• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

قانون ايجارات الاماكن غير السكنية بين قرار المجلس الدستوري رقم 15/2025 تاريخ 22/7/2025 والتعديل الجديد : فوضى في التشريع

 

نُشر القانون رقم 11 الصادر في 12/6/2025 ( ايجارات الاماكن غير السكنية ) في العدد 26 من الجريدة الرسمية ؛ فطعن به ثلاثة عشر نائبا امام المجلس الدستوري، الذي حصر الابطال بالفقرة ( د ) من المادة 10 من القانون المطعون فيه، وبرد سائر الاسباب المثارة في مراجعة الطعن.

 

كرر المجلس الدستوري بعض مبادئه في قراره الاخير، وخرج بمبادىء جديدة تستحق التوقف عندها، ولكن قراره الصادر في 22/7/2025 والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 35 تاريخ 14/8/2025، سبق صدوره تعديلا جديدا للقانون رقم 11، ما يعكس " تسرعا " في التشريع ، يؤدي الى حالة من عدم الاستقرار التشريعي والاجتماعي.

 

اولا: في تحديد طبيعة مراجعة الطعن:

 

اعتبر المجلس الدستوري ان مراجعة الطعن بدستورية القوانين ليس لها " طابع شخصي " لانها تتعلق بالانتظام العام الدستوري، ولا يمكن الرجوع عنها " بمجرد تسجيلها في القلم ". 

 

هنا نبدي الملاحظات التالية:

 

هل من مجال لمقارنتها بالدعوى العامة التي بمجرد تحريكها لا يعود للنيابة العامة الرجوع عنها او المصالحة بشأنها ؟ واذا كان صحيحا ان الدعوى العامة تتحرك احيانا تبعا للادعاء الشخصي، اي للدعوى المدنية، فان المدعي الشخصي يمكنه ان يتراجع عن دعواه الشخصية حينما يشاء ، واذا كانت الدعوى العامة مرتبطة بها فانها تسقط قي هذه الحالة، ولا تستمر الا في هذه الحالة، التي لا تكون  فيها مرتبطة بها.

 

ان المجلس الدستوري يضع يده على المراجعة بصورة موضوعية بمجرد تقديم المراجعة ويتطرق الى اي مخالفة للدستور او للقواعد ذات القيمة الدستورية، حتى ولو لم تكن موضوع طعن، فبمجرد تقديم الطعن امامه يصبح القانون منشورا امامه بصورة كاملة ويعود له التطرق الى مسائل ولو لم تكن موضوع طعن، ولكن هذا شيء واعتبار المراجعة ذات طابع غير شخصي شيء آخر مختلف تماما. فلا يمكن اطلاقا تشبيهها بالدعوى العامة المرفوعة من النيابة العامة، لانها اصلا نختلف عنها طبيعة وممارسة؛ وكان يقتضي التفريق بين تقديم المراجعة بذاتها التي تبقى حقا من حقوق الاطراف المحددة التي لها صفة الطعن امام المجلس الدستوري ، يمكن الرجوع عنها في اي مرحلة من مراحل الدعوى، واختصاص المجلس الدستوري غير المحصور بالنقاط المطعون فيها، اذ ان شروط وضع يد المجلس الدستوري على الطعن مرتبط ارتباطا وثيقا بالجهة الطاعنة ؛ بينما اختصاصه النظر بصورة موضوعية بالنزاع وجوازية التطرق الى اي نقطة يراها مخالفة للدستور، غير مرتبطة اطلاقا بالطاعنين.

 

ان عدد النواب الطاعنين هنا هو ثلاثة عشر نائبا، وبالتالي فان رجوع احد النواب الطاعنين عن طعنه، ينزل العدد الى اثني عشر نائبا، فيبقى الطعن مقبولا، ولكن ماذا لو تراجع عدد اكبر من النواب، فاصبح عدد الطاعنين اقل من عشرة نواب ؟ عندها يجب على المجلس الدستوري ان يرد المراجعة شكلا لكون عدد النواب الطاعنين المطلوب لقبول الطعن قد تراجع ليصبح اقل من عشرة نواب.

