• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

ملاحظات على قرار مجلس شورى الدولة رقم 69/2024 – 2025 تاريخ 5/12/2024 : نحو مسؤولية الدولة عن اهمالها موجباتها الاساسية ( قضية زياد عيتاني )

 

ملاحظات على قرار مجلس شورى الدولة رقم 69/2024 – 2025

تاريخ 5/12/2024 : نحو مسؤولية الدولة عن اهمالها موجباتها الاساسية

( قضية زياد عيتاني )

 

بقلم عبده جميل غصوب *  

 

أ– بتاريخ 23/11/2017 فوجىء زياد عيتاني بشابين اقتداه بالقوة وتحت الضرب الى ما يسمى " الغرفة السوداء " في جهاز امن الدولة، بعد اتهامه بالعمالة واهانته وترهيبه. وتجنبا للتعذيب ادلى بمعطيات غير صحيحة، فاخترع ، تحت التهديد، فيديوهات جنسية، وزعم انه التقى في سفارة لبنان في اسطنبول فتاة مزعومة تدعى " كوليت " . وبتاريخ 25/11/2017، التقى زياد مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بدون ان يعّرف هذا الاخير عن نفسه، وبالرغم من اضطرابه ووجود عنصرين من جهاز امن الدولة معه، قرر تغيير افادته ورفض التوقيع على المحضر المثبت لتحقيق مفوض الحكومة معه. وتبعا لتغيير افادته ورفضه التوقيع على المحضر ، بلغ التعذيب اقصاه وقد استمر على امتداد اثني وعشرين ساعة، بعد ان صمم المحققون على اجباره على التوقيع على المحضر والاقرار بتلقيه اموالا من المدعوة " كوليت " ، اي الفتاة المزعومة التي اخترعها تحت التعذيب والتهديد. ولم يتوقف المحققون عن التعذيب الا عندما قبل زياد عيتاني بالتوقيع وبقي محتجزا ستة ايام في مقر مديرية امن الدولة.

 

طوال فترة التحقيقات الاولية ومنذ اليوم الاول الذي تلا توقيف زياد، جرى تسريب اخبار لوسائل الاعلام ونشرها على نطاق واسع. وبتاريخ 28/11/2017، نقل الى المحكمة العسكرية تمهيدا لمثوله امام قاضي التحقيق العسكري، الا انهم جعلوه ينتظر ثلاثة ايام لمثوله للمرة الاولى امامه، قضاها في الحبس الانفرادي. وبعد الجلسة الاولى، بقي زياد محتجزا بصورة انفرادية في زنزانة المحكمة العسكرية سبعة عشر يوما، لم يتمكن خلالها من لقاء اي من معارفه او محاميه. خلال الجلسة الثانية التي استمرت حوالي ثلاث ساعات وبحضور وكيله القانوني، تمكن زياد من سرد ما حصل معه. وبعد هذه الجلسة سمح لزياد بمقابلة شقيقته وزوجته للمرة الاولى.

 

ب ـ  بعد انقضاء شهر ويومين على توقيفه، وتحديدا بتاريخ 6/2/2018، مثل زياد للمرة الثالثة امام قاضي التحقيق العسكري، الذي قرر اذّاك التوسع بالتحقيق واحالة الملف الى فرع المعلومات، الذي تأكد من صحة اقواله، بعدما اكتشف تعرض حسابه للقرصنة من قبل ايلي غبش، على خلفية دور زياد في نشر " علامة اعجاب " وضعتها المقدم سوزان الحاج بشأن النساء السعوديات على " تويتر"، وما نتج عنه من وقفها عن رئاسة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية. فتم توقيف هذين الاخيرين قبل ان يتم الادعاء عليهما بتهمة تلفيق العمالة، اذ اصدرت المحكمة العسكرية ضدهما حكما قضائيا بالادانة، الا ان النائب العام التمييزي قدّم استدعاء تمييزيا ضد الحكم امام محكمة التمييز، حيث ما زالا قيد المحاكمة. وبالمقابل اطلق سراح زياد في 13/3/2018 واقفل القاضي ابو غيدا الملف ضد زياد في 29/5/2018، بعدما اصدر قرارا بمنع المحاكمة عنه واتهم غبش والحاج بتلفيق تهمة العمالة له.

