قراءة في المسؤوليّة عند تَعَدُّد المحكَّمين
نيقولا خوري
دكتور في الحقوق - محامٍ بالإستئناف
1. في حال تعدُّد المحكَّمين، قد يحدث ألّا يعود سبب الضّرر الّذي أصاب الخصوم إلى خطأ أحدهم، بل إلى إثنين منهم أو أكثر ضمن الهيئة الواحدة. يثير هذا الأمر تساؤلًا عن طريقة مداعاتهم وطبيعة مسؤوليّتهم. فهل يتعيّن على المتضرّر هنا أن يداعي كلًّا منهم بصورةٍ منفردةٍ أم عليه مداعاتهم معًا؟ وهل يتضامنون معًا في تحمّل المسؤوليّة المدنيّة، أم ينفرد كلٌّ منهم في التّعويض عن نسبة الضّرر الّذي أحدثه فقط؟
يستدعي هذا الأمر البحث في مدى قيام المسؤوليّة الفرديّة للمحكّمين من جهةٍ أولى(الفقرة الأولى)، ومدى إمكانيّة تحقّق المسؤوليّة التّضامنيّة بينهم من جهةٍ ثانيةٍ (الفقرة الثانية)، على ضوء طبيعة العلاقة الّتي تربطهم بالخصوم وطبيعة النّشاط التّحكيميّ الّذي يباشرونه.
الفقرة الأولى – المسؤوليّة الفرديّة.
2. لمعرفة ما إذا كانت المسؤوليّة الفرديّة للمحكّمين قائمةً، يتعيّن أوّلًا تحديد طبيعة العلاقة الّتي تجمع المحتكمين بالهيئة التّحكيميّة، فضلًا عن طبيعة الرّوابط القائمة بين المحكّمين أنفسهم. يستوجب ذلك تحديد الإطار العامّ للمسألة المطروحة (أوّلًا)، قبل الإنتقال إلى بحث الحالة الخاصّة المتعلّقة بالمسؤوليّة (ثانيًا).
أوّلاً – تحديد الإطار العام.
3. لا يختلف إثنان على أنّ علاقةً تعاقديّةً تنشأ بين المحكَّم والخصوم فور قبوله بالمهام الموكلة إليه. باتت لهذه العلاقة تسميةٌ في الفقه والإجتهاد فيما يُعرف بعقد المحكَّم (contrat d’arbitre)، وذلك لسببين: الأوّل هو لارتكاز عمليّة تعيين المحكَّم على الرّضى المتبادل بينه وبين المحتكمين. فالمحكَّم، بخلاف القاضي، لا يُفرَض عليه الفصل في النّزاع، بل يبقى حرًّا في قبول المهمّة أو رفضها، بحيث يُشكّل اقتراح تعيينه إيجابًا للتّعاقد، وتُعدّ موافقته قبولًا له، الأمر الّذي يؤدّي إلى تحقّق ركن الرّضى ونشوء علاقةٍ تعاقديّةٍ بينه وبين الخصوم، بغضّ النّظر عن طريقة التّعيين المعتمدة أو الجهة الّتي قامت بها. أمّا السّبب الثاني فيعود إلى كون القسم الأساسيّ من حقوق المحكَّم والتزاماته المتبادلة مع الخصوم يستمدّ مصدره في إرادتهم الحرّة. إذ إنّ تحديد أتعاب المحكَّم، وطريقة تسديدها، والتقيّد بالمهل المتَّفَق عليها، وحقّ الخصوم في عزله، كلّها عناصر ليس لها تفسيرٌ قانونيٌّ كافٍ إلّا في إطار عقدٍ مستقلٍّ يربط المحكَّم بالمحتكمين، ويكمّل الإطار التّشريعيّ الّذي لا يستوعب وحده جميع هذه الموجبات.
4. لكن التساؤل الأبرز يبقى حول طبيعة هذه العلاقة في حال تعدّد المحكَّمين. فهل يتعاقد الخصوم في هذه الحالة وجميع المحكَّمين معًا؟ أم مع كلٍّ منهم بصورةٍ مستقلّةٍ؟ بتعبيرٍ آخر، هل نجد أنفسنا، في حالة التّحكيم بثلاثة محكَّمين، أمام عقد محكَّمٍ واحدٍ يضمّ الخصوم من جهةٍ وكلّ المحكَّمين من جهةٍ ثانية؟ أم نكون أمام عدّة عقود محكَّمٍ، يربط كلٌّ منها الخصوم بمحكَّمٍ واحدٍ؟
5. عالج الكثير من الفقهاء إشكاليّة عقد المحكَّم، وأيّدوا نشأة عقد محكَّمٍ واحدٍ بين المحكَّمين والخصوم، إلّا أنّ نيّة المشترع واضحة، ويمكن الاستدلال من جملة مؤشّراتٍ، إلى رغبته في فصل المحكَّمين في علاقاتهم بعضهم عن بعض.
6. بدايةً، من الثّابت أنّ هناك موجباتٍ يجب على أعضاء الهيئة تنفيذها معًا، كما هناك أيضًا التزاماتٌ "فرديّةٌ" تقع على عاتق كلٍّ منهم بصورةٍ منفردةٍ، حيث يتعيّن على كلّ محكَّمٍ تنفيذها بغضّ النّظر عن مدى تقيّد زملائه بها. نعني بذلك، موجب كلّ محكَّمٍ على حِدَة بالتزام السرّيّة، وموجب كلٍّ منهم بإعلام الخصوم إذا قام في "شخصه" سببٌ للرّدّ. كذلك، في ضوء تعديلات النّصّ الفرنسيّ الجديد، يتعيّن على كلّ محكَّمٍ الإفصاح عن كل ما يؤثّر على "حياده" و"استقلاليّته". كما على كلٍّ منهم طلب تمديد مهلة التّحكيم قبل انقضائها، بعكس نصّ القانون اللّبنانيّ الّذي أبقى تنفيذ هذا الموجب على عاتق أعضاء الهيئة معًا.
7. كذلك، تتجلّى استقلاليّة المحكَّمين بعضهم عن بعضٍ في إمكانيّة بتّ هيئة التّحكيم بطلب ردّ أحد أعضائها. تتحقّق أيضًا في استطاعة أعضاء الهيئة التّحكيميّة الاتّفاق على ترتيب التزاماتٍ مختلفةٍ بعضهم عن بعض، كالتزام رئيس المحكمة منفردًا، مثلًا، بتنظيم إجراءات التّحكيم.
8. إضافةً إلى ذلك، إذا كان جميع المحكَّمين أطرافًا في عقدٍ واحدٍ، فهذا يعني أنّ مصير الهيئة التّحكيميّة يكون مرتبطًا أو مرهونًا بمصير أحد أعضائها، حيث إنّ عزل أحدهم أو تنحّيه أو ردّه يجب أن يؤدّي من حيث البنية التعاقدية، إلى تعطيل الإجراءات وبطلان العقد، ما لم يَرِد بندٌ على الاستمرار فيه.إلّا أنّ الواقع مختلفٌ تمامًا، إذ لا تؤدّي هذه الحالات سوى إلى إبطال العقد المبرم بين المحكَّم المعنيّ والخصوم، تاليًا تستمرّ عمليّة التّحكيم من دون أن يتأثّر زملاؤه أو شركاؤه المحكَّمون.
9. أخيرًا، إنّ مهمّة المحكَّم هي ذات طابعٍ شخصيٍّ محضٍ، الأمر الّذي يجعل عقد المحكَّم قائمًا على الاعتبار الشّخصيّ (intuitus personae). هذا ما يُبَرِّر تعاقدَ الخصوم مع كلّ محكَّمٍ بصورةٍ منفردةٍ، لما في ذلك من أهمّيّةٍ واعتبارٍ لشخص كلٍّ منهم، حيث يتمّ اختيارهم استنادًا إلى قدراتهم الشخصيّة ومؤهّلاتهم وخبراتهم وسمعاتهم، ويترتّب عليهم أن ينفّذوا التزاماتهم شخصيًّا، ولا يجوز لهم إحالتها على طرفٍ ثالثٍ.
10. لهذه الأسباب،لا يمكننا اعتبار المحكَّمين يشكّلون طرفًا في عقدٍ واحدٍ، على الرّغم من "وحدة المصالح" الّتي تجمعهم، لأنّ موضوع العقد هو استثمارٌ فرديٌّ، والهدف منه ليس استثمار محكمةٍ، بل استثمار محكَّم.لذا،تكون عقود المحكَّم بقدر عدد المحكَّمين.بتعبير آخر، لدى تشكيل المحكمة التّحكيميّة لا نكون أمام عقدٍ واحدٍ يَضُمّ المحتكمين من جهةٍ والمحكَّمين من جهةٍ أُخرى، بل أمام عقود محكَّمٍ مستقلّةٍ يجمع كلٌّ منها محكَّمًا واحدًا بالخصوم، فيتساوى عدد عقود المحكَّم مع عدد المحكَّمين المُكَلَّفين بتسوية النّزاع.
ثانياً – الحالة الخاصة.
11. إنّ المبدأ في الموجبات المدنيّة، أنّ أيّ استحقاق دينٍ بذمّة شخصين أو أكثر يؤدّي إلى قسمته فيما بينهم من دون أن يترتّب عليهم بوجه التّضامن، ما لم يتمّ الإتّفاق على ترتّبه بشكلٍ متضامنٍ، أو أن يكون التّضامن منصوصًا عليه في القانون. في الواقع، عند وجود أكثر من مدين بدينٍ واحدٍ، كثيرًا ما يحدث أن يشترط الدّائن التّضامن في ما بينهم ضمانًا لاستيفاء دينه منهم جميعًا، أو من أحدهم، عندما يكون أكثر ملاءةً من الآخرين.
12. إذًا، المبدأ العامّ هو أنّ كلّ مدينٍ يُسأل عن الدّين الخاصّ به، وإذا تعدّد المدينون سُئِل كلٌّ منهم على قدر نصيبه في الدّين. لذلك، يأتي التّضامن بين المدينين كاستثناءٍ على القاعدة العامّة، بإلزامه المدينين المتعدّدين بكامل الدّين. وككلّ قاعدةٍ إستئنائيّة، لا بدّ من نصٍّ يكرّسها، أو على الأقلّ، أن تفرضها طبيعة الموجب.
13. التّضامن بين المدينين يُمَكِّن الدّائن من أن يُطالب أيًّا منهم بكامل الدّين، كما أنّ إيفاء أحدهم الدّينَ يُبرِّئ ذمم الآخرين. كذلك، يمنح التّضامن المدين الّذي يدفع أكثر من حصّته الحقَّ بالرّجوع على سائر المدينين.للتّضامن وجهان: المكتمل (solidarité parfaite) القائم على علاقة تضامنٍ بين المدينين بمفهوم قانون الموجبات والعقود، وغير المكتمل (solidarité imparfaite) المعروف بتسمية obligation in solidum، الّذي يفضي إلى إلزام عدّة أشخاصٍ بالدّين ذاته على الرغم من عدم وجود علاقة تضامنٍ بينهم، كما هي الحال عند نشوء الضّرر عن عدّة أشخاصٍ.
14. في الحالة الأولى، يكون الموجب متضامنًا بين المدينين حين يكون عدّة مدينين ملزمين بدينٍ واحدٍ، وينبغي اعتبار كلٍّ منهم مدينًا بمجموع الدّين في علاقته بالدّائن (م 23 م.ع). إلّا أنّ التّضامن لا يُؤخَذ بالإستنتاج، إذ ينبغي أن يُستَفاد صراحةً من عقد إنشاء الموجب، حيث تتجلّى إرادة الأطراف صراحةً على وجوده أو من القانون أو من ماهيّة القضيّة (م 24 م.ع.).
15. أمّا الحالة الثّانية فتَتَحقَّق عندما يشترك أكثر من شخصٍ في إحداث الضّرر تمكينًا للضّحيّة من إستيفاء كامل التّعويض عن الضّرر الّذي لحق به جرّاء عملٍ مشتركٍ صدر عن أكثر من شخصٍ، وذلك من قِبَلِ أيٍّ من الأشخاص الّذين اشتركوا في التّسبُّب به.
16. ينفي غياب العلاقة التّعاقديّة بين المحكَّمين الأساسَ التّعاقديّ لتضامنهم، أي التّضامن المكتمل، ما لم يحوي كلُّ عقدٍ من عقود المحكَّم بندَ تضامنٍ صريحًا بين المحكَّمين، الأمر الّذي يندر حصوله في الواقع. تاليًا، فإِنَّ هذا يعني أنّه، من حيث المبدأ، ينبغي على المتضرّر أن يداعي كلًّا من أعضاء الهيئة التّحكيميّة بالمسؤوليّة المدنيّة بصورةٍ منفردةٍ في حال وقوع خطأٍ من جانبها.
الفقرة الثانية – المسؤوليّة التضامنيّة.
17. إنَّ غياب العقد لا يلغي الطّابع التّضامنيّ لنشاط المحكّمين، ذلك أنّ الخدمة الّتي يتعاونون على تأديتها لا تقبل التّجزئة. تاليًا، إذا كان الأساس التّعاقديّ للتّضامن بين المحكَّمين غير ممكنٍ، تبقى مسؤوليّتهم التّضامنيّة ممكنةً عندما يشتركون في إحداث الضّرر بالخصوم، لكنّها لا تتحقّق بصورةٍ تلقائيّةٍ، بل ينبغي أن تتوافر شروطها المحدّدة قانونًا. يتطلّب هذا الأمر تبيان حالات قيام المسؤوليّة التّضامنيّة (أوّلًا) قبل التّطرّق إلى تطبيقاتٍ عمليّةٍ لها في التّحكيم (ثانيًا).
