صفة ومصلحة المدعي الشخصي في مداعاة الدولة عن الخطأ الجسيم للقاضي في دعوى الحق العام
بقلم: سليمان إلياس مالك
محامٍ وباحث قانوني
ملخَّص:
تثير مسؤولية الدولة عن أعمال القضاة العدليين إشكاليةً دقيقةً، تتمثَل في التَّوفيق بين مبدأ إستقلال السلطة القضائية وضمان حقوق المتقاضين في محاكمة عادلة وفعَّالة. لا سيما عند إرتكاب القاضي العدلي خطأً جسيماً La faute lourde في معرض نظر دعوى الحق العام. وتبرز هذه الإشكالية في تحديد مدى تَمتُّع المدعي الشخصي بصفةٍ ومصلحةٍ مستقِلَتَين تُخَوِلانه مداعاة الدولة، رغم أنَّ تحريك دعوى الحق العام ومتابعتها تعود للنيابة العامة.
يناقش هذا المقال، الأساس القانوني لِحَق المدعي الشخصي للتقدم بدعوى مداعاة الدولة أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز، متى إرتكب القاضي خطأً جسيماً في معرض نظر دعوى الحق العام، وألحَقَ به ضرراً مباشراً وجسيماً مسَّ حقوقه أو مركزه القانوني بصورة مستقلة عن الضرر الناتج عن الجريمة ذاتها. وهذا ما يَمْنَح المدعي الشخصي حق مستقل في مداعاة الدولة. من هنا، تبرز ضرورة التمييز بين إختصاص " مهام " النيابة العامة في ممارسة دعوى الحق العام ومتابعتها، وبين حق المدعي الشخصي في حماية حقوقه الإجرائية والشخصية التي قد يَطالها الخطأ القضائي الجسيم.
ويخلص المقال، إلى أنَّ صفة المدعي الشخصي ومصلحته في مداعاة الدولة، لا تُستَمَدان مِن سلطة مَن له الحق في تحريك دعوى الحق العام ومتابعتها، ولا تتعارضان مع المهام الحصرية للنيابة العامة بشأنها، وإنما ترتكزان إلى كونه طرفاً في الخصومة وإلى الضرر المباشر الذي يصيبه نتيجة الخطأ الجسيم الناتج عن عمل القاضي، ما يجعل من حقه في مداعاة الدولة تبعاً لذلك، ضمانةً قضائيةً مستقلةً لإجراءات المحاكمة العادلة وحمايةً لحق التقاضي. وإنطلاقاً من ذلك، يقتضي أن تولي الهيئة العامة لمحكمة التمييز في لبنان هذه الضمانات عناية خاصة، لأنَّ أي إخلال بها، يُعيد طرح مسألة مدى إمكان تصحيح الخطأ الإجرائي أو تداركه في هذا النوع من القرارات، ولا سيما، في ظل عدم قابليتها لأي طريق من طرق الطعن، بما في ذلك مداعاة الدولة مجدداً.
المقدمة:
1- تُشكِّل مسؤولية الدولة عن أعمال القضاة العدليين La responsabilité de l’État du fait des magistrats judiciaires، إحدى المسائل القانونية الدقيقة نظراً لإرتباطها بالتوازن الواجب تحقيقه بين مبدأ إستقلال القضاء من جهة، وضمان حقوق المتقاضين من جهة أخرى. هذا التوازن المطلوب توفره دائماً، يتطلب تنبهاً، سواء، من قِبَل المتقاضي المدعي عند اللجوء إلى خيار مداعاة الدولة لتوفر أي من الشروط المنصوص عليها في المادة 741 أصول محاكمات مدنية( أ.م.م.)، كما يقتضي بالمقابل على الهيئة العامة لمحكمة التمييز، عند النظر في هذه الدعاوى التحلي بأعلى درجات التبصر، باعتبار أنَّ أي خطأ جسيم من قبلها يؤدي بدوره إلى الإخلال بالضمانات المقررة للمتقاضين عند قبول أو عدم قبول الدعوى.
هذا الواقع، يَطْرَح مدى أهمية خضوع القضاة المؤلفة منهم الهيئة العامة لمحكمة التمييز بدورهم لهذه المسؤولية، لأنَّ لا خطأ يتحقق وينتج عنه ضرر، يَصُّح أن يبقى دون مسؤولية([1]). خاصةً، أنَّ الهيئة العامة لمحكمة التمييز هي بالذات، لم تكرِّس الحق في قبول مراجعة إستعادة و/أو إسترداد القرار Le rabat d’arrêt ([2]).هذا بالرغم من أنَّ هذه المراجعة مصدرها الإجتهاد القضائي بهدف تصحيح الخطأ الإجرائي، وليس كطريق طعن بقرار الهيئة العامة، الذي يبقى يتطلَّب لتكريسه، تعديل نص المادة 738 ( أ.م.م.). وهذا كُلُّهُ، لِيَصُبَّ في الغاية الأساسية لدور الهيئة العامة لمحكمة التمييز، التي يُفتَرَض أن تكون وتبقى قراراتها مرجعاً للباحثين والممتهنين القانونيين Une référence pour les chercheurs et les praticiens du droit.
2- أما الأهم، القضاء في لبنان باعتباره سلطة دستورية مستقلة، يُفتَرَض أن يكون في طليعة السلطات الأخرى، كضمانة أساسية وحقيقية لحماية الحقوق والحريات، كما في ترسيخ سيادة القانون في الدولة. هذا الدور، يَفرُض على القاضي أن يؤدي واجبه المهني بإستقلال فكري وحرّية معنوية،بما يعزز الثقة العامة بالقضاء.
ولكن، هذا الدور القضائي المطلوب، لا يتحقَّق إلّا عبر خضوع عمل القاضي لأحكام القانون وللمساءلة. ما يعني، أنَّ المطلوب ليسَ تحصين عمل القاضي وإبعاده عن أي مسؤولية، بل كل ما يقتضيه الأمر، إقامة نوع من التوازن وفقاً لما كرَّسته المادة ٢٠ من الدستور اللبناني([3])، كما المادة ٦٤ في الدستور الفرنسي([4])، بحيث لا تكون مداعاة الدولة إنتقاصاً من إستