• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

التحــويــــــــل المصــرفـــــــي فـــــــي القانـــــون اللبنانــــي: الـتـــــــزام تعــاقــــــدي أم خــدمـــــــــــة تقــديــــريَّـــــــــــــة؟ تعلـيـــق نقــدي عــلـــى الـقــــرار الصـــادر عـــــن محكـمــــــة الاستـئـنــــاف فـــي بـيــــروت، الغـرفــــة الرابـعــــــة، قــــــرار رقم 626/2026، أساس رقـم 30/2023 تاريخ 4/6/2026

الدكـتــــور فـــادي نمُّــــور

 

أستــاذ فــي القـانـــــون

محـــــامٍ

  1. لا تزال المصارف العاملة في لبنان، منذ اندلاع الأزمة النقديّة والمصرفيّة في خريف عام 2019، تتحصّن خلف فكرة "الاستنسابيّة" لتبرير امتناعها عن تنفيذ أوامر التحويل الصادرة عن عملائها نحو حسابات خارج الأراضي اللبنانيّة ([1]). وقد جاء القرار رقم 626 تاريخ 4/6/2026 الصادر عن الغرفة الرابعة لدى محكمة استئناف بيروت ليكرّس هذا التوجّه، مستندًا في تعليله إلى المادة 764 من قانون الموجبات والعقود المتعلّقة بمكان ردّ قرض الاستهلاك، وإلى المادة 176 من القانون ذاته المتعلّقة بتراضي الأطراف على إنشاء العقد. غير أنّ هذا التعليل - على الرغم مما قد يبدو عليه من انسجام ظاهري - ينطوي على خلل منهجي جوهري يتمثّل في اختيار القاعدة القانونيّة غير الملائمة، وفي الخلط بين مصادر متعددة ومتمايزة من مصادر الالتزام. ويقترح هذا المقال بيان الخطأين اللذين وقعت فيهما المحكمة، وهما: الخطأ في تحديد القانون الواجب التطبيق (أوَّلًا)، والخطأ في التكييف القانون للتحويل المصرفي (ثانيًا).

 

أوَّلًا- الخطأ في تحديد القانون الواجب التطبيق:

 

  1. أخضعت المحكمة التحويل المصرفي إلى أحكام قانون الموجبات والعقود نتيجة توصيفه بأنَّه ردًّا لقرض استهلاك. في حين، أنَّ التحويل يخضع لنظام قانوني خاص يستبعد تطبيق القواعد العامَّة المتعلِّقة بردّ القرض والوديعة (1)، وإنَّه، في مطلق الأحوال، لا يُشكِّل ردًّا لقرض استهلاك أو وديعة (2).

 

(1) التحويل المصرفي يخضع لنظام قانوني خاص يستبعد تطبيق القواعد العامَّة المتعلّقة برد القرض أو الوديعة:

 

  1. لم يتناول قانون التجارة ولا قانون الموجبات والعقود موضوع التحويل. لا خلاف في أن المادة 314 من قانون التجارة، الواردة ضمن الباب الخامس المتعلق بعمليات المصارف، قد أخضعت العمليات المصرفية غير المنصوص عليها فيه لأحكام قانون الموجبات والعقود إلَّا أنَّ هذه الأحكام تسقط عند توافر النص الخاص. هذا، ومن المبادئ القانونية والفقهية والقضائية المستقرة أن النص الخاص يقيد تطبيق النص العام. فالمادة الثانية من قانون التجارة تقضي بتطبيق أحكام القانون العام عند غياب النص الخاص، وبالقدر الذي ينسجم مع المبادئ الخاصة بالقانون التجاري. كما تؤكّد المادة السادسة على اعتماد القواعد العامّة في قانون أصول المحاكمات المدنية عند وجود نقص في التشريعات الإجرائية الخاصة. ويجد هذا المبدأ سنده أيضًا في المادة 181 من قانون العقوبات، التي تقضي بأنه إذا انطبق على الفعل نص عام وآخر خاص، وجب تطبيق النص الخاص ([2]).

 

  1. ويثور الاستغراب الشديد عندما نرى محكمة استئناف يستمرّ قضاؤها حتى عام 2026 في إخضاع خطوط التحويلات المصرفيَّة العابرة للحدود للنصوص المدنيّة التقليديّة الموضوعة منذ عقود طويلة، مُغفلة بالكامل صدور القانون رقم 81 تاريخ 10/10/2018 المتعلق بــ "المعاملات الإلكترونيّة والبيانات ذات الطابع الشخصي". أفرد هذا التشريع الخاص فصلًا مستقلًّا بذاته للخدمات المصرفيّة والماليّة الرقميّة، ونظّم من خلاله آليّات الدفع الإلكتروني والتحويل الإلكتروني للأموال النقديّة، ما يجعله دون أدنى شك المرجع التشريعي العام المنظّم لعمليات التحويل الإلكتروني، والأخص للنزاع الراهن.

 

هذا، وقد قضت محكمة التمييز الفرنسيَّة، تطبيقًا لأحكام محكمة العدل لدى الاتحاد الأوروبي، بمقتضى قرارين تاريخ 15/1/2025، بأنَّه عند توافر نظام مُعيّن، يُعَدّ نظامًا حصريًّا، يستبعد تطبيق الأحكام العامَّة، وبالتحديد أحكام قواعد المسؤوليَّة العامَّة وتاليًا، استبعدت المحكمة تطبيق واجب العناية واليقظة المستمدّ من القواعد العامَّة والذي كان من الممكن أن يُرتِّب على المصرف مسؤوليَّة وتبعًا، إلزامه بردّ جزء من المبلغ.

 

« 6. Dans son arrêt du 16 mars 2023, Beobank (C-351/21), la Cour de justice a interprété en ces termes les articles 58, 59 et 60 de la directive 2007/64/CE:


« 37 [...] le régime de responsabilité des prestataires de services de paiement prévu à l'article 60, paragraphe 1, de la directive 2007/64 ainsi qu’aux articles 58 et 59 de cette directive a fait l’objet d’une harmonisation totale. Cela a pour conséquence que sont incompatibles avec ladite directive tant un régime de responsabilité parallèle au titre d'un même fait générateur qu’un régime de responsabilité concurrent qui permettrait à l’utilisateur de services de paiement d’engager cette responsabilité sur le fondement d'autres faits générateurs (voir, en ce sens, arrêt du 2 septembre 2021, C-337/20, CRCAM, [...] points 42 et 46).


38. En effet, le régime harmonisé de responsabilité pour les opérations non autorisées ou mal exécutées établi dans la directive 2007/64 ne saurait être concurrencé par un régime alternatif de responsabilité prévu dans le droit national reposant sur les mêmes faits et le même fondement qu'à condition de ne pas porter préjudice au régime ainsi harmonisé et de ne pas porter atteinte aux objectifs et à l’effet utile de cette directive (arrêt du 2 septembre 2021, C-337/20, CRCAM, [...] point 45) ».


7. Il s’ensuit que, dès lors que la responsabilité d’un prestataire de services de paiement est recherchée en raison d’une opération non autorisée ou mal exécutée, seul est applicable le régime de responsabilité défini aux articles L. 133-18 à L. 133-24 du code monétaire et financier, qui transposent les articles 58, 59 et 60, paragraphe 1, de la directive 2007/64/CE, à l’exclusion de tout régime alternatif de responsabilité résultant du droit national.


8. Pour condamner la banque à rembourser aux sociétés Artemis 50 % des pertes subies à la suite de l’exécution des ordres de paiement non autorisés, l’arrêt retient que si les sociétés payeuses ont commis une négligence grave, la banque a commis une faute en ne prenant pas en compte la situation manifestement anormale résultant des alertes diffusées par le Centre d’alerte et de réaction aux attaques informatiques le 10 juin 2015 sur une campagne massive de spam et de la centaine de tentatives infructueuses de connexion au système Transbred à partir des postes informatiques des sociétés Artemis caractérisant un manquement à son obligation de vigilance et de surveillance de ses systèmes » ([3]).

 

  1. إنَّ القانون 81/2018 وُضِعَ كإطار قانوني للمعاملات الإلكترونيَّة والتوقيع الإلكتروني والتجارة الإلكترونيّة وحماية البيانات، ويتضمَّن تنظيمًا للمدفوعات الإلكترونيَّة أو التحويلات الإلكترونيَّة. ما يُرتِّب نتيجة مباشرة: في أنَّه عندما يوجد قانون خاص يُنظّم التحويلات المصرفيَّة، فإنَّ أوَّل ما كان ينبغي على المحكمة القيام به هو بحث ما إذا كانت العمليَّة تدخل ضمن أحكام هذا القانون. أما أن تبدأ مباشرةً بالمادة 764 من قانون الموجبات والعقود، فهذا يعني أنَّها انتقلت إلى القواعد العامَّة قبل التحقُّق من انطباق القانون الخاص. وهذا، من الناحية المنهجيَّة، خطأ في اختيار القاعدة القانونيَّة الواجبة التطبيق، فالقواعد العامَّة لا تُطبَّق إلَّا بعد استبعاد النص الخاص، لا قبله ([4]).

 

  1. إنَّ المادة 764 من قانون الموجبات والعقود تُعالج مسألة بسيطة هي: أين يتمّ ردّ القرض؟ أما القانون 81/2018 عالج نظامًا مختلفًا تمامًا، هو نظام أوامر الدفع والتحويلات الإلكترونيَّة ضمن النشاط المصرفي. لذلك، حتى لو انتهينا إلى أنَّ المصرف غير مُلزم بإجراء التحويل في واقعة مُعيّنة، فإنَّ هذا الاستنتاج يجب أن يستند إلى أحكام القانون الخاص أوَّلًا، لا إلى المادة 764 أي إنَّ المشكلة في القرار ليست فقط في النتيجة، بل في ترتيب التحليل القانوني. نحن لا نقول أنَّ القانون 81/2018 يفرض على المصرف إجراء التحويل بل إنَّ "وجود قانون خاص ينظّم التحويلات المصرفيَّة كان يفرض على المحكمة أن تبحث أحكامه أوَّلًا، وأن تستخلص منه نطاق التزامات المصرف قبل أن تعود - عند الاقتضاء - إلى المادة 764 من قانون الموجبات والعقود باعتبارها قاعدة عامَّة.

 

  1. إنَّ وجود القانون 81/2018 يعني أنَّ التحويل ليس عمليَّة هامشيَّة أو عرضيَّة أو مجاملة مصرفيَّة، بل هو معاملة إلكترونيّة ذات آثار قانونيَّة، تخضع لشروط وقواعد. لذلك لا يكفي للمصرف أن يقول: "التحويل خدمة اختياريَّة" ([5])، بل يجب أن يُبيّن أساس الرفض ضمن النظام القانوني الخاص: هل الرفض مستند إلى شرط تعاقدي؟ إلى مقتضيات الامتثال؟ إلى نقص في بيانات الآمر؟ إلى استحالة قانونيَّة؟ إلى قيود معروفة قانونيًّا؟ إلى أي سبب مشروع آخر؟

 

النص الخاص ينقل النقاش من "هل يوجد اتفاق مُخالف لأحكام المادة 764؟" إلى "هل صدر أمر تحويل صحيح؟"، وهل كان المصرف ملزمًا بمعالجته وفق الأصول؟ هذا فرق مهمّ جدًّا.

 

إذا صدر أمر تحويل صحيح ضمن نظام مصرفي إلكتروني قائم بين الطرفين، فقد يصبح البحث في رفض المصرف لتنفيذه، لا في مجرّد مكان رد القرض. وهنا يظهر ضعف المقطع: هو يعامل طلب التحويل كأنَّه مطالبة برد القرض في مكان آخر، بينما يجب تكييفه كأمر دفع إلكتروني أو تعليمة مصرفيَّة إلكترونيَّة صادرة ضمن علاقة مصرفيَّة منظّمة. ومن ثمَّ، لا يجوز استعمال المادة 764 لتعطيل قانون أحدث وأخص.

