• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

المعوقات الثقافية للمشاركة السياسية للمرأة اللبنانية

 

المعوقات الثقافية للمشاركة السياسية للمرأة اللبنانية

إعداد: د. سحر سمير محسن

 

 

مقدمة:

تعكـــــس مـــــشاركة المـــــرأة فـــــي الحيـــــاة الـــــسياسية طبيعـــــة النظـــــام الـــــسياسي والاجتمـــــاعي فــــــي الدولــــــة ، إذ تنمو المجتمعــــــات بقيــــــاس مقــــــدار قــــــدرتها علــــــى دمـــــــج النـــــــساء فـــــــي قـــــــضايا المجتمـــــــع العامـــــــة والخاصـــــــة وتعزيـــــــز قـــــــدراتهن على المــــــساهمة فــــــي العمليــــــة التنمويــــــة، فحقــــــوق المــــــرأة ليــــــست مجــــــرد قــــــضية انــــــسانية، بــــــل وطنيــــــة تــــــرتبط فــــــي مختلــــــف المجــــــالات الفكريــــــة والــــــسياسية ُ كمــــــا تعــــــد مــــــن اهــــــم عناصــــــر العمليــــــة الديمقراطيــــــة ، وتتــــــأتى أهميــــــة المــــــشاركة الــــــسياسية للمــــــرأة لكونهــــــا تأخــــــذ  طابعـــــا ضـــــامنا نظـــــرا لخـــــصوصية قـــــضية المـــــرأة والغـــــاء جميـــــع اشـــــكال التمييـــــز القائمة ضدها من اجل تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بينها وبين الرجل.

ورغــــم الجهــــود المبذولــــة عربيــــا فــــي هــــذا الــــشأن ، فــــان مشاركة المرأة على الصعيد السياسي، ووجودها في سلطات الدولة ومراكــــــز صــــــنع القــــــرار الحيويــــــة ، لاتــــــوازي فــــــي تطورهــــــا ماحققتــــه المــــرأة مــــن عطــــاء وخــــدمات ومــــا امتلكتــــه مــــن كفــــاءات وامكانيــــات فــــي شـــــتى الميـــــادين والمجـــــالات ، وذا كانـــــت المــــــراة العربيـــــة تتحمـــــل قـــــسطا مــــــن المــــسؤولية فــــي ضــــعف مــــشاركتها فــــي هــــذا الــــصدد نتيجــــة لعــــدم مبالاتهــــا الجــــادة بالــــــشأن الــــــسياسي، فــــــان هنــــــاك عوامــــــل اخــــــرى تتحملهــــــا الدولــــــة والمجتمــــــع وتــــسهم فــــي تفــــشي هــــذه الظــــاهرة فــــلا تتــــيح الفرصــــة لتعزيــــز مكانهــــا لا ســــيما فــــي الجانـــــــب الـــــــسياسي [1].

إن هذه المعضلة موجودة في النظام السياسي اللبناني بشكل أكبر من باق الأنظمة، والأرقام الخجولة لمشاركة المرأة اللبنانية في الحياة السياسية تدلل على ذلك، وربما هذا يفرض قراءة جديدة لأركان النظام السياسي اللبناني من أجل صياغة جديدة يتطلبها الوضع اللبناني المعقد اليوم، هذه الصياغة يجب أن تلحظ أهمية المشاركة السياسية للمرأة اللبنانية لما لذلك من دور في إرساء الاستقرار السياسي من ناحية، والحفاظ على السلام الدائم المنشود في هذا البلد الذي أنهكته الصراعات من ناحية ثانية.

في الحقيقة توجد العديد من المعوقات التي تحد من المشاركة السياسية للمرأة اللبنانية في مختلف السلطات في النظام السياسي اللبناني، ومن أبرز هذه المعوقات ما يعرف بالمعوقات الثقافية، والتي يختلف تأثيرها من دولة لأخرى. ومن هذه الزاوية تماماً تظهر أهداف هذا البحث والتي يأتي في مقدمتها الوقوف على نظرة المجتمع اللبناني للمشاركة السياسية للمرأة، هذه النظرة التي هي نتاج موروث ثقافي تراكمي، ويمكن أن ينشأ هذا الموروث نتيجة استقرار نظرة المجتمع على عدم قدرة المرأة على الدخول في الحياة السياسية، كما أنه قد ينشأ نتيجة القواعد والمبادئ التي تحكم النظام السياسي اللبناني.

من خلال ما تقدم فإن الإشكالية التي يقوم عليها هذا البحث تظهر في السؤال الآتي: ما هي المعقوقات ذات الطابع الثقافي التي تحد من المشاركة السياسية للمرأة اللبناني، وما هي الآليات التي يمكن أن تعالج آثار هذه المعوقات؟

سيتم الاعتماد في هذا البحث على المنهج التحليلي، إذ سيتم التعرض للإطار العام للنظرة الثقافية للمرأة، والأدوار التي يمكن أن تضطلع بها، ومن ثم الانتقال إلى الآثار الخاصة للمعقوقات الثقافية على المشاركة السياسية للمرأة في النظام السياسي اللبناني. وسيكون ذلك من خلال مطلبين، يخصص الأول لدراسة التصورات الذهنية في المجتمعات الشرقية حيال المشاركة السياسية للمرأة، أما المطلب الثاني سيخصص للموقف الحكومي اللبناني في مواجهة المعوقات الثقافية للمشاركة السياسية للمرأة، وذلك على النحو الآتي:

المطلب الأول: التصورات الذهنية في المجتمعات الشرقية حيال المشاركة السياسية للمرأة.

المطلب الثاني: الموقف الحكومي اللبناني في مواجهة المعوقات الثقافية للمشاركة السياسية للمرأة.

 

 

المطلب الأول: التصورات الذهنية في المجتمعات الشرقية حيال المشاركة السياسية للمرأة

تلعب الأبعاد التصورات الذهنية دورا ً مهماً فى رسم حدود قدرة المرأة على التحرك بحرية فى الحياة الخاصة، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على إنغماسها فى الشأن العام، وذلك من خلال الأشكال المختلفة للمشاركة السياسية. وتدفع هذه المعضلة إلى ضرورة إلقاء الضوء على الأطر المجتمعية الحاكمة لتلك المشاركة واختلاف أثر البيئة الاجتماعية الثقافية فى معدل وشكل تلك المشاركة، وذلك فى ظل الأطر الأخرى كالسياسات والقوانين والأطر الحاكمة من قبل الدولة.