 

ج ـ بتاريخ 20/11/2018 قدّم زياد شكوى امام النيابة العامة التمييزية ضد غبش والحاج وعناصر وضباط ومحققين من جهاز امن الدولة اجروا التحقيق الاولي معه، وكل من يظهره التحقيق متورطا، فاحالها بتاريخ 28/11/2018 النائب العام التمييزي الى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، خلافا للمادة 15 أ.م.ج. وللمادة 14 من قانون العقوبات، فتم بتاريخ 13/4/2019 احالتها من النيابة العامة التمييزية، بناء لطلب زياد، الى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية؛ الا ان النيابة العامة التمييزية عادت واحالت الاوراق الى النيابة العامة الاستئنافية ، حيث استدعي زياد للمرة الاولى، امام المحامي العام الاستئنافي في 11/7/2019 ، لتكرارا شكواه والاستماع اليه، وما زالت الشكوى عالقة امام النيابة العامة الاستئنافية.

 

د ـ بتاريخ 8/1/2020 تقدم زياد بمذكرة ربط نزاع امام مجلس الوزراء ، سجلت بالرقم 18/2 . وبتاريخ 13/8/2020 تقدم بمراجعة امام مجلس شورى الدولة، سجلت بالرقم 24297/2020، طلب بموجبها ابطال قرار مجلس الوزراء الضمني الرافض، والزام الدولة بأن تدفع له تعويضا قدره خمسماية مليون ليرة لبنانية عن الضرر الذي تكبده والناتج عن الخلل الجسيم في سير المرافق العامة الادارية والقضائية والامنية.

 

قسم مجلس شورى الدولة الاخطاء التي أدلى بها المستدعي زياد وطلب التعويض عن الضرر اللاحق به بنتيجتها، الى اخطاء خارجة عن اختصاص مجلس شورى الدولة ( اولا ) واخرى داخلة في اختصاصه ( ثانيا ).

 

اولا: الاخطاء الخارجة عن اختصاص مجلس شورى الدولة

 

أدلى المستدعي زياد عيتاني من جهة، بالمخالفات المرتكبة من قبل جهاز امن الدولة خلال التحقيق معه، بمخالفة المادة 47 أ.م.ج، اضافة الى تهديده وارتكاب اعمال اهانة وتعذيب بحقه. ومن جهة أخرى، أدلى بالاخطاء الجسيمة التي ارتكبها مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، باقراراه بصلاحية جهاز امن الدولة في اجراء التحقيقات الاولية، بما يتجاوز المهام المناطة به. ثم ان مفوض الحكومة لم يعلن عن صفته للمستدعي زياد حينما حضر لمركز امن الدولة، فاستمع اليه بالرغم من انه كان في حالة اضطراب. كما فرض احتجاز المستدعي زياد سبعة وعشرين يوما في الحبس الانفرادي مانعا عنه التواصل مع احد. اضافة الى عدم قيامه باي تحقيق او ملاحقة، على الرغم من تقدم زياد بشكوى بسبب الاخطاء المرتكبة، بل سعى الى التملص من الشكوى من خلال تحويلها الى مستند في دعوى تلفيق التهمة. كما أدلى بالاخطاء الجسيمة المرتكبة من النيابتين العامتين التمييزية والاستثنافية ، كمخالفة المادة 15 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، وعدم تحركها لمنع التسريبات الحاصلة التي مست بسرية التحقيقات وبقرينة البراءة في غياب مصلحة عامة تبررها، في حين ان النيابة العامة الاستئنافية لم تلتزم بالنظر في شكوى التعذيب خلال ثمانية واربعين ساعة؛ اضافة الى ان النيابة العامة التمييزية لم تقم باي عمل لتصويب هذا الخطأ، ما شكّل مخالفة لاحكام القانون رقم 65/2017.

 

رد مجلس شورى الدولة على هذه النقاط بما يلي:

 

ـ من المسلم به ان الاعمال الصادرة عن الضابطة العدلية، يعود النظر بها الى القضاء العدلي، بينما ينظر مجلس شورى الدولة في اعمال الضابطة الادارية وذلك عملا بمبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء الاداري عن القضاء العدلي.

