• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

مسؤولية الوزراء ورئيس مجلس الوزراء في القانون اللبناني

 

مسؤولية الوزراء ورئيس مجلس الوزراء في القانون اللبناني

 

بقلم عبده جميل غصوب *  

 

تثير هذه المسألة من جديد جدلا واسعا، في ضوء قرار المحقق العدلي بجريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، الذي قضى برد الدفوع الشكلية المقدمة من النائب والوزير السابق الاستاذ غازي زعيتر، الذي رمى من خلالها الى اعلان عدم اختصاص المحقق العدلي بالنظر بدعوى محاكمة الوزراء الخ.

 

تطرقنا الى هذه المسألة في معرض دراسة سابقة لنا، بعنوان " قراءة قانونية لقرار مجلس شورى الدولة رقم 492 تاريخ 27/4/2023 ( الوزير محمد الصفدي / الدولة اللبنانية ـ ديوان المحاسبة ) من جسور البحصاص الى مرفأ بيروت " [1].

 

هذه المسألة الدقيقة تتطلب معالجتها وفقا لما يلي:

 

أ ـ الاختصاص في ضوء المادتين 70 و71 من الدستور:

 

نصّت المادة 70 انه لمجلس النواب اتهام رئيس مجلس الوزراء والوزراء " بالخيانة العظمى والاخلال بالواجبات الوظيفية ". ونصّت المادة 71 انهم يحاكمون في هذه الحالة، امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

 

لا بد بادىء ذي بدء من تحديد الاطار القانوني للمادة 70، قبل إعمال المادة 71.

فالمادة 70 تنص عن جريمتي يحال بموجبهما الوزير ( او رئيس مجلس الوزراء ) امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء:

 

1 ـ جريمة الخيانة العظمى: لا مجال للحديث عليها هنا، لخروجها عن موضوع بحثنا ودخولها في اطار مختلف تماما.

 

2 ـ جريمة الاخلال الوظيفي: ان نص المادة 70 يجب تفسيره حصرا، لانه نص استثنائي يؤمن محاكمة خاصة للوزراء ورئيس مجلس الوزراء ، فيعطيهم نوعا من "الحصانة القضائية ". هذا النص يخرج عن الاختصاص العادي ويشكّل استثناء على قواعد المحاكمة العادية، ما يقتضي حصر تطبيقه بحالتي " الخيانة العظمى والاخلال الوظيفي " دون سواهما من الجرائم الاخرى مهما كان نوعها.

 

اي انه يجب حصر الاختصاص باخلال الوزير بوظيفته السياسية فقط وحصرا دون سواها من الوظائف الاخرى، لا سيما وظيفته الادارية، حيث ان الاخلال بها يعرضه للمسؤولية الشخصية، التي تصل الى حد المسؤولية الجزائية اذا توافرت شروط المادة 373 عقوبات معطوفة على المادة 350 من القانون عينه.

 

ولكن من المؤكد انه خارج اطار نص مسؤولية الوزير السياسية ، لا يمكن للمجلس النيابي ان يعقد اختصاصه لاتهام الوزراء او رئيس مجلس الوزراء، في اي جريمة اخرى، كالقتل والايذاء والاحراق والتخريب، سواء أكانت هذه الجرائم مقصودة ام غير مقصودة ، طالما انها تشكل جرائم مستقلة ومختلفة تماما عن جرم الاخلال بالواجبات الوظيفية المنصوص عنه بالمادة 70 من الدستور، والمحصورة فقط، كما ذكرنا بالشق السياسي للاخلال الوظيفي دون الشق الشخصي والاداري.

 

بتعبير آخر، فان جرم الاخلال الوظيفي الناجم عن اخطاء الوزراء او رئيس مجلس الوزراء، ذات الطابع السياسي البحت فقط، يدخل في اختصاص المجلس الاعلى، فيما يبقى الاخلال الوظيفي ذات الطابع الشخصي او الاداري خارجا عن اختصاص المجلس الاعلى.

 

 

 

 

 

 

ب ـ الاختصاص في الجرائم الاخرى غير جريمة الاخلال الوظيفي في شقها السياسي:

 

اذا تعدّى الامر جريمة الاخلال الوظيفي في شقها السياسي كما رأينا، كالقتل او الايذاء او الاحراق او التخريب، سواء أكانت مقصودة ام غير مقصودة، فينعقد الاختصاص للقضاء العدلي حصرا، لان المادة 70 تشكّل استثناء للقواعد والمبادىء القانونية العامة، لا سيما مبدأ المساواة امام القانون الذي كرّسه الدستور في المادة 7 منه، فضلا عن الاختصاص المبدئي للقضاء كسلطة مستقلة في ملاحقة الجرائم ، ومبدأ عدم جواز ابقاء جريمة بدون عقاب. وانه وفقا لقواعد تفسير وتطبيق القوانين، يجب تطبيق الاستثناء حصرا وعدم التوسع في تفسيره او تطبيقه.