 

فيكون المجلس الدستوري قد مزج هنا بين اصول الطعن وصلاحيتها الموضوعية في التطرق الى اي نقطة يراها بمجرد وضع يده على الطعن. ولكن يجب ان تتوافر شروط وضع اليد المختلفة كليا عن نطاق الاختصاص. وطالما ان القانون اعطى النائب حق الطعن امام المجلس الدستوري، فهذا الحق يبقى ملكا للنائب  الذي يمكنه التراجع عنه ساعة يشاء ، ولا يمكن للمجلس الدستوري اعتبار ان المراجعة ليس لها " طابع شخصي " لانها متعلقة بالنظام العام، وتجريد طلب الرجوع عنها من اي أثر، لان تعلق المراجعة بالنظام العام يتيح للمجلس عدم حصر نطاق اختصاصه بنقاط المراجعة ليس اكثر ، بدون ان يصل الامر الى حد اعتبار انه بمجرد تقديم المراجعة، فانه لا يعود ممكنا الرجوع عنها، بل ان آثار الرجوع تختلف باختلاف ، النواب المستمرين في المراجعة.

 

ان اي رأي مخالف يتيح للمجلس الدستوري ابطال القوانين المخالفة للدستور عفوا ودون اي مراجعة، وهذا غير جائز انطلاقا من صلاحية المجلس الدستوري ذاته.

 

ثانيا: في " الفوضى التشريعية " :

 

بتاريخ 19 كانون الاول 2023 قرر مجلس الوزراء وكالة عن رئيس الجمهورية اصدار القانون ولم يصدره بمرسوم. وبتاريخ 12/1/2024 اصدر مجلس الوزراء القرار رقم 8 الذي قضى بالموافقة على اعادة القانون المطعون فيه الى مجلس النواب، وصدر المرسوم رقم 12835 انفاذا لهذا القرار الاخير.

 

ولكن المرسوم 12835 تمّ الطعن به امام مجلس شورى الدولة الذي قرر وقف تنفيذه. فوجه رئيس الحكومة كتابا لمجلس النواب لاسترجاع نسخة القانون الاصلية الموقعة لنشره، فاعيدت بتاريخ 28/3/2025 اي بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، فاعتبر القانون نافذا حكما وصدر برقم 1/2025 بتاريخ 3/4/2025 ونشر في العدد 14 من الجريدة الرسمية بالتاريخ المذكور. وبتاريخ 20/5/2025 اصدر المجلس الدستوري بنتيجة مراجعتي طعن بالقانون المذكور، القرار رقم 5/2025 القاضي باعلان عدم نفاذ القانون لمخالفة نشره احكام المادة 57 من الدستور، اذ ان اجراءات اصداره لم تراعَ اصولا، فلا تكون مهلة الشهر قد انقضت.

 

انفاذا لقرار المجلس الدستوري رقم 5/2025 صدر القانون ايّاه موقعا من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة برقم 11/2025 تاريخ 5/6/2025 ونشر بالعدد 26 تاريخ 12/6/2025 من الجريدة الرسمية.

 

قرر المجلس الدستوري ان اصدار رئيس الجمهورية للقانون، برقمه 11 الجديد عملا بقراره الملزم لجميع السلطات وللمراجع القضائية والادارية وغير القابل لاي طريق من طرق المراجعة، يكون متوافقا مع الدستور ولا يبقى من موجب للبحث في باقي ما اثير لجهة عدم دستورية النشر.

 

لا احد يجادل في كون قرارات المجلس الدستوري ملزمة " لجميع السلطات العامة والقضائية والادارية " ، كما جاء في قراره الحاضر.

