي إلى التهدئة والتوصل لحلول دبلوماسية.
ولئن سارعت بعض الجهات السياسية في لبنان الى تلمُّس ايجابيات من توقيع الاتفاق لاعادة العلاقات السعودية – الايرانية وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، الامر الذي يوصف بالجيد، ساد القلق لدى جهات سياسية اخرى. وقبل ساعات من الاعلان عن اتفاق استئناف العلاقات بين الرياض وطهران، اعلن رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي انّ علاقات لبنان مع الكثير من الدول، ولا سيما منها دول مجلس التعاون الخليجي، تعرّضت على مدى السنوات الماضية للاهتزاز بسبب اساءات بالغة الخطورة دفع لبنان ثمنها غالياً ولن نسمح بتكرارها، وجدد تأكيد « الالتزام بحماية امن لبنان وامن الدول الشقيقة والصديقة ومنع اي اساءة توجّه الى الاخوة الذين لم يتركوا لبنان يوما، او تصدير الممنوعات اليهم والاساءة الى مجتمعاتهم، وفي مقدمة هذه الدول المملكة العرببة السعودية.
من المتوقّع ان ينعكس الحدث العربي – الايراني على لبنان على الاقل بالتهدئة. ومع ذلك، من المبكر الكلام عن انعكاس هذا الاتفاق على الاوضاع اللبنانية لجهة تأثيره على الاستحقاق الرئاسي والوضع الاقتصادي والمعيشي، لاسيما وانّ الدولتين تعلنان رسمياً عدم التدخل في هذا الشأن وتترك للبنانيين معالجة اوضاعهم بالتوافق وببعض الاجراءات الاصلاحية الضرورية.
من جهته، رحّب وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال عبدالله بوحبيب، بالبيان الثلاثي الصيني - السعودي - الإيراني، وأشار إلى أنّ « إتفاق كل من السعودية وإيران، على إستئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما وإعادة فتح سفارتيهما وممثلياتهما خلال مدى أقصاها شهران، ستترك أثرها الإيجابي على مجمل العلاقات الإقليمية في المرحلة المقبلة.
نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، في تصريح لشبكة «روسيا اليوم»، هنأ «الأصدقاء في إيران والسعودية والصين على التوصل إلى اتفاق عودة العلاقات بين الرياض وطهران، وأشار إلى أنّ تطبيع العلاقات بين البلدين في منطقة هامة، يعتبر عاملاً أساسياً في ضمان التطور الاجتماعي والاقتصادي، موضحًا أنّ روسيا ساهمت في العملية السياسية جنباً إلى جنب مع دول أخرى مثل سلطنة عمان والعراق وغيرهما.
ولفت إلى أن « تطبيع العلاقات الإيرانية السعودية سينعكس إيجابياً على مجمل أوضاع المنطقة التي تعتبر مناطق نفوذ للسعودية أو لإيران. وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من البلدان مثل سوريا ولبنان والعراق واليمن.
ثالثا": التعاطي الاعلامي مع هذه الوساطة.
يحتل الإعلام حيّزاً مهماً في حياتنا اليومية، وذلك لما يُمثله من آداةِ نشرِ معلوماتٍ ضخمةٍ تُدار وتُوجّه بحسب مصالح واستراتيجيات تكتلات سياسية واقتصادية كبرى باتت تُهيمن على السوق الإعلامي وتحتكر عبره مركز الصدارة في عملية تشكيل و إعادة تشكيل الرأي العام، وباتت تلعب فيه أيضاً دور المُوجّه الأول إن لم نقل الأوحد، لا سيما بعد أن اجتاحت وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها وتقنياتها الحديثة، حياة كل فرد في مجتمعاتنا. والإعلام أيضاً يُعد وسيطاً في عملية تواصل ذات قدرات تقنية ضخمة يتم عبرها إيصال الرسائل على اختلاف أنواعها و أشكالها. (26 )
من هذا المنطلق، نجحت الصين في انجاح الوساطة من حيث الشكل من خلال ارساء القواعد الشكلية الأساسية والإرشادات السلوكية لعملية الوساطة السياسية، وانجاز الاتفاق على ترتيب الخصوم في التحدث، ووضع ضوابط إدارة الاختلاف حول البيانات ومنع التشهير والضوابط المتعلقة بالمقاطعة أثناء الحديث، وتحديد الإطار الزمني لجلسات المفاوضات، والاتفاق على فترة زمنية معقولة لتحقيق الأهداف والسعي إلى تسوية شاملة لجوانب النزاعات كافة،
كذلك احسنت الصين في انجاح الوساطة من حيث الاساس من خلال تمحيص ودراسة ومن ثم تذليل الاشكاليات المنبثقة من النزاع السياسي الهوية (المواطنة)، والفهم العميق لحقيقة النزاع، وتقريب وجهات النظر المتباعدة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الآخر، وتبديد الخوف الموجود منذ وقت طويل من خلال تقديم نفسها كوسيط – ضامن، وادراك مصالح ومرامي وأهداف كل طرف والقيم المسيطرة التي ترشد أعمال كل منهما، وما اذا كان ثمّة مصالح مشتركة قد تشكّل أساساً لاتفاقية.