أوّلًا – حالات المسؤوليّة.
18. نَصَّت المادّة 137 م.ع. على أنّه إذا نشأ الضّرر عن عدّة أشخاصٍ، فالتّضامن السّلبيّ يكون موجودًا بينهم: إذا كان هناك إشتراكٌ في العمل، أو إذا كان من المستحيل تعيين نسبةِ ما أحدثه كلّ شخصٍ من ذلك الضّرر. لا يَجِد هذا النّصّ له مثيلًا في التّشريع الفرنسيّ، إذ عَمَدَت المحاكم الفرنسيّة إلى تكريس مفهوم الإلتزام بالكلّ (in solidum)، في حال ساهم أكثر من خطأٍ في إحداث الضّرر، أو كان الخطأ المشترك بين عدّة أشخاصٍ قد أحدث الأضرار عينها، ذلك تفاديًا لإعمال أحكام التّضامن السّلبيّ في غياب نصٍّ صريحٍ في القانون. لكن، يُشتَرط أن تقوم صلةٌ سببيّةٌ مباشرةٌ بين كلٍّ من الأخطاء وكامل الضّرر الحاصل.
19. أثارت الصّياغة غير الدّقيقة للمادّة 137 م.ع. خلافًا في الرّأي حول ما إذا كان قيام التّضامن السّلبيّ يشترط توافر الشّرطَين معًا، أو أنّهما يمثّلان حالتَين مختلفتَين. رأى معظم الفقهاء أنّ هذه المادّة قَصدَت وضعَين مختلفَين: الأوّل يتعلّق بالإشتراك في الفعل مع إستحالة تحديد نسبة الضّرر الّذي أحدثه كلٌّ من الأشخاص الّذين أتوا معًا بهذا الفعل. أمّا الثّاني فيتمثّل بإقدام عدّة أشخاصٍ على إرتكاب أفعالٍ مختلفةٍ أدّت إلى إحداث ضررٍ يتعذّر تحديد نسبة ما أحدثه كلٌّ منهم فيه، فيحكم عليه بالتّضامن تجاه المتضرّر. هذا ما أكّده الاجتهاد أيضًا.
20. تنطوي حالة الإشتراك في العمل على فكرة وجوب صدور عملٍ ضارٍّ واحدٍ شارك فيه عدّة أشخاصٍ، بحيث إذا نجم الضّرر عن فعلَين، تميّز كلٌّ منهما عن الآخر بكيانه الذّاتيّ ووصفه، وكان أحدهما قد استتبع المسؤوليّة على شخصٍ أوّل، والآخر استتبعها على شخصٍ ثانٍ، وكانا قد أسهما في إحداث الضّرر بحكم التقائهما معًا أو تتابعًا، فلا يكون بين الشّخصَين المسؤولَين، في هذا الوضع، إشتراكٌ في العمل الضارّ، تاليًا لا يكون بينهما التّضامن المشروط في الحالة الأولى من المادّة 137 م.ع.
21. بتعبيرٍ آخر، رَكَّزت الفقرة الأولى من المادّة 137 م.ع. على فكرة "الإشتراك في العمل" الضّارّالمتميّز عن فكرة "الإشتراك في النّتيجة"، إذ لا يكفي نشوء الضّرر عن عدّة أشخاصٍ ليكون التّضامن السّلبيّ بينهم حكمًا، إنّما ينبغي أيضًا أن يكون هؤلاء قد شاركوا معًا في العمل ذاته،فأتى ذاك العمل موحّدًا. ينطوي هذا الإشتراط، بمنطقه، على وجوب صدور عملٍ ضارٍّ واحدٍ شارك فيه أشخاصٌ بالشّكل الّذي تحصل به المشاركة في النّشاط الموحّد.
22. من حالات تَحقّق التّضامن السّلبيّ أيضًا، نشوء الضّرر عن عدّة أشخاصٍ مع إستحالة تعيين نسبة ما أحدثه كلٍّ منهم من ذلك الضّرر (م 137 فقرة 2 م.ع). في الواقع، قد يتعذّر في عددٍ من الحالات تعيين مقدار مساهمة كلٍّ من المشتركين في إحداث الضّرر. في هذه الحالة، يتعيّن على المحكمة القضاء بإلزام المتسبّبين بدفع التّعويض بوجهٍ تضامنيٍّ.
ثانيًا – التّطبيقات العمليّة.