 

ـ ان اختصاص الضابطة العدلية يتناول البحث عن الجرائم وجميع الادلة وتسليم مرتكبيها الى المحاكم المكلفة بمعاقبتهم. اما اختصاص الضابطة الادارية، فقد حددته المادتان 220 و222 من المرسوم الاشتراعي رقم 54 تاريخ 5/8/1967.

 

ـ ان الاجراءات المشكو منها في المراجعة الحاضرة، تدخل في قسم منها، في اطار جمع الادلة اللازمة لاثبات جريمة العمالة، فهي تدخل اذا في صلب اعمال الضابطة العدلية.

 

ـ ان ما يدلي به المستدعي عيتاني من اخطاء ومخالفات مرتكبة من عناصر امن الدولة خلال ملاحقاتهم وخلال التحقيق بالجرم المنسوب اليه، تدخل اذا ضمن عمل الضابطة العدلية، الذي يخرج النظر بقانونيته وبالضرر الناجم عنه عن صلاحية مجلس شورى الدولة، ما يقتضي معه رد ادلاءاته واسبابه المدلى بها لهذه الجهة.

 

ـ وعلى صعيد آخر، فان مساءلة الدولة عن الخطأ الذي ارتكبه القاضي العدلي، سواء ممن يتولون الحكم او التحقيق او النيابة العامة، يخرج ايضا عن اختصاص مجلس شورى الدولة ، ويدخل ضمن اختصاص القضاء العدلي.

 

ـ ان دعوى مخاصمة القضاة لحظتها المادة 741 وما يليها من قانون اصول المحاكمات المدنية، بحيث يعود النظر بها الى القضاء العدلي، اي الى الهيئة العامة لمحكمة التمييز في حال ارتكاب القضاة العدليين اخطاء جسيمة خلال ممارستهم عملهم القضائي.

 

ـ استنادا الى ما تقدم، فان الادلاء بالاخطاء المنسوبة الى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية او تلك الصادرة عن قضاة النيابة العامة التمييزية والاستئنافية، خلال ممارستهم عملهم القضائي، يخرج النظر فيها عن اختصاص مجلس شورى الدولة وتاليا على المتضرر من اخطاء القضاة العدليين ولوج باب القضاء العدلي لترتيب مسؤولية الدولة والمطالبة بالتعويض.

 

وانتهى مجلس شورى الدولة الى تقرير رد الاسباب المدلى بها لهذه الجهة، لعدم اختصاص مجلس شورى الدولة للنظر بها.

 

قد يبدو للوهلة الاولى ان مرفق العدالة، باعتباره مرفقا عاما، يجب ان يكون تحت رقابة القضاء الاداري، الا ان لمرفق العدالة خصوصية تميزه عن المرافق العامة الاخرى ، فهذه الاخيرة مرتبطة بالسطلة التنفيذية، بينما مرفق العدالة مرتبط بالقضاء، وهو مستقل عن السلطة التنفيذية. فمبدأ انفصال القضاء العدلي عن القضاء الاداري، يقضي باختصاص المحاكم العدلية دون سواها للنظر في اعمال السلطة القضائية. ولا تُسأل الادارة امام القضاء الاداري عن الاخطاء التي ترتكبها من خلال مساهمتها في وظيفة القضاء العدلي [1].  

 

لقد استقر الفقه والقضاء على عدم اختصاص القضاء الاداري في النظر بكل ما هو متصل بممارسة الوظيفة القضائية وسيرها ، عملا بمبدأ فصل السلطات. وبالتالي عدم اختصاصه فيما يتعلق بالاوامر والتعليمات الصادرة عن السلطات القضائية المتعلقة بحسن سير العدالة والاعمال والملاحقات التي تصدر عن الدولة او السلطة الادارية بواسطة الدوائر القضائية؛ فهي تخرج تاليا عن اختصاص مجلس شورى الدولة [2].