 

ولكن السؤال المطروح هل يصح لرئيس الجمهورية ان يصدر القانون برقمه 11 الجديد، في الوقت الذي ما زال الطعن بالمرسوم رقم 12835 الذي صدر انفاذا للقرار رقم 8 الصادر عن مجلس الوزراء والقاضي بالموافقة على اعادة القانون المطعون فيه الى مجلس النواب، عالقا امام مجلس شورى الدولة ؟

 

ان اصدار رئيس الجمهورية للقانون برقمه 11 الجديد، في الوقت الذي ما زال الطعن بالمرسوم رقم 12835 عالقا امام مجلس شورى الدولة، يشكل خرقا لمبدأ فصل السلطات، اذ تكون بذلك السلطة التنفيذية قد " اعدمت " موضوع مراجعة عالقة امام القضاء، ولا يرد على ذلك ان مجلس الشورى اصدر قراره بوقف تنفيذ المرسوم رقم 12835 المطعون فيه، لان وقف التنفيذ، لا يعني الابطال، بل كان يقتضي انتظار صدور قرار عن مجلس شورى الدولة يفصل في موضوع المراجعة ، قبل اصدار القانون برقمه الجديد 11، او كان يقتضي ان يرجع الطاعنون بالمرسوم المذكور عن طعنهم امام مجلس شورى الدولة، الذي لا يعود له اصلا اسقاط المراجعة حكما بانتفاء موضوعها؛ وهذان الامران لم يحصلا. كما لا يرد على ذلك ان قرارات المجلس الدستوري ملزمة للقضاء؛ فان تكون ملزمة للجميع اي للسلطات العامة والادارة والقضاء شيء، وان يفصل المجلس الدستوري بموضوع عالق امام القضاء شيء آخر.

 

مرة أخرى يجب تحديد المفاهيم وعدم " الخلط" بينها، فنحدد بوضوح أطر " المؤسسات القانونية" institutions juridiques ، لتستقيم الامور.

 

ان " التسرع " في التشريع وفي ممارسة حكومة تصريف الاعمال صلاحياتها وفي اصدار قانون الايجارات غير السكنية برقمه الجديد 11 من قبل رئيس الجمهورية، أدى الى " خبص " الامور بعضها ببعض، وهذا امر غير محمود، لان التشريع يتطلب " روية " و" دقة " وعدم " تسرع"، والا وقعنا في حالة عدم استقرار تشريعي ، بل الى " فوضى" في التشريع. وهذا ما حصل فعلا، اذ انه وقبل صدور قرار المجلس الدستوري الحاضر في الجريدة الرسمية في 14/8/2025، سارع المجلس النيابي الى اقتراح قانون، كرّس التعديلات التي ادخلتها لجنة الادارة والعدل الى القانون الجديد رقم 11 / 2025، فعّدل في 31/7/2025 القانون رقم 11/2025 المذكور الصادر في 12/6/2025، اي في اقل من شهرين من تاريخ صدوره ! وبعد ايام قليلة من صدور قرار المجلس الدستوري الحاضر في 22/7/2025 !

 

فهل بتنا امام " لعبة تقاذف قوانين " ، لن نحصد منها الا " الفوضى" في التشريع وعدم الاستقرار الاجتماعي ؟ فمنذ اصداره من قبل مجلس الوزراء وكالة عن رئيس الجمهورية في 19 كانون الاول 2023 ، لم تنته فصول " تقاذفه " بين المجلس الدستوري ومجلس شورى الدولة ومجلسي النواب والوزراء واخشى ان يكون " الحبل على الجرار "، وان يطرح القانون بصيغته الاخيرة للتعديل مرة جديدة ، لانه نال اكثرية 65 نائبا فقط، وعارضه 20 نائبا وامتنع 15 نائبا عن التصويت عليه، فهل سيكون القانون الاخير " خاتمة احزان قوانين الايجارات " ، ام ان الامور ستتوقف هنا ؟

 

لا اظن ذلك، طالما ان المالكين " ممتعضون " من التعديل، الذين يرون انه جاء لمصلحة المستأجرين اولا ولم يكن هناك مبررات لاقراره قبل تطبيقه لفترة من الزمن، بغية اكتشاف ثغراته. وقد يكونون على حق لانه في التطبيق العملي " يكرّم النص او يهان ".