23. في الواقع، قد يحدث أن يقوم كلٌّ من أعضاء المحكمة التّحكيميّة بانتهاك الإلتزام ذاته الملقى على عاتقهم. قد يحصل هذا الأمر في إطار تنفيذ عقد المحكَّم، كما هي الحال مثلًا حين يُقدم كلٌّ من المحكَّمين على إفشاء وجود النّزاع التّحكيميّ للآخرين أو يرفض كلٌّ منهم المشاركة في تشكيل المحكمة التّحكيميّة أو يمتنع عن الكشف عن الرّوابط الّتي تؤثّر على حياده. هنا، يكون كلّمحكَّمٍ قد ساهم، إلى جانب زميله، في وقوع الضّرر نفسه على الخصوم، كالضّرر اللّاحق بسمعتهم لدى مخالفة إلتزام السّرّيّة أو تحميلهم التّكاليف من دون طائلٍ لدى إبطال القرار التّحكيميّ بسبب مخالفة موجب الإفصاح.
أيضًا، قد يحدث ذلك في إطار تأدية المهام القضائيّة، كما هي الحال في انحياز كلّ عضوٍ في الهيئة للطّرف الّذي سمّاه، ساعيًا إلى تحقيق مصلحته على حساب إنجاح المحاكمة التّحكيميّة، منتهكين بذلك موجب الحياد الملقى على عاتقهم فضلًا عن إرتكابهم الغشّ.
في هذه الحالة، على الرغم من وقوع الضّرر عينه على الخصوم بفعل أخطاء أعضاء المحكمة، إلّا أنّه يصعب قيام التّضامن السّلبيّ فيما بينهم، لأنّ كلًّا منهم قد انتهك الموجب منفردًا، تاليًا لا يكون الضّرر قد نشأ عن إشتراكٍ في العمل وإن حصل إشتراكٌ في النّتيجة. لذا، يلتزم كلّ محكَّمٍ بالتّعويض عن الضّرر الّذي تسبّب به من دون إمكانيّة مساءلتهم على سبيل التّكافل والتّضامن.
24. يسري هذا أيضًا على الحالة الّتي يمتنع فيها أحد المحكَّمين عن تنفيذ موجبٍ ناجمٍ عن عقد المحكَّم، بينما يقترف الآخر خطأً أثناء تأدية المهامّ القضائيّة. على سبيل المثال، قد يمتنع المحكَّم الأوّل عن الكشف عمّا يثير الشّكّ حول حياده وإستقلاليّته، فيما يمتنع الثّاني عن توقيع القرار التّحكيميّ سعيًا منه إلى عرقلة مسار القرار لصالح الفريق الّذي سمّاه. هنا أيضًا، على الرّغم من أنّ خطأ كلٍّ منهما قد ساهم في حصول الضّرر نفسه، أي بطلان القرار التّحكيميّ وما يلحقه من تكبُّد نفقاتٍ من دون طائلٍ، إلّا أنّه لا يمكن نشوء تضامنٍ فيما بينهم لتحمّل المسؤوليّة المدنيّة، بسبب عدم حصول إشتراكٍ في العمل.
25. علاوةً على ذلك، قد يصدف أن يُقدِم كلٌّ من الأعضاء على إنتهاك إلتزامٍ مختلفٍ عن الآخر. ففي إطار تنفيذ عقد المحكَّم مثلًا، قد يقوم المحكَّم الأوّل بمخالفة موجب الإفصاح، بينما يمتنع الثّاني عن تشكيل المحكمة التّحكيميّة، في حين يقوم الثّالث بمخالفة موجب السّرّيّة. في هذه الحالة، يصعب أيضًا نشوء تضامنٍ سلبيٍّ بين أعضاء الهيئة في تحمّل المسؤوليّة المدنيّة لعدم حصول إشتراكٍ في العمل، كما لصعوبة إثبات أنّ أفعالهم المذكورة قد تسبّبت بالضّرر ذاته، إذ إنّ إنتهاك السّرّيّة لا يفضي إلى إبطال القرار التّحكيميّ على خلاف الإفصاح، حيث يكون الضّرر النّاجم عن الخطأ الأوّل أدبيًّا، أمّا ذلك النّاجم عن الخطأ الثّاني فمادّيٌّ. هنا أيضًا، يلتزم كلّ محكَّمٍ بالتّعويض تبعًا لنسبة الضّرر الّتي تسبّب بها خطؤه.
26. قد يحصل ذلك أيضًا في معرض تأدية الواجبات المرتبطة بالمهام القضائيّة، كما هي الحال مثلًا حين ينتهك أحد المحكّمين سرّيّة المداولات، بينما يمتنع الآخر عن توقيع القرار التّحكيميّ سعيًا منه إلى عرقلة مسار القرار لصالح الفريق الّذي سمّاه. هنا أيضًا لا يوجد إشتراكٌ في العمل، ولا تسبّبٌ بالضّرر عينه، كون الخطأ الأوّل لا يرتّب بطلان القرار خلافًا للخطأ الثّاني.