وبعد نجاح الوساطة من حيث الشكل والاساس، استطاعت الصين أن تدير الوساطة السياسية بنجاح بعد أن راعت كل الاجراءات، ذلك أنّ الإجراءات الجيدة تساعد جميع المشاركين وتزيد فرص النتائج الجيدة (27) ما زاد من فرص المفاعيل الايجابية وعزّز النتائج المرجوة، وأدّى الى خلق تقارب بين كل من إيران والسعودية خَلَطَ أوراق المنطقة وشكّل مادة دسمة للاعلام المحلي والعالمي الذي كان له آراء متنوعة في الوساطة الصينية وفقا" لما سيلي بيانه.
فقد طغى على اهتمام الصحف في بيروت الاتفاق السعودي الإيراني برعاية الصين، والذي خلط الكثير من الأوراق من اليمن إلى سوريا وفلسطين وغيرها، وقد تصل ارتداداته إلى لبنان، وكانت غالبية المواقف الدولية والعربية والمحلية في لبنان مرحّبة بهذا الانجاز لما له من آثار جيدة على الاستقرار في المنطقة.
جريدة البناء رحّبت بالاتفاق السعودي الإيراني، واعتبرن أنّ التعاون الإيراني السعودي يمكن أن يفتح آفاقاً في المنطقة ومنها لبنان إذا سار في المسار الطبيعي، وأنّ السعودية لم تكن لتذهب الى خيار الانفتاح على ايران لولا المواقفة الأميركية لا بل الضوء الأخضر الأميركي، لتكون السعودية نافذة للحوار وللانفتاح الأميركي على ايران وسورية، متوقعة استئناف المفاوضات النووية الايرانية مع الدول الغربية في الأشهر القريبة المقبلة.
بدورها، توقّعت جريدة الانباء أن تتدحرج الخطوات الإقليمية على صعيد توسّع التسويات، ما سينعكس على سورية ولبنان نهوضاً اقتصادياً وسياسيا".
جريدة الأخبار اعتبرت أنّه لم يكن مفاجئاً أبداً أن تسعى السعودية التي تبحث عن استقرار الحُكم الجديد، بقيادة وليّ العهد، محمد بن سلمان، إلى اختصار الطريق بالتوجّه مباشرة نحو إعادة العلاقات مع إيران إلى طبيعتها، إذ انّ الواقع يؤكد أنّ خيار الانفتاح على إيران، هو الطريق الأقصر لتحقيق الاستقرار للمملكة والخليج، وأنّ قيام الصين بالوساطة السياسية أدّى إلى تطوّر كبير في ما يتعلّق بحجم الصين كقوّة عالمية منافِسة للولايات المتحدة، وبالتقدّم السريع الذي تُحقّقه في منطقة الشرق الأوسط، على حساب النفوذ الأميركي، بما يعكس ارتباك واشنطن وهي تعيد صياغة سياستها العالمية.
جريدة اللواء اعتبرت أنّ لبنان يتوسّم انفراجا" من التقارب السعودي – الايراني نظراً لانعكاساته الايجابية على الاستقرار الاقليمي.
