• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

تحدّيات الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة: قراءة في الواقع اللبناني

تحدّيات الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة: قراءة في الواقع اللبناني

مقدّمة

 

لم يعد الذكاء الاصطناعي (AI) مجرّد أداة تقنية أو برنامج مساعد، بل أصبح ظاهرة قانونية واقتصادية وأخلاقية تغيّرملامح المهنة القانونية وتعيد تعريف مفهوم العدالة نفسه. فهو نظام قادر على محاكاة القدرات الذهنية البشرية، من فهمٍوتحليلٍ وتعلّمٍ، واتخاذ قرارات بصورة مستقلة لتحقيق أهداف محددة.

يتميّز هذا “الشريك الرقمي” بقدرة على العمل المستمر والدقة العالية دون تعب أو ملل، غير أنه يفتقر إلى المسؤوليةالأخلاقية والقانونية التي تميّز الإنسان. وفي ظل غياب إطار تشريعي واضح في لبنان، تبقى المهنة أمام تحدّيات مهنيةوقانونية وأخلاقية عميقة.

 

أولًا: غياب الإطار التشريعي المنظّم

لا يزال النظام القانوني اللبناني يقف في منطقة رمادية حيال الذكاء الاصطناعي. فحتى اليوم، لا يوجد نصّ تشريعيخاص ينظّم استخدام هذه الأنظمة أو يحدّد مسؤوليات مستخدميها. وما يتوافر هو إشارات متفرقة في بعضالنصوص، أبرزها:

1 -قانون الموجبات والعقود،

2- قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018،

3- قانون حماية الملكية الأدبية والفنية رقم 75/1999.

غير أن هذه القوانين لا تتناول جوهر الذكاء الاصطناعي القائم على التعلم الذاتي واتخاذ القرار المستقل، ما يتركفراغًا تشريعيًا يثير تساؤلات جوهرية حول:

من يتحمّل المسؤولية عند وقوع الخطأ الناتج عن النظام؟

من يملك المحتوى الذي يولّده؟

وكيف تُحمى البيانات التي تُستخدم في تدريبه وتشغيله؟

إنّ هذا الغموض التشريعي يشكّل العائق الأبرز أمام إدماج الذكاء الاصطناعي في الممارسة القانونية على نحوٍ آمنومنضبط.

 

ثانيًا: مسؤولية المحامي القانونية

يُطرح هنا إشكال جوهري: إذا استعان المحامي بأداة ذكاء اصطناعي لتحليل دعوى أو صياغة عقد، فأنتجت الأداةخطأ قانونيًا مؤثرًا، فمن يتحمّل المسؤولية؟

في القانون اللبناني، تبقى المسؤولية المهنية على عاتق المحامي بوصفه الشخص الطبيعي الذي يمارس العمل القانونيويوقّع عليه، إذ إنّ الذكاء الاصطناعي لا يُعتبر شخصًا معنويًا ولا يخضع لأي رقابة أو ترخيص، وبالتالي لا يمكنمساءلته قانونًا.

وتتعدّد الاحتمالات:

هل يُعدّ الخطأ تقصيرًا مهنيًا يُسأل عنه المحامي؟

أم هو خلل تقني تتحمّله الجهة المطوّرة للأداة؟

أم هو مسؤولية مشتركة بين الطرفين؟

 

في فرنسا والاتحاد الأوروبي، تتّجه التشريعات الحديثة نحو توزيع جزئي للمسؤولية بين المستخدم والمطوّر، في حينيفتقر لبنان لأي نص مماثل.

وعليه، فإنّ إيجاد توازن تشريعي يحدّد بوضوح مسؤولية كلّ من المحامي وجهة تطوير النظام بات ضرورة تشريعيةملحّة.

 

ثالثًا: حماية البيانات الشخصية

يعتمد الذكاء الاصطناعي في عمله على معالجة كمّ هائل من البيانات، وكلما زادت البيانات زادت دقّته وكفاءته. غير أنجزءًا كبيرًا من هذه البيانات قد يتضمّن معلومات شخصية أو سرّية تخصّ الموكّلين، ما يثير إشكالية قانونية وأخلاقيةخطيرة.

ينصّ قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018، وتحديدًا المادة 95 منه، على وجوبتصريح كل جهة تقوم بجمع بيانات شخصية لدى وزارة الاقتصاد والتجارة. لكن التطبيق العملي لهذا النصّ ما زالمحدودًا، وغالبًا ما يتم تجاهله في الواقع المهني.