 

وفي المقابل يبدو ان القانون ما زال معرضا لسلوك " مخاض عسير "؛ فالمستأجرون يصّرون على ان القانون ما زال " مجحفا " بحقهم، واحتمال تعديله مرة أخرى ليس مستبعدا، فتكون "المعركة الدستورية التشريعية " لقانون ايجارات الاماكن غير السكنية ما زالت " مستعرة ". وطالما ان المشترع اللبناني " يشّرع " تحت الضغط  فستبقى " الفوضى التشريعية " سائدة، وسيبقى المشترعون غير واثقين من خطاهم، فاحدهم تراجع عن طعنه، بعدما استقبل وفدا من المستأجرين ... فماذا لو استقبل مشترع آخر وفدا من المالكين ؟!

 

اذا كان صحيحا ان التشريع ينبع من الواقع الاجتماعي، فيعكس حاجات المجتمع ؛ فالصحيح ايضا ان المشترع يجب ان يشّرع بهدوء وروية وانطلاقا من قناعاته التشريعية والاجتماعية وبصورة موضوعية بعيدا عن التأثر المباشر الذي كثيرا ما يكون عفويا بل اعتباطيا.

 

اضف الى كل ذلك، اننا حذرنا عدة مرات من طريقة التصويت على القوانين وسط حالات من "الهرج والمرج " داخل المجلس، فبين محاولات بعض النواب  " تطيير " الجلسة، صدّق رئيس المجلس على المحضر فورا ثم اقفله، قبل ان يعرف النواب مصير تعديل القانون ! فعند طلب رئيس المجلس قبل اقفال المحضر، التصويت على اقتراح تعديل قانون ايجارات الاماكن السكنية، إحتج عدد من النواب معتبرين ان " التعديل غير كاف ٍ " ، فرد الرئيس انكم " قلتولي انو متفقين ". فاعتبر عدد من النواب انه تم اللقاء مع المالكين ولم يتم مع المستأجرين، فنوقش التعديل مع المالكين ولم يناقش مع المستأجرين. وبالرغم من ذلك ،أقر التعديل الاخير دون التوقف عند الفقرة ( د) ـ المادة 10 من القانون رقم 11/2025 التي ابطلها المجلس الدستوري ! فهل تبقى باطلة بوجود نص تشريعي لاحق لم يشر اليها، بل ابقاها على حالها ؟ اذا كانت قرارات المجلس الدستوري ملزمة للجميع ( الادارة والسلطة التنفيذية والقضاء ) ، فهي بالطبع ليست ملزمة للسلطة التشريعية، فالمجلس النيابي يبقى " سيد نفسه "، ولا يحد شي من سلطته التشريعية. وبالنهاية تبقى المادة 10 ـ فقرة (د) من القانون رقم 11/2025 في مهب الريح، بسبب حالة " التقاذف والفوضـــــى فـــي التشريع " !  آن الاوان ان تستقيم الامور وان يعود التشريع الى مساره السابق، فهو اساس الدولة والدولة اساس الوطن.

 

ثالثا: في ان تحرير عقود الايجار التجارية لا يضرب الملكية الخاصة التجارية:

 

أدلى الطاعنون بان تحرير عقود الايجار التجارية الذي اعتمده القانون المطعون فيه، ينطوي على ضرب للملكية الخاصة التجارية لان ايجار الاماكن المذكورة يشكل احد عناصر المؤسسة التجارية التي يملكها المستأجر، وان اسقاط هذا العنصر يعد انتهاكا صارخا للملكية التجارية العائدة للمستأجر.

 