في الحقيقة تتطلب الإحاطة بتفاصيل التصورات الذهنية للمجتمعات الشرقية تجاه مشاركة المرأة في الشأن السياسي الوقوف بداية عند مفهوم المعوقات الثقافية والمتغيرات المرتبطة بها، باعتبار أن التصورات الذهنية حيال المرأة تشكل أحد أبرز هذه المعقوقات ( الفرع الأول). من ثم لا بد من دراسة طبيعة العلاقة بين الثقافات المجتمعية الموروثة من ناحية، والثقافة السياسية من ناحية ثانية ( الفرع الثاني).

 

 

الفرع الأول: مفهوم المعوقات الثقافية والمتغيرات المرتبطة بها

مثلت قضية مشاركة المرأة في الحياة السياسية جدلًا واسعًا، حيث تلعب الثقافة السائد في المجتمع دور فعال في التأثير على مشاركة المرأة في الحياة السياسية. ويمكن القول أن المعوقات الثقافية تستند على مجموعة من المبادئ والقيم المنبثفة عن العقيدة الدينية والأعراف والتقاليد المتفق عليها عمومًا والأفكار والاتجاهات والميول الخاصة ومنظومة القيم التي تضبط تفاعل ذلك كله في المجتمع والعرف الاجتماعي والتقاليد العام منها والخاص بالنسبة للفئات التي يتكون منها المجتمع والأفكار السياسية في إطار مدارسها وتياراتها والاتجاهات التي ترتبط بتطور مصالح المجتمعات، وتصورات الفرد عن دوره وميوله النفسية وكل ذلك محكوم بالقيم وخصوصا الثقافة السائد في المجتمع وتأثيرها على المشاركة السياسية للمرأة. وهذا يعني أن المعوقات الثقافية تشكل مجموعة من العراقيل المبنية على قيم وطقوس وأفكار ومعتقدات التي تنتقل من جيل إلى آخر، والتي قد لا تقتصر على الأفراد والجماعات، بل قد تمتد إلى المؤسسات الرسمية [2].

يوجد عدد كبير من الدراسات الخاصة بمشاركة المرأة فى النشاط السياسى، ورصدت معظم هذه الدراسات التطورات التي طرأت على النظرة المجتمعية الرسمية وغير الرسمية حيال المشاركة السياسية للمرأة، كما أن هذه الدراسات توصلت إلى نتيجة مفادها ضعف المشاركة السياسية للمرأة في المنطقة العربية، ومع ذلك فإنه لا يزال هناك نقص حاد فى تأطير نظرية تفسر أسباب ضعف المشاركة السياسية للمرأة من ناحية، وبيان الآليات التي يمكن اتباعها من أجل تفعيل هذه المشاركة[3].

تجدر الإشارة إلى أن غياب نظرية تفسر أسباب ضعف المشاركة السياسية للمرأة لم تمنعهم من وضع عدة تفسيرات لذلك، ومن المفيد التعرض لهذه التفسيرات، ومنها:[4]

1- التفسيرات الفسيولوجية/ النفسية: وتشير إلى الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء، وبعض الصفات مثل النعومة، والضعف، والرقة وكلها صفات تنسب إلى المرأة وليس إلى الرجل وتعتبر خصائص فسيولوجية/نفسية.

2- التفسيرات الوظيفية: التى تصور الأدوار التقليدية للمرأة كأم وربة منزل، وتعمل هذه التفسيرات على الحد من دخول المرأة المعترك السياسى.

3- التفسيرات الثقافية: إذ تركز هذه التفسيرات على خصائص  محددة مثل تعريف المجال السياسي على أنه ممارسة رجولية بشكل أساسى، وفى المقابل تنسب الأنماط السلبية إلى النساء اللاتى يمارسن السياسة. وهو ما يرجع إلى الثقافة الذكورية - الأبوية والتى تسيطر على جميع المجالات، وخصوصا المناصب العليا، وهذا ما يعد تفسيرا ً ثقافيا ً وعاملاً مركزياً لمستوى المرأة المتدني في التمثيل السياسي،   وتندرج تحت هذا السياق أيضاً عدة عوامل مثل عدم المساواة المبنية على النوع الاجتماعى والتى تنسب إلى النظام الرأسمالى، وتهميش قضايا مكانة المرأة فى وسائل الإعلام، ونسبة الأمية العالية بين النساء فى دول العالم الثالث، وعدم اهتمام النساء بأهمية مشاركتهن السياسية كوسيلة لتطوير مكانتهن، وطبيعة النشاط النسائى المنظم والذى يركز على الشخصنة والمصالح المحلية من المصلحة العامة للمرأة، بالإضافة إلى عوامل اقتصادية.

توجد مجموعة من المتغيرات التي تدور في إطار المعوقات الثقافية التي تقف في طريق المشاركة السياسية للمرأة، و ترتبط هذه المتغيرات بطبيعة المجتمعات الشرقية التي يغلب عليها النظام الأبوى الذى يقوم على سيطرة الرجال ودورهم الرئيسى وعلى احتكارهم للفضاءات العامة والمسؤوليات فى مراكز إتخاذ القرار وعلى دونية النساء وعدم الاعتراف لهن بروح المبادرة وبإمكانية تولى المناصب السياسية. يرتكز هذا النظام الأبوى على تقسيم الأدوار بحيث ينحسر دور النساء فى الأعمال المنزلية والوظائف التقليدية النسائية بينما يتولى الرجال القيام بكل الوظائف الاجتماعية والسياسية دون استثناء، ما يعد فى المجمل نظاما ً أبويا ً يرتكز على العادات والتقاليد لتنظيم مكانة النساء فى المجتمع بصفة عامة وفى المجتمع السياسى بصفة خاصة ولتكريس علاقات هرمية تنبنى على أساس الجنس [5].