 

في الخلاصة، يجب التمييز بين الاعمال القضائية الخاصة بسير المرفق القضائي في ممارسة القضاة لوظيفتهم وهي تعتبر جميعها داخلة في اختصاص السلطة القضائية حصرا. اما الاعمال الداخلية الخاصة بتنظيم مرفق القضاء، فتعد اعمالا ادارية خاضعة لاختصاص مجلس شورى الدولة ابطالا وتعويضا. فالقرارات القضائية المتعلقة بالوظيفة القضائية تخرج كليا عن اختصاص مجلس شورى الدولة وتدخل حصريا في اختصاص القضاء العدلي؛ بينما القرارات الداخلة بتنظيم مرفق القضاء، فهي قرارات ادارية بحتة، تدخل في اختصاص مجلس شورى الدولة، فيكون جائزا تقديم مراجعة ابطال ضدها لتجاوز حد السلطة. وهي تصدر عن هيئات قضائية مختصة وتستند الى معايير موضوعية.وتعتبر متعلقة بتنظيم مرفق القضاء. هذه الاعمال ، بعيدا عن ممارسة القضاة لوظيفتهم القضائية، تدخل في اطار انشاء وتنظيم المحاكم وتوزيع اختصاصات العمل بها وتعيين القضاة ونقلهم وتأديبهم وترقيتهم وانهاء خدماتهم [3]، تدخل حصرا في اختصاص مجلس شورى الدولة.

 

ثانيا: الاخطاء الداخلة في اختصاص مجلس شورى الدولة

 

طلب المستدعي زياد عيتاني التعويض عن الاضرار التي لحقت به والتي تسببت بها الاخطاء الصادرة عن بعض المرافق العامة والتي أدت بفعل ترابطها الى تفاقم ضرره.

 

رد مجلس شورى الدولة انه يتبيّن من مجمل اوراق المراجعة ان الاخطاء المرفقية التي أدت الى الحاق الضرر بالمستدعي تمثلت في معظمها بامتناع الدولة عن القيام باحدى موجباتها.

 

أ ـ امتناع الدولة عن حظر اعمال التعذيب

 

طالب المستدعي زياد عيتاني بالتعويض عن الضرر الذي لحق به من جراء اعمال التعذيب التي مورست عليه من عناصر جهاز امن الدولة في الغرفة المسماة " الغرفة السوداء " ، حيث اعتاد جهاز امن الدولة على اجراء تحقيقاته ، بوجود ادوات التعذيب، وهي كائنة في الاماكن المشغولة من قبل جهاز امن الدولة. وهذا ما أقر به احد عناصر جهاز امن الدولة امام المحكمة العسكرية، " وهي غرفة مدهونة بكاملها بالاسود وتتدلى من جدرانها خطافات معدنية ".

 

لم تدحض المستدعى بوجهها الدولة اللبنانية، اقوال المستدعي زياد عيتاني لهذه الجهة، كما لم تثبت عكسها. فهي لم تقم الدليل على عدم وجود " الغرفة السوداء " التي وصفها المستدعي زياد بدقة وعدد ادواتها واساليب التحقيق بداخلها. فالدولة لم تدحض اقواله لهذه الجهة، بل اقتصر جوابها على سرد الوقائع المبررة لتوقيف المستدعي، لا سيما اتهامه بالعمالة، ناسبة الضرر الذي اصابه الى فعل جرمي اقترفاه غبش والحاج، نافية فقط قيام عناصر جهاز امن الدولة باعمال التعذيب.

 

ويضيف قرار مجلس شورى الدولة، ان ما يثبت تعرّض المستدعي للتعذيب، ما جاء في القرار الظني بمنع المحاكمة الصادر عن قاضي التحقيق العسكري الاول الذي ابطل افادة المستدعي لانها صادرة عن ارادة غير حرة وغير واعية.

 

وان انشاء " الغرفة السوداء " ، التي أكدّ المستدعي بالوقائع والافعال على وجودها ولم تنفِ المستدعى بوجهها وجودها، تدخل ضمن تنظيم مرفق الامن، بحيث يعود لمجلس شورى الدولة صلاحية النظر بدعاوى المسؤولية المقامة بوجه الدولة بسبب الاضرار الناتجة عن هذا التنظيم. فالدولة قد اخطأت بعدم تأمين الحماية للمستدعي من جريمة التعذيب وامتناعها عن اتخاذ التدابير اللازمة لمنع اعمال التعذيب بما فيها التعليق والكرباج والربط بجنازير واللبيط وكسر ثلاثة اضراس والتقيد من القدمين الى رقبته.