27. لكنّ الأمر يكون على خلاف ذلك حين يكون الإلتزام المُنتَهَك من جانب أعضاء الهيئة التّحكيميّة يحمل طابعًا جَماعيًّا (obligation collégiale)، حيث يتعيّن على أعضاء المحكمة تنفيذه معًا.
مثلًا، في إطار تنفيذ عقد المحكَّم، ينبغي على المحكَّمين الاشتراك معًا في إحترام مهلة التّحكيم، بحيث إذا تمّ إبطال القرار التّحكيميّ لصدوره خارج الإطار الزّمنيّ المحدّد، كانت مسؤوليّة أعضاء المحكمة تضامنيّةً من دون أن يسع لأحدهم إلقاء اللّوم على زميله، ذلك أنّ الحفاظ على المهلة وطلب تمديدها هما من واجب كلّ محكَّمٍ، بغضّ النّظر عن سلوك زميله في الهيئة. هذا ما أكّدت عليه محكمة التّمييز الفرنسيّة، وأعادت محكمة إستئناف باريس تأكيده في قضيّة Banque Delubac.
28. يسري الأمر ذاته بالنّسبة إلى موجب السّرعة ((obligation de célérité، ذلك أنّ الحرص على عدم تجاوز الإجراءات التّحكيميّة لمهلةٍ زمنيّةٍ معقولةٍ هو من واجب أعضاء الهيئة التّحكيميّة مجتمعين، حيث يجب أن يَبذل كلٌّ منهم العناية اللّازمة لبلوغ الهدف المنشود.
29. هذه أيضًا هي حال تنظيم إجراءات التّحكيم الّذي على كلّ المحكّمين التّعاون لتحقيقه متى كلّفهم الخصوم بذلك في العقد. فبمجرّد إنتهاك هذه الإلتزامات وإلحاقها ضررًا بالخصوم، تقع مسؤوليّة أعضاء المحكمة التّحكيميّة بالتّكافل والتّضامن "لاشتراكهم في العمل الضّارّ نفسه".
30. يمكننا إيجاد إلتزاماتٍ جماعيّةٍ أيضًا في إطار تأدية المهام القضائيّة. هذه حال كلّ الواجبات المتعلّقة بإحترام المبادئ الجوهريّة للمحاكمة الّتي يستحيل أن ينفّذها أحد المحكّمين من دون الآخر. هكذا، مثلًا، في حال إبطال القرار التّحكيميّ لعدم إحترام مبدأ الوجاهيّة أو مبدأ سيادة الخصوم على الدّعوى، لا يمكن نسبة الخطأ إلى عضوٍ واحدٍ من الهيئة، لأنّ القرار يصدر عن المحكمة مجتمعةً، ويفترض أنّ الجميع قد علموا بالمخالفة وقبلوا بحصولها. لذا، تكون مسؤوليّة المحكَّمين في هذه الحالة تضامنيّةً إعمالًا للفقرة الأولى من المادّة 137 م.ع. مع الإشارة إلى أنّه ينبغي، في هذا المجال، إثبات خطأٍ بالغ الخطورة إلى جانب مخالفتهم للإلتزام المرتبط بالمهام القضائيّة.
31. على ضوء ما قيل، يمكن إستنتاج أنّ الاشتراك في العمل المُفضي إلى نشوء التّضامن السّلبيّ بين المحكّمين في تَحمّل المسؤوليّة المدنيّة يُمكن أن ينشأ فقط لدى مخالفتهم إلتزامًا جماعيًّا يقع على عاتقهم معًا. تاليًا، يُستَبعَد تحقيق هذا التّضامن لدى نكولهم تنفيذ موجباتٍ تَحمِل طابعًا فرديًّا، أي الّتي يتعيّن على كلّ محكَّمٍ التّقيّد بها بمفرده، ولا يتشارك معه محكّمٌ آخر في تأديتها، وإن أَفضَت مخالفتهم إيّاها معًا إلى وقوع الضّرر عينه.
32. هذا ما أكدّ عليه السّيّد Borghetti الّذي اعتمد "نوع الإلتزام المُنتَهَك" أو "نوع الخطأ الحاصل"معيارًا لتحديد ما إذا كان التّضامن في تحمّل المسؤوليّة قائمًا بين المحكَّمين. فالإعلام، مثلًا، هو إلتزام لا يتعاون المحكَّمون في تنفيذه لأنّه يختصّ بكلّ عضوٍ في الهيئة على حدةٍ، إذ على كلٍّ منهم الكشف عن الأمور المؤثّرة على حياده وإستقلاليّته من دون أن يكون لزميله أيّ دورٍ أو تأثيرٍ في تأديته هذا الموجب.