أتى رد المجلس الدستوري حاسما ومستندا الى نص تشريعي واضح، فوضع حداً للجدل القانوني الذي اطلق مؤخرا في هذا الصدد، فقرر " ان المادة الاولى من المرسوم الاشتراعي رقم 11/67 عرفّت المؤسسة التجارية بانها اداة المشروع التجاري وهي تتألف اصلا من عناصر غير مادية، وتبعيا من عناصر مادية يرمي جمعها وتنظيمها لممارسة مهنة تجارية لا تتسم بطابع عام. وتعتبر المؤسسة التجارية مشتملة على الاسم التجاري والشعار وحق الايجار والزبائن والمركز التجاري وغيرها من العناصر، وان المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي اياه نصّت عن ان حقوق صاحب المؤسسة تحدد بالنسبة لكل عناصرها بالقوانين الخاصة المتعلقة بهذه العناصر وبالمبادىء القانونية العامة ، وان حق الايجار يعتبر احد العناصر غير المادية للمؤسسة التجارية يستمد كيان وجوده من عقد الايجار الاساسي الجاري بين مالك العقار ـ المؤجر ـ والمستأجر الراغب في انشاء المؤسسة التجارية في مأجوره لتكون اداة لمشروعه التجاري، وان حق الايجار الذي يدخل في تكوين المؤسسة التجارية الى جانب سائر عناصرها يبقى في مطلق الاحوال خاضعا لشروط وضوابط عقد الايجار الاساسي الجاري بين المؤجر مالك العقار والمستأجر صاحب المؤسسة التجارية، ولا يستقيم الزعم بان حق الايجار باعتباره احد عناصر المؤسسة التجارية يتفلت من ضوابط عقد الايجار الاساسي ويمسي مستقلا عنه ويعطي صاحب المؤسسة التجارية حقا مطلقا بالتصرف به تصرف المالك بملكه بمعزل عما نصّت عنه المادة 2 من المرسوم الاشتراعي رقم 11/67 ".

 

حسنا فعل المجلس الدستوري بوضعه النقاط على الحروف لحسم الجدل القانوني الناشىء مؤخرا حول هذه النقطة. وهو استند في قراره الى نقطتين هامتين:

 

النقطة الاولى: صريح نص المادة 2 من المرسوم الاشتراعي رقم 11/67 التي نصت عن اخضاع حق المستأجر بالاجارة لقوانين الايجارات المرعية الاجراء ، بعيدا عن عزلها من القوانين المذكورة وادخالها بدون شروط في ملكية صاحب المؤسسة التجارية.

 

النقطة الثانية: اخضاع حق الايجار الداخل في تكوين المؤسسة التجارية " لشروط وضوابط عقد الايجار الاساسي الجاري بين المؤجر مالك العقار والمستأجر صاحب المؤسسة التجارية "، بدون اعتبار حق الايجار باعتباره احد عناصر المؤسسة التجارية، سببا " للتفلت " من شروط وضوابط عقد الايجار الاساسي وتحويله الى ملكية خاصة بالمستأجر مستقلة عن عقد الايجار المذكور، واباحة التصرف به تصرف المالك بملكه، ما يقتضي معه اعتبار ما ذهب اليه المجلس الدستوري في هذا الصدد صائبا، وكفيلا بوضع حد نهائي للجدل القانوني حول هذه النقطة والحؤول دون تحوله الى " جدل عقيم " .

 

رابعا: في عدم اختصاص المجلس الدستوري البحث في ملاءمة القانون المطعون فيه للوضع الاقتصادي:

 

قرر المجلس الدستوري ـ عن حق ـ ان تسيير شؤون المواطنين يستوجب التشريع في فترة الشغور الرئاسي ولو حصل ذلك في ظل حكومة تصريف اعمال، لا سيما ان الفقرة الثالثة من المادة 69 من الدستور نصّت ان مجلس النواب، عند استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، يصبح حكما في دوره انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة، ويكون له بهدف تأمين سير المرفق العام حق التشريع في مختلف المواضيع، والقول بخلاف ذلك يؤدي الى شلل في عمل السلطات وتعطيل المرافق العامة [1].  

 

فالقانون المطعون فيه يتضمن حصرا تنظيم علاقة المؤجرين بمستأجري الاماكن غير السكنية لفترة انتقالية معقولة تسبق تحرير تلك الايجارات من عبء القانون الاستثنائي الالزامي واخضاعها لحرية التعاقد، كما جاء في الاسباب الموجبة للقانون، ولا صلة بين اوضاع البلد الاقتصادية او المالية التي يصفها الطاعنون بالاستثنائية، وموضوع القانون المطعون فيه، وبالتالي لا يكون لاوضاع البلد الاقتصادية تأثير على مدى دستورية القانون المطعون فيه، فضلا عن ان البحث في ملاءمة  القانون للوضع الاقتصادي يخرج عن اختصاص القضاء الدستوري.