 

وفضلا عما تقدم، يضيف مجلس شورى الدولة، ان انشاء هذه " الغرف السوداء " او الغرف المخصصة لارتكاب اعمال التعذيب، يدخل في مفهوم الاخطاء المرتكبة في تنظيم مرفق الامن، ويرتب مسؤولية الادارة امام مجلس شورى عن الاضرار الناتجة عنها. فهذه الاخطاء تعتبر مخالفة للقوانين المناهضة للتعذيب، بما فيها الاتفاقيات الدولية والقانون الناتج عن هذا الالتزام رقم 65/2017.

 

وختم مجلس شورى الدولة انه تبعا لما تقدم ، فان الدولة المستدعى ضدها تعتبر مسؤولة عن الضرر الذي اصاب المستدعي نتيجة امتناعها عن حظر اقامة " الغرف السوداء " وامتناعها عن ازالتها. فهي اخلت بواجب السهر على صحة وسلامة المستدعي الموقوف لديها، خلال التحقيق معه، كونها مسؤولة عن صحة وسلامة الموقوفين لديها وملزمة بمعالجتها والسهر على حياتهم في جميع مراحل التحقيق او السجن.

 

 

 

 

 

ب ـ امتناع الدولة عن حماية قرينة البراءة

 

أدلى المستدعي بفشل الدولة، لا سيما جهاز امن الدولة عن تأمين حماية سرية التحقيق واحترام قرينة البراءة، ما أدّى الى انتشار اتهامات عامة ضده بالعمالة مع ما استتبع ذلك من استباحة له ولحقوقه واحتجازه لاسابيع بصورة مخالفة للقانون بعدما تمّ وصمه بخيانة وطنه. فبالرغم من جميع التسريبات والاخطاء المرتكبة من عناصر جهاز امن الدولة، لم يتخذ الجهاز المذكور اي اجراء لكف يد اي من المحققين الذين ابقوا يدهم على الملف الى حين احالته الى النيابة العامة العسكرية. وختم مجلس شورى الدولة هذه الفقرة من قراره مشيرا الى ان المادة 7 ، فقرة 5 من قانون الدفاع الوطني الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 102 تاريخ 16/9/1983، تخضع جهاز امن الدولة لاشراف المجلس الاعلى للدفاع، فقد جاء فيها انه " تنشأ لدى المجلس الاعلى للدفاع مديرية عامة تسمى المديرية العامة لامن الدولة خاضعة لسلطة المجلس وتابعة لرئيسه ونائب رئيسه". ولم يتخذ المجلس الاعلى للدفاع اي اجراء من اي نوع كان لتصويب عمل جهاز امن الدولة او محاسبته او تعويض المستدعي عمّا اقترف بحقّه من جراء اعماله.

 

وتابع مجلس شورى الدولة انه على صعيد آخر، فان الجهاز المسؤول عن مراقبة وسائل الاعلام اي المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع لم يقم باي عمل كالتحذير مثلا في مواجهة التسريبات من نشر تفاصيل التحقيقات الاولية عن المستدعي وما أدّت اليه من انتهاك واساءة لقرينة البراءة وتشهير وفضح للخصوصيات. فهو لم يمارس المهام المناطة به كمراقبة عمل المؤسسات المرخص لها ومدى قيامها بالموجبات المترتبة عليها قانونا، عملا بالمادة 3 من قانون تنظيم وسائل الاعلام المرئي والمسموع الذي يعطي المجلس الوطني للاعلام حق الاقتراح على الوزير باتخاذ تدابير بحق المؤسسات المخالفة.

 

وختم مجلس شورى الدولة انه وعلى ضوء ما تقدم، تعتبر الدولة المستدعى ضدها، مسؤولة عن الضرر الذي اصاب المستدعي نتيجة امتناعهاعن القيام بالموجبات الملقاة على عاتقها، ما أدّى الى فشلها بتأمين حماية سرية التحقيق واحترام حق المستدعي بقرينة البراءة.