33. كذلك الأمر بالنّسبة إلى التّقيّد بالحياد والإستقلاليّة في معرض تأدية المهام القضائيّة. ففي حال وقوع غشٍّ ناجمٍ عن تحيّزٍ في التّحكيم، يمكن أن يُنسَب ذلك إلى أحد المحكّمين دون سواه، على خلاف الخطأ الجسيم والإستنكاف عن إحقاق الحقّ، إذ إنّ القرار التّحكيميّ يصدر بإجماع الآراء أو بأكثريّتها، الأمر الّذي يؤكّد على إطّلاع جميع المحكّمين على مضمون القرار، تاليًا على علمهم بوقوع الخطأ وقبولهم به. إذًا، لا يمكن، من حيث المبدأ، أن يتنصّل المحكَّم، في مثل هذه الحالة، من المسؤوليّة ما لم يدوّن إعتراضه مثلًا أو يمتنع عن توقيع القرار.
34. يثير هذا الإستنتاج تساؤلًا جوهريًّا حول الحالة الّتي يحصل فيها إنتهاكٌ لإلتزامٍ فرديٍّ من جانب أحد المحكّمين، إنّما بعلم زميله في الهيئة. فماذا لو اكتشف أحد المحكَّمين أنّ زميله يُسَرّب معلوماتٍ سريّةً لأحد الخصوم في النّزاع؟ أو ماذا لو عَلِم بأنّ أحد زملائه في الهيئة قد امتنع عن كشف أمورٍ مؤثّرةٍ على حياده وإستقلاليّته للخصوم؟ هل يرتّب عليه إطلاعه على الخطأ سلوكًا معيّنًا لدرئه تحت طائلة اعتباره مسؤولًا مع المحكَّم المخطئ على سبيل التّضامن؟
35. في الواقع، تَطرَّق بعض الفقه إلى هذه المسألة معتبرًا أن إلتزامًا ينشأ على عاتق المحكَّم بمجرّد وجوده في هيئةٍ تحكيميّةٍ، هو موجب التّيقّظ (obligation de vigilance)، حيث ينبغي عليه الحرص على حسن سير المحاكمة التّحكيميّة، وإذا اكتشف سلوكًا سيّئًا من جانب زميله، من واجبه عندئذٍ بذل كلّ ما في وسعه لتفادي وقوعه. الهدف من ذلك ألّا يبقى مكتوف اليدَين إزاء الخطأ الحاصل، لأنّ موقفه السّلبيّ سَيُسَهّل وقوع الضّرر. ينبغي أن يُرافق هذا الموجبُ المحكَّمَ سواء لدى تنفيذ إلتزاماته التّعاقديّة أو تأدية مهامه القضائيّة.
36. هكذا، مثلًا، في الحالة الّتي يكتشف فيها المحكَّم أنّ زميله يتواصل منفردًا مع أحد الخصوم في النّزاع، ويُسَرّب له معلوماتٍ ينبغي أن تبقى سرّيّةً. يجوز له، وفقًا لتوجيهات قواعد سلوكيّات المحكّمين، إبلاغ المحكَّم الثّالث، ويتعيّن عليهما معًا تحديد الإجراء الواجب إتّخاذه، الّذي يتمثّل عادةً بطلبهما من المحكَّم المخالف أن يتوقّف عن عمله الشّائن، حتّى إذا رفض، جاز لهما إعلام الخصم الآخر في النّزاع بالأمر. كما يمكن للمحكَّم الّذي اكتشف هذا الخطأ أن يقوم بمفرده بإبلاغ الخصم الآخر فورًا بما حصل، كي يتسنّى له إتّخاذ الإجراء المناسب بحقّ المحكَّم وطلب ردّه.
37. يتشابه هذا مع وجهة نظر غالبيّة الفقهاء الّذين اقترحوا أن يقوم المحكَّم بإبلاغ رئيس المحكمة والطّلب إليه العمل على إيقاف السّلوك الشّائن، فضلًا عن إعلام الخصم الآخر بمضمون المعلومات السّرّيّة المُسرّبة، ليُعامَل على قدم المساواة مع خصمه. فإذا رفض الرّئيس التّدخّل، أو كان هو المخطئ، تعيّن على المحكَّم المعنيّ القيام بهذه المبادرة شخصيًّا. كما قد يُعلِم المحكَّم مؤسّسة التّحكيم بذلك في حال كان التّحكيم مؤسّسيًّا.
38. كذلك الأمر في حال يَثبُت للمحكَّم أنّ زميله لم يَكشِف للخصوم عن معلومةٍ مؤثّرةٍ على حياده وإستقلاليّته، فقد اقترح أحد الفقهاء أن يقوم بإعلام رئيس الهيئة بالأمر إذا أمكن.
