في 26 آب 2020 صدر التعميم رقم 568 عن حاكم مصرف لبنان وقد تضمن ما يلي:
أ ـ قبول تسديد العملاء الاقساط او الدفعات المستحقة بالعملات الاجنبية الناتجة عن قروض التجزئة كافة بالليرة اللبنانية على اساس السعر المحدد لتعاملات مصرف لبنان مع المصارف حاليا بقيمة وسيطة تبلغ 1507.5 ليرة لبنانية للدولار الاميركي الواحد وذلك بشروط محددة في متن التعميم.
وأبقى التعميم سائر التسهيلات والقروض سيما التجارية منها خاضعة لشروط عقد القرض او عقد التسهيلات الموقـّع بين المصرف او المؤسسة المالية والعميل، سيما لجهة الالتزام بالتسديد بعملة القرض.
اذا كان صحيحا ان التعميم المذكور أنصف المقترضين الافراد، من جهة، فان الصحيح ايضا انه أتى مجحفا بحق المؤسسات التجارية المقترضة بالعملة الاجنبية خصوصا بالدولار الاميركي، في زمن الاقتصاد المتردي التي باتت فيه معظم المؤسسات التجارية على شفير الافلاس. ولا بد من الاشارة الى ان الاجحاف الذي لحق بالمؤسسات سينعكس حتما على العاملين فيها، وعلى الوضع الاقتصادي بصورة عامة ما سينعكس ايضا على المواطنين الافراد سلبا.
يطرح هذا التعميم مسألة طبيعته القانونية (اولا)، ومحله في هرمية القواعد القانونية (ثانيا) ومدى تطبيقه جوهريا وزمنيا ( ثالثا )، قبل الانطلاق الى اقتراح الحل ( رابعا ).
اولا: في طبيعة التعميم رقم 568 القانونية
هل يدخل في اختصاص حاكم مصرف لبنان تحديد جواز ايفاء القروض المعقودة بالعملة الاجنبية بالليرة اللبنانية ام لا يحق له ذلك ؟
للاجابة على هذه النقطة يجب البحث في اساس تشريعي يجيز لحاكم مصرف لبنان اصدار هذا التعميم. نعتقد ان الاساس القانوني للتعميم المذكور هو المادة 174 من قانون النقد والتسليف التي تنص على ما يلي:
" للمصرف المركزي صلاحية اعطاء التوصيات واستخدام الوسائل التي من شأنها ان تؤمن تسيير عمل مصرفي سليم."
يمكن ان تكون هذه التوصيات والوسائل شاملة او فردية.
وللمصرف المركزي بعد استطلاع رأي جمعية مصارف لبنان ان يضع التنظيمات العامة الضرورية لتأمين حسن علاقة المصارف بمودعيها وعملائها.
كما ان له ان يحدد ويعدل كلما رأى ذلك ضروريا ، قواعد تسيير العمل التي على المصارف ان تتقيد بها حفاظا على حالة سيولتها وملاءتها".
وتنص المادة 175 من قانون النقد والتسليف انه " بغية تأمين سلامة العمل المصرفي، للمصرف المركزي ان يحدد بين الحين والاخر بشكل عام او لكل مصرف على حدة النسب الواجب توافرها بين الموجودات والمطلوبات او بين بعض عناصر الموجودات هذه والمطلوبات فيما بينها الخ".
وتنص المادة 176 من قانون النقد والتسليف : " ان الاحكام التي قد تصدر بموجب المادة السابقة لا يمكن ان تكون فورية التطبيق او رجعية المفعول. بل يحدد المصرف المركزي في التعليمات التي يوجهها الى المصارف بهذه المناسبة المهلة التي سيبدأ بنهايتها تطبيق النسب المقررة كما يحدد الاصول التي تحسب هذه النسب بموجبها".
اذا حللنا هذه النصوص تحليلا علميا نستنتج ما يلي:
ان هذه النصوص تندرج تحت عنوان " الباب الثالث : التنظيم المصرفي " وتحت عنوان " القسم الخامس: قواعد تسيير العمل العامة" وتحت عنوان " 3 – عمل المصرف المركزي ".
نجد المادة 174 تنص في فقرتها الاولى ان للمصرف المركزي " صلاحية اعطاء التوصيات واستخدام الوسائل التي من شأنها ان تؤمن تسيير عمل مصرفي سليم".
هذه الفقرة لا تخول مصرف لبنان سوى " اعطاء التوصيات واستخدام الوسائل "، فلا نستخرج منها انه يحق للمصرف ان يصدر تعاميم ملزمة في هذا الاتجاه.