وبمعزل عن التأثير الجيوبوليتيكي لكل من المملكة وايران على الدول المجاورة، سواء في الخليج او دول غرب آسيا العربية من سوريا الى لبنان مروراً بالعراق، فإنّ الاوساط اللبنانية قابلت بارتياح هذا الحدث الاقليمي الكبير، واعتبرت انّ الاتفاق السعودي الايراني خطوة مهمة لازالة حالة التوتر بين البلدين، وفتح مرحلة جديدة بالعلاقات بينهما، وهو من شأنه ان ينعكس ايجابا على دول المنطقة.
وإزاء توسّم لبنان انفراجاً على مستوى أزماته، قال وزير الخارجية السعودي الامير فيصل بن فرحان انّ لبنان يحتاج الى « تقارب لبناني وليس الى تقارب ايراني – سعودي» مؤكداً انّ « على لبنان ان يقدّم المصلحة اللبنانية على اي مصلحة أخرى ومتى حصل هذا، سيزدهر.
أثار الاتفاق السعودي-الإيراني على استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ردود فعل واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في العديد من الدول العربية.
منذ إعلان الاتفاق الثلاثي، توالت ردود الفعل العربية المرّحبة بالتوافق بين القوتين الإقليميتين، ومن أبرزها بيانات صدرت عن الخارجية العراقية ومجلس التعاون الخليجي والخارجية الجزائرية ومصر والبحرين وسلطنة عُمان والأردن، إلى جانب رئيس وفد صنعاء التفاوضي.
وبحسب بيان ثلاثي صادر عن كل من إيران والسعودية والصين، تُستأنف العلاقات بين الرياض وطهران ويُعاد افتتاح السفارتين في غضون مدة لا تتجاوز شهرين، وجاء في البيان: "تتضمن الاتفاقية تأكيد الطرفين المعنيين على سيادة كل منهما وعدم التدخل في شؤونه الداخلية".
الصحافة الاقليمية والدولية كان لها آراء متعددة في الوساطة الصينية ومفاعيلها الدولية، بحيث اعتبر على سبيل المثال معهد دول الخليج العربي في واشنطن انّ الوساطة الصينية السعودية - الإيرانية إنجاز مهم لكنه ضئيل. قد تكون الصين قادرة على البناء على اختراقها بدبلوماسية خليجية أكثر طموحًا ولكن في غضون ذلك، يبدو أنّ المملكة العربية السعودية وإيران يمضيان قدمًا بمفردهما.(28)
موقع دايلي صباح اعتبر أنّ جوهر الأمر هو ما إذا كانت الوساطة الصينية تعوّض نقص الولايات المتحدة كوسيط عالمي في الشرق الأوسط. (29)
موقع طهران راى أنّ العالم العربي مسرور جدا" بالاتفاق الايراني-السعودي (30)
موقع الديبلوماسي اعتبر أنهّ عندما كان من الواضح أنّ اتفاقًا كان ممكنًا لإنهاء الانفراج، أخذت الصين عباءة المسؤولية ودور الوسيط المباشر. (31)
موقع الشرق الاوسط رأى أنّ الوساطة الصينية بين السعودية وايران لا يجب أن تسبّب القلق والخشية لدى واشنطن (32)
أمّا موقع الجزيرة فاعتبر أنّ تغيير النظام العالمي يحصل من خلال يد الصين في الصفقة الإيرانية - السعودية
بحيث انّ توسّط الصين في صفقة بين خصوم الخليج القدامى هو "علامة أوسع على تغيير النظام العالمي".(33)
بدوره موقع السي أن أن اشار الى انّ إيران والسعودية يتّجهان إلى بداية عهد جديد، تتصدّر فيه الصين الصدارة. وأنّه عندما دفنت المملكة العربية السعودية وإيران الأحقاد في بكين، كانت تلك لحظة غيّرت قواعد اللعبة بالنسبة للشرق الأوسط الذي تشكّل بفعل التنافس المستمر منذ عقود، وللتأثير المتزايد للصين في المنطقة الغنية بالنفط. (34)
موقع الدايلي ستار طرح تساؤل حول ما اذا كان الانفراج الإيراني- السعودي بداية تحوّل كبير؟
حيث أنّ العداء لطالما هيمن بين الخصمين على سياسات الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، وانتشر في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وقد أعلنت إيران والمملكة العربية السعودية عن اتفاق تاريخي - بوساطة الصين في بكين لإعادة العلاقات وإعادة فتح السفارات بعد سنين من قطع العلاقات بينهما. في قراءتها الأكثر تفاؤلاً ، يمكن اعتبار الصفقة اتفاقية تاريخية تعكس التغييرات الرئيسية التي تحدث في المنطقة وفي العالم بأسره. (35)
خبر عودة العلاقات السعودية - الإيرانية جاء مفاجئاً وأشعل وسائل التواصل الاجتماعي، وتحوّل ناشطو هذه الوسائل إلى محللين يحاولون قراءة تفاصيل الاتفاق، وشكّك كثيرون في أن يؤدي إلى عودة الهدوء إلى المنطقة أو أن يزيل الكراهية بين الطرفين بعد السنين الطويلة من الحقد والنكايات والكيد، كما حذر آخرون من الإفراط بالتفاؤل خاصة عندما يتعلّق الأمر بملفات المنطقة الخلافية.