 

وفي حال عدم قيام المجلس النيابي بممارسة صلاحيته فيما خص المادة 70 من الدستور والاخلال الوظيفي بشقه السياسي ( وليس الاداري او الشخصي ) ، يصبح القضاء العدلي مختصا لتولي الملاحقة، انطلاقا من سببين: لان الاختصاص يعود اصلا للقضاء ولانه لا يصح ترك اي جريمة بدون عقاب.

 

ج ـ في توافر شروط المادة 40 من الدستور:

 

نصّت المادة 40 من الدستور انه " لا يجوز اثناء دورة الانعقاد اتخاذ اجراءات جزائية نحو اي عضو من اعضاء المجلس والقبض عليه اذا اقترف جرما الا بإذن المجلس، ما خلا حالة الجرم المشهود".

 

ففي ما خلا الآراء والافكار التي يدلي بها النائب خلال فترة ولايته والتي يتمتع حيالها بحصانة شاملة، تحول دون ملاحقته جزائيا، فان المادة 40 من الدستور، وضعت قيودا على "ملاحقة " النائب بكل الجرائم ، "خلال دورة الانعقاد فقط"، ما لم تكن هذه الجرائم مشهودة، اذ يقتضي في حالة الجرائم غير المشهودة الاستحصال على اذن بالملاحقة من المجلس النيابي. وبالتالي، فانه لا وجود لاي قيد على ملاحقة النائب عندما تحصل هذه " الملاحقة " خارج دورة الانعقاد.

 

ولكن اذا كانت " الملاحقة " قد بوشر بها قبل انعقاد الدورة ، فلا يبقى اي قيد على متابعتها بعد انعقاد الدورة. فاذا اقيمت الدعوى العامة ضد النائب قبل انعقاد الدورة، واستمرت ملاحقته بعد بدء الدورة ودون اذن من المجلس باستمرارها، فلا يعود للنائب هنا الاحتجاج بالحصانة لوقف الملاحقة التي بوشرت قبل انعقاد الدورة [2].

 

د ـ مسؤولية الوزير الادارية:

 

بالاضافة الى مسؤولية الوزير الجزائية، تبرز مسؤولية الوزير الادارية على مستويين: استنادا الى قانون تنظيم ديوان المحاسبة (1) واستنادا الى قانون المحاسبة العمومية (2) .

 

ولا يحاكم الوزير اداريا امام المجلس الاعلى لمحاكمة رئيس مجلس الوزراء والوزراء (3).

 

1 ـ مسؤولية الوزير استنادا الى قانون تنظيم ديوان المحاسبة:

 

يستفاد من المادتين الاولى والثانية من قانون تنظيم ديوان المحاسبة ان هذا الاخير هو المحكمة التي اناط بها المشترع صلاحية محاكمة المسؤولين عن مخالفة القوانين والانظمة المتعلقة باستعمال الاموال العمومية والاموال المودعة في الخزينة، في ادارات الدولة كافة.

 

كما نصت المادة 59 من القانون عينه ان الرقابة تشمل الموظفين ويعتبر بحكم الموظفين في تطبيق احكام هذه الرقابة، كل شخص من غير الموظفين عهد اليه القيام بادارة واستعمال الاموال العمومية المودعة في الخزينة والدفع لحساب الخزينة او بمسك حساباتها ، دون ان تكون له الصفة القانونية الخ.

 

هذه المادة اتت مطلقة لناحية شمول رقابة الديوان كل من يقوم بادارة او استعمال او قبض او دفع الاموال العمومية وكل من يتدخل في ادارتها او يساهم في الاعمال التحضيرية لها او بمراقبتها او التصديق عليها؛ اي كل من له علاقة بادارة او استعمال او صرف الاموال العمومية باي مرحلة من مراحل هذه العملية.

 

وان هذه المادة لم تحصر فقط المسؤولية بـ " الموظفين " بل اخضعت كل شخص يتدخل في اي مرحلة من مراحل التصرف بالاموال العمومية لرقابة ديوان المحاسبة دون ان تستثني احدا؛ ما ينبغي معه توسيع هذه المسؤولية في حدّها الاقصى لتشمل الرقابة ايضا على اعمال الوزير امام ديوان المحاسبة.

 

ان السند القانوني لشمول الوزير في الرقابة من قبل ديوان المحاسبة هو المادة 112 من قانون تنظيمه التي تنص ان الوزير مسؤول شخصيا على امواله الخاصة عن كل نفقة يعقدها متجاوزا الاعتمادات المفتوحة لوزارته مع علمه بهذا التجاوز، كذلك عن كل تدبير يؤدي الى زيادة النفقات التي تصرف من الاعتمادات المذكورة.