وفي هذا السياق يمكن أن نجمل المتغيرات المرتبطة بالمعوقات الثقافية لمشاركة المرأة السياسية تحت عنوانين رئيسيين، وهما:

أولاً- العادات والتقاليد: شكلت مجموعة من الممارسات والسلوكيات التى اتخذت بعداً سائداً في المجتمعات، وتم تطبيقها على النساء فقط، مثل قيمة الفضيلة، (أو الشرف)، التى ارتبطت بالدرجة الأولى «بجسد المرأة». حيث سيطرت فكرة امتلاك الرجل للمرأة، فمسألة الشرف فى المجتمعات العربية وصلت إلى حد التطرف، حيث تم التعامل معها قانونيا ً على أنها مسألة تخص رجال العائلة، فقتل الفتاة، موضع الشك، على يد أحد أفراد عائلتها جريمة مبررة، وغالبا ً ما تلقى أحكاما ً قانونية مخففة جداً، بل أنها قد تكون جريمة معفية من العقاب لشمولها بأسباب التبرير [6].

ثانياً- الدور النمطى للمرأة:  وهو ما تكرسه قنوات التأثير فى المجتمع، فنجد المناهج الدراسية فى المراحل الابتدائية كلها تجمع على صورة واحدة للمرأة، باعتبارها الفتاة المطيعة، الأم، الزوجة، الممرضة، الفلاحة، الشهيدة فى سبيل الوطن. وذلك كله، يقدم للعطاء اللامحدود والتضحية والتفانى، لا مواطنة بوصفها نموذجاً تملك استقلاليتها التامة ومشاريعها الخاصة. ومن ثم ينعكس هذا التنميط للمرأة على التعليم والعمل، فيوجه الأهل عادة فتياتهم لدراسة الاختصاصات التى يعتقد أنها تتفق وطبيعتها الأنثوية أو رسالتها الأمومية. ومن ناحية ثانية تتكرس هذه الصورة النمطية فى وسائل الإعلام التى تتعامل مع المرأة باعتبارها كائن مستهلك ومُستَهلَك تستعرض نفسها من خلال ملبسها وحليها وزينتها وقدرتها المالية، ومن جهة أخرى هى سلعة تستخدم فى الإعلانات كموضوع لترويج المنتجات الاستهلاكية. أما الصورة الغالبة فى القصص والروايات، فهى صورة المرأة التى تولى وجودها فى المنزل أهمية كبيرة على حساب حياتها الشخصية أو طموحها، ما يضع مفهوم التضحية فى المقام الأول. ويجرى التلميح دوما ً إلى أن خروجها إلى العمل ناجم عن العوز الاقتصادى فقط[7].

 

الفرع الثاني: طبيعة العلاقة بين الثقافات الموروثة والثقافة السياسية للمجتمع اللبناني

إن بيان طبيعة العلاقة بين الثقافات المجتمعية الموروثة تجاه مشاركة المرأة السياسية، وبين الثقافة السياسية للمجتمع اللبناني يحتاج إلى دراسة مسائل عدة، منها تحديد مفهوم الثقافة السياسية ( أولاً)، ودراسة الانعكاسات السلبية للموروث الثقافي على مشاركة المرأة السياسية ( ثانياً).

أولاً- مفهوم الثقافة السياسية: 

يشير مصطلح الثقافة السياسية في هذا السياق إلى مجموعة القيم والمعايير السلوكية المتعلقة بالأفراد فى علاقتهم مع السلطة السياسية التى تتطور مع تطور العلاقة بين الحاكم والمحكومين .وتعنى أيضا ً منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التى يرى بها مجتمع معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور. ومعنى ذلك أن الثقافة السياسية تتمحور حول قيم واتجاهات وقناعات طويلة الأمد بخصوص الظواهر السياسية. ويشكل الأفراد مجموعة من القناعات بخصوص أدوار النظام السياسى بشتى مؤسساته الرسمية وغير الرسمية. ولما كانت الثقافة السياسية لمجتمع جزءا ً من ثقافته العامة، فهى تتكون بدورها من عدة ثقافات فرعية، وتشمل الثقافات الفرعية: ثقافة الشباب والنخبة الحاكمة والعمال والفلاحين والمرأة... وغيرها، وبذلك تكون الثقافة السياسية هى مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التى تعطى نظاما ومعنى للعملية السياسية، وتقدم القواعد المستقرة التى تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام السياسى، وبذلك فهى تنصب على المثل والمعايير السياسية التى يلتزم بها أعضاء المجتمع السياسى، والتى تحدد الإطار الذى يحدث التصرف السياسى فى نطاقه. وتتميز الثقافة السياسية بأنها متغيرة، فهى لا تعرف الثبات المطلق، ويتوقف حجم ومدى التغير على عدة عوامل منها: مدى التغير ومعدله فى الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ودرجة اهتمام النخبة الحاكمة بقضية التغيير الثقافى، وحجم الاهتمام الذى توليه وتخصصه الدولة لإحداث هذا التغيير فى ثقافة المجتمع، ومدى رسوخه هذه القيم فى نفوس الأفراد [8].

ثانياً- انعكاسات الموروث الثقافي على المشاركة السياسية للمرأة:

في الحقيقة كان للموروث الاجتماعي والثقافي أثره السلبي على الثقافة السياسية حيال مشاركة المرأة اللبنانية في الشؤون العامة، إذ امتدت تأثيرات طبيعة الثقافة السياسية على المشاركة السياسية للمرأة اللبنانية عن طريق استبعاد النساء عن أى نشاط يمكن أن يحمل مدلولاً فاعلاً ، أو حتى أى تأثير فى صنع القرارات، التى من الممكن أن تركز على تشكيل الوعى جذريا ً حيال المسائل المتعلقة بالمرأة. ولازال مجتمعنا العربى خاضعا ً لنظام معقد، تتسم علاقاته بالتسلطية والمحسوبية فى كافة مؤسساته، كما ينسحب ذلك على أية مؤسسة أو منظمة أو جمعية تعنى بقضايا المرأة كونها ليست سوى شكل من أشكال النظام القائم، والتى غالبا ما تتسم بالطابع الخيرى الطوعى. ويمكن القول هنا  أن المرأة العربية منذ عصور قريبة، لعبت دورا ً كبيرا ً فى تكريس هذه النمطية والمنظومة الفكرية السائدة وتوريثها، فكانت حاضنة للأفكار والمفاهيم التسلطية نفسها؛ فهى إما حاملة لها وناقلة لها بشكل أمين، دون محاولة لمراجعتها أو الوقوف عندها، أو حاملة لها فى آلية تفكيرها ونمط سلوكها[9].