 

  1. القانون 81/2018 صدر سنة 2018، بينما المادة 764 تنتمي إلى القواعد المدنيَّة العامَّة التقليديَّة. هذا لا يعني أنَّ القانون الأحدث يلغي حكمًا المادة 764 ([6])، لكنَّه يعني أنَّ القاضي يجب أن يراعي أن المشرّع استحدث تنظيمًا خاصًّا للمعاملات الإلكترونيَّة بعد تطوّر العمل المصرفي. فإذا استُعملت المادة 764 بطريقة تجعل التحويلات الإلكترونيَّة بلا أثر عملي، يصبح ذلك نوعًا من إفراغ القانون الخاص من مضمونه.

 

  1. إنَّه يجب التمييز بين "عدم الإلزام بفتح الخدمة"، و"الإلزام بتنفيذ أمر داخل خدمة قائمة"، هذه نقطة دقيقة جدًّا. قد يكون المصرف غير ملزم، ابتداءً، بأن يفتح لكل عميل خدمة التحويل الإلكتروني أو التحويل الدولي. لكن إذا كان قد فتح للعميل حسابًا مصرفيًّا، وسمح له باستخدام الخدمات الإلكترونيَّة، وقَبِل سابقًا أو تعاقديًّا تنفيذ أوامر التحويل، فالمسألة تتغيّر. عندئذٍ لا يعود السؤال: هل المصرف ملزم بتقديم خدمة جديدة؟ بل يصبح: هل يحق للمصرف رفض تنفيذ أمر تحويل صادر ضمن خدمة قائمة ومشمولة بالعلاقة المصرفيَّة؟ وهذا ما لا يجيب عنه الاستناد إلى المادة 764. إنَّ القانون 81/2018 قد يُفيد في إثبات أنَّ الإرادة الإلكترونيَّة منتجة للآثار القانونيَّة.

 

  1. من نقاط الضعف في القرار أنَّه يشدّد على ضرورة الرضا وكأن أمر التحويل يحتاج إلى عقد جديد كامل بين الأطراف في كلّ مرّة ([7]). أما قانون 81/2018 فيقوم أساسًا على الاعتراف بالمعاملات والبيانات والتواقيع الإلكترونيَّة كوسائل منتجة لآثار قانونيَّة. وقد نشرت مراجع قانونيَّة عدّة أنَّ هذا القانون أوجد إطارًا عامًّا للاعتراف بالمعاملات الإلكترونيَّة والتوقيع الإلكتروني في لبنان. بالتالي، إذا كان العميل أصدر أمر التحويل إلكترونيًّا عبر الوسائل المعتمدة من المصرف، فلا يجوز تبسيط المسألة بالقول إنَّ "التحويل لا ينعقد إلَّا برضا المصرف"، وكأنَّنا أمام مفاوضات عقد جديد. فقد يكون رضا المصرف سبق أن تحقّق من خلال فتح القناة الإلكترونيَّة وقبول شروط استخدامها.

 

  1. وعلى هذا، تضحى المادة 764 من قانون الموجبات والعقود قاعدة غير كافية وحدها. حتى لو بقيت المادة 764 قابلة للاستدعاء كقاعدة عامَّة، فلا يجوز جعلها القاعدة الحاكمة الوحيدة متى كان النزاع يتّصل بعمليَّة تحويل إلكتروني نظّمها قانون خاص. بعبارة أخرى، لا يصح القول: بما أنَّ المادة 764 توجب رد القرض في مكان عقده، إذًا لا موجب للتحويل إلى الخارج. هذا الاستدلال يتجاهل أنَّ النزاع لا يدور فقط حول مكان رد القرض، بل حول أمر دفع أو تحويل إلكتروني له نظام خاص. وبالتالي، كان يجب على النص أن يبدأ من قانون 81/2018، ثمّ يعود إلى المادة 764 فقط لسدّ فراغ لم يعالجه القانون الخاص.

 

(2) التحويل المصرفي لا يُشكِّل ردًّا لقرض استهلاك أو وديعة:

 

  1. وردت المادة 764 من قانون الموجبات والعقود تحت الباب الثاني من قانون الموجبات والعقود الذي تناول قرض الاستهلاك، وقالت أنَّه يتعيَّن على المقترض أن يرد الشيء المُقرض في المكان الذي عقد فيه القرض إذا لم يكن هناك اتّفاق مُخالف. هذا، وتُعرّف المادة 754 من قانون الموجبات والعقود قرض الاستهلاك بأنَّه عقد بمقتضاه يسلّم أحد الفريقين إلى الفريق الآخر نقودًا أو غيرها من المثليّات بشرط أن يرد إليه المقترض في الأجل المُتّفق عليه مقدارًا يُماثلها نوعًا وصفةً. ويستفاد من هذين النصين أن قرض الاستهلاك يقوم على تسليم المقرض مالًا أو شيئًا يستهلك بالاستعمال، ويلتزم المقترض عند انتهاء الأجل بردّ مثله من حيث النوع والمقدار. ومن ثم فإن محل الدعوى في هذا النوع من العقود هو الالتزام بردّ الشيء المقترض، أي ردّ المال أو الشيء المثلي. أما المطالبة بإجراء تحويل مصرفي فلا تنصب على ردّ المال، وإنما على إلزام المصرف بالقيام بعملية قيد مصرفي، بحيث يُسجَّل المبلغ في الجانب المدين من حساب الآمر، ثم يُقيَّد في الجانب الدائن من حساب المستفيد. فالتحويل ليس سوى وسيلة لنقل مبلغ من حساب إلى آخر. وعليه، فإن موضوع الدعوى في حالة التحويل يتمثل في تنفيذ التزام بعمل obligation de faire، وليس في تنفيذ التزام بإعطاء أو بردّ الشيء المقترض.obligation de donner

 

  1. والواقع أن التحويل المصرفي عملية مصرفية مركبة، تقتضي القيام بعدة أعمال محاسبية وفنية، تتمثل في تسجيل المبلغ في الجانب المدين من حساب الآمر، ثم تسجيله في الجانب الدائن من حساب المستفيد. لطفًا، يُراجع:

 

  • M. CABRILLAC, Le virement, Jurisclasseur, Banque-Crédit, Bourse, Fasc. 390, 1990, n° 1:

           

1. - Le virement est l’opération par laquelle un transfert de fonds ou de valeurs est effectué sans déplacement matériel par la seule inscription d’une écriture au débit d’un compte et de l’écriture corrélative au crédit d’un autre compte.

2. - Les comptes peuvent être tenus par le même établissement ou par des établissements différents, double éventualité qui retentit sur l’exécution du virement et lui confère un degré de complexité variable ».

وأيضًا:

 

  • R. BONHOMME, Instruments de crédit et de paiement, 10e éd., LGDJ, Lextenso 2013, p. 330, n° 394:

 

394. Le virement peut être décrit comme un jeu d’écritures de compte à compte, débitant celui du donneur d’ordre, payeur, afin de créditer celui du bénéficiaire, récepteur, ce qui suppose nécessairement l’existence de deux comptes. Ce sont les banques qui ont imaginé ce moyen de paiement relevant du monopole bancaire et accessible aujourd’hui aux établissements de paiement.

 

وأيضًا:

 

  • J.-F. RIFFARD, Le virement, Jurisclasseur, Banque - Crédit, Bourse, Fasc. 390, 2000, n° 15-16-17:

 

b) Analyse actuelle majoritaire

 

15. - Distinction ordre du virement et opération de virement - Le débat sur la nature juridique du virement est en réalité obscurci par le fait qu’un virement se décompose en pratique en deux phases qu’il convient de distinguer (R. Bonhomme vº Virement, préc. n° 1, n° 31. - Rives-Lange et Contamine-Raynaud, Droit bancaire: 6e éd., 1995, Dalloz, n° 287 et 295). La première phase est constituée par l’ordre de virement qui ne serait que la préparation de l’opération de virement, lequel ordre s’analyse habituellement en un mandat donné par le client à son banquier de virer les fonds (D. Martin, Aspects juridiques du virement: RD bancaire et fin. 1989, p. 150). Cet ordre de virement déclencherait alors la seconde phase qui serait l’opération de virement proprement dite et dont la qualification serait plus problématique.

 

16. - Le virement est un transfert de monnaie scripturale - Face à l’impossibilité de trouver dans les mécanismes classiques du droit des obligations la justification de l’opération de virement, la doctrine moderne a tenté de trouver cette justification non plus à travers l’analyse du mécanisme mais de son objet: la monnaie. Nombre d’auteurs considèrent aujourd’hui que l’inscription en compte des valeurs, et notamment de monnaie, ne fait pas perdre à ces valeurs leur nature de droit mobilier (Ch. Lassalas, L’inscription en compte des valeurs: la notion de propriété scripturale, PU de Clermont-Ferrand: LGDJ, préf. J. Stoufflet). Si l’on admet que la créance du solde disponible d’un compte s’est incorporée dans l’écriture en compte qui ne serait alors que la manifestation des unités monétaire, le virement apparaît comme un mode de transfert naturel des valeurs scripturales en général, et de la monnaie scripturale en particulier, lequel transfert se réaliserait simplement par un jeu d’écritures.

 

وأيضًا:‏

 

  • J.-L. CAPDEVILLE, M. STORCK, M. MIGNOT, J.-Ph. KOVAR et N. ÉRÉSÉO, Droit bancaire, 4e éd., Lefèbvre Dalloz, 2024, p. 731, n° 1443:

 

1443 Nature juridique. Quelle est la nature juridique du virement? Est-il possible de le rattacher à un mécanisme de droit commun? Ces questions ont longtemps suscité des incertitudes. Est-ce une cession de créance ou une application du mécanisme de délégation? Ces propositions n’étaient pas à l’abri de la critique car non pleinement satisfaisantes. La plupart des auteurs préfère alors y voir, aujourd’hui, une transmission de monnaie scripturale. Cette solution est d’ailleurs confirmée par quelques décisions de justice.

 

 

وأيضًا:‏

 

  • Ph. MALINVAUD, M. MEKKI, J.-B. SEUBE, Droit des obligations, LexisNexis ‎‎2023, p. 869, n° 940:

 

« Mais, dans le monde actuel et surtout en matière de commerce, les dettes sont souvent acquittées en monnaie scripturale: chèques, traites, billets à ordre, virements, etc. le règlement en monnaie scripturale a même été rendu obligatoire en certaines matières ou au-delà d’un certain montant (C. monét. fin., art. L. 112-6).