ولكن قد يتبدد هذا الاستنتاج عندما نقرأ في الفقرة الثانية من المادة ذاتها ان المصرف المركزي " يضع التنظيمات العامة " الضرورية لتأمين حسن علاقة المصارف بمودعيها وعملائها.
فكلمة " يضع " تعني ان الاحكام التي يضعها مصرف لبنان لتنظيم العلاقة بين المصارف وعملائها هي الزامية للمصارف ولعملائها.
والسؤال الفوري الذي يطرح هنا هو التالي: هل ان اجازة تسديد قيمة القروض بالعملة اللبنانية وبالسعر المحدد لتعاملات مصرف لبنان مع المصارف ( حاليا بقيمة 1507.5 ليرة لبنانية للدولار الاميركي الواحد ) يدخل في اطار " التوصيات " ام " وضع التنظيمات العامة "؟ للاجابة على هذا السؤال ، لا بد ان نتابع قراءة المواد: 175 و 176 نقد وتسليف.
فالمادة 175 من قانون النقد والتسليف تنص انه " بغية تامين سلامة العمل المصرفي، للمصرف المركزي ان يحدد بين الحين والآخر بشكل عام او لكل مصرف على حدة النسب الواجب توفرها بين الموجودات والمطلوبات او بين بعض عناصر الموجودات هذه والمطلوبات فيما بينها".
وتنص المادة 176 من قانون النقد والتسليف ان " الاحكام التي قد تصدر بموجب المادة السابقة لا يمكن ان تكون فورية التطبيق او رجعية المفعول. بل يحدد المصرف المركزي في التعليمات التي يوجهها الى المصارف بهذه المناسبة المهلة التي سيبدأ بنهايتها تطبيق النسب المقررة كما يحدد الاصول التي تحسب هذه النسب بموجبها".
وتنص المادة 177 من قانون النقد والتسليف: " يحدد المصرف المركزي، في الانظمة والتعليمات التي يضعها تطبيقا لهذا القانون معنى العبارات : " اموال سائلة "، " حالة السيولة"، موجودات قابلة التجهيز"، " تعهدات قصيرة الاجل "، " اموال ورساميل خاصة "، " اموال مجمدة الخ ...".
نعود لطرح السؤال الاساسي ، هل ان ما ذهب اليه حاكم مصرف لبنان في تعميمه رقم 568 يدخل في اطار " التوصيات" ، المحكى عليها في المادة 174 ام في اطار " الانظمة والتعليمات" المحكى عليها في المواد 175 و176 و177 ؟
نحن نرى بأن المشترع في قانون النقد والتسليف اعتمد سياسة التحديد التشريعي الواضح عندما اراد اخضاع بعض الحالات لانظمة وتعليمات مصرف لبنان، كتحديد النسب الواجب توافرها بين الموجودات والمطلوبات في المادة 175. وذهب في تحديده الى أبعد من ذلك في المادتين 176، 177 حيث أكد في المادة 176 ان " الاحكام " التي تصدر بموجب المادة السابقة ( المادة 174 لا يمكن ان تكون " فورية التطبيق او مرجعية المفعول"، بل يحدد المصرف المركزي في " التعليمات " التي يوجهها الى المصارف بهذه المناسبة المهلة ... كما يحدد الاصول ...".
وفي سياق سياسة التحديد ايضا، أكد في المادة 177 على وجوب تحديد معنى بعض العبارات في " الانظمة والتعليمات " التي يضعها تطبيقا لهذا القانون ( قانون النقد والتسليف ).
نفهم من كل ذلك، ان مصرف لبنان لا يمكنه ان يضع " انظمة " و" تعليمات " الزامية الا في مواضيع محددة حددها له المشترع في قانون النقد والتسليف او في قوانين أخرى ذات صلة.
ان مسألة " قبول تسديد العملاء الاقساط او الدفعات المستحقة بالعملات الاجنبية الناتجة عن قروض التجزئة كافة ... بالليرة اللبنانية على اساس السعر المحدد لتعاملات مصرف لبنان مع المصارف " ، ليست من المواضيع المحددة التي ادخلها قانون النقد والتسليف ( او سواه ) ضمن "الانظمة" و " التعليمات " الصادرة عن المصرف المركزي والملزمة للمصارف، بل هي تدخل في نطاق " التوصيات " المنصوص عنها في الفقرة الاولى من المادة 174 من قانون النقد والتسليف؛ و " التوصيات " ـ كما نعلم جميعا – ليست ملزمة بل تبقى في اطار "النصائح" اذا صح التعبير، يمكن اتباعها او رفضها في كل قضية على حدة ؛ اي انه لا يوجد قاعدة حل عامة مطلقة والزامية ، بل مجرد توصية ، يعمل بها ام لا في كل حالة على حدة.
