اقتراح القانون الرامي الى الغاء عقوبة الاعدام واستبدالها بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة وأثره السلبي على مبدأ هرمية العقوبات في القانون اللبناني
بقلم عبده جميل غصوب *
يشكّل مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة أحد الركائز الاساسية في القانون الجزائي الحديث، وهو يتجسد عملياً من خلال ما يعرف بهرمية العقوبات ، حيث تتدرج الجزاءات تبعاً لخطورة الاعمال المرتكبة . وفي هذا الاطار، يثير اقتراح الغاء عقوبة الاعدام في لبنان واستبدالها بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة اشكالية قانونية دقيقة تتعلق بمدى تأثير هذا التعديل على التوازن الداخلي لسلّم العقوبات.
اولا: في مفهوم هرمية العقوبات ووظيفتها
يقوم النظام العقابي على تدرج منطقي يربط بين جسامة الجريمة وشدة العقوبة، بحيث تتوزع الجرائم ضمن مراتب ( جنايات، جنح ، مخالفات ) ، تقابلها عقوبات متفاوتة . وتكمن وظيفة هذا التدرج في تحقيق العدالة عبر التناسب وضمان فعالية الردع ومنع التعسف في استعمال السلطة العقابية وتمكن القاضي من تفريد العقوبة ضمن اطار منضبط.
ثانيا: أثر الغاء عقوبة الاعدام على قمة الهرم العقابي
قبل الالغاء، كانت عقوبة الاعدام تمثّل قمة الهرم، وتُخصص لاشد الجرائم خطورة؛ تليها مباشرة عقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة، المقررة لجرائم جسيمة ولكن دون مستوى الخطورة القصوى.
اما بعد استبدال الاعدام بالاشغال الشاقة المؤيدة ، فان النتيجة المباشرة هي: زوال التمايز بين درجتين من الخطورة ؛ اندماج فئتين من الجرائم ( الاشد والاقل شدة ) ضمن عقوبة واحدة.
ثالثا: في الاخلال بمبدأ التناسب
ان توحيد العقوبة لجرائم متفاوتة الخطورة يؤدي الى خلل واضح في مبدأ التناسب، وذلك للاسباب التالية:
1 ـ تسوية غير مبررة بين الجرائم
تصبح الجرائم التي كانت تعاقب بالاعدام متساوية، من حيث الجزاء، لجرائم كانت تعاقب اصلا بالاشغال الشاقة المؤبدة ، رغم اختلاف خطورتها.
2 ـ افراغ التدرج العقابي من مضمونه
يفقد السلم العقابي احدى حلقاته الاساسية، ما يؤدي الى اختلال بنيته الداخلية.
3 ـ تقييد فعالية الردع
عندما تتساوى العقوبة، يضعف الاثر الردعي الخاص بالجرائم الاشد.
رابعا: حدود المعالجة القضائية بهذا الاخلال
قد يُقال إن القاضي يستطيع التعويض عن هذا الخلل من خلال: التشدد او التخفيف في العقوبة، الاستفادة من الاسباب المخففة او المشددة؛ الا ان هذه الوسائل تبقى محدودة، لان نطاقها محكوم بحدود النص ؛ وهي حلول فردية لا تعالج الخلل البنيوي في التشريع.
خامسا: في المعالجة التشريعية المقترحة
ان تفادي الاخلال بهرمية العقوبات تقتضي تدخلا تشريعيا شاملا، من خلال:
1 ـ اعادة هيكلية السلم العقابي؛ وذلك عبر استحداث درجات وسطى بين المؤبد والعقوبات الزمنية.
2 ـ تنويع نظام العقوبة المؤبدة من خلال التمييز بين: مؤبد غير قابل للافراج ؛ مؤبد مع فترة امان طويلة ؛ مؤبد قابل لاعادة النظر.
3 ـ اعادة تصنيف الجرائم؛ بحيث يُعاد توزيعها وفق سُلّم جديد يراعي التناسب.
سادسا: في الفقه المقارن
أظهرت التجارب المقارنة، لا سيما في الانظمة المتأثرة بالقانون الفرنسي، ان الغاء عقوبة الاعدام، تترافق مع تطوير آليات بديلة، كفترات الامان périodes de sûreté ، وذلك للحفاظ على التدرج داخل العقوبة الاشد.
ان الغاء عقوبة الاعدام يُعد خياراً تشريعياً ذا ابعاد انسانية وحقوقية، الا ان نجاحه القانوني يظل مرهوناً بمدى انسجامه مع البنية العامة للنظام العقابي. وعليه، فان استبدال هذه العقوبة بالاشغال الشاقة المؤبدة ، دون اعادة نظر شاملة في هرمية العقوبات ، يؤدي الى اخلال بمبدأ التناسب ويُضعف التوازن الداخلي للسلم الجزائي، ما يستوجب تدخلا تشريعيا لاعادة هندسة هذا السلم بما يحقق العدالة والفعالية معاً.
فالمشترع اللبناني الذي اختصر الغاء عقوبة الاعدام واستبداله في المادة الاولى من الاقتراح بالاشغال الشاقة المؤبدة دون تعديل سُلّم العقوبات، كما اشرنا اليه اعلاه، يكون ـ مقابل الغاء اعدام البشر ـ قد " اعدم " مبدأً متجذراً في تقاليدنا التشــــــــريعية ، هو مبـــــدأ تناســـــب العقـــــوبات
Principe de proportionnalité des peines ، الذي يشكل الاساس الفلسفي لمبدأ هرمية العقوبات Hiérarchie des peines . آن الاوان ان نتعظ من واقعنا التشريعي السيء، المتمثل بالتسرع في التشريع ، ونعمد الى تشريع اكثر علما ودقة وانسجاما مع منظومتنا التشريعية العريقة، فتعود بيروت أم الشرائع.
في 4/6/2026
عبده جميل غصوب