إلى جانب ذلك، فإنّ تخزين البيانات في مراكز حفظ خارج لبنان كما تفعل العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي يعرّضسرية المعلومات لخطر الخضوع لقوانين أجنبية لا تراعي الحماية المنصوص عليها في التشريع اللبناني.

وعليه، يُفترض بالمحامي قبل استخدام أي أداة رقمية أن يتحقّق من:

مكان تخزين بيانات موكّليه،

شروط استخدام النظام (Terms & Conditions)،

مدى التزام الأداة بالسرّية المهنية.

لذلك يجب أن تضع نقابة المحامين لائحة سلوك مهنية تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتلزم المحامين بعدم إدخالبيانات موكّلين في أنظمة غير مضمونة أو غير خاضعة للرقابة المحلية.

 

رابعًا: حماية الملكية الفكرية

ينصّ قانون حماية الملكية الأدبية والفنية رقم 75/1999 على أنّ صفة المؤلف تعود حصراً للشخص الطبيعي أو المعنوي. وبذلك، لا يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي مؤلفًا بالمعنى القانوني.

إلا أنّ المسألة المعقّدة تكمن في تحديد ملكية المنتجات التي يولّدها النظام الذكي كالعقود، والمذكرات القانونية،والنصوص التحليلية. فهل تعود الملكية للمستخدم، أم لمطوّر النظام، أم تُعدّ عملاً بلا مؤلف؟

لا يقدّم التشريع اللبناني جوابًا واضحًا.

وعلى الصعيد الدولي، برزت مواقف تشريعية متشدّدة، منها الموقف الأسترالي الأخير الذي منع تدريب أنظمة الذكاءالاصطناعي على أعمال محمية بحقوق فكرية دون إذن أصحابها، حمايةً لحقوق المبدعين والناشرين.

من هنا، تبرز الحاجة إلى تعديل تشريعي لبناني يحدّد بوضوح من يملك الحقوق الفكرية في الأعمال الناتجة عنالذكاء الاصطناعي، ويوازن بين الابتكار وحماية حقوق المؤلفين.

 

خامسًا: التحدّي القضائي والتنظيمي

حتى تاريخه، لا وجود لسوابق قضائية لبنانية تتعلّق بالذكاء الاصطناعي. لكن من المؤكّد أنّ المرحلة المقبلة ستطرح أمامالقضاء أسئلة جديدة، منها:

-هل يمكن اعتماد تقرير أعدّه نظام ذكاء اصطناعي كدليل في المحاكم؟

-وهل يجوز لمحامٍ أن يستند إلى مذكرة صاغها برنامج يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

في ظلّ غياب النصوص، ستجد المحاكم نفسها مضطرة للاجتهاد، ما قد يؤدي إلى تباين في القرارات وتضارب فيالتفسير.

لذا، من الضروري أن تبادر نقابة المحامين والسلطات التشريعية إلى وضع إطار تنظيمي استباقي يحدّد حدوداستخدام هذه التقنيات في العمل القضائي والمهني.

 

سادسًا: التحدّي المهني والأخلاقي

يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن للآلة أن تحلّ محل ضمير المحامي؟

الجواب قطعًا لا.

فالذكاء الاصطناعي لا يدرك معنى العدالة أو القيم الإنسانية الكامنة خلف النصوص القانونية. يتعامل مع اللغةكمعادلات رياضية، دون وعي لروح النص أو أبعاده الأخلاقية.

لكن في المقابل، لا ينبغي للمحامي أن يقف في وجه التطوّر، بل أن يوظّفه لخدمة العدالة وتحسين الأداء، بشرط:

-مراجعة نتائج الأنظمة الذكية قبل اعتمادها،

-الحفاظ على سرية الموكلين،

-وعدم نسب أعمال مهنية أصيلة إلى أدوات تقنية.

كما يُفضّل إدخال مفاهيم التقنية القانونية (LegalTech) ضمن برامج معهد التدرّج في نقابة المحامين، تمهيدًا لجيلقانوني رقمي واعٍ ومؤهّل.

 

خاتمة

الذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للمحامي، بل فرصة لإعادة تعريف دوره وأدوات، فالمهنة التي لا تتكيّف مع التطوّرتفقد مكانتها، والقانون الذي لا يواكب الواقع يفقد روحه.

لذا، علينا أن نجعل من الذكاء الاصطناعي وسيلة لخدمة العدالة لا بديلاً عنها، ولْيَكُنْ المحامون اللبنانيون في طليعة منيرسمون حدود استخدامه ومسؤوليته الأخلاقية والقانونية.