من التأثيرات السلبية الواضحة المعالم في هذا الإطار الفهم المغلوط لمصطلح الجندر، وهذا ما أدى إلى تبنى أفكار مناهضة له من قبل المجتمعات الشرقية باعتباره مرتبط بتنمية دور المرأة، على الرغم من أن  مصطلح النوع الإجتماعي (الجندر) يطلق  على العلاقات والأدوار الإجتماعية والقيم التي يحددها المجتمع لكل من الجنسين )الرجال والنساء(، وتتغير هذه الأدوار والعلاقات والقيم وفقاً لتغير المكان والزمان وذلك لتداخلها وتشابكها مع العلاقات الإجتماعية الأخرى مثل الدين، الطبقة الإجتماعية، العرق. وعلى الرغم من أن هذه العلاقات متغيرة في مؤسسات المجتمع المختلفة إلا أن جميع هذه المؤسسات تقاوم التغيير. اما المساواة الجندرية فهي تعني ان لا يكون هناك تمايز وإختلاف بين الأفراد على أساس الجنس ،وخاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد والعائدات، وتوفير الخدمات والحقوق والواجبات، وذلك حسب مؤشرات خاصة توجد المساواة بين النوع لناحية الفرص والنتائج بين أفراد المجتمع. وتجدر الإشارة هنا إلى  إن إتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة تؤكد على إنه ينبغي ان يفهم بإلتزام الدول إلغاء التمييز ضد المرأة ضرورة المساواة في الفرص والواجبات وفي الحياة العملية، بل وفي كل نشاط من أنشطة الحياة المختلفة وعلى نطاق القطاعات الإقتصادية المختلف [10] .

وتعد الثقافة اللبنانية التي تعكس القيم والمبادىء وأنماط العقليات السائدة في المجتمع اللبناني ذات أثر فاعل في تحديد موقع المرأة الإجتماعي، إذ تتميز هذه الثقافة بكونها أبويةٌ ذكورية وطائفية ومناطقية وعائلية، وهذا ما يجعل العقبة الأولى والأساسية أمام إنطلاق المرأة في المجال السياسي تكمن في طبيعة المجتمع اللبناني وفي ثقافته السائدة. فالمجتمع اللبناني مجتمع أبوي مستحدث. وحدد هذا النظام الأبوي مرتبة أدنى للمرأة من الرجل على السلم الإجتماعي من خلال وضعها تحت سلطة أبوية مطلقة تتجسد في الأب أو الأخ أو الزوج. ويذهب بعض الباحثين إلى أن إستبعاد المرأة من المشاركة يشكل أساس النظام الأبوي [11].

ولهذه الخصائص المميزة للنظام الأبوي انعكاسات سلبية مهمة على حرية المرأة، وحقها في تحديد خياراتها ومنها خيار المشاركة في العمل السياسي.  فإذا حسبنا السياسة عملية قيادة وتخطيط وصنع قرار- وهي عملية حصرها النظام الأبوي في الذكور-، فإن الرجل محارباً لفكرة دخول المرأة الى المعترك السياسي وبخاصة في المراتب القيادية،  والعليا، ولطالما ظهرت هذه النزعة لدى الرجل في مناهضته ترشح إناث إلى المجلس النيابي منذ عام 1953،  أو إلى القيادات الحزبية والنقابية، كما ظهر من نسبة النساء اللواتي خضن إنتخابات ضمن لوابح ألفها الرجال. كذلك تظهر هذه النزعة في غياب قرار الرجل توزير إمرأة منذ الإستقلال، وعندما نجحت المرأة في  خرق هذا الجدار الذكوري، ظهرت النزعة الرافضة عند الرجل بطريقة تعاطيه معها وإستعداده لتقبلها كمنفذ لا كمقرر، وهذا ما أكدته العديد من السيدات اللواتي ترشحن للانتخابات النيابية، أو لمناصب قيادية أخرى ماضياً أو حاضراً [12].

يستنتج مما تقدم أن الموروث الثقافي والاجتماعي المتأصل في المجتمعات العربية، ومنها المجتمع اللبناني ترك أثراً سلبياً حيال مشاركة المرأة على الصعيد السياسي، وهنا يثور التساؤل حول الدور الرسمي للدولة اللبنانية تجاه هذا الأثر سواء من ناحية تخفيفه أو تأييده بشكل رسمي في قوانين أو قرارات، وهذا ما سيتم بيانه في المطلب الثاني. 

 

 

المطلب الثاني: الموقف الحكومي اللبناني في مواجهة المعوقات الثقافية للمشاركة السياسية للمرأة

يبدو أن الموقف الرسمي للدولة اللبنانية فيه محاولات جادة للتخلص من تأثير الموروثات الشعبية المتعلقة بمشاركة المرأة في السياسية، وهذا يظهر من خلال العديد من الخطوات، ومن أهمها  مشاركة لبنان في المؤتمر الدولي الرابع المعني بالمرأة في بيجين في العام 1995، ووافق على مبدأ المساواة بين الرجال والنساء في الوصول إلى مؤسسات السلطة وهيئات صنع القرار.وقد التزمت البلدان المشاركة بتوصيات البيان الختامي، التي تتطلب من كل بلد أن يحددالأهداف ويتّخذ التدابير الرامية إلى زيادة كبيرة في أعداد النساء في المواقع القيادية. وقد اعتبرت المنظمات النسائية المؤتًمر خطوة كبيرة نحو المشاركة السياسية للمرأة.مع ذلك، وبعد عقدين من الزمن، لاتزال هذه المشاركة غائبة تقريبًاّ، ويستمراستبعاد المرأة اللبنانية من مواقع القرار. إذ بدأت المنظمات النسائية تصرعلى اقتراح نظام"الكوتا "(الحصص النسبية) في الانتخابات البرلمانية، الذي يضمن إطار هذه المشاركة، بالرغم من القيود التي يتضمنها من حيث تحقيقّ المشاركة الفعّالة، والأهم، ضمان حصة المرأة في عملية صنع القرار. ومع ذلك، فإن مشاركة المرأة في البرلمان لا تضمن تلقائيًا تمرير أجندات النساء في الهيئات التشريعية. مثلا، النائب جيلبرت زوين، عضوة اللجنة المشتركة لمناقشة مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري، رفضت دعم مطالب المنظمات النسائية، ولم يمنع وجودها تشويه مضمون القانون [13].