 

 

 

 

ج ـ امتناع الدولة عن اجراء الملاحقات والتحقيقات

 

بعد صدور قرار منع المحاكمة عن المستدعي وادانة كل من المقدم سوزان الحاج وايلي غبش بتهمة تلفيق العمالة وبالرغم من الاعتذار الرسمي والعلني من رأس السلطة التنفيذية عن الخطأ المرتكب بحق المستدعي، فان الدولة لم تبادر الى فتح اي تحقيق او اتخاذ اي تدبير مسلكي بحق المخالفين.

 

وبما انه بالرغم من التجاوزات والمخالفات واعمال التعذيب المرتكبة، فان وزير العدل لم يتخذ اي مبادرة من اي نوع كان لجهة مطالبة النيابة العامة باجراء التحقيقات ومباشرة الملاحقة، عملا بالمادة 14 في قانون اصول المحاكمات الجزائية، بل على عكس ذلك، فقد صدر قرار بمنح ضباط في المديرية العامة لامن الدولة، شاركوا بارتكاب المخالفات، قدما استثنائية للترقية، بموجب المرسوم رقم 6853 ، تاريخ 14/8/2020. وختم مجلس شورى الدولة  انه تبعا لما تقدم، فان امتناع الدولة عن القيام بالموجبات الملقاة على عاتقها، أدى الى ترتب مسؤوليتها بالتعويض عن الاضرار الناجمة عن الاخطاء المرفقية التي أدّى تراكمها الى الحاق الاضرار الجسيمة بالمستدعي.

 

د ـ الاضرار

 

جاء في قرار مجلس شورى الدولة ان اضرارا معنوية وجسدية لحقت بالمستدعي نتيجة اهمال وتقاعس الدولة عن القيام بالموجبات الملقاة على عاتقها، ما ادّى الى تعرّض المستدعي لاعمال التعذيب والتعرض لقرينة البراءة، وقضى بما له من حق الالتقدير بتحديد التعويض الللاحق بالمستدعي عن الاضرار المعنوية والجسدية اللاحقة به الناتجة عن خطأ الادارة باربع مئة وثمانين مليون ليرة لبنانية.

 

ثالثا: تقييم الاضرار

 

في تطرقنا الى ما خلص اليه قرار مدجلس شورى الدولة، لجهة مسؤولية الدولة، نثير النقاط التالية:

 

1 ـ عدم اعتبار مجلس شورى الدولة اخطاء الدولة من قبيل " الاعمال الحكومية " ( Actes de gouvernement )

 

لا بد من الاشارة الى ان هناك طائفة من القرارات، التي وان صدرت عن السلطة التنفيذية واشتملت على الخصائص ذاتها التي تتميز بها القرارات الخاضعة لرقابة القضاء، الا انها لا تخضع لرقابته، نظرا لاتصالها بسيادة الدولة الداخلية او الخارجية. وقد ترتب عن ذلك رفض القضاء الدعاوى التي تتناول اعمالا حكومية ، على اساس انها غير قابلة بطبيعتها لان تكون محلا لدعاوى قضائية؛ فهي تاليا تخرج عن رقابة القضاء. وقد اطلق الفقه عليها تسمية " الاعمال الحكومية " . وفي ذلك استثناء حقيقي يرد على مبأ المشروعية.

 

ان قرار مجلس شورى الدولة كان صائبا عندما انطلق من فكرة خطأ الدولة توسلا للحكم عليها بالتعويض الجسدي للمستدعي، بدون توصيف للاخطاء المرتكبة منها، فلم يثر مسألة توصيف هذه الاخطاء لمعرفة ما اذا كانت تشكل اعمالا حكومية ام لا ؛ وهي في حقيقتها ليست كذلك، ما يعني ان الاخطاء المرتكبة استوجبت التعويض للمستدعي بصورة صريحة ودون اية تحفظات. هذا علما بان نظرية الاعمال الحكومية، تسير باتجاه تقليص حجم هذه الاعمال وليس زيادتها، عملا بمبدأ المشروعية الذي يسمو على نظرية الاعمال الحكومية.

 

2 ـ الاخطاء المرتكبة من الدولة والمتسببة بمسؤوليتها

 

ان الاخطاء المبيّنة في قرار مجلس شورى الدولة هي " افعال سلبية " ناشئة عن امتناع الدولة وليست ناشئة عن " افعال ايجابية " قامت بها الدولة.