 

كما قرر المجلس الدستوري بان القانون المطعون فيه الذي اقتصر على تنظيم علاقة المالك بالمستأجر في الاماكن غير السكنية لم يتطرق الى ما نصّت عنه المادة 25 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان من تأمين وسائل عيش المستأجر ورفاهيته او الى آلية المحافظة على صحته الجسدية والنفسية، فيكون الطعن ببطلان القانون المطعون فيه لمخالفته المادة 25 المذكورة في غير محله ومستوجبا الرد.

 

كما ان القانون المطعون فيه لم يضرب الاستقرار التشريعي لانه نظّم الفترة الانتقالية الممهدة لتحرير عقود الايجار في الاماكن غير السكنية، من عبء القوانين الاستثنائية السابقة، ليصار ضمن مهل معقولة الى اخضاعها لحرية التعاقد انفاذا للفقرة (و) من مقدمة الدستور التي كرّست النظام الاقتصادي الحر وكفلت المبادرة الفردية والملكية الخاصة. وهو لم ينتهك مبدأ المساواة في الحقوق والموجبات بين المواطنين المنصوص عنه في الفقرة (ج ) من مقدمة الدستور، والمادة السابعة منه.

 

هذا لم يكن رأي العضو المخالف الذي رأى ان مبدأ المساواة هو ركيزة اساسية للنظام الديمقراطي وان الظروف الاستثنائية لا يمكن الاخذ بها راهنا في ظل وجود قانون الموجبات والعقود ، وانه اذا كان صحيحا انه لا يجوز للمجلس الدستوري ان يحل محل المشترع قي تقدير ملاءمة التشريع والغاية المتوخاة منه، فانه لا يجوز ان تأتي عنه قيودا وضوابط على الحريات والحقوق الاساسية، وتاليا يعود للمجلس اعمال رقابته لتحقيق الاهداف المشروعة التي تتطلبها المصلحة العامة وابطال القانون برمته لمخالفته الدستور والاعلان العالمي لحقوق الانسان والمبادىء ذات القيمة الدستورية.

 

من جهتنا نرى ان هذه النقطة تدخل في اطار تقدير ملاءمة التشريع والغاية منه وهي تخرج عن اطار اختصاص المجلس الدستوري. ونشير الى ان " المغالاة " في تفسير المبادىء العامة الى حد " الافراط " " يطيح " بدور المشترع، فهو " سيد نفسه "، وهو الوحيد الذي يعبّر عن ارادة الشعب بكامله، والمجلس الدستوري ليس اطلاقا " مرجعا اعلى " للمجلس النيابي او " وصيا " عليه، فدوره محصور بالرقابة على دستورية القوانين في اطار يجب ان يكون محدد النطاق وغير "متفلت" في القيام بدوره، تحت ستار مبادىء عامة " مطاطة " قد تؤدي في حال " الافراط " في تفسيرها  الى " اجتياح " المجلس الدستوري لدور المجلس النيابي مصدر السلطات ، فحذار من ذلك.

 

تبقى الغاية من هذا المقال التحذير من " التسرع " في التشريع ، فما اورثتنا اياه حكومة تصريف الاعمال من اخطاء دستورية يجب تفاديه من رئيس الجمهورية والحكومة من جهة، ومن جهة ثانية، على النواب التشريع بحياد وحرية وعدم الخضوع لاي ضغوطات سياسية او اجتماعية، فلا يغيّر نائب موقفه بمجرد زيارة من ناخبيه او سوى ذلك، بل ان التشريع يجب ان يحصل بصورة موضوعية بعيدا عن " الشخصانية " والذاتية، فكفى انقساما اجتماعيا بين المؤجرين والمستأجرين، ويجب ان يبقى النقاش في اطاره القانوني البحت.

 

" الفوضى في التشريع " مرفوضة ، فهل من يسمع ؟                        

 

                                                   في 25/8/2025

عبده جميل غصوب

             

 

 

  * دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الامارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.

[1] قرار المجلس الدستوري رقم 6/2023 ، 30 ايار 2023.

PDFالملف المرفقملف PDF · 238 ك.بتحميل ↓