ثانيا: في محل التعميم وسط هرمية القواعد القانونية:
التعميم ـ كما نعلم جميعا ـ يقع في أسفل هرمية القواعد القانونية، وهو لا يمكن ان يكون مخالفا للقانون، وهو بالنهاية عمل اداري Acte administratif يخضع لمراجعة ابطال امام مجلس شورى الدولة اما لتجاوز مصدره ( اي الحاكم ) حد السلطة او لمخالفته القانون. ولكن السؤال الذي يطرح هنا: هل ان المشكلة المطروحة تكمن في ان الزامية قبول الايفاء بالعملة اللبنانية مكرسة بنص قانوني، لا يصح مخالفته بتعميم صادر عن حاكم مصرف لبنان ؟ ام ان المشكلة تكمن في تحديد سعر الصرف الواجب حصول الايفاء بالعملة اللبنانية على اساسه؟
لا نرى فائدة في استعادة النصوص القانونية التي رأى فيها البعض اساسا قانونيا للقول بوجوب قبول الايفاء بالعملة الوطنية، حتى ان بعضهم ذهب الى حد تجريم اي تصرف مغاير جزائيا. وبالمقابل لا نجد ايضا سبيلا في اطار هذه الدراسة المقتضبة لاستعادة الاراء المخالفة؛ فالآراء اصبحت معروفة. ولكن لا بد من التركيز على المشكلة بصورة موضوعية وعلمية بعيدا عن تجاذب النصوص، بل عن تفسيرها قسريا Forçage des textes juridiques بحيث نعمد الى " مغط " النص لتطبيقه على حالات لم يوضع لها اصلا، وكأننا في ذلك نحاول الباس النص بصورة قسرية على حالة لا تشبهه، فنعمد الى " مغطه " او الى " زمّه " ليصبح منطبقا على الحالة التي نريد " قسرا " ادراجها تحت حكم النص. هذه الطريقة في تطبيق وتفسير القواعد القانونية ليست فقط مرفوضة، بل مدانة ولا تنم عن حسّ قانوني سليم.
المشكلة لا تكمن في وجود او عدم وجود نص يحكم حالة قبول الايفاء بالعملة اللبنانية عندما تكون عملة التسديد المتفق عليها اجنبية، بل ان المشكلة تكمن في سعر الصرف المحدد للدولار الاميركي الواحد. هذا السعر الذي يجب ان يتم الايفاء بالاستناد اليه.
عندما يتم فصل سعر صرف الدولار الاميركي الواحد بالليرة اللبنانية، لا تعود هناك اي مشكلة ويصبح قبول الايفاء بالعملة اللبنانية ملزما للمصرف.
فهل يوجد سعر صرف " رسمي " ـ كما يدعي البعض ـ للدولار الاميركي في السوق اللبناني ؟
هنا سألفت الى ملاحظتين اولهما عامة وثانيهما خاصة.
الملاحظة العامة، هي تصريح وزير المالية المستقيل الدكتور غازي وزنة منذ حوالي اربعة اشهر، بأنه يتعذر في حينه تحديد سعر صرف رسمي للدولار الاميركي، لان هذا الامر يتطلب اتخاذ خطوات اقتصادية، مالية ونقدية مسبقة. هذا الامر لم يحصل لغاية تاريخه، كما سار عليه عمل الاجهزة الحكومية اللبنانية منذ زمن بعيد والذي الخصه بعبارة " الى الوراء در " ! فوعد الوزير لم يتحقق، ثم " طار " الوزير و" طارت " معه حكومته وطار " الوعد " وعاد الى "كمّون " الوعود اللبنانية كالعادة !
اما الملاحظة الثانية، فخاصة ودالة وحاسمة وهي ناهضة من مندرجات التعميم ذاته. حيث ان حاكم مصرف لبنان عمد الى توصيف سعر الصرف الحالي للدولار الاميركي الواحد بعبارات ناطقة وصريحة وبعيدة كل البعد عن التأويل او التفسير او الاستنتاج. فقد ورد حرفيا في المادة الاولى من التعميم ان قبول تسديد العملاء الاقساط او الدفعات المستحقة بالعملات الاجنبية الناتجة عن قروض التجزئة كافة، بالليرة اللبنانية ملزم للمصارف والمؤسسات المالية "على اساس السعر المحدد لتعاملات مصرف لبنان مع المصارف ( حاليا بقيمة وسطية تبلغ 1507.5 ليرة لبنانية للدولار الاميركي الواحد )".