 

فالاخطاء المتعددة في القرار هي الآتية:

 

ـ امتناع الدولة عن حظر اعمال التعذيب.

ـ امتناع الدولة عن حماية قرينة البراءة.

ـ امتناع الدولة عن اجراء الملاحقات والتحقيقات.

وهذه مؤشرات جيدة، تؤكد على مسؤولية الدولة بمجرد امتناعها عن القيام بواجبها، بمعزل عن اي تصرف مادي او قانوني بصورة ايجابية، ينشأ عنه ضرر للغير.

 

بصورة عامة ان مسؤولية الدولة في القضية المفصولة من قبل مجلس شورى الدولة ناشئة عن نشاط " مرفق الامن ". فتوقيف المستدعي بصورة تعسفية، اعتباطية، أدّى الى حرمانه من الحرية الفردية، شكّل ضررا معنويا وجسديا له [4].

 

ان الاخطاء المرتكبة من الدولة بحق المستدعي، هددت حياته وسمعته وتسببت باضرار فاقت بخطورتها الاعباء التي يتوجب على الافراد عادة تحملها مقابل المنافع التي يجنونها من نشاط مرفق الامن [5].

 

ان افراط بعض رجال الامن اللبنانيين في ممارسة وظائفهم الامنية، ازداد في الآونة الاخيرة، ما يقتضي وضع حد له عبر قيام الدولة بواجباتها، سواء لناحية منع وقوع تلك التجاوزات، ام لناحية معاقبة مرتكبيها؛ فاذا كان تأمين الاستقرار الامني واجبا على الدولة، فلا يجب ان يحصل ذلك على حساب كرامة المواطن وحريته. والاعتذار الموجه من رأس السلطة التنفيذية ومن وزير الداخلية للمستدعي لا يكفي، بل يجب اتخاذ تدابير قاسية بحق المخالفين ليكونوا عبرة لغيرهم. ولا يجب اقتصار المساءلة على ملفقي جرم العمالة للمستدعي، بل يجب ان تطال ايضا رجال الامن الذين افرطوا في التعامل مع الجرم الملفق، الذي لم يتم اكتشافه الا لاحقا وبواسطة احد الاجهزة الامنية بناء لاستنابة قاضي التحقيق العسكري الاول للجهاز المذكور. الا ان الدولة احجمت عن ملاحقة رجال الامن المتعسفين في ممارسة وظائفهم، خصوصا لجهة اعمال التعذيب والتشهير وسواها من الاعمال التي تعرض لها المستدعي؛ اقله في احتباسه ضمن ما سمي "الغرفة السوداء" ! وهي طريقة مرفوضة، بل مدانة في التحقيق. بالرغم من " فضيحة " وجود هذه الغرفة، فان الدولة لم تعمد الى معاقبة من استحدثها، كما انها لم تتوسع في التحقيقات لهذه الجهة، فربما توجد " غرف سوداء " كثيرة أخرى تستعمل لتعذيب المواطنين ، وليس من يدري!

 

تقصير الدولة واضح هنا. ولكن مجلس شورى الدولة كان لها بالمرصاد، فاعاد الامور الى نصابها الحقيقي واعطى نموذجا " رائعا " عن كيفية المساءلة ، فانصف المستدعي ودعا الدولة ـ وان بصورة غير مباشرة ـ الى القيام بواجباتها لمساءلة الامنيين المخلين بوظائفهم والمسيئين الى المواطن في كرامته وحريته، علّ الدولة تعاقب الامنيين المفرطين ، ولو لمرة واحدة، ليكونوا عبرة لمن اعتبر، فتستقيم الامور.

 

3 ـ الاضرار المعنوية والجسدية

 

لقد قضى قرار مجلس شورى الدولة الحاضر بالتعويض عن الاضرار الجسدية والمعنوية في آن واحد. وقد تمثلت الاضرار الجسدية بـ " اعمال التعذيب "، فيما تمثلت الاضرار المعنوية بـ " التعرض لقرينة البراءة " ، حسبما جاء في القرار.