 

وأيضًا:

 

  • F. TERRÉ, Ph. SIMLER, Y. LEQUETTE, F. CHÉNEDÉ, Droit civil, Les obligations, 13e éd. Dalloz 2022, p. 1621, n° 1468:

 

1468 2°) Paiement par chèque, virement ou prélèvement. L’émission d’un chèque ou la souscription d’un ordre de virement ou d’une autorisation de prélèvement sont des moyens indirects de paiement, qui évitent au créancier comme au débiteur les risques de la manipulation et du transport d’espèces. Ils consistent dans un ordre donné à l’établissement financier sur les livres duquel est ouvert un compte au nom du débiteur, de payer au créancier (chèque) ou de porter au compte de celui-ci (virement) la somme mentionnée, par prélèvement sur son propre compte. Lorsque le chèque est barré, ce qui est aujourd’hui la règle, le bénéficiaire ne peut lui-même en obtenir directement paiement et doit le faire encaisser sur son propre compte, avant de pouvoir retirer les espèces correspondantes. Cette monnaie est dite scripturale, puisqu’elle se concrétise seulement par un jeu d’écritures de compte à compte. Ce mode opératoire permet de comprendre pourquoi la remise du chèque ou l’émission de l’ordre de virement ne constitue pas, à proprement parler, le paiement, qui n’est réalisé que lors de l’encaissement effectif du montant du chèque au lors de l’inscription du montant du virement ou prélèvement sur le compte du créancier (Pour le virement, Soc., 9 avr. 1992, Bull. civ. V, n° 272 ; Civ. 1re, 23 juin 1993, Bull. civ. I, n° 229, D. 1994. 27, note D.-R. Martin, Defrénois 1994, art. 35746 344, obs. Ph. Delebecque ; Com. 18 sept. 2007, Bull. civ. IV, n° 194, D. 2007. Act. 2464, obs. V. Avena-Robardet, JCP E 2007, 2499, note N. Mathey, RTD com. 2007. 812, obs. D. Legeais, et 2008. 180, obs. A. Martin-Serf.

 

وأيضًا:

 

  • J.-L. CAPDEVILLE, M. STORCK, M. MIGNOT, J.-Ph. KOVAR et N. ERÉSÉO, Droit bancaire, 4e éd. Lefebvre Dalloz 2024, p. 731, n° 1444:

 

1444 Réalisation du paiement. La date du virement était jadis celle du jour de l’inscription du crédit au compte du bénéficiaire (Civ. 16 juin 1931, D. 1931. 410 ; Civ. 1re, 23 juin 1993, n° 91-14.472 : D. 1994. 27, note D.-R. Martin ; Defrénois 1994.344, obs. Ph. Delebecque). La jurisprudence a cependant évolué sur ce point. Il fut ainsi posé comme règle que la réalisation du paiement résultait de l’inscription, non plus au crédit du compte du bénéficiaire, mais au crédit du compte du banquier de celui-ci (Com. 8 juill. 2003, n° 99-10.590, Bull. civ. IV, n° 117 ; RDBF 2004, comm. 60, obs. F.-J. Crédot et Y. Gérard). La créance entrait ainsi immédiatement en compte, même si l’inscription de son montant au compte du bénéficiaire par son banquier, qui n’est qu’une régularisation comptable, avait été effectivement réalisée à une date postérieure (Com. 3 févr. 2009, n° 06-21.184, Bull. civ. IV, n° 16 ; D. 2009.493, obs. V. Avena-Robardet ; JCP E 2009. 1227, note J. Stoufflet ; RTD com. 2009.417, obs. D. Legeais).

 

  1. ويؤكّد هذا الاتجاه القانون رقم 81 تاريخ 10/10/2018، إذ عرّفت المادة 41 منه ([8]) التحويل الإلكتروني بأنه كل أمر ينشئه العميل، كليًا أو جزئيًا، ويفوض بموجبه المصرف بإجراء عملية دفع إلكتروني paiement électronique أو تحويل إلكترونيvirement électronique  للأموال، أو بإجراء قيد دائن أو مدين على حسابه أو على حساب آخر passation en compte. ومؤدّى هذا النص أن العميل، عندما يطلب من المصرف تحويل مبلغ من المال، لا يطالبه بردّ مبلغ معيّن، وإنما يطلب منه تنفيذ خدمة مصرفية تتمثل بإجراء عملية قيد. وفي هذا الخصوص، إنَّ المادة 46 من قانون الموجبات والعقود بينت أن الالتزام بإعطاء obligation de donner يكون محله دفع مبلغ من النقود أو إنشاء حق عيني، في حين أن التحويل المصرفي بطبيعته عملية حسابية ومصرفية تستوجب تدخل مصرف أو أكثر لإجراء القيود اللازمة على الحسابات المعنية. وتاليًا، فإن تنفيذ التحويل يدخل في نطاق الالتزام بعمل obligation de faire، لأن المصرف يلتزم باتخاذ إجراءات تقنية ومحاسبية محددة تنتهي بقيد المبلغ في حساب المستفيد أو في حساب المصرف المراسل لمصلحته.

 

لطفًا، يُراجع:

 

  • Th. BONNEAU, Droit bancaire, 13e éd. LGDJ Lextenso 2019, p. 497, n° 625:

 

Virement. Le virement, également appelé virement SEPA, est l’opération qui consiste à débiter un compte d’une certaine somme pour créditer de celle-ci un autre compte. Ce transfert de fonds intervient à l’initiative du débiteur de qui émane l’ordre de virement: en d’autres termes, il s’agit d’une opération de paiement initiée par le « payeur » auprès de son banquier. Cet ordre, dont la forme importe peu – ce peut être un écrit libre, un imprimé spécial mis à la disposition du client par une banque ou encore une bande magnétique -n’est toutefois exécuté par le banquier du donneur d’ordre que si le compte de ce dernier dispose d’un solde suffisant pour effectuer le paiement.

 

وأيضًا:

 

  • J. LASSERRE-CAPDEVILLE, M. STORCK, M. MIGNOT, J.-P. KOVAR et N. ERÉSÉO, Droit bancaire, Dalloz 3e éd. 2021, p. 697, n° 1418:

 

Définition. Le virement se définit, traditionnellement, comme un transfert de fonds d’un compte bancaire vers un autre. Il se réalise à l’aide d’un jeu d’écriture. En effet, le compte du donneur d’ordre est débité, alors que celui du bénéficiaire est crédité. Il permet donc d’effectuer des paiements ou des libéralités, sans manipulation des espèces.

 

وأيضًا:

 

  • Régine BONHOMME, Virement, Répertoire de droit commercial n° 47:

 

47. Tenant compte de cette mutation, nombre d’auteurs, suivis par la jurisprudence, analysent le virement en un procédé scriptural de transfert de fonds (En ce sens, T. BONNEAU, Droit bancaire, 11e éd., Domat, LGDJ, n° 573. - G. RIPERT et R. ROBLOT, op. cit., t. 2, n° 2309. - J. STOUFFLET, Instruments de paiement et de crédit, 8e éd., LexisNexis, n° 474. - J.-L. RIVES-LANGE et M. CONTAMINE-RAYNAUD, op. cit., n° 287. - M. CABRILLAC, Le chèque et le virement, 5e éd., 1980, Litec, n° 277. - S. PIEDELIÈVRE, Instruments de crédit et de paiement, 10e éd., 2018, Cours Dalloz, n° 410. - J.-L. RIVES-LANGE, La monnaie scripturale [contribution à une étude juridique], Mélanges H. CABRILLAC, 1969, Litec, p. 405 s.- D.-R. MARTIN, Aspects juridiques du virement, RD bancaire et bourse 1989. 149. - J.-L. GARCIA, La nature du virement: la qualification juridique d’un procédé extra légal, LPA 18 avr. 2008. - Rappr. X. THUNIS, Responsabilité du banquier et automatisation des paiements, 1996, PU Namur, qui analyse l’intervention des banquiers comme une prestation de service comparable à celle du transporteur). Cette analyse est d’autant plus conforme à la réalité que se développent, voire se généralisent, les télépaiements qui ne sont rien d’autre, techniquement, que des virements dont les ordres sont donnés par télétransmission, sans support matériel.

 

  1. ويؤيّد هذا الاتجاه أيضًا ما صدر عن مصرف لبنان، إذ نص القرار رقم 13725 تاريخ 18/6/2025، المعدل للقرار الأساسي رقم 13335 تاريخ 8/6/2021، على إلزام المصارف العاملة في لبنان بدفع مبلغ /800/ دولار أميركي شهريًا لصاحب الحساب نقدًا أو عن طريق التحويل إلى الخارج أو بواسطة البطاقات المصرفية. كما نص القرار الوسيط رقم 13726 تاريخ 18/6/2025، المعدل للقرار الأساسي رقم 13611 تاريخ 2/2/2024، على إلزام المصارف بدفع مبلغ /400/ دولار أميركي شهريًا، نقدًا أو عن طريق التحويل إلى الخارج. ويستفاد بوضوح من هذين القرارين أن أعلى سلطة رقابية على المصارف في لبنان أقرت، في قرارين مستقلين، بعدم وجود أي مانع قانوني يحول دون تحويل الأموال إلى الخارج، بل إنها ألزمت المصارف بإجراء هذه التحويلات بناءً على طلب أصحاب الحسابات.

 

  1. وقد أيدت الغرفة الأولى لدى محكمة الاستئناف في بيروت هذا الاتجاه في قرارها رقم 617 تاريخ 3/8/2023 ([9])، عندما اعتبرت أن دعوى إلزام المصرف بإجراء تحويل مصرفي لا تُعد دعوى لإثبات الدين، لأنها لا ترمي إلى إثبات وجود الدين أو تحديد مقداره أو إلزام المدين بدفعه نقدًا، وإنما تهدف إلى إلزام المصرف بتنفيذ عملية التحويل إلى حساب خارج لبنان. وأكد القرار أن دعوى إثبات الدين المقصودة في المادة 870 من قانون أصول المحاكمات المدنية هي الدعوى التي تنتهي إلى تثبيت الدين وتحديد قيمته وإلزام المدين بأدائه بما يصلح سندًا تنفيذيًا لتحويل الحجز الاحتياطي إلى حجز تنفيذي، وهو ما يختلف كليًا عن الدعوى الرامية إلى إلزام المصرف بتنفيذ عملية تحويل مصرفي، إذ إن الأخيرة تنصب على تنفيذ التزام بعمل، ولا تتناول أصل الدين أو استحقاقه.

 

  1. وعليه، فإن التحويل لا يُعد ردًا للشيء المقترض بالمفهوم المقصود في المادة 764 من قانون الموجبات والعقود، ولا سيما عندما يكون الآمر بالتحويل هو ذاته المستفيد، كما في الحالة التي يطلب فيها صاحب حساب لدى مصرف عامل في لبنان تحويل أمواله إلى حساب آخر يعود إليه لدى مصرف خارج الأراضي اللبنانية:

 

  • G. RIPERT et R. ROBLOT, Traité de droit commercial, T. 2, Effets de commerce, Banque et Bourse, Contrats commerciaux, Procédure collectives, par Ph. DELEBECQUE et M. GERMAIN, 16e éd. LGDJ 2000, p. 359, n° 2309:

 

« On aperçoit bien le caractère quand il s’agit d’un virement opéré entre deux comptes ouverts à la même personne dans une même banque, mais ne jouissant pas des mêmes garanties (Comp. Paris, 11 février 1963, JCP, 1964. 2. 13701, note GAVALDA). Il ne peut être question de paiement, ni de délégation. De même, si une personne a un compte dans deux banques différentes et fait transférer une somme déterminée d’un compte à un autre, on ne peut pas parler de paiement ou de délégation. L’opération est une remise de monnaie scripturale réalisée par un mécanisme bancaire. L’élément d’un compte pénètre dans un autre et c’est la tenue des comptes qui règle les droits des intéressés comme s’il y avait un transfert réel de fonds ».

 

  1. وتاليًا، فإن الأحكام المتعلقة بردّ الشيء المقترض في مكان انعقاد عقد القرض، والمنصوص عليها في المادة 764 المشار إليها، لا محل لتطبيقها على عملية التحويل المصرفي، لأن ذلك يتعارض مع الطبيعة القانونية والفنية الخاصة لهذه العملية، ولا ينسجم مع الأحكام التشريعية التي تنظمها:

 

  • F. TERRÉ, Ph. SIMLER, Y. LEQUETTE, F. CHÉNEDÉ, Droit civil, Les obligations, ouvrage précité, p. 1623, n° 1470:

 

 « Au surplus, la portabilité comme la quérabilité n’ont pas grande signification au regard des moyens modernes de paiement évoqués plus haut, tels que le virement, le prélèvement, le paiement par carte ou par internet, puisque l’opération matérielle correspondante ne vaut pas paiement (v. ss. 1468). Celui-ci n’est acquis qu’au moment de l’exécution de l’opération, par inscription de la créance au compte du créancier. Le paiement est alors, de facto, portable. Les chèques comportent habituellement l’indication du lieu du paiement, qui est celui du siège de l’établissement bancaire qui tient le compte du tireur. D’une certaine manière, un tel paiement resterait donc quérable ».

 

  1. إنَّ مساواة طلب التحويل بطلب ردّ الشيء المقترض تعني أن المحكمة قد بنت تكييفها القانوني على أحكام عقد قرض الاستهلاك المبرم بين المصرف والعميل، متجاوزة بذلك الأحكام الخاصة التي تنظم التحويل المصرفي، ومتغافلة عن خصوصية هذه العملية وطبيعتها القانونية، فضلًا عن طبيعة الالتزام الواقع على عاتق المصرف، وطبيعة محل التحويل المتمثل بالنقود المصرفية أو الدفترية monnaie scripturale، الأمر الذي يؤدي إلى تغيير طبيعة العلاقة العقدية بين المصرف والعميل، بحيث يصبح التحويل مجرد وسيلة لرد الدين الناشئ عن قرض الاستهلاك، وهو ما يخالف حقيقة الالتزام المصرفي.

 

  1. المحكمة توسّع نطاق المادة 764 من قانون الموجبات والعقود بصورة غير مبرّرة. المادة 764 استثناء على القواعد العامَّة لأنَّها تحدّد مكان الوفاء. والاستثناء لا يجوز التوسّع فيه. لكن المحكمة حوّلتها إلى قاعدة عامَّة تنظّم: - مكان الوفاء؛ - وسيلة الوفاء؛ - التحويل؛ - العلاقة المصرفيَّة. أي إنَّها أعطتها نطاقًا لم يقصده المشرّع.

 

  1. إنَّ استدلال المحكمة هو سلبي بالكامل. وفي هذا الخصوص، لفتتنا طريقة التعليل. المحكمة تقول: - لا يوجد نص؛ لا يوجد اتفاق؛ لا يوجد التزام. لكنّها لا تقول: - يوجد نص يمنح المصرف سلطة الرفض. وهذا فرق كبير.

 

ثانيًا- الخطأ في التكييف القانوني للتحويل المصرفي:

 

  1. اعتبرت المحكمة أنَّ التحويل عقد جديد مستقلّ يستدعي رضا خاص، بما يمنح المصرف استنسابيّة في  تقرير الموافقة عليه. في حين، أنَّ التحويل المصرفي، لا يُعَدّ عقدًا جديدًا مستقلًّا عن عقد فتح الحساب (1)، وإنَّه يُرتِّب التزامات على المصرف بقيد سلطته التقديريَّة.

 

(1) التحويل المصرفي لا يُعَدّ عقدًا جديدًا مستقلًّا عن عقد فتح الحساب:

 

  1. اعتبر القرار أنَّ عمليَّة التحويل عمليَّة مستقلّة، تدور في إطار عقد واحد، يستوجب توافر رضا أطرافه كافَّة، وبالتحديد موافقة المصرف، عملًا بأحكام المادة 176 موجبات وعقود، ما هو غير متوافر. لا نوافق المحكمة في ما ذهبت إليه للأسباب التالية:

 

  1. السؤال الأصلي هو: هل التحويل في هذه الحالة عقد مستقلّ أصلًا أم مُجرّد تنفيذ لعقد الوديعة أو لعقد قرض الاستهلاك؟ أي إنَّ النص افترض الجواب الذي كان ينبغي إثباته. وهذا ما يسمّيه المنطق مصادرة على المطلوب أو افتراض ما هو مطلوب إثباته petitio principii. علمًا، أنَّه حتى في هذه الحالة، فإنَّ تنفيذ أمر التحويل لا يحتاج إلى عقد ورضا جديدين ذلك أنَّ المصرف هو وكيل العميل ([10])، وتبقى الأموال الحائز عليها جاهزة، وموضوعة تحت تصرُّف العميل / الموكِّل.

 

  1. الاستناد إلى المادة 176 لإثبات أنَّ التحويل يحتاج إلى رضا المصرف ليس مقنعًا. ذلك أنَّ المادة 176 تتعلّق بانعقاد العقد. أما إذا كان المصرف ملتزمًا أصلًا تجاه العميل، فإنَّ تنفيذ الالتزام لا يتطلّب قبولًا جديدًا من المدين في كلّ مرّة. فالمدين لا يستطيع أن يقول: "لا أوافق على تنفيذ الدين"، بل إنَّ رضاه سبق أن تحقّق عند إبرام العقد الأصلي. وعليه، فإنَّ النص يخلط بين: الرضا اللازم لإنشاء الالتزام؛ والرضا اللازم لتنفيذه. وهما مرحلتان مختلفتان في نظريّة العقد.

 

  1. في رأينا، القرار يخلط بين الحق والوسيلة. فالمصرف مدين برد الوديعة، وهذه حقيقة لا يُنازع فيها النص. لكنّه يحوّل النقاش من حق العميل في استيفاء دينه إلى وسيلة التنفيذ، ثمّ يجعل الوسيلة مستقلّة عن الحق. بينما يمكن القول إنَّ الوسيلة ليست منفصلة عن الحق إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة أو المعتادة التي تمكّن الدائن من استيفاء الانتفاع بحقّه. فلو كانت الوديعة مودعة بالدولار، وكان العميل يقيم في الخارج، فقد لا يكون التحويل خدمة إضافيَّة، بل هو الوسيلة الطبيعيّة لتنفيذ الالتزام.

 

  1. ثمّ إنّ القرار لا يميّز بين نشوء الالتزام وكيفيّة تنفيذه. هذه ملاحظة مختلفة عن المادة 176 من قانون الموجبات والعقود. فالمصرف لم يُطلب منه أن ينشئ التزامًا جديدًا، وإنَّما أن ينفّذ التزامًا قائمًا. ومن المبادئ المستقرّة في القانون المدني إنَّ المدين لا يملك اختيار وسيلة التنفيذ متى كانت الوسيلة التي يطلبها الدائن لا تغيّر محل الالتزام ولا تزيد عبئه بصورة غير متفق عليها. كان ينبغي للقرار أن يبحث هذه المسألة، لا أن يعامل كل تحويل على أنّه التزام جديد.

 

  1. تجاهل القرار مبدأ تنفيذ العقد وفق الغاية الاقتصاديّة. المحكمة تنظر إلى العقد نظرة شكليَّة. بينما الفقه الحديث، ولا سيَّما الفرنسي، ينظر إلى الوظيفة الاقتصاديّة للعقد. فما الغاية من إيداع أموال بالدولار في مصرف؟ هل الغاية مجرّد الاحتفاظ بقيود محاسبيَّة؟ أم تمكين العميل من استعمال أمواله؟ إذا كانت الغاية الثانية هي الصحيحة، فإنَّ التحويل هو من الوسائل الطبيعيّة لتحقيق الغاية العقديَّة.

 

  1. الخلط بين سلطة الامتناع وسلطة الاختيار. المحكمة تعتبر أنَّ عدم وجود التزام بالتحويل يعني أنَّ للمصرف حريَّة مطلقة في الرفض لكن هناك فرق كبير بين: أن يكون المصرف غير ملزم بوسيلة معيّنة؛ وأن يكون حرًّا في الامتناع عن التنفيذ مطلقًا. فالسلطة التقديريَّة ليست هي النتيجة الطبيعيّة لعدم وجود نص. بـل تحتـاج إلى أسـاس قانوني مستقـلّ ([11]).

 

  1. تجاهل القرار فكرة الالتزامات التبعيّة. وهذه نقطة نراها مهمَّة جدًّا. عقد الوديعة المصرفيَّة لا ينشئ فقط الالتزام الأساسي برد الأموال، بل ينشئ أيضًا التزامات تبعيَّة. مثل: تنفيذ تعليمات العميل. المحافظة على الحساب. استعمال الوسائل المصرفيَّة المعتادة تنفيذ خدمات الصندوق. فالمحكمة تعامل التحويل وكأنّه خارج العقد تمامًا. بينما هو من الالتزامات التبعيّة الملازمة للعلاقة المصرفيَّة.

 

  1. تجاهل القرار مبدأ عدم تجزئة الالتزام. إذا التزم المصرف برد الوديعة، فلا يجوز تجزئة هذا الالتزام إلى: التزام برد المال؛ وعقد جديد لنقله. إلَّا إذا وجد نص أو اتفاق. أما المحكمة فقد قسّمت الالتزام إلى مرحلتين مستقلّتين دون بيان مصدر هذا التقسيم.

 

  1. وأخيرًا، هناك ملاحظة نراها الأهمّ على الإطلاق. نعتقد أنَّ المقطع بأكمله يقوم على افتراض غير مبرهن، وهو: أنَّ التحويل إلى الخارج هو التزام جديد يُضاف إلى عقد الوديعة. بينما يمكن بناء تحليل قانوني معاكس تمامًا يقوم على فرضيّة مختلفة: التحويل ليس التزامًا جديدًا، بل هو مجرّد كيفيَّة لتنفيذ الالتزام الأصلي بردّ الوديعة. إذا انطلقنا من هذه الفرضيَّة الثانية، فإنَّ معظم البناء الذي أقامته المحكمة ينهار:

 

  • لا يعود للمادة 176 دور، لأنَّنا لسنا أمام عقد جديد.
  • ولا تعود المادة 764 حاسمة، لأنَّها تعالج مكان الوفاء لا وسيلته.
  • ولا يصبح وصف التحويل بأنَّه "خدمة استنسابيَّة" مقبولًا، لأنَّه ليس خدمة مستقلّة بل وسيلة تنفيذ.
  • ولا يعود غياب النص الخاص دليلًا على حريَّة المصرف، لأنَّ البحث ينتقل إلى نطاق الالتزام الأصلي وكيفيَّة تنفيذه.

 

وفي تقديرنا، هذه ليست مجرّد ملاحظة إضافيَّة، بل هي نقطة محوريَّة!!

 

(2) التحويل المصرفي يُرتِّب التزامات على عاتق المصرف ويُقيد سلطته التقديريَّة:

 

  1. من المعروف لغويًّا أنَّ كلمة استنسابيَّة لها وقع سلبي: الاستنساب والاستنسابية هما مصطلحان يعبّران عن اتّخاذ القرارات أو تقييم الأمور بناءً على الرأي الشخصي، أو الأهواء، أو التقدير الذاتي، بعيدًا عن المعايير الموضوعيّة أو القوانين الثابتة. وغالبًا، ما يُستخدم المصطلح في السياسة والحياة العامَّة: بمعناه السلبي للإشارة إلى "المزاجيّة" أو "التحيُّز"، كأن يتمّ توزيع الخدمات والمحاصصات بطريقة زبائنيّة استنسابيّة، حيث تُتّخذ القرارات استنادًا إلى المصالح الشخصيَّة أو المحسوبيَّات بدلًا من الكفاءة والحاجة الفعليَّة ([12]). ومن الناحية القانونيَّة، من المسلّم به أنَّ نظريّة السلطة التقديريَّة قد نشأت وتبلورت أساسًا، في القانون الإداري، وإن كانت قد أصبحت اليوم مفهومًا عامًّا في النظريَّة القانونيَّة يمتدّ إلى فروع أخرى من القانون. لذلك رأينا أنَّه من المهمّ أن ننطلق من القانون الإداري قبل الوصول إلى حالتنا الخاصَّة.