اي ان حاكم مصرف لبنان وبكثير من الدقة والاحتراف لم يعمد الى توصيف سعر صرف الدولار الاميركي بالليرة اللبنانية بانه السعر الرسمي او السعر الصادر عن مصرف لبنان او السعر المتداول في البورصة، كما أجهد الكثيرون انفسهم في وصفه، بل قال بوضوح تام بأنه "السعر المحدد لتعاملات مصرف لبنان مع المصارف " وحدده حاليا "بقيمة وسطية تبلغ 1507.5 ليرة لبنانية للدولار الاميركي الواحد" ، واضعا هذه العبارة بين قوسين ، للدلالة على رغبته الاكيدة في توضيح الامر وازالة اي التباس او تأويل محتمل.
من هنا يمكننا الجزم ان هذا " السعر " ليس ملزما، كما ان التعميم بذاته ـ كما اشرنا اليه اعلاه ـ ليس ملزما ويدخل وهو من قبل " التوصية " اي ما يعرف بالتعبير العادي الشعبي بـ "النصيحة ".
فما هو الحل اذا.
قبل التطرق الى الحل المقترح، لا بد لنا من التطرق الى مدى تطبيق التعميم جوهريا وزمنيا.
ثالثا: مدى تطبيق التعميم رقم 568 جوهريا وزمنيا
أ ـ مدى التطبيق الجوهري للتعميم
ورد في المادة الاولى من التعميم وجوب قبول تسديد العملاء " الاقساط " او " الدفعات المستحقة "، فماذا بالنسبة الى رغبة العملاء بتسديد كامل قيمة القرض وليس الاكتفاء "بالاقساط" و" الدفعات" ؟
هل يقتضي التوسع في التفسير واعتبار ان قبول ايفاء كامل القرض بالعملة اللبنانية ملزم للمصرف وللمؤسسات المالية ويقتضي في هذه الحالة قبول الايفاء وتبرئة ذمة العميل ابراء تاما وكاملا بخصوص حساب القرض، ام يقتضي اعتماد التفسير الضيق وحصر الزامية قبول الايفاء بالعملة اللبنانية و" بالاقساط " او " بالدفعات المستحقة" ؟
ان الطبيعة الخاصة والظرفية للتعميم تحملنا على الجزم بوجوب حصر الزامية قبول الايفاء بالعملة اللبنانية " بالاقساط " و " الدفعات" ، دون حالة تسديد كامل قيمة القرض واقفال الحساب وتبرئة ذمة العميل. فالتعميم هو ظرفي من جهة وقد تتبدل مندرجاته بحسب تطور الاحوال الاقتصادية، المالية والنقدية في البلد. ومن جهة أخرى، هو ذات طبيعة استثنائية، تم وضعه بصورة استثنائية ليحكم حالة استثنائية محددة. والاستثناء في علم تفسير النصوص القانونية يفسر حصرا ولا يصح التوسع في تفسير احكامه.
ب ـ مدى التطبيق الزمني للتعميم
يجب ان نطبق على التعميم قاعدة عدم الرجعية بعيدا عن اعتماد رجعية المفعول او فورية التطبيق.
اننا نستند في رأينا هذا الى سببين أولهما مستمد من طبيعة تنازع القوانين في الزمان بصورة عامة وثانيهما مستمد من حجّة نصية Argument de texte .
1 – قاعدة عدم الرجعية
تبقى عدم الرجعية هي القاعدة، فلا يصح الخروج عنها الى الاثر الفوري او رجعية المفعول الا بنص صريح، او لاسباب قانونية مبررة ، وهي غير متوافرة في حالتنا الحاضرة.
فلو افترضنا ان شركة تجارية ، إقترضت بالدولار الاميركي. وقد عمدت قبل صدور التعميم الى ايفاء القرض بالعملة اللبنانية مستندة في ذلك الى النصوص التي استند اليها الكثيرون، فلا يصح اطلاقا عدم القبول الايفاء بالعملة اللبنانية استنادا الى مندرجات هذا التعميم ، بل ان النقاش يجب ان يكون في مكان آخر خارج اطار التعميم رقم 568.
وان التطبيق الفوري لا يجد سبيلا لاعماله هنا، لان نصوص التعميم ليست حتمية التطبيق او متعلقة بالنظام العام، طالما انها ليست ملزمة في الاصل ، كما اسلفنا ، بل هي مجرد "توصيات" غير ملزمة.