39. أيضًا، يتعيّن على المحكَّم، الّذي يكتشف حصول غشٍّ من جانب زميله، أن يبذل كلّ ما في وسعه لتفادي وقوعه، أو على الأقلّ أن يسعى لوضع حدٍّ له. هكذا مثلًا، على الرّغم من أنّ أحد المحكَّمين قد انحاز في قضيّة CDR/Tapie للفريق الّذي سمّاه، وعَمِلَ على توجيه مسار الإجراءات والقرار التّحكيميّ لصالحه، إلّا أنّ عِلمَ بقيّة أعضاء الهيئة بالغشّ وسكوتهم عنه وعدم إتّخاذهم أيّ موقفٍ تجاهه، لم يجعلهم بمنأًى عن اللّوم، بل إعتبرتهم محكمة إسئتناف باريس شركاء مع المحكَّم المخطئ في وقوع الضّرر، فأدّى ذلك إلى ترتُّب مسؤوليّتهم المدنيّة معًا.
40. إلى ذلك، يُعَدّ تعذّر تعيين نسبة مساهمة كلٍّ من المتسبّبين في إحداث الضّرر إحدى الفرضيّات الّتي تفتح المجال لقيام التّضامن السّلبيّ، ذلك متى ثبت أنّ الضّرر قد نشأ عن أفعالٍ صادرةٍ عن عدّة أشخاصٍ، من دون إمكانيّة تحديد مقدار ما أحدثه كلٌّ منهم فيه، وفقًا لما نصّت عليه الفقرة الثّانية من المادّة 137 م.ع. تجد هذه الفرضيّة مجالًا لتطبيقها في التّحكيم، عندما يتعذّر على الخصم المتضرّر تحديد نسبة مساهمة كلٍّ من أعضاء الهيئة التّحكيميّة في إحداث الضّرر.
41. لعلّ بعض الحالات الّتي ذكرناها آنفًا قد تفضي إلى تحقّق هذا الشّرط متى وقعت عدّة أخطاء من جانب المحكَّمين وتعذّر تحديد نسبة مساهمة كلٍّ منهم فيها.
42. أيضًا، في السّياق ذاته، قد يحدث أن يتمكَّن الخصم المتضرّر من إثبات أنّ ضررًا لحق به بسبب خطأٍ صادرٍ عن الهيئة التّحكيميّة، من دون أن يتمكّن من تحديد هويّة العضو المتسبِّب، أي يتعذّر عليه أن ينسب الضّرر الحاصل إلى مرتكبه الفعليّ. في الواقع، قد يحصل ذلك في معرض تنفيذ الإلتزامات التّعاقديّة أو تأدية المهام القضائيّة للمحكَّمين. هكذا، في الحالة الأولى مثلًا، قد يُفاجَأ الخصوم، وهم من التّجّار، بعلم منافسيهم بدخولهم في نزاعٍ تحكيميٍّ من دون أن يستطيعوا تحديد هويّة المحكَّم الّذي أفشى بالأمر. أيضًا، في الحالة الثانية مثلًا، قد يفاجأ أحد المحتكمين بأنّ خصمه قد اطّلع على مضمون المداولة من دون أن يتمكّن من معرفة أيٍّ من المحكّمين قد انحاز لصالح هذا الطّرف وسرّب له المعلومات.
43. تطبيقًا للمبدأ أعلاه، تفضي هذه الحالة إلى ترتيب مسؤوليّة جميع أعضاء المحكمة التّحكيميّة على سبيل التّكافل والتّضامن.
خاتمة
44. ممّا تقدَّم، يتبيّن أنّ تعدّد المحكّمين لا يؤدّي بذاته إلى قيام مسؤوليّةٍ تضامنيّةٍ بينهم، إذ إنّ طبيعة العلاقة الّتي تربط كلّ محكَّمٍ بالخصوم تفرض، من حيث المبدأ، مساءلته بصورةٍ فرديّةٍ. غير أنّ هذا الأصل لا يحول دون إمكانيّة ترتيب مسؤوليّةٍ تضامنيّةٍ في الحالات الّتي يُخلّ فيها المحكّمون بإلتزاماتٍ جماعيّةٍ، أو متى ثبت إشتراك المحكّمين في نشاطٍ ضارٍّ واحدٍ يُنتج أثرًا غير قابلٍ للتّجزئة. عليه، يغدو معيار طبيعة الإلتزام هو الضّابط الحاسم لتحديد نطاق المسؤوليّة، على نحوٍ يوازن بين حماية الخصوم والحفاظ على الطّابع الشّخصيّ لاستقلال المحكَّم.