 

  1. من مراجعة مختلف المراجع الفقهيّة، يتبيَّن أنَّ السلطة التقديريَّة pouvoir discrétionnaire هي الصلاحيَّة التي يمنحها القانون للإدارة، والتي تخوّلها حريَّة الاختيار بين عدّة قرارات جميعها مشروعة قانونًا، وذلك بما يحقّق المصلحة العامَّة، وبالتحديد تتمتّع الإدارة بحريّة اختيار القرار الأنسب؛ تُمارس هذه السلطة في إطار القانون، ولا يجوز تجاوز حدوده؛ تستند إلى اعتبارات الملاءمة والمصلحة العامّة؛ لا تعني الحرية المطلقة، بل تخضع لمبادئ المشروعيّة. إلَّا أنَّ السلطة التقديريّة تخضع لرقابة القضاء الإداري، الذي يتحقق من: احترام قواعد الاختصاص والإجراءات؛ عدم إساءة استعمال السلطة؛ عدم مخالفة القانون؛ عدم وجود خطأ جسيم أو بيّن في التقدير؛ احترام مبدأ التناسب في الحالات التي يفرضها القانون. أما سلطة التقدير Pouvoir d’appréciation، فهي الصلاحيّة التي تتمتّع بها الإدارة لتقييم الوقائع والظروف قبل تطبيق القاعدة القانونيّة عليها. ولا تتعلّق هذه السلطة بحريّة اختيار القرار، وإنّما بحريّة تقييم الوقائع والتأكّد من توافر الشروط القانونيّة. وبالتحديد، تقتصر هذه السلطة على تقدير الوقائع والظروف؛ وقد توجد سواء كانت الإدارة مقيّدة بالقانون أو متمتّعة بسلطة تقديريّة؛ وتُعَدّ مرحلة سابقة لاتّخاذ القرار الإداري. وتخضع سلطة التقدير لرقابة القضاء لجهة صحّة الوقائع؛ التكييف القانوني لهذه الوقائع، وجود خطأ بيّن في التقدير عند الاقتضاء. أمّا السلطة التحكميّةPouvoir arbitraire  فهي عبارة عن ممارسة السلطة بعيدًا عن أحكام القانون، أو استنادًا إلى الإرادة الشخصيَّة للإدارة دون مبرّر قانوني. وتُعَدّ هذه السلطة مخالفة لمبدأ المشروعيّة ولدولة القانون. وبالتحديد هي لا تستند إلى أساس قانوني. تقوم على الاعتبارات الشخصيّة أو التمييز أو الهوى. تمثل إساءة لاستعمال السلطة. وبالطبع فإنَّ هذا النوع من القرارات تخضع لرقابة قضائيّة صارمة، وغالبًا ما يؤدّي إلى إلغاء القرار الإداري لعدم مشروعيّته.

 

 

 

 

على سبيل المثال، يُراجع:

 

R. CHAPUS, Droit administratif général, 9e éd. Montchrestien 1995:

 

« … Le pouvoir discrétionnaire des autorités administratives n’est rien d’autre que le pouvoir de choisir entre deux décisions ou deux comportements (deux ou moins) également conformes à la légalité. Exerçant son pouvoir discrétionnaire, l’administration ne peut jamais faire que ce que le droit lui permet de faire ».

 

وأيضًا:

 

Manon DOSEN-LEPOUTRE, Le pouvoir discrétionnaire approche nationnelle: disponible sur internet: revuedlf.com/droit-administratif-le-pouvoir-discretionnaire-approche-nationnelle:

 

La distinction de la discrétionnarité et de l’arbitraire est le point de départ de nombreuses définitions du pouvoir discrétionnaire.

 

Chez les administrativistes, la définition la plus emblématique, héritée notamment de Chapus à la suite des travaux fondateurs de Michoud, consiste à présenter le pouvoir discrétionnaire des autorités administratives comme « le pouvoir de choisir entre deux décisions ou deux comportements (au moins deux) également conformes à la légalité ». Donc, en « [e]xerçant son pouvoir discrétionnaire, l’administration ne pourr[ait-elle] jamais faire que ce que le droit lui permet de faire ».

 

Dès lors, la distinction prend tout son sens: l’arbitraire désigne l’absence de règle ou la méconnaissance de celle-ci. Il est le règne du non-droit. Le pouvoir discrétionnaire, loin d’en être l’équivalent atténué, s’en distinguerait ainsi fondamentalement par sa soumission au droit, par son inscription dans l’ordre juridique.

 

Si l’Ancien Droit faisait parfois de ces deux termes des synonymes, cette distinction a été précocement mise en lumière par la jurisprudence et la doctrine à l’époque contemporaine. Dans son commentaire de l’affaire Dreifuss et Lévi en 1916, Maurice Hauriou soulignait que « bien que le juge respecte en principe le pouvoir discrétionnaire, et qu’il déclare ne pas pouvoir laisser discuter au contentieux l’opportunité de la mesure, il annule l’acte s’il estime que le pouvoir discrétionnaire, indépendamment de la question d’opportunité, ne s’est pas astreint à l’observation, soit de la loi, soit de certaines règles de moralité ».

 

De cette manière, le pouvoir discrétionnaire est ainsi « affirmé, campé et cantonné » par le Conseil d’État: reconnu dans son principe, mais circonscrit dans ses limites.

 

Cette définition fondatrice irrigue l’ensemble des usages du « discrétionnaire » au sein de la langue juridique, y compris en common law. Elle repose sur une idée centrale: la prééminence du droit constitue la condition d’existence du pouvoir discrétionnaire.

 

وعلى هذا، يمكن القول إنَّ السلطة التقديريَّة وسلطة التقدير تمثّلان صورتين مشروعَتين لممارسة الإدارة لاختصاصاتها، إذ يمنحها القانون في الأولى حريَّة اختيار القرار الأنسب، وفي الثانية حريَّة تقييم الوقائع قبل تطبيق القاعدة القانونيَّة. أما السلطة التعسفيَّة أو التحكيميَّة فهي تمثّل انحرافًا عن مبدأ المشروعيَّة، لأنَّها تقوم على اعتبارات شخصيَّة أو مخالفة للقانون، ولذلك تخضع للإلغاء من قِبَل القضاء الإداري.

 

  1. انطلاقًا من هنا، تطرح مسألة ما إذا كانت توجد صلاحيَّات تقديريَّة في العلاقة بين المصرف وعميله، لا سيَّما فيما يتعلَّق الخدمات المصرفيَّة التي يقدّمها وبالتحديد في خصوص التحويل المصرفي؟

 

لا يحتاج هذا السؤال إلَّا إلى جواب واحد: عندما فرض المشرّع تنظيمًا تشريعيًّا مستقلًّا للتحويلات الإلكترونيَّة بموجب القانون رقم 81/2018 تاريخ 10/10/2018، المتعلّق بـ "المعاملات الإلكترونيَّة والبيانات ذات الطابع الشخصي"، فإنَّه يكون قد اعترف بأنَّ هذه العمليَّات ليست مُجرّد خدمات اختياريَّة هامشيَّة، وإنَّما هي جزء من النشاط المصرفي الذي يستحق تنظيمًا قانونيًّا مستقلًّا. وتاليًا، لا يعود ممكنًا وصفها بأنَّها مجرّد خدمة اختياريَّة دون بيان ما إذا كان القانون الخاص رتّب التزامات معيّنة على المصارف.

 

واستطرادًا،

 

  1. من المسلّم به أنَّ العلاقة القائمة بين المصرف وبين العميل هي علاقة وكالة. على النحو الثابت والواضح من أحكام المادة 41 من القانون 81 تاريخ 10/10/2018 والتي تعرّف أمر إجراء التحويل بأنَّه "كل أمر يفوّض العميل بمقتضاه المصرف بإجراء عمليَّة دفع إلكتروني أو تحويل إلكتروني". ما ينفي سلطة التقدير، وبالتالي فإنَّه فيما يتعلَّق تنفيذ العمليَّات المصرفيّة مثل التحويل المصرفي، يتصرّف المصرف بصفته وكيلًا عن عميله (أي أنَّه ينفّذ تعليماته). وفي هذا الإطار، لا يملك المصرف من حيث المبدأ أيَّة سلطة تقديريَّة: فمتى كان الأمر صحيحًا وكاملًا وكانت الأموال متوافرة، يكون المصرف ملزمًا بتنفيذه.

 

  1. وقد يرتّب الرفض غير المُبرّر مسؤوليَّة تعاقديَّة في ذمّة المصرف، وقد كرّس المشرّع هذه المسؤوليَّة صراحةً في الفقرة الأولى من المادة 50، من القانون رقم 81، تاريخ 10/10/2018، إذ نصّت على ما يلي: "تتحمّل المؤسّسات المُشار إليها في المادة 41 من هذا القانون مسؤوليَّة عدم التنفيذ الكلّي أو الجزئي لأوامر الدفع أو التحويل الإلكتروني". إذن، هذه قاعدة ملزمة للمصرف؛ مع مراعاة ما يتمتّع به من هامش تقدير في الحالات التي يفرضها القانون، ولا سيَّما ما يتعلَّق بواجبات اليقظة ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، المخالفات الشكليَّة، العقوبات الدوليَّة، إلخ.

 

  1. إنَّ ما ذهب إليه القرار موضوع التعليق كرّس منطق "لا شيء يلزمني، إذن فالأمر تقديري"! هذا منطق خاطئ من الناحية القانونيَّة. فمتى كان للعميل حساب مفتوح لدى المصرف، وأصدر أمر تحويل صحيحًا، فإنَّ المصرف لا يكون في وضعيَّة حريَّة تعاقديَّة مماثلة لتلك المتعلّقة بالدخول في العلاقة المصرفيَّة أو منح الائتمان، بل هو ملزم بموجب عقد الحساب / اتفاقيَّة فتح الحساب، التي تستوجب بطبيعتها الالتزام بتنفيذ تعليمات صاحب الحساب المتعلّقة بالأموال المتوفّرة؛ وهو ملزم بمقتضى الوكالة الضمنيَّة ([13])، إذ ينفّذ المصرف أوامر عميله، ولا يحقّ له تقييم مدى ملاءمة العمليَّة، إلَّا لسبب مشروع؛ وهو ملزم بموجب النصوص الخاصَّة بالتحويل المصرفي لا سيَّما، تكرارًا، أحكام المادة 41 من القانون 81 تاريخ 10/10/2018.

 

وإذا كان المصرف يرغب في رفض إجراء التحويل، فإنَّه يتعيَّن عليه أن يستند إلى سبب واقعي ملموس، وقد حدّدت المادة 50 من القانون 81 تاريخ 10/10/2018، أوجه هذا السبب حصرًا بالحالات التالية: "1- خطأ أو إهمال أو نقص في التعليمات الصادرة عن العميل أو عن سوء نيته. ٢- عدم كفاية الأموال المتوفرة في حساب العميـل لتنفيذ هذه العمليّة، إلّا إذا تمّ الاتّفـاق مع العميل على عكس ذلك. 3- حصول حالة قـوّة قاهرة أو خارجة عـن سـيطرتها وكانت المؤسّسة المعنيّة قد بذلت كل الجهود لتفادي مثل هذه الحالة. 4- في الحالات الأخرى المحدّدة من قِبَل مصرف لبنان".