 

وبالتالي ، فان الاعتداء الذي يقع على الانسان لا يسبب له بالضرورة نوعا واحدا من الضرر؛ فتحقق الضرر الجسدي لا يستبعد تحقق الضرر المعنوي، والعكس صحيح؛ فالتعرض للحقوق المعنوية، كثيرا ما ينعكس على الجسد بصورة مباشرة او غير مباشرة.  لان الترابط يكون وثيقا جدا بين الضرر المعنوي والضرر الجسدي. فقد ينعكس الضرر المعنوي على العقل والنشاط، اذ ان الاضرار المعنوية تسبب اضطرابات في شؤون الحياة، لان الانسان روح وجسد يتكاملان لتكوين الطبيعة الانسانية، ولا يمكن فصل الواحد عن الآخر [6].

 

في الخلاصة، نشير الى ان قرار مجلس شورى الدولة الراهن، يشكل خطوة جريئة نحو تحميل الدولة مسؤولية تقاعسها عن حماية حقوق المواطن وسلامته النفسية والجسدية. فهو من جهة يجعل القضاء الاداري رقيبا على سوء ادارة مرافق الدولة، ومن جهة أخرى يشكل بارقة امل مضيئة تضع حدا لتعسف وافراط بعض الاجهزة الامنية في ممارسة صلاحياتها، فتهدر حقوق المواطنين الاساسية تحت شعار زائف هو " ضغط الامن "؛ فالامن يجب ان يكون لحماية الحريات وليس لقمعها؛ و " الغرف السوداء " بعيدة كل البعد عن ثقافتنا السياسة والاجتماعية وهي موروثة عن انظمة قمعية غابرة في محيطنا ، عسى المستقبل يكون افضل.

  في 12/4/2025

 

عبده جميل غصوب            

 

* دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف لدى نقابة المحامين في بيروت، مستشار قانوني في الامارات العربية المتحدة ـ دبي ، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية، كاتب قانوني وباحث.

[1]  راجع في ذلك ، مصباح وليد عرابي، مسؤولية الدولة عن الاضرار المعنوية التي تسببها اعمال الادارة ـ دراسة مقارنة ، المؤسسة الحديثة للكتاب، الطبعة الاولى، 2017، ص 46؛ جورج سعد، القانون الاداري العام والمنازعات الادارية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2002، ص 408؛ مجلس شورى الدولة، عبد الله نور الدين / الدولة، قرار رقم 252، 2 تشرين الثاني 1959، مراجعة رقم 2046، المجموعة الادارية، السنة الثالثة، عام 1959، ص 181.

 

[2] قرار مجلس شورى الدولة ( محمد المغربي / الدولة )، رقم 373، 25 شباط 2002، مراجعة رقم 9339، مجلة القضاء الاداري، العدد السابع عشر، 2005، ص 501، مشار اليه في مؤلف مصباح وليد عرابي، السابق ذكره، ص 47.

 

[3] راجع في ذلك، في الفقه اللبناني:

Muhieddine El – Kaïssi, Des conditions de l’acte susceptible de faire l’objet d’un recours pour excès de pouvoir en droit administratif libanais, thèse , Université d’Orléans, Mars, 1972, p. 120;

مصباح وليد عرابي، المرجع السابق، ص 47؛ وفي الفقه الفرنسي،

René Chapus, Droit administratif général, Montchrestien, 9ème éd. 2001, tome 1, p. 853.

[4] Enc. D., 1962, Responsabilité de la puissance publique, prejudice réparable, p. 38; C.E, 2 nov. 1949, Epoux Larnanjat, Rec. p. 454; C. E, 2 nov. 1949, Sieur Fécan., Rec. p. 455.

[5] فوزت فرحات، القانون الاداري العام، الكتاب الاول، 2004، ص 316؛ قرار مجلس شورى الدولة، رقم 842، 4 تموز 1995 ( آدال نون / الدولة ) ، مجلة القضاء الاداري في لبنان، 1996، العدد التاسع، المجلد الثاني، ص 665.

[6] راجع في ذلك مؤلف مصباح وليد عرابي، السابق ذكره، ص 150.

PDFالملف المرفقملف PDF · 291 ك.بتحميل ↓