واعتبر مغرّدون آخرون أنّ عودة العلاقات الدبلوماسية ليس كافيا والموضوع أعقد مما يتصوّره البعض، لأنّ إيران لن تقف عند حدودها ولن تخسر ما غنمته في اليمن ولا في سوريا ولبنان والاتفاق ليس سوى استراحة محارب.
ووجّه البعض سهام نقدهم للآراء التي كانت تعتبر سابقا علاقة المنظمات والدول مع إيران " هروباً من الحضن العربي" في حين أصبح الأمر " دهاء وحكمة سياسية منقطعة النظير" مع تطبيع السعودية علاقاتها مع إيران.
من جهة أخرى هلّل كثيرون للاتفاق ورأوا أنّه فرصة ذهبية لتعميم المصالحة وإنهاء الصراعات في المنطقة وأنّ المصالحة السعودية-الإيرانية ستقلب الموازين وسينتج عنها تداعيات جيو- سياسية تقوي السعودية وإيران.
على صعيد آخر تساءل مغرّدون عن سبب الإعلان عن وصول المفاوضات المضنية بين البلدين إلى نتيجة إيجابية من الصين بدلا من العراق وهو سؤال ردّ عليه مغرّد آخر معتبرا" أنّ العراق هو السبّاق في السعي للتقارب بين البلدين ولكن الصين تمنح للاتفاق قوة وضمانة (36)
الخاتمة
بعد كل ما تقدم، يتبيّن أنّ دول الخليج ومن بينها المملكة العربية السعودية، لها مصلحة حيوية واكيدة في انخراط دول جديدة كالصين في سياسات أمنية في منطقة الخليج، لاسيما إذا تعلّق الأمر بواردات الطاقة.
ومن جهة الصين، انّ دخولها في الوساطة السياسية بين كل من السعودية وايران يخدم توازناتها ومصالحها الجيو- سياسية.
ومن جهة ايران، فانّ قبول وساطة الصين حفّزه علاقتها الاستراتيجية مع هذه الاخيرة كونها تخلق لها صمّام أمان في مواجهة الولايات المتحدة الاميركية والتضييق الذي تمارسه ضدها من خلال العقوبات وسائر السياسات.
انطلاقا" من هذه المصالح والحاجات، نجحت الصين في وساطتها السياسية متسلّحة بعامل الثقة التي اظهرته بسبب ثقلها ومكانتها وعلاقاتها الجيدة اجمالا" مع مختلف الدول وعدم انخراطها بنزاعات المنطقة وقوتها الاقليمية والدولية وضماناتها الاقتصادية والتجارية التي عوّضت عن عدم تقديمها ضمانات امنية، كما نجحت في تقديم نفسها للعالم ولمنافسيها من الدول الكبرى على أنّها قوة سلام تبرع في امتلاك يد من حديد بكف من مخمل (37) إذ أعلنت سابقًا مبادرة سلام لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وتوسّطت لادارة الخلافات بين السعودية وإيران. (38)
من جهة أخرى، حسن اختيار التوقيت لاتمام الوساطة كان له وقعا" جيدا"، بحيث أنّها تمّت في فترة توتر العلاقة بين ايران والولايات المتحدة الاميركية بسبب ملفها النووي، ورغبة السعودية بالخروج الناعم والهادىء وغير الكلّي من تحت المظلّة الاميركية نحو مزيد من الاستقلالية في سياستها الخارجية وخارطة تحالفاتها الدولية.