 

  1. لم يبرّر القرار الانتقال إلى وصف التحويل بأنَّه خدمة استنسابيَّة. فالنص يقول: 1. لا يوجد نص يلزم المصرف بالتحويل. 2. إذن التحويل خدمة استنسابيَّة. وهذا استنتاج لا يجد سنده في المقدمتين. فغياب النص لا يعني بالضرورة حريّة المصرف المطلقة. القرار ينتقل مباشرةً من عبارة: "لا يوجد نص قانوني يلزم المصرف بالتحويل" إلى نتيجة مفادها أنَّ "خدمة التحويل استنسابيَّة"، وهذا انتقال غير مبرّر منطقيًّا، لأنَّ نفي مصدر مُعيَّن للالتزام لا يعني نفي جميع مصادره. إذ قد ينشأ الالتزام من: - عقد فتح الحساب. - الشروط العامَّة للمصرف. - الأعراف المصرفيَّة. - حسن النيَّة في تفسير العقود. - أو حتى في الممارسة المستقرّة بين المصرف والعميل. ومن ثمَّ، فإنَّ عدم وجود نص خاص لا يكفي بذاته لإثبات أنَّ للمصرف سلطة تقديريَّة مطلقة في قبول التحويل أو رفضه. ولذلك فإنَّ وصف التحويل بأنَّه "خدمة استنسابيَّة" يحتاج إلى دليل مستقلّ، وليس مجرّد غياب نص قانوني.

 

إذا كان التحويل إلى الخارج يشكّل، في الواقع المصرفي، الوسيلة المعتادة لتمكين العميل من الانتفاع بوديعته الموجودة في الخارج أو المحرّرة بعملة أجنبيَّة، فإنَّ وصفه بأنَّه مجرّد "خدمة استنسابيَّة" يحتاج إلى تبرير خاص. إذ لا يكفي وصف العمليَّة بأنَّها خدمة مصرفيَّة مستقلّة، بل ينبغي بيان لماذا لا تعد هذه الخدمة جزءًا من الالتزام الأصلي للمصرف بتمكين العميل من التصرُّف بأمواله.

 

لو أخذنا بمنطق النص إلى نهايته، لأمكن للمصرف أن يعتبر إصدار الشيكات، أو تنفيذ أوامر الدفع الداخليَّة، أو حتى تسليم الأموال نقدًا، خدمات استنسابيَّة، أيضًا، ما دام لا يوجد نص خاص يلزمه بكل وسيلة من وسائل الوفاء. وهذه نتيجة لا تستقيم مع طبيعة الالتزام المصرفي، لأنَّ وسيلة تنفيذ الالتزام لا تتحوّل إلى خدمة اختياريّة لمجرّد أنَّ المشرّع لم ينظّمها بنص خاص.

 

  1. في الواقع، يتعارض مفهوم السلطة الاستنسابية أو التقديرية، في نطاق القانون الخاص، تعارضًا جوهريًا مع المبادئ التي يقوم عليها قانون العقود، وفي مقدمتها مبدأ المساواة والتوازن بين المتعاقدين. وإذا كان المشرع قد أجاز، في بعض الحالات الخاصة، منح أحد المتعاقدين هامشًا محدودًا من حرية التصرف، فإن ذلك يبقى محصورًا بقيود صارمة تحول دون التعسف في استعمال الحق. فالمادة 221 من قانون الموجبات والعقود تقرر أن العقد هو شريعة المتعاقدين، ومن ثم فإن كل شرط أو ميزة أو ممارسة تمنح أحد الأطراف سلطة استنسابية أو تقديرية مطلقة تُعد، من حيث الأصل، شرطًا إراديًا مجردًا يفتقر إلى المشروعية ([14])، ويقع تحت طائلة البطلان عملاً بالمادة 84 فقرتها الأولى من القانون ذاته. وبالتالي، لا يجوز أن يتوقف تنفيذ التحويل على الإرادة المنفردة للمصرف. كما أن هذا الشرط يُعد تعسفيًا بمفهوم المادة 26 من قانون حماية المستهلك رقم 265 تاريخ 4/2/2025، التي تعتبر باطلًا كل شرط يمنح المحترف صلاحية تعديل أحكام العقد بإرادته المنفردة، ولا سيما ما يتعلق بالسعر أو بزمان التنفيذ أو مكانه، وهو ما ينسحب، بطريق أولى، على قرار تنفيذ التحويل أو الامتناع عنه.

وتفرض المادة 221 نفسها على المتعاقدين الالتزام بحسن النية طوال مرحلتي تكوين العقد وتنفيذه، الأمر الذي يحول دون استعمال أي سلطة تعاقدية بصورة تعسفية أو بقصد الإضرار بالغير. ومن ثم، لا يجوز للمصرف الذي اعتاد تنفيذ عمليات التحويل أن يمتنع عن تنفيذ بعضها بصورة انتقائية، تحقيقًا لمصلحته الخاصة وعلى حساب مصلحة العميل.

 

كما أن المواد 366 وما يليها من قانون الموجبات والعقود تخول القاضي سلطة تفسير العقود، والرقابة على التعسف في استعمال الحق، تطبيقًا للمادة 124 من القانون ذاته، مع الحكم بالتعويض متى ترتب على هذا التعسف ضرر أصاب الطرف المتضرر.

 

  1. ومن ثم، فإن المصرف لا يتمتع بسلطة تقديرية مطلقة في تنفيذ أوامر التحويل المصرفي. فالأصل في القانون المصرفي أن المصرف يلتزم بتنفيذ وكالة الدفع الصادرة عن العميل، ويكون في حالة اختصاص مقيد                Compétence liée. فإذا صدر أمر التحويل عن صاحب الحساب المستوفي للشروط القانونية والتعاقدية، أصبح المصرف ملزمًا بتنفيذه، ويترتب على أي رفض تعسفي مسؤوليته العقدية. ما عدا الحالات المُحدَّدة في المادة 50 من القانون 81/2018 على سبيل الحصر ([15]).

 

  1. ولا يُغيّر خلوّ العقد من أي موجب يتعلَّق بالتحويلات المصرفيَّة شيئًا مما قلناه! فالسكوت لا يمكن تفسيره على أنَّه يمنح سلطة تقديريَّة مطلقة لرفض تنفيذ أمر التحويل. في اعتقادنا إنَّ المحكمة وقعت لهذه الجهة في خطأ في نظريَّة العقد. فالقاعدة في القانون المدني ليست أنَّ سكوت العقد يعني انتفاء الالتزام، وإنَّما أنَّ العقد لا يقتصر على ما ورد فيه صراحةً، بل يشمل أيضًا ما هو من مستلزماته وفقًا للقانون والعرف وحسن النيَّة وطبيعة الالتزام عملًا بأحكام المادة 221 موجبات وعقود. هناك فرق كبير بين: - أن ينصّ العقد على أنَّ المصرف غير ملزم بإجراء التحويلات، ما يكرّس استبعادًا صريحًا. - أن يسكت العقد عن هذه المسألة، ما لا يفضي تلقائيًّا إلى انتفاء الالتزام، لأنَّ السكوت يفتح الباب للبحث عن مصادر أخرى لمضمون العقد.

 

لذلك، في رأينا، إنَّ السؤال الذي طرحته المحكمة أصلًا هو سؤال غير صحيح. هي سألت: هل يوجد بند في العقد يلزم المصرف بالتحويل؟ بينما كان يجب أن تسأل: هل يوجد بند في العقد يستبعد التحويل؟ والفرق بين السؤالين هائل. لأنَّ الأصل في تفسير العقود ليس أنَّ كل التزام يجب أن يكون مكتوبًا، وإنَّما أنَّ العقد يولد أيضًا التزامات ضمنيَّة يفرضها القانون وطبيعته وحسن النيَّة والعرف. فإذا كان التحويل المصرفي، عند إبرام العقد، يُشكِّل وسيلة اعتياديّة لتمكين العميل من التصرُّف بأمواله، فإنَّ مجرّد سكوت العقد لا يكفي لنفيه. لذلك نقول أنَّ القرار يُعاني من خلل في فهم نظريَّة العقد ذاتها. فهو يفترض أنَّ مضمون العقد يقتصر على ما ورد فيه صراحةً، بينما المبدأ في القانون المدني اللبناني هو أنَّ العقد يتجاوز ألفاظه المكتوبة إلى ما تقتضيه طبيعته وآثاره القانونيَّة والعرف وحسن النيَّة.

  1. المحكمة لم تبحث عن الأعراف المصرفيَّة، حيث إنَّه في القانون التجاري والمصرفي، العرف ليس مصدرًا ثانويًّا، هامشيًّا، بل قد يكون مكمّلًا العقد. وتاليًا، كان يجب على المحكمة أن تسأل: هل كان تنفيذ التحويلات الخارجيَّة يشكّل عرفًا مصرفيًّا مستقرًّا عند إنشاء العلاقة؟ إذا كان الجواب نعم، فإنَّ هذا العرف يدخل في مضمون العقد!

 

  1. إنَّ المحكمة تجاهلت السياق التاريخي للعلاقة. فإذا كان المصرف ينفّذ التحويلات الخارجيَّة سنوات طويلة ثمّ توقّف بعد الأزمة، فإنَّ هذا السلوك السابق ليس مجرّد واقعة عرضيّة، بل يشكّل قرينة قويّة على أنَّ الطرفين كانا يفهمان العقد على أنَّه يشمل تنفيذ أوامر التحويل بحيث لا يكون جائزًا للمصرف بأن يقول أنَّ العقد لم ينصّ على التحويل!! إنَّ القرار يتعامل مع العقد كما لو أنَّه أُبرم في فراغ، دون اعتبار للممارسة السابقة بين الطرفين في حين أنَّ السلوك اللاحق للمتعاقدين يُشكِّل وسيلة مهمّة لتفسير العقد. عمليًّا، القرار يرتكب ما يسمّى في منطق القانون الاستدلال من غياب النص إلى غياب الالتزام (argumatum ex silentio) وهو استدلال غير صحيح في القانون الخاص وذلك، تكرارًا: لأنَّ الأصل في الالتزامات التعاقديَّة أنَّها لا تستمدّ وجودها من النصوص القانونيَّة وحدها، وإنَّما من العقد ذاته وما يتفرّغ عنه. فالقاضي لا يسأل ابتداءً: "هل يوجد نص يلزم المصرف بالتحويل؟"، إنَّما يسأل: "هل التزم المصرف صراحةً أو ضمنًا، بأن يضع الأموال بتصرُّف العميل بالطريقة التي يطلبها؟"، فالسؤال الأوَّل يتعلَّق بمصدر تشريعي، بينما الثاني يتعلّق بمصدر تعاقدي!!

 

  1. إنَّ المحكمة في طرحها السؤال الذي طرحته ذهبت إلى أبعد من ذلك، هي غيّرت محلّ النزاع                                mutation de l’objet du litige، النزاع الحقيقي هو: هل يلتزم المصرف بردّ الوديعة بالطريقة التي يطلبها العميل؟ بينما المحكمة أعادت صياغة النزاع على النحو الآتي: هل يلتزم المصرف بإبرام عقد تحويل؟ وهذا ليس السؤال نفسه. فالتحويل بالنسبة إلى العميل ليس غاية مستقلّة، بل وسيلة لاستيفاء حقّه. وعندما تقرّ المحكمة محلّ النزاع، فإنَّ جميع التحليلات اللَّاحقة مبنية على فرضيّة مختلفة عن تلك التي طرحها الخصوم.

 

  1. إنَّ القرار يفترض أنَّ التزامات المصرف هي فقط الالتزامات التي نص عليها العقد أو القانون صراحةً، ويتجاهل الالتزامات الضمنيَّة obligations implicites. ففي الفقه المدني الحديث، لا يقتصر مضمون العقد على ما ورد فيه حرفيًّا، بل يمتدّ إلى كل ما يعد من مستلزماته وفقًا لطبيعته، والعرف، وحسن النيّة. وإذا كانت التحويلات تشكّل، بحسب طبيعة النشاط المصرفي أو الممارسة المستقرّة، من مستلزمات العلاقة المصرفيَّة، فإنَّ عدم النص عليها صراحةً لا يعني انتفاء الالتزام بها. وهذا، في رأينا، هو الخلل المنهجي الأبرز في المقطع: فهو يحصر مصادر الالتزام في النص الصريح، بينما نظريَّة العقد الحديثة تجعل مضمون الالتزام أوسع بكثير من مجرّد الألفاظ المكتوبة.