ومع ذلك فإن هناك العديد من المثالب التي تنال من الموقف الرسمي المعلن من قبل الدولة اللبنانية تجاه الجندرة في الشؤون السياسية، ومن أبرزها عدم الثقة بالنساء في الحفاظ على التوازنات السياسية في لبنان ( الفرع الأول)، وضعف مركز المرأة في الإعلام اللبناني ( الفرع الثاني).

 

 

الفرع الأول: المرأة خارج التوازنات السياسية اللبنانية

تذهب إحدى الباحثات اللبنانيات إلى أن: " الانتماء إلى مذهب بعينه، أو إلى عائلة بعينها، يرثه الشخص في بلادنا، كما في كل البلاد ذات النظام الأبوي، عبر خط القرابة الذكرية...وذلك على عكس نسل الإناث الذي ينتقل، بالزواج، إلى عائلات ومناطق وإلى مذاهب أخرى غير الأصلية، أحيانًا.من هنا، فإن توزيع الذكور على مراكز القرار في مؤسسات الدولة...هو ذو جدوى مباشرة وواضحة لكل الفاعلين/ذوي السلطة السياسية/أصحاب القرار، وعلى المتلقّين/المستفيدين/الرعايا في إطار هذا النظام"[14].

إن الكلام الوارد أعلاه يعبر عن الواقع السياسي اللبناني المبني على توازنات طائفية واجتماعية معينة، لا تستطيع حتى النساء في الغالب الخروج عليها، وهذا هو السبب ذاته في إبعاد المرأة عن المشاركة في الحفاظ على هذه التوازنات السياسية القائمة، إذ تسود الثقافة الأبوية السائدة، هذه الثقافة التي تمنع لمرأة من الوصول إلى البرلمان أو الحكومة، إلا في حالة غياب الوريث الذكر في العائلة. وفي هذا السياق توضح إحدى الباحثات اللبنانيات ببلاغة كيف يتم وضع العقبات أمام وصول المرأة، وتفسّر ارتباط الكتل السياسية كافة بالولاءات العائلية، وكيف أن "أغلب المناصرين يقبلون أن يرث ابن الزعيم منصبه، "وهذا ينطبق على النساء اللواتي انضممن للبرلمان بعد وفاة أقاربهن الذكور أو في حال غياب وريث ذكر، مما يعني استنساخ البناء الأبوي للأسرة في السياسة، ووفقاً لذلك: فإن التركيبة الذكورية للأسرة في لبنان تستنسخ في السياسة اللبنانية.إذ كان التوريث السياسي واحدًامن العوامل الرئيسية التي تؤثر في علاقة الدولة بالمواطنين، في عملية ذات اتجاهين. يعتمد المواطنون على عائلاتهم وأقاربهم، ليستخلصوا المطالب والميزات من الدولة، ويوظّف ممثلو الدولة هذه الروابط لتفعيل المناصرين والتحكم في قطاعات الدولة.وعندما تفشل الدولة في تأمين الحماية والموارد لمواطنيها، فإنهم يلجؤون للداخل إلى أسرهم، ومرجعياتهم الدينية، وطوائفهم"[15].

إن عدم الثقة في الدور السياسي للمرأة اللبنانية باعتبارها لا تحقق أهداف التوازنات السياسية التي يسعى إلى تحقيقها النظام السياسي اللبناني القائم، أدى إلى ضعف تمثيل المرأة في السلطات الرسمية السياسية ( أولاً)، كما أنه أدى إلى ترسيخ التصور الذي يقوم على أن طبيعة المرأة لا تلائم أفخاخ السياسة (ثانياً). 

أولاً- ضعف التمثيل السياسي للمرأة اللبنانية:

أدى ضعف الثقة بالدور السياسي للمرأة اللبناني إلى ضعف تمثيل النساء في المؤسسات السياسية الرسمية، سواء أكانت برلمانات أم وزارات أم أحزاباً سياسية. وبالتسلح بالثقة والإصرار، يستطعن بلوغ أعى مستويات العملية السياسية. ولهذا السبب، عليهن الإيان بقدراتهن والتخي نهائياً عن إطار الفكرة السائدة عى نطاق واسع بأن الرجال هم القادة. ولن تصبح النساء مساويات للرجال ولديهن القدرات ذاتها، إلا إذا استطعن القتال من أجل حقوقهن. فلديهن قدرات جيدة جداً على إطلاق الحملات وتنظيمها وحشد الدعم، لكن الخوف أحياناً يمنعهن من خوض الانتخابات والمشاركة في الحياة السياسية[16].

ومع ذلك فإن الانتخابات البرلمانية لعام 2022 فيها تطور نسبي تجاه التخلص من العيوب السابقة الذكر، إذ تم وصول ثمان سيدات، بزيادة سيدتين عن برلمان 2018، ويمكن تصنيف السيدات النائبات في مجموعتين، الأولى تقليدية فيها تجسيد للتوازنات السائدة، والثانية فيها تمثيل لتطلعات النساء اللبنانيات في تحقيق المشاركة السياسية الفاعلة في لبنان.

ثانياً- طبيعة المرأة لا تلائم أفخاخ السياسية:

تنظر النساء في بعض الدولة إلى السياسة باعتبارها لعبة " قذرة"، وهي نظرة منترة عى نطاق واسع في العالم، وهذا يتعارض في الحقيقة مع ثقتها بقدرتها عى المشاركة في العمليات السياسية. وللأسف، فإن هذه النظرة تعر عن الواقع في كثر من الدول. وعى الرغم من اختاف الأسباب، فثمة بعض الاتجاهات المشتركة. إن الفساد السلبي، هو ظاهرة يمكن تفسيرها بتبادل الفوائد والامتيازات بين السوق العامة )تشريعات، مشاريع موازنات ( والسوق الاقتصادية  )أموال، أصوات، فرص عمل(، هدفه تحقيق مكاسب مالية عبر التهرب من المنافسة وتعزيز شروط الاحتكار. علاوة على ذلك، باتت تكلفة الحملات الانتخابية كبيرة جداً، وهذا يزيد إغراء الاستفادة من أي مصدر تمويل يصبح متاحاً. ويتخذ الفساد وجوهاً متنوعة، والرشوة والابتزاز أبرز تجلياته في القطاع العام وفي مشتريات السلع والخدمات. وعلى الرغم من أن الديمقراطيات حديثة العهد بحاجة إلى الوقت لتوطد نفسها وتنمي جذورها، فإن الفساد ينتشر على نطاق أوسع في الدول التي تحدث فيها عملية التحول السياسي والاقتصادي في غياب المجتمع المدني وفي ظل مؤسسات جديدة قيد النشوء. لكن في كثير من الأماكن التي حدثت فيها تغيرات في النظام السياسي والاقتصادي، وقع اقتصاد السوق في مصيدة "قانون الغاب " والمافيا والفساد [17].

وبناء على الكلام السابق الذكر ينبغي على النساء اللواتي قررن خوض الانتخابات، أخذ كافة الظروف بعين الاعتبار والاستعداد لمقاومة "آفة" الفساد ، والتركيز على أن انتعاش الديمقراطية في ظل الشفافية المتنامية نتيجة التعددية السياسية وحرية الصحافة وسيادة القانون. ومن خلال ضمان المشاركة الحقيقية للشعب واتخاذ تدابير وقائية فعالة، يمكن للديمقراطية أن تسهم في مكافحة الفساد.

في ختام هذا الفرع يمكن القول أن عدم الثقة بالأهلية السياسية للمرأة اللبنانية أصبح يحمل صبغة رسمية، وذلك يظهر من خلال التهميش المتعمد لدورها في كثير من الحالات، لذلك لا بد من أن يكون هناك آليات لبيان أهمية مشاركة المرأة في الحياة السياسية، ويعد الإعلام اللبناني أهم هذه الآليات التي يمكن أن تلعب أدوار مزدوجة، وهذا ما سيتم بيانه في الفرع الثاني.

 

 

الفرع الثاني: مكانة المرأة السياسية في الإعلام اللبناني

يمكن استخدام الإعلام لغرس التحيز القائم على النوع الاجتماعي والترويج لصورة نمطية بشأن "مكان المرأة" ، ويساعد الحكومات والمجتمعات المحافظة على إلقاء اللوم على النساء في فشل السياسات الأسرية، وتعزيز الفكرة القائلة بأنهن مسؤولات عن تفاقم المشاكل الاجتماعية، كالطلاق ونمو الجريمة بين القصر. وثمة اتجاه واسع الانتشار في الإعلام السائد، يتمثل في تصوير المرأة باعتبارها شيئاً جميلاً: فالنساء يُعرَّفن ويُسّدنَّ وفقاً لجنسهن، ويجعلهن يتآلفن مع أفكار معينة عن الجمال والجاذبية ترتبط بالقدرات الجسدية للمرأة أكثر من ارتباطها بملكاتها العقلية. وتشجع هذه الرؤية الصورة النمطية الذكورية القديمة عن "الجنس الأضعف " ، حيث تصبح النساء موضوعات جنسية ومواطنات من الدرجة الثانية [18].

من المؤسف في هذا المجال أن الإعلام اللبناني بالعموم يميل إلى تقليل تغطيته للأحداث والمنظمات المهتمة بالنساء، ولا يقدم الإعلام معلومات كافية للناس عن حقوق النساء وأدوارهن في المجتمع، ولا يشارك عادة في التدابير التي تعزز موقعهن وتقويه. كما أن معظم وسائل الإعلام في العالم لا تتطرق حتى الآن إلى أن النساء، كقاعدة عامة، هن أول المتضررات من التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإصلاحات التي تحدث في أي بلد.  على سبيل المثال، النساء هن عادة أول من يخسر فرص العمل. كما أن الإعلام يتجاهل حقيقة أنهن مستبعدات، إلى حد كبر، من عملية صنع القرار السياسي[19].

مما يدلل على الكلام السابق الذكر من الناحية التطبيقية أجرت مؤسسة مهارات اللبنانية دراسة ميدانية عن موقع المرشحات اللبنانيات في الوسائل الإعلامية عام 2018، إذ تضمنت تحليلا لكيفية تعاطي الاعلام اللبناني مع المرأة في فترة الحملة الانتخابية، والمكانة التي احتلتها والصورة التي عكسها عنها. كما شملت تحليلاً لخطاب المرشحات ومدى مساهمة الاعلام في نشر ثقافة الوعي حيال مشاركة المرأة ودورها في الحياة السياسية. تم من خلال الدراسة رصد 6 صحف، والنشرات الاخبارية والنقل المباشر والبرامج الحوارية في 8 تلفزيونات، بالاضافة الى حسابات المرشحات وبعض المرشحين في مواقع التواصل الاجتماعي على فايسبوك وتويتر، وذلك  طوال شهرين بين 6 آذار تاريخ انتهاء مهلة الترشيح و 6 أيار يوم الانتخابات [20].

أظهرت الدراسة تفاوتا كبيرا ظهر في توزيع نسب التغطية الصحافية بين المرشحين والمرشحات في الصحف لصالح المرشحين طبعا بمعدل يوازي 95 في المئة للرجال و5 في المئة للنساء، وفي التلفزيون بلغت حصة المرشحات من المقابلات الخاصة والبرامج الحوارية 12في المئة، اما في التغطية المباشرة وفي المساحة التي احتلتها في نشرات الاخبار فلم تتخط النسبة 3.5 في المئة تلفزيون لبنان كان المساهم الاكبر في رفع نسبة تغطية المرشحات المستقلات في البرامج الحوارية والمقابلات الخاصة اذ بلغت نسبة ظهورهن 77.2 في المئة.  كذلك تميزت صحيفة "L’Orient Le Jour"  بأنها فتحت صفحاتها للمرشحين والمرشحات على السواء من خلال مقابلات اتاحت للنساء المرشحات التعبير عن مشاريعهن في نشرات التلفاز، ولكن الواقع يشير إلى أن المساحة الإعلامية لهذه الوسيلة التي استفادت منها المرشحات كانت ضئيلة جداً (0.87 في المئة ) مقارنة مع المساحة التي خصصت للمرشحين الذكور (99.13 في المئة.). يضاف إلى ذلك أن ظهور المرشحات في التقارير الاخبارية كخبر أول يكاد يكون شبه معدوم، بالمقابل تولي  محطات التلفاز الخاصة المرشحين الذين ينتمون لخطها السياسي الاهمية القصوى، وتهمل نسبيا  المرشحين الاخرين. اما في تلفزيون لبنان، فان المرتبتين الاولى والثانية من حيث نسب التغطية للحملات الانتخابية كانت للمستقلين 40 في المئة، ثم لمرشحي كتلة كلنا وطني 12 في المئة،  ومن ثم التيار الوطني الحر 10.5 في المئة،  فتيار المستقبل 8 في المئة، فالقوات اللبنانية 7 في المئة، فالكتائب اللبنانية 5.7  في  المئة. بينما توزعت النسب بين 1 في المئة و0 في المئة على الاحزاب الباقية[21].