2 – الحجّة المستمدة من النص Argument de texte
جاء في المادة 176 من قانون النقد والتسليف " ان الاحكام التي قد تصدر بموجب المادة السابقة لا يمكن ان تكون فورية التطبيق او رجعية المفعول، بل يحدد المصرف المركزي في التعليمات التي يوجهها الى المصارف بهذه المناسبة المهلة التي سيبدأ بنهايتها تطبيق النسب المقررة كما يحدد الاصول التي تحسب هذه النسب بموجبها ".
نبدي انطلاقا من هذا النص ملاحظتين:
الملاحظة الاولى: ان المشترع في قانون النقد والتسليف اعتمد التوضيح والتحديد، فقد أكد في المادة اعلاه ان " النسب الواجب توفرها بين الموجودات والمطلوبات او بين بعض عناصر الموجودات هذه والمطلوبات فيما بينها "، يحددها مصرف لبنان فقط بالنسبة للمستقبل و" لا يمكن ان تكون فورية التطبيق او رجعية المفعول ".
هذه المادة وان كان مضمونها بعيدا عن مضمون التعميم رقم 568 ، فان نهج صياغتها يفيدنا بان المشترع في قانون النقد والتسليف لم يعتمد لا رجعية النصوص ولا حتمية تطبيقها، بل اعتمد مبدأ عدم الرجعية .
الملاحظة الثانية: اذا كان المشترع في قانون النقد والتسليف لم يعتمد رجعية النصوص وحتمية تطبيقها بالنسبة للاحكام الملزمة والتي أجاز للمصرف المركزي اصدارها، فبحجة أولى ( a fortiori ) لا يمكن اطلاقا اعتماد رجعية النصوص او حتمية تطبيقها بالنسبة للتوصيات التي اجاز للمصرف المركزي اصدارها ؛ كما هي حالة التعميم رقم 568 لجهة عدم الزامية قبول ايفاء الشركات التجارية بالعملة اللبنانية للقروض التي ابرمتها بالعملة الاجنبية، ما يعني بان الايفاءات الحاصلة بالعملة اللبنانية من قبل الشركات التجارية قبل تاريخ صدور التعميم رقم 568 تبقى مبرئة[1] او على الاقل، تبقى خارج اطار تطبيق التعميم المذكور.
فما هو الحل اذن ؟
رابعا: الحل المقترح
اذا كان صحيحا ان نصوص التعميم رقم 568 هي مجرد توصيات غير ملزمة، واذا كان صحيحا بان سعر صرف الدولار الاميركي، المحدد في المادة الاولى من التعميم غير ملزم لانه ليس السعر الرسمي ( الذي لم ير النور اصلا )، بل هو مجرد السعر المحدد " لتعاملات مصرف لبنان مع المصارف "، فما هو الملزم اذن ؟ وهل يصح ان نبقى في حالة " تفلت " تشريعي ، بعيدا عن الضوابط؟
قلناها سابقا[2] ونكررها اليوم انه يقتضي وضع نصوص تشريعية استثنائية، عن طريق اصدار مراسيم تشريعية، في حكومة محايدة تضم حصرا اختصاصيين في الاقتصاد والاموال والنقد دون سواهم؛ وتكون تلك المراسيم التشريعية حاسمة وقاطعة ، تضع حدا للجدل القائم.
وبالانتظار ، نرى الصلح " سيد الاحكام " . فاذا توافر، زالت المشكلة اما اذا تعرقل، فاننا نأمل من المحاكم التحلي بالحكمة التي تحلى بها حاكم مصرف لبنان في التعميم رقم 568 بالنسبة للافراد، وتعميم الحل المكرس للافراد على الشركات التجارية لما فيه خير الجميع وذلك عبر التوسع في تطبيق نظرية " الطوارىء الاقتصادية " المعمول بها في القانون الاداري لتشمل عقود الاقتراض بالعملة الاجنبية، واعتماد سعر الصرف المحدد في " تعاملات مصرف لبنان مع المصارف" على القروض المعقودة من قبل الشركات التجارية بالعملة الاجنبية، فلا " يموت الذئب ولا يفنى الغنم" . ولكن سبيل الخلاص الوحيد يبقى المراسيم الاشتراعية ،التي ما زالت تحول دون اعتمادها عقبات واعتبارات سياسية. لقد طال انتظارها، فهل سيطول اكثر؟ (تحميل النسخة الكاملة)