 

  1. المحكمة قلبت عبء الإثبات، فهي قالت أنَّ العقد لم ينصّ على التحويل وبالتالي فلا التزام. بينما كان يمكن قلب السؤال: هل يستطيع المصرف أن يثبت أنَّ الطرفين اتّفقا على استبعاد التحويل من الخدمات المرتبطة بالحساب؟ وهذا فرق جوهري، فالسكوت لا يساوي الاستبعاد! وفي هذا الخصوص، نُشير إلى أنَّ المصرف ليس تاجرًا عاديًّا. التحويلات هي من صميم النشاط المصرفي. فإذا فتح حسابًا جاريًا بالدولار، فإنَّ الأصل أن يستطيع العميل إصدار أوامر تتعلّق بهذا الحساب وفقًا للقواعد المصرفيَّة، وعليه فإنَّ من يدّعي أنَّ التحويل ليس من آثار العقد، هو الذي يحتاج إلى إقامة الدليل، لا العكس.

 

 

  1. إنَّ منطق المحكمة يؤدّي إلى نتيجة خطيرة: إذا كان سكوت (عقد فتح الحساب) يُفيد عن عدم وجود التزام، فيمكن للمصرف أن يقول أيضًا:

 

  • لا يوجد بند يلزمني بإصدار دفتر شيكات.
  • لا يوجد بند يلزمني بقبول حوالة واردة.
  • لا يوجد بند يلزمني بتزويد العميل بكشف حساب.
  • لا يوجد بند يلزمني بتنفيذ أمر دفع داخلي.

 

وهذا، واضح أنَّه غير صحيح. لأنَّ هذه الالتزامات، لا تنشأ فقط من النصوص المكتوبة، وإنَّما من طبيعة العقد.

 

  1. ونُضيف، أنَّ الأصل في العقود أنَّ ما لم يرد النص عليه صراحةً لا يجوز افتراضه لمصلحة أحد المتعاقدين، ولا سيَّما إذا كان من شأن هذا الافتراض أن يرتّب له امتيازًا استثنائيًّا أو سلطة مطلقة على حساب الطرف الآخر. وإذا كان من سبيل لذلك، فإنَّ النص يفسّر لمصلحة المستهلك وليس أبدًا لمصلحة المحترف على النحو الذي أقرّته المادة 18 من القانون رقم 659 تاريخ 4/2/2005، المتعلّق بحماية المستهلك حيث أكّدت على أنَّه "يجب أن تفسّر العقود لما فيه مصلحة المستهلك، يؤخذ في الاعتبار لتحديد مدى توافر رضى المستهلك ظروف التعاقد والمنافع التي يمنحه إيّاها العقد والتوازن بين حقوق وموجبات الطرفين" ([16]). فسكوت العقد لا ينشئ حقًّا، ولا يمنح سلطة، ولا يبرّر التنصّل من الالتزامات التي تفرضها طبيعة العقد وأحكام القانون.

 

  1. فإنّ امتناع المصرف عن تنفيذ أمر تحويل لا يكون مشروعًا إلَّا إذا استند إلى مانع قانوني أو تنظيمي ملزم، أو إلى سبب جدي ومثبت يجعل التنفيذ غير جائز قانونًا يتعيّن عليه إثباته. أما الادّعاء بوجود سلطة تقديرية مطلقة لمجرد أنَّ العقد لم ينظم التحويلات، فإنّه يشكّل تفسيرًا مخالفًا للقانون، لأنّه يضيف إلى العقد ما لم يرد فيه، ويمنح المصرف حقًّا لم يتّفق عليه الطرفان، الأمر الذي يتعارض مع مبدأ القوَّة الملزمة للعقد وحسن تنفيذ الالتزامات التعاقديَّة. وإذ إنّ المصرف لم يثبت وجود أي مانع قانوني يحول دون تنفيذ التحويل المطلوب، فإنّ امتناعه يبقى مجرّدًا من أي مبرّر مشروع، ويشكّل إخلالًا بالتزاماته التعاقديّة وخطأً موجبًا للمسؤوليَّة، مع ما يترتّب على ذلك من إلزامه بتعويض كامل الأضرار التي أصابت الجهة المدعية.

 

  1. إنَّ ما ذهبت إليه المحكمة لجهة أنَّ التحويل يقوم على عقد يجمع ثلاثة أطراف، ولا ينعقد إلا برضاهم جميعًا، إنَّ هذا التكييف يفتقر إلى الدقّة. من منظور تقني وقانوني، تتّسم عمليَّة التحويل opération de virement بطابع مُركّب، إذ تقوم على سلسلة من الإجراءات المترابطة التي يترتّب بعضها على بعض، وبموجبها يتمّ نقل مبلغ من حساب شخص أو جهة، هو الآمر بالتحويل، إلى حساب شخص أو جهة أخرى، هي المستفيد، وذلك من خلال النظام المصرفي الذي يتولى تنفيذ أوامر التحويل من خلال تدخُّل عدّة مصارف مراسلة وفقًا للقوانين والأنظمة المصرفية المرعية الإجراء. وإذا تعددت الأطراف الداخلة في تنفيذ هذه العملية، فإن ذلك لا يعني وجود عقد واحد متعدد الأطراف multipartite، وإنما يعني وجود علاقات قانونية مستقلة ومتعددة، تتّجه إلى تحقيق غاية واحدة، تتمثّل في إتمام أمر التحويل! فالتحويل ليس عملًا جماعيًّا acte collectif، أي تصرف قانوني تنشأ فيه إرادة جماعية لتحقيق مصلحة مشتركة، كما هو الحال في قرارات الجمعيات العمومية ([17])، ولا يقوم أساسًا على عمل توافقي acte conjonctif، الذي يفترض التقاء إرادات مستقلة، يكون رضا كل منها لازمًا لانعقاده، مع بقاء كل إرادة مستقلة عن الأخرى، كما في عقد البيع الذي يتطلب رضا البائع والمشتري، مع اختلاف مصلحة كل منهما ([18]). فالتكييف القانوني لا يُبنى على الوصف الفنّي بل على الوظيفة القانونيَّة، فقد تكون العمليَّة تقنيًّا ثلاثيَّة الأطراف، لكنَّها قانونيًّا لا تعدو كونها تنفيذ المدين لالتزاماته. وهذا فارق كبير!

 

  1. إنَّ التحويل المصرفي هو كناية عن خدمة صندوق service de caisse. فما يعني ذلك؟ يقصد بخدمة الصندوق، مجموعة العمليَّات التي يقوم بها المصرف بصفته وكيل، لحساب العميل، بهدف ضمان تداول الأموال وإدارتها، من دون أن تشكّل هذه العمليَّات عمليَّة ائتمانيَّة أو قرضًا. وتشمل هذه الخدمة على وجه الخصوص، العمليَّات التالية: - إيداع الأموال وسحبها نقدًا؛ - تحصيل الشيكات؛ - تنفيذ التحويلات المصرفيَّة؛ - تنفيذ الاقتطاعات أو الخصومات المباشرة؛ - وتنفيذ عمليَّات الدفع بواسطة البطاقات أو غيرها من وسائل الدفع؛ - إصدار الشيكات المصرفيَّة، وغيرها من أدوات الدفع وبعبارة أخرى، تتمثّل خدمة الصندوق في تلقّي أموال العميل، وحفظها، ونقلها أو تحويلها وفقًا لتعليماته، ذلك في إطار التشغيل العادي للحساب المصرفي.

 

  1. ومن الناحية القانونيَّة، تعتبر خدمة الصندوق، في الأصل خدمة مصرفيَّة ملحقة بعقد فتح الحساب. ويترتّب على ذلك، أنَّ المصرف يلتزم بتنفيذ أوامر الدفع الصادرة عن العميل، وذلك مع مراعاة: - الأحكام القانونيَّة والتنظيميَّة النافذة؛            - شروط عقد فتح الحساب؛ - توافر الرصيد الكافي؛ - والرقابة التي يلتزم بها المصرف، ولا سيَّما في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والعقوبات الماليَّة.

 

  1. وفي القانون المصرفي، تكتسب مسألة اعتبار التحويل المصرفي جزءًا من خدمة الصندوق أهميّة خاصَّة، لأنَّها تدعم القول بأنَّ تنفيذ أمر التحويل يُعَدّ، من حيث المبدأ، التزامًا يدخل في نطاق خدمة الدفع التي يقدّمها المصرف لعميله، بوكالته عنه، بمجرّد موافقته على فتح الحساب المصرفي للعميل وليس مجرّد صلاحيَّة أو خدمة استنسابيَّة، ما لم يوجد نص قانوني أو اتّفاق تعاقدي يقضي بخلاف ذلك. وقد حظي هذا المفهوم بإجماع فقهي واسع، وأكّدته مراجع قانونيَّة متعدّدة، تتجاوز الحصر، الأمر الذي يقتضي الاكتفاء بإيراد أبرزها على سبيل المثال لا الحصر:

 

"... حيث إنّ المصرف، بمجرّد قبوله فتح الحساب، يلتزم، صراحةً أو ضمنًا، بتأمين الخدمة المصرفيّة المرتبطة به، بما يشمل قبول الإيداعات النقديّة، وتنفيذ الشيكات، وأوامر النقل والتحويل، ووسائل العمليّات التي يقتضيها حسن إدارة الحساب، وبالتالي، فإنّه متى تلقى من المودع أمرًا بأداء المبلغ المودع نقدًا، وكان الحساب يشمل على رصيد كافٍ وتوافرت الشروط القانونيّة والعرفيّة اللّازمة للتنفيذ، وجب عليه المبادرة إلى تنفيذ هذا الأمر دون إبطاء، من غير أن يكون له خيار الرفض أو الامتناع، إذ إن فتح الحساب ينطوي، بحدّ ذاته، على تعهّد بتنفيذ أوامر صاحبه المتعلّقة به ضمن الحدود القانونيّة والعرف المصرفي، من دون أن يكون للمصرف أن يتحرّى عن أسباب طلب العميل أو الغاية منه، وإذا تأخّر المصرف في التنفيذ أو امتنع عنه، متسبّبًا بضرر للعميل، قامت مسؤوليته عن التعويض، ويُستخلص من ذلك أن فتح الحساب لدى المصرف يضع بتصرف صاحبه مختلف وسائل الدفع والاستيفاء، ومن بينها طلب الإيفاء نقداً، باعتبار أن هذه الوسيلة تُشكّل خدمة مصرفية أساسية وركنًا جوهريًا من أركان التعامل المالي، بما يكرّس حقّ المودع في التصرف بوديعته بمختلف الأوجه القانونية، ومنها قبضها نقداً، دون أن يكون للمصرف أن يرفض تنفيذ طلبه،

 

حيث إنه، وإن كان العمل المصرفي يُعدّ في أساسه عملًا تجاريًّا احترافيًّا، فإنّ ما استقرّ عليه الفقه والاجتهاد أنه يتميز بطابع خاص قوامه الثقة والأمانة من جهة، والسرعة والانتماء وحسن النظام المعاملات من جهة أخرى، ومن ثم، فإنّ مقتضيات هذا الطابع الخاص تستوجب التشدّد في ردع كل تصرف شاذ أو تعسفي يصدر عن المصرف من شأنه المساس بحقوق المودع، أو تعطيل انتفاعه بأمواله انتفاعًا مشروعًا وكاملًا ومنتجًا وحرًّا، بعيداً عن أيّ غموض أو التباس أو قيود غير مبررة، كما تفرض هذه المقتضيات الحلول دون أيّ إخلال من المصرف بموجباته والتزاماته تجاه عملائه ومودعيه، أكانت هذه الالتزامات قانونية أم عقدية أم مستمدة من الأعراف المصرفية، لما في ذلك من مساس بالثقة العامة الواجبة في القطاع المصرفي وبسلامة واستقرار التعاملات المالية، ..." ([19]).