إذن توجد العديد من المعوقات التي تحول دون مشاركة سياسية فاعلة للمرأة اللبنانية، هذه المعوقات قد تكون قانونية وقد تكون سياسية، وقد تكون اقتصادية، وقد تكون ثقافية اجتماعية، وهنا يمكن القول أن هذه المعوقات موجودة في أغلب دول العالم الثالث، لا سيما في المنطقة العربية، ومع ذلك فإن لهذه المعوقات خصوصية في الدولة اللبنانية، بسبب التركيبة السياسية والاقتصادية والثقافية التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني، الذي مر بهزات عنيفة لا تزال تداعياتها موجودة حتى الوقت الحالي، وهذا ما يستدعي العمل بشكل جدي على إزالة هذه المعوقات بمختلف أنواعها، لأن ذلك سيكون لها تأثير مباشر في تفعيل المشاركة السياسية للمرأة اللبنانية، وهذا بدوره قد يكون له أثر كبير في تحقيق الاستقرار السياسي للنظام السياسي اللبناني. 

 

 

الخاتمة

ركز هذا البحث على دراسة أثر المعوقات الثقافية على المشاركة السياسية للمرأة اللبنانية، وذلك من خلال مطلبين. تطرق المطلب الأول لبيان الموقف غير الرسمي للمجتمع اللبناني تجاه مشاركة المرأة اللبنانية. إذ تم الوقوف على التصورات الذهنية الموروثة في المجتمع اللبناني تجاه المرأة على وجه العموم، وتجاه دورها السياسي على وجه الخصوص. أما المطلب الثاني فقد انتقل إلى دراسة الموقف الرسمي للدولة اللبنانية حيال المعوقات الثقافية، والذي يظهر من خلال عدم الاعتراف بأي دور للمراة اللبنانية في تحقيق التوازنات التي يبنى عليها النظام السياسي اللبناني، يضاف إلى ذلك الدور السلبي للاعلام اللبناني الذي أهمل عن قصد أو غير قصد التوعية بأهمية المشاركة السياسية للمرأة.

بعد هذا الاستعراض لأثر المعقوقات الثقافية أمام المشاركة السياسية للمرأة اللبنانية، تم التوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات، ومنها:

أولاً- توجد تصورات ذهنية مبنية على موروث ثقافي متاصل في المجتمع اللبناني حيال قضية ممارسة المرأة لحقوقها السياسية على وجه العموم، ومشاركتها السياسية على وجه الخصوص. هذه التصورات شكلت عقبة حقيقية في دور المرأة اللبنانية السياسي.

ثانياً- لا شك أن للموروث الثقافي أثر سلبي على المشاركة السياسية للمرأة اللبنانية، ولكن هذا الأثر سيكون أكثر خطورة عندما يتخذ الصفة الرسمية، وهذا ما يظهر من الناحية الواقعية، إذ لم تتبنى الدولة اللبنانية سياسات تسعى من خلالها تفعيل المشاركة السياسية للمرأة، مع ان هناك الكثير من الحوادث السياسية التي غيبت فيها المرأة اللبنانية تحت ذريعة عدم الثقة في دورها السياسي في تحقيق التوازنات السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية.

ثالثاً- على الرغم من الحضور القوي لنساء لبنانيات في الإعلام اللبناني، فإن ذلك لم يشكل حافز للاعلام اللبناني الرسمي والأهلي لتسليط الضوء على الأهلية السياسية للمرأة اللبنانية، إذ لا توجد برامج أو ندوات أو نشرات لذلك إلا على مستوى خجول، ولا يتلائم مع التزامات لبنان تجاه القواعد القانونية الوطنية والدولية التي تحث على تفعيل المشاركة السياسية للمرأة اللبنانية.

وبناء على الاستنتاجات السابقة الذكر، يمكن تقديم مجموعة من المقترحات، ومنها:

أولاً- يقع الدور الأساسي على المرأة اللبنانية في تصحيح الموروث الثقافي تجاه مشاركتها السياسية، وذلك من خلال تشكيل المنظمات والجمعيات النسائية التي يكون لها برامج عامة بشؤون المرأة اللبنانية، وبرامج خاصة بممارسة المرأة لحقوقها السياسية.

ثانياً- التركيز على تبني نظام الكوتا النسائية في النظام السياسي اللبناني على غرار تجارب العديد من الدول المجاورة، مثل سورية، والعراق، ومصر. إذ يجب تخصيص مقاعد معينة في مجلس النواب اللبناني بنسب لا تقل عن 25%، وهذا ما سيشكل آلية فعالة في مواجهة المعوقات الثقافية للمشاركة السياسية للمرأة اللبنانية.

ثالثاً- اعتماد مؤتمر سنوي في كليات العلوم السياسية والحقوق يكون موضوعه حقوق المرأة السياسية، وأن يكون هناك حضور رسمي ، وهذا ما سيشكل آلية تواصل بين المدافعين عن حقوق المرأة السياسية وبين أصحاب القرار والمسؤولين،  وأن يرافق ذلك نشرات وتغطية إعلامية، مما يسلط الضوء على الموروث المغلوط تجاه أهلية المرأة السياسية.