 

2 ـ مسؤولية الوزير استنادا الى قانون المحاسبة العمومية:

 

حدد قانون المحاسبة العمومية المرجع المختص لعقد النفقة واصول عقدها والمسؤولية المترتبة على عاقدها، فنصّت المادة 56 منه ان الوزير المختص هو الذي يعقد النفقة. ونصت المادة 112 منه ايضا انه مسؤول شخصيا على امواله الخاصة وعن كل نفقة يعقدها، متجاوزا الاعتمادات المفتوحة لوزارته مع علمه بهذا التجاوز، كذلك عن كل تدبير يؤدي الى زيادة النفقات التي تصرف من الاعتمادات المذكورة.

 

ينهض من عطف كل هذه المواد بعضها الى بعض ان كل شخص قام او تدخل في ادارة او استعمال او قبض او دفع اموال عمومية او قام بعمليات من شأنها ترتيب دين على الدولة خلافا للقانون، او ارتكب اهمالا او تقصيرا او خطأ الحق ضررا بهذه الاموال ، سيكون مسؤولا امام القضاء المختص، دون ان يتم استثناء الوزير من المساءلة امام ديوان المحاسبة.

 

ان المادتين 111 و 112 من قانون المحاسبة العمومية، تنصان عن مسؤولية الوزير بشكل اساسي بصفته عاقد النفقة.

 

3 ـ في عدم جواز محاكمة الوزير اداريا امام المجلس الاعلى لمحاكمة رئيس مجلس الوزراء والوزراء:

 

ذهب البعض الى القول بعدم جواز محاكمة الوزير امام ديوان المحاسبة، اذ ان مسؤوليته لا تنعقد الا في حالتي الخيانة العظمى والاخلال بوجباته السياسية والدستورية، كما هي محددة في الدستور، والتي تدخل ضمن صلاحيته كوزير وتتصل مباشرة بممارسة مهامه الوزارية. ولا يحاكم الوزير الا امام المجلس الاعلى. وان كل ما يعود لديوان المحاسبة من صلاحية هو اعلام مجلس النواب بالمخالفات المنسوبة اليه، والذي يعود له وحده حق الاتهام والمحاكمة[3].

 

هذا الادعاء ليس صحيحا لان للوزير صفتين: احداهما سياسية، والاخرى ادارية. الاولى توليه المشاركة في اتخاذ قرارات الحكومة السياسية، ويتحمل مع سائر الوزراء تبعتها، والثانية تتمثل بادارته لمصالح الدولة في ما يعود لوزارته ويتحمل شخصيا تبعتها. والاعمال المشكو منها تدخل ضمن اعمال الوزير الادارية وتؤدي الى جواز ملاحقته امام ديوان المحاسبة. ولا وجود لاي قانون يمنع محاكمة رئيس مجلس الوزراء والوزراء امام القضاء المالي المختص. فيقتضي الفصل بين العقوبات المالية التي يعود لديوان المحاسبة فرضها والتي تقتصر على الغرامات المالية والعقوبات الاخرى من الزامات مالية وعقوبات جزائية ومسلكية يعود للجهات والمحاكم الاخرى المعنية فرضها.

 

وحدها المساءلة السياسية تستوجب قضائيا محاكمة الوزير امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ( فضلا عن المساءلة السياسية التي ترتب مسؤوليته السياسية الشخصية والتي تؤدي الى طرح الثقة به بصورة افرادية امام المجلس النيابي، او من خلال مسؤولية الحكومة الجماعية، حيث تطرح الثقة بها جماعيا امام المجلس النيابي ).

 

فالوزير لا يحاكم امام المجلس الاعلى الا عن جرائمه السياسية المرتبطة ارتباطا وثيقا بصفته السياسية. بينما الجرائم المرتبطة بصفته الشخصية او الادارية، فيحاكم بموجبها امام المحاكم الجزائية العادية. وتبقى مخالفاته المالية من اختصاص ديوان المحاسبة.

 

كنا قد ختمنا دراستنا بعنوان " قراءة قانونية لقرار مجلس شورى الدولة رقم 492 تاريخ 27/4/2023 ( الوزير محمد الصفدي / الدولة اللبنانية ـ ديوان المحاسبة ) " [4]، انه " عسى ان تكون جسور البحصاص معبرا آمنا الى مرفأ بيروت " ، فهل تحققت توقعاتنا ؟           

  في 10/7/2025

 

عبده جميل غصوب            

 

* دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف لدى نقابة المحامين في بيروت، مستشار قانوني في الامارات العربية المتحدة ـ دبي ، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية، كاتب قانوني وباحث.

[1] منشورة على صفحاتنا في " مشغّل غوغل " ، المعنونة " الدكتور عبده جميل غصوب "، وهي تعود لتاريخ 13/5/2023.

[2] راجع المادة 97 من النظام الداخلي لمجلس النواب؛ عاطف النقيب، اصول المحاكمات الجزائية، 1993، الصفحات 110، 111، 112.

[3] راجع في ذلك، ادلاءات الوزير محمد الصفدي، في قرار مجلس شورى الدولة رقم 492 تاريخ 27/4/2023 ، غير منشور.

[4]  السابق ذكره اعلاه.

PDFالملف المرفقملف PDF · 149 ك.بتحميل ↓