 

وأيضًا:

 

  • Ch. FABIA et P. SAFA, Code de commerce annoté 1988, art. 307:

 

§ 31 « Le banquier chez lequel existe un compte de dépôt, a suivant la convention ou l’usage, la charge d’assurer au déposant un service de caisse, en payant, à concurrence du montant déposé, les montants énoncés dans des assignations, chèques, demandes de virement, ou tous autres actes quelconques de disposition ».

                                                                       

وأيضًا:

 

  • P. DIDIER, Droit commercial, Tome 3, La monnaie, Les valeurs mobilières, Les effets de commerce, PUF 1999, p. 81:

 

« Le banquier du client donneur d’ordre agit dans le cadre du service de caisse promis, et, pour lui, l’opération s’analyse en un décaissement. Le banquier a le devoir de payer aussitôt l’ordre reçu; il engagerait sa responsabilité s’il ne le faisait pas ou le faisait mal ou même s’il tardait à le faire.

 

وأيضًا:

 

  • F. GRUA, Sur les ordres de paiement en général, D. 1996, p.172 s:

 

A. Notion et définition. « Techniquement, le virement est l’opération par laquelle un transfert de fonds ou de toutes autres valeurs inscrites en compte est effectué par la seule inscription d'une écriture au débit d'un compte et de l'écriture corrélative au crédit d’un autre compte …. Il constitue alors un ordre de paiement dont les banques assurent l’exécution dans le cadre du service de caisse offert à leur client, et ce, au même titre que le chèque, la carte de paiement ou encore l’avis de prélèvement. Le virement constitue d'ailleurs avec la compensation l’une des techniques bancaires de base assurant les mouvements de fonds entre les banques.

 

وعليه، فإن العميل، عندما يطلب من المصرف تحويل مبلغ معين، يطلب منه تنفيذ خدمة صندوق وهي الخدمة المصرفية التي سبق للمصرف أن التزم بها عند إنشاء العلاقة التعاقدية، والمتمثلة في إجراء القيود المحاسبية اللازمة لنقل المبلغ من حساب إلى آخر.

 

  1. والأصل أن يلتزم المصرف بتنفيذ أمر التحويل، أما الامتناع عن التنفيذ فلا يكون إلا على سبيل الاستثناء، وفي الحدود التي رسمها القانون رقم 81 تاريخ 10/10/2018. فقد أجازت المادة 44 للمصرف أو للمؤسسة المالية إدخال تعديلات على شروط التعاقد وفق الآلية المحددة قانونًا، ونصت في فقرتها الثالثة على أنه: "في حالات استثنائية مبررة، كوجوب استيفاء متطلبات الحماية والأمان والمحافظة على سلامة حساب العميل أو سلامة نظام الدفع الإلكتروني أو التحويل الإلكتروني، يجوز للمؤسسات المشار إليها في المادة 41 من هذا القانون فرض قيود على عمليات الدفع الإلكتروني أو التحويل الإلكتروني التي يجريها العميل، شرط إبلاغه فورًا بهذه القيود، ودون تحميله أي أعباء مالية نتيجة لذلك." ويستفاد من هذا النص، أنَّ المشرّع أجاز فرض قيود على عمليات التحويل، إلا أنه قصر ذلك على حالات استثنائية ومبررة، وهو ما يؤكد أن الأصل هو تنفيذ التحويل، والاستثناء هو تقييده أو الامتناع عنه، في الحدود التي يجيزها القانون وبالشروط التي رسمها. وبذلك، فإن التحويل المصرفي لا يعد خدمة استنسابية يترك أمر تنفيذها لإرادة المصرف، وإنما هو التزام تعاقدي وقانوني، يُرتّب مسؤوليَّة المصرف عند عدم تنفيذه ما عدا الاستثناءات التي نصَّ عليها القانون.

 

  1. يخلُص هذا البحث إلى أنَّ القرار محلّ التعليق، وإن أصاب في بعض ملاحظاته، قد جانب الصواب في مسألتين جوهريّتين: فمن حيث المنهج، طبّق القاعدة العامّة (المادة 764 من قانون الموجبات والعقود) قبل استبعاد النص الخاص (القانون رقم 81/2018)، خلافًا لمبدأ تقديم الخاص على العام. ومن حيث المضمون، خلط بين الرضا اللّازم لإنشاء الالتزام والرضا اللّازم لتنفيذه، فبنى على هذا الخلط نتيجة مفادها أنَّ التحويل خدمة استنسابيَّة، بينما الأصل فيه أنَّه التزام تعاقدي - قانوني ناشئ عن علاقة الوكالة وخدمة الصندوق الملازمتين لعقد فتح الحساب، لا يجوز الامتناع عن تنفيذه إلَّا في الحالات الحصريَّة التي رسمها القانون. وهذا التصحيح المنهجي، في اعتقادنا، هو الكفيل وحده بإعادة التوازن العقدي بين المصرف والعميل، بما ينسجم مع مبدأ القوَّة الملزمة للعقد وحسن النيَّة في تنفيذ الالتزامات التعاقديَّة.

 

 

7/7/2026

 

د. فـــادي نمُّـــــور

 

 

[1] يُراجع: فادي نمُّور، تعليق على القرار الصادر عن محكمة الاستئناف المدنيّة في بيروت، الغرفة الخامسة عشرة، الر. حبيب رزق الله، رقم 398 تاريخ 21/5/2024، منشور في مجلّة العدل 3/4 - 2024، ص 191 وما يليها ؛ مايا كرم، تعليق حول "مسألة التحويل إلى خارج الأراضي اللبنانيّة في ضوء أحكام المادة 302 موجبات وعقود، منشور في مجلّة العدل 4/2025، ص 503 وما يليها.

[2]    وهذا المبدأ، كرَّسته مؤخّرًا الغرفة الثانية لدى محكمة التمييز بموجب القرار رقم 9 تاريخ 19/2/2025، العدل 2025، الجزء 2/3، ص 654: إذ اعتبرت أنّ القوانين الخاصّة بالعقارات تحول دون تطبيق الأحكام العامّة الواردة في قانون الموجبات والعقود متى وجد النص الخاص الواجب التطبيق: " وحيث من جهة ثانية، إنَّ موضوع النـزاع هو موضوع عقاري، فتطبّق عليه القوانيـن العقاريَّة التـي يحجب تطبيقها القانون العام الوارد في قانون الموجبات والعقود؛ وإنَّ أولى القوانيـن الواجبة التطبيق هو القرار رقم 188، وما يليه في التطبيق، عند انتفاء نص خاص في هذا القرار الأخيـر، قانون الملكيَّة العقاريَّة، وعليه يحجب تطبيق قانون الملكيَّة العقاريَّة الأحكام الواردة في قانون الموجبات والعقود".

[3]   Cass. civile, ch. comm., 15 janvier 2025, n° 23-13.579 ; v. aussi n° 23-15.437.

[4]   محكمة التمييز، غ. 2، ق. 9، ت. 19/2/2025، العدل 2025، الجزء 2/3، ص 654: وقد اعتبرت أنَّ القوانين الخاصَّة بالعقارات تحول دون تطبيق الأحكام العامَّة الواردة في قانون الموجبات والعقود متى وجد النص الخاص الواجب التطبيق.

[5]   يُراجع الرقم 33 أدناه.

[6]    وفي هذا الخصوص، إن القانون رقم 81/2018 لم يتضمن أي نص يحيل في شأن التحويل إلى أحكام قانون الموجبات والعقود أو يوجب تنفيذ التحويل في مكان إبرام عقد فتح الحساب المصرفي.

[7]   يُراجع الرقم 23 أدناه.

[8]   المادة 41: "أمر إجراء عمليَّة الدفع الإلكتروني أو التحويل الإلكتروني للأموال النقديّة هو كل أمر يتمّ إنشاؤه، كليًّا أو جزئيًّا بوسيلة إلكترونيَّة ويفوّض العميل بمقتضاه المصرف أو المؤسّسة الماليَّة أو أي مؤسّسة أخرى مرخّصة من مصرف لبنان أو مخوّلة قانونًا بذلك، بإجراء عمليَّة دفع إلكتروني أو تحويل إلكتروني للأموال النقديّة أو إتمام قيد دائن أو مدين على حسابه أو على حساب آخر... ".

[9] منشور في مجلة العدل 2023، الجزء 4، ص 1031.

[10] Cass. crim. 28 novembre 1995, n° 93-18.968.

[11] يُراجع الرقم 42 أدناه.

[12] حول الاستخدامات المتنوّعة للكلمة في المعاجم، يمكنك مراجعة معجم المعاني الجامع.

[13] المادة 769 الفقرة الأخيرة من قانون الموجبات والعقود: "يجوز أن يكون قبول الوكالة ضمنيًّا وأن يُستفاد من قيام الوكيل بها".

[14] وهو الشرط الذي يجعل تنفيذ العقد متوقِفًا على محض إرادة المدين وحدّها.

[15] لطفًا، يُراجع القانون رقم 81/2018، المادة 50: تتحمّل المؤسّسات المشار إليها في المادة ٤١ من هذا القانون مسؤولية عدم التنفيذ الكلّي أو الجزئي لأوامر الدفع أو التحويل الالكتروني، إلّا إذا أثبتت توافر إحدى الحالات التالية: 1- إنّ عدم التنفيذ ناجم عن خطأ أو إهمال أو نقص في التعليمات الصادرة عن العميل أو عن سوء نيته. ٢- عدم كفاية الأموال المتوفرة في حساب العميـل لتنفيذ هذه العمليّة، إلّا إذا تمّ الاتّفـاق مع العميل على عكس ذلك. 3- حصول حالة قـوّة قاهرة أو خارجة عـن سـيطرتها وكانت المؤسّسة المعنيّة قد بذلت كل الجهود لتفادي مثل هذه الحالة. 4- في الحالات الأخرى المحدّدة من قِبَل مصرف لبنان .في حال ترتّب المسؤوليّة على المؤسّسات المذكورة، يجب عليها إعادة المبالغ المتنازع عليها إلى العميل والتعويض عند الاقتضاء عن الضرر اللاحق به.

[16] تُراجع: محكمة الاستئناف في لبنان الشمالي، غ. 4، ق. 123، ت. 9/6/2022، كساندر 2-2022، ص 351، رقم 131.

[17] A.-L. PASTRÉ-BOYER, L’acte juridique collectif, PUAM 2006, préf. R. CABRILLAC.

[18] R. CABRILLAC, L’acte conjonctif en droit privé français, LGDJ coll. BDP t. 313, Paris 1990, préf. P. CATALA.

[19] محكمة الاستئناف في بيروت، الغرفة الثالثة، قرار رقم 637/2026 تاريخ 4/6/2026، بنك البحر المتوسّط ش.م.ل. / محمد نايف الرباعي؛ بذات المعنى: محكمة الاستئناف في بيروت، الغرفة الثالثة، قرار رقم 635/2026 تاريخ 4/6/2026، بنك الموارد ش.م.ل. / حبيب كيروز ؛ وأيضًا: محكمة الدرجة الأولى في بيروت، الغرفة السادسة، قرار تاريخ 30/1/2025، منشور في مجلة العدل 2025، الجزء 4، ص 1289 وما يليها.

PDFالملف المرفقملف PDF · 5 م.بتحميل ↓