 

 

المصادر والمراجع

  1. أحمد سعيد نوفل، دور الربيع العربى فى الثقافة السياسية، جامعة فيلادليفيا ، البلقاء،  2014.
  2. إكرام عدننى، المعوقات الاجتماعية والثقافية أمام التمكين السياسى للمرأة العربية: أى دور للدين؟، مجلة ذوات، العدد (17)، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط- 2015.
  3. بلقاسم سلاطنبة، منهجية في العلوم الاجتماعية، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2004.
  4. جولي بالينغتون؛ عزة كرم، نساء في البرلمان بعيداً عن الأرقام، منشورات المؤسسة الدولية للانتخابات والديمقراطية، ستوكهولم، 2005.
  5. حفيظة شقير، دليل المشاركة السياسية للنساء العربيات،  المعهد العربى لحقوق الإنسان، تونس، 2004.
  6. حمادة محمد عطية عبد الـرحمن ، المـشاركة الـسياسية للمـرأة فـي البرلمـان، المركـز الـديمقراطي العربـي، برلين، 2015.
  7. دورين خوري، المشاركة السياسية للمرأة في لبنان، مؤسسة هنرخ-بل – الشرق الأوسط، بيروت، 2013.
  8. روى سلامة، السياسات الجندرية في لبنان ومحدودية الإصلاح القانوني، منشورات مركز دعم لبنان، بيروت، 2015.
  9. سعدى علوه، إحتياجات تنظيمية لتعزيز مشاركة النساء في الأحزاب السياسية في لبنان، منشورات التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني، بيروت، 2014.
  10. عزة بيضون، المرأة في مركز السلطة ومواقع اتخاذ القرار، مجلة الرائدة، العدد 126-127، الجامعة الأمريكية، بيروت، 2009.
  11. عنوان أبو خليل، مشاركة المرأة في الحياة السياسية اللبنانية ( محافظتي الجنوب والنبطية نموذجاً)، (د.ن)، 2020.
  12. نهاد علي ، التفاضل والتماهي في الفضاءات الثقافية – السياسية وتأثيره في التمثيل السياسي للمرأة العربية في الداخل الفلسطيني، مجلة إضافات، العدد 35، 2016ـ.
  13. Lihiru, Victoria. „The 30% Gender Quota Law in Sierra Leone: A Game Changer for Women’s Access to Parliament?“ African Journal of Legal Studies 16, no. 3, 2024.

 

 

[1]( ) حمادة محمد عطية عبد الـرحمن ، المـشاركة الـسياسية للمـرأة فـي البرلمـان، المركـز الـديمقراطي العربـي، برلين، 2015، ص 15.

[2]( ) بلقاسم سلاطنبة، منهجية في العلوم الاجتماعية، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2004، ص 108.

[3]() Lihiru, Victoria. „The 30% Gender Quota Law in Sierra Leone: A Game Changer for Women’s Access to Parliament?“ African Journal of Legal Studies 16, no. 3, 2024, PP: 27.

[4]( ) نهاد علي ، التفاضل والتماهي في الفضاءات الثقافية – السياسية وتأثيره في التمثيل السياسي للمرأة العربية في الداخل الفلسطيني، مجلة إضافات، العدد 35، 2016ـ ص 109.

[5]() حفيظة شقير، دليل المشاركة السياسية للنساء العربيات،  المعهد العربى لحقوق الإنسان، تونس، 2004، ص 32.

[6]( ) قام مجلس النواب اللبناني بخطوة جريئة في هذا المجال عندما تبنى القانون رقم 162 لعام 2011، والذي يلغي نص المادة 562 وتعديلاتها من قانون العقوبات اللبناني، والتي كانت تمنح العذر المخفف في ما كان يعرف بجرائم الشرف. يمكن الاطلاع على النص الكامل للقانون في: الجريدة الرسمية، العدد 39، تاريخ 25-8-2011، ص 3100.

[7](  ) إكرام عدننى، المعوقات الاجتماعية والثقافية أمام التمكين السياسى للمرأة العربية: أى دور للدين؟، مجلة ذوات، العدد (17)، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط- 2015، ص 43.

[8]() أحمد سعيد نوفل، دور الربيع العربى فى الثقافة السياسية، جامعة فيلادليفيا ، البلقاء،  2014، ص 11.

[9]( ) المرجع السابق.

[10]( ) سعدى علوه، إحتياجات تنظيمية لتعزيز مشاركة النساء في الأحزاب السياسية في لبنان، منشورات التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني، بيروت، 2014، ص 26.

[11]( ) عنوان أبو خليل، مشاركة المرأة في الحياة السياسية اللبنانية ( محافظتي الجنوب والنبطية نموذجاً)، (د.ن)، 2020،  ص 206.

[12]( ) المرجع السابق، ص 321.

[13]( ) روى سلامة، السياسات الجندرية في لبنان ومحدودية الإصلاح القانوني، منشورات مركز دعم لبنان، بيروت، 2015، ص 10.

[14]( ) عزة بيضون، المرأة في مركز السلطة ومواقع اتخاذ القرار، مجلة الرائدة، العدد 126-127، الجامعة الأمريكية، بيروت، 2009، ص 58- 59. 

[15]( ) دورين خوري، المشاركة السياسية للمرأة في لبنان، مؤسسة هنرخ-بل – الشرق الأوسط، بيروت، 2013.

  1. [16]( ) جولي بالينغتون؛ عزة كرم، نساء في البرلمان بعيداً عن الأرقام، منشورات المؤسسة الدولية للانتخابات والديمقراطية، ستوكهولم، 2005، ص 43.

[17]( ) جولي بالينغتون؛ عزة كرم، نساء في البرلمان بعيداً عن الأرقام، مرجع سابق، ص 43- 44.

[18]( ) جولي بالينغتون؛ عزة كرم، نساء في البرلمان بعيداً عن الأرقام، مرجع سابق، ص 45.

[19]( ) المرجع السابق.

[20]( ) "حضور المرأة في الاعلام" إنتخابات 2018، مقال منشور على الموقع الإلكنتروني الرسمي لمؤسسة مهارات اللبنانية:

https://maharatfoundation.org/who-we-are تاريخ الدخول 29/ 12/ 2024

[21]( ) المرجع السابق.

PDFالملف المرفقملف PDF · 234 ك.بتحميل ↓