للصين مصالح اكيدة مع الجانبين، حيث إنها تعتمد على السعودية بشكل كبير في إمدادها بالطاقة على اعتبار أنّ النفط السعودي أحد أكبر موارد الطاقة لبكين، وأحد أهم المرتكزات الاستراتيجية للأمن القومي الصيني، كذلك اهتمامها بمصالحها في الشرق الأوسط، لا سيما النفط الخليجي، وفرص الاستثمار في قطاع الطاقة في العراق، والبنية التحتية في سوريا، ما يشكّله ذلك من فرص اقتصادية للشركات الصينية من جهة، ومن فرصة سياسية في ان تفرض نفسها كبديل عن الولايات المتحدة، بالاضافة الى ارتباطاتها الاقتصادية القوية مع ايران.
وبالعودة الى فلسفة الوساطة فقد اثبتت الصين مَلَكَتَها في خوض الوساطات الصينية وفي وضع اسسها،
وقد كان ذلك جليّا" من خلال طرحها حلاّ" للنزاع الروسي - الأوكراني يستند الى ثلاث مبادىء اساسية: الصراعات والحروب لا تنتج أي فائز، عدم وجود حل بسيط لقضية معقدة، وجوب تجنّب المواجهة بين الدول الكبرى، وقد شكّلت هذه المبادىء الإطار العام لأية وساطة سياسية دولية وليس فقط للنزاع بين اوكرانيا وروسيا. (39)
مع أنّ الوساطة الصينية الناجحة في الاتفاق السعودي - الإيراني تؤكد رغبة دول المنطقة في تبنّي مقاربات جديدة وتنويع خياراتها وتحالفاتها الدولية، فإنه من غير المرجّح أن يؤدي ذلك إلى إضعاف دور الولايات المتحدة في المنطقة.
وعلى عكس ذلك، قد يكون الهدف نقيضًا لذلك تمامًا، أي الضغط على الولايات المتحدة لأداء أدوار أكبر في المنطقة، خصوصًا أنّ الصين وروسيا غير قادرتين على تعويض الولايات المتحدة كشريك أمني أساسي في المنطقة.
مع ذلك، يصعب التكهن في الوقت الراهن بمدى نجاح تنفيذ الاتفاق الإيراني - السعودي الذي لا يرتبط باستئناف عمل البعثات الدبلوماسية فقط بل أيضا بالتزام البلدين بعدم التعدي على سيادة بعضهما البعض وعدم التدخل في شؤون جيرانهما. ما يطرح شكوكا" حول فرص نجاح الاتفاق ذلك انّ الاختبار الحقيقي لنجاحه يتوقفعلى مدى التزام ايران في التقليل من حجم تدخلاتها في سائر الدول.
لذلك، من المبكر اعطاء توقعات مسبقة عن نتائج ومفاعيل الاتفاق مستقبلا، ولا بد من انتظار بعض الوقت، لاختبار مدى جديّة الالتزام الايراني بتطبيق بنوده، وهذا يتطلب انتظار مزيدا" من الوقت، لاستكشاف مدى التأثير المباشر للاتفاق بين المملكة وايران على الداخل اللبناني.
نخلص لنقول انّ المبادرة الصينية لاستئناف العلاقات السعودية - الإيرانية تمثّل شكلاً آخر من أشكال « الإقليمية الجديدة» في منطقة الشرق الأوسط، ونتيجة أخرى لبحث المنطقة عن الأمن والاستقرار، وانّ قوة الطرف الوسيط (الصين)، كمنت في حسن اتمام الوساطة وارساء قواعدها الاساسية لجهة العمل الشاق والفهم العميق للقضايا والحساسيات ذات الصلة.
ايضا" استخلصت الصين العبر والدروس من تجربة الولايات المتحدة الاميركية التي دخلت في ثلاثة حروب الأولى كانت في أفغانستان، والثانية في العراق، والثالثة ضد الإرهاب في عمومه، خاصة ضد تنظيم داعش على الحدود السورية العراقية، لذلك امتنعت الصين عن الحذو حذو الولايات المتحدة، واعتمدت طريقة أخرى لإدارة وجودها الدولي يثوم على الامتناع عن التورّط في أي من أزمات الشرق الأوسط، وتعزيز ديبلوماسيتها السلمية التي تفتح امامها ابواب النفوذ.
وفي النهاية لا بد من طرح الاسئلة التالية التي لا بد منها لفهم آفاق المستقبل ومدى امكانية اعادة تفعيل النزاع بين السعودية وإيران.
هل تملك السعودية او ايران دافعاً لتغذية النزاع؟
ما هي إمكانية كل طرف في الحفاظ على التزامه مع مرور الوقت؟
هل يحتاج أي طرف إلى طرف آخر لكي يبلغ أهدافه؟
هل يملك أي طرف القدرة على وقف أي قرار لا يوافق عليه؟
هل ترغب السعودية او ايران في بناء علاقات مستقبلية فيما بينهما؟
هل يملكان القدرة على تنفيذ بنود الاتفاق ؟
هل ستتمكن بكين من النجاح طويل الامد فيما جَانَبَ العرب فيه التوفيق؟ هل ستكون بكين في وضع يتيح لها طمأنة كل من إيران والسعودية إلى قدرتهما على الاحتفاظ بمصالحما الاقتصادية رغم تخلّيهما عن بعض من النفوذ السياسي في الدول التي لهما تأثير مباشر فيها وتقليل مخاوفها من فقدان نفوذها بالكامل في تلك الدول؟
هل بالامكان للوساطة السياسية الصينية الصمود رغم عدم تضمّنها ضمانات أمنية انّما فقط ضمانات اقتصادية وتجارية؟
أسئلة وحده الوقت كفيل ببلورتها والاجابة عليها، علما" أنّه في بعض الاحيان قد لا تنجح الوساطة، ولكنها على الأقل تضع جدولاً بالقضايا المُختلف عليها، ورؤية كل طرف لها، ما يشكّل اساسا" صالحا" في التوصّل الى حل، ولو بعد حين...
المراجع
(1) دليل في الوساطة، تقنية بديلة لحل النزاعات، المحامية منى حنا، المنشورات الحقوقية – صادر، سنة 2017، صفحة 27
(2) تدريب على الوساطة السياسية، لاماك، مكرم عويس، غير منشور
(3) بيشوى رمزى
"التكامل بين الأقاليم". اتساع دوائر الدبلوماسية العربية الجمعية
الثلاثاء، 13 يونيو 2023
(4) تدريب على الوساطة السياسية، لاماك، مكرم عويس
(5) The Power of Geography, Tim Marshall, Elliott Et Hompson, 2021, Page 71
(6) المرجع السابق
(7) المرجع السابق
(8) رمزي عز الدين رمزي، خلفيات الوساطة الصينية في الشرق الاوسط، المجلّة، 15 آذار 2023
(9) تدريب على الوساطة السياسية، لاماك، مكرم عويس
(10) عبدالله حمد آل علي ، “ شراكة استراتيجية بين دول الخليج والصين” ، موقع صحيفة الخليج ، 1/3/2022، شوهد في 12/7/2022، https://www.alkhaleej.ae
(11) سعد علي القحطاني، باحث ومحلل سعودي متخصّص في الشؤون الاستراتيجية، تاريخ 21 / 7 / 2021 ، موقع صدى جورنال Sada Journal
(12) احمد عبد الجبار عبدالله ، “الاستراتيجية الصينية تجاه منطقة الخليج بعد عام 2010″، مجلة حمورابي للدراسات ، العدد (29)، ( 2019)، ص 38.
(13) عبير صارم، “العلاقات الصينية الخليجية: من أمن الطاقة إلى الشراكة الاستراتيجية”، ليفانت نيوز، 18/1/2022، شوهد في 10/7/2022، في: https://thelevantnews.com/article
(14) نوار ، “دبلوماسية الصين الجديدة في الشرق الأوسط “، موقع صحيفة القدس العربي، 6/4/2021، شوهد في 9/7/2022 ، في: https://www.alquds.co.uk
(15) إميل امين ، “الدبلوماسية الصينية وتوقيت الشرق الأوسط”، موقع صحيفة الشرق الأوسط ، 15 /1/ 2022 ، شوهد في 9/7/2022، في https://aawsat.com/home/article/3415181
(16) ركائز الاستراتيجية الصينية وديناميكياتها التفاعلية في منطقة الخليج العربي ( الأبعاد، الفرص، التحديات)
التاريخ: 5 كانون الاول 2022
د. جنان خليفه يوسف – كلية العلوم السياسية / جامعة دمشق
د. فراس عباس هاشم – باحث في الشؤن الإقليمية والاستراتيجية
[17] Laura Kelly, “Why Saudi Snub of Biden on China-Iran Deal May Help Us Relations,” The Hill, March 14, 2023, accessed on 22/3/2023, at: https://bit.ly/42HycoO
[18] “Press Gaggle by Press Secretary Karine Jean-Pierre and National Security Advisor Jake Sullivan En Route San Diego, CA,” The White House, March 13, 2023, accessed on 22/3/2023, at: https://bit.ly/3Z8A7zI
[19] Nahal Toosi & Phelim Kine, “U.S. Officials Project Calm as China Stuns World with Iran-Saudi Deal,” Politico, March 13, 2023, accessed on 22/3/2023, at: https://politi.co/3TwgHnf
[20] Summer Said, Stephen Kalin & Benoit Faucon, “China Plans New Middle East Summit as Diplomatic Role Takes Shape,” The Wall Street Journal, March 12, 2023, accessed on 22/3/2023, at: https://on.wsj.com/3FGERFI
[21] Antony J. Blinken, “The Administration’s Approach to the People’s Republic of China,” U.S. Department of State, May 26, 2022, accessed on 22/3/2023, at: https://bit.ly/3yTWvSK
[22] Jonah Shepp, “Saudi Arabia and Iran’s China-Brokered Détente Doesn’t Upend Mideast Politics and it Doesn’t Mark Some Changing of the Guard from the U.S. to China,” The New York Magazine, March 14, 2023, accessed on 22/3/2023
(23) القراءة الأميركية للوساطة الصينية في الاتفاق السعودي – الإيراني، 23/3/2023
(24) ما الذي يقلق أمريكا بشأن الوساطة الصينية في الشرق الأوسط؟
روعة قفصي، 18 آذار 2023، عربي21 ـ
(25) بعدما كان ساحة مواجهة.. كيف سينعكس التقارب السعودي الإيراني على لبنان؟
أسرار شبارو - بيروت
13/3/2023
(26) الإعلام والوساطة : أدوار و معايير وفخ تمثيل الجماهير
(27) الديموقراطية والنزاع ذو الجذور العميقة - 1998 ، تدريب على الوساطة السياسية، لاماك، مكرم عويس
(28)
The Arab Gulf States Institute in Washington
21 March 2023
https://agsiw.org/chinas-saudi-arabia-iran-mediation-an-important-but-slender-achievement/
(29)
Saudi-Iran reconciliation: China's mediator role in Middle East
BY ÖZDEN ZEYNEP OKTAV
APR 20, 2023
Arab world happy about Iran-Saudi deal: Palestinian president
(30)
June 18, 2023
https://www.tehrantimes.com/news/485911/Arab-world-happy-about-Iran-Saudi-deal-Palestinian-president
(31)
By Mehran Haghirian and Jacopo Scita
March 14, 2023
(32)
March 21, 2023
(33)
https:// www.aljazeera.com/news/2023/3/11changing-global-order-china-restores-ties-with-Iran-and-Saudi
Published On 11 Mar 202311 Mar 2023
(34)
تمارا قبلاوي ، سي إن إن
11 مارس 2023
(35)
Thursday, June 22, 2023
Eresh Omar Jamal
(36) دانة جبريل، بي بي سي نيوز عربي، 11 آذار 2023 www.bbc.com
(37) دليل في الوساطة – تقنية بديلة لحل النزاعات – المحامية منى حنا، المنشورات الحقوقية – صادر، طبعة أولى، العام 2017 ، صفحة الغلاف الخارجي.
(38) لماذا نجحت الوساطة الصينية بين الرياض وطهران؟، عبد المنعم سعيد، 20 آذار 2023
(39)
مريم الحسن
الحوار المتمدن-العدد: 6102 - 2019 / 1 / 2
المحور: الصحافة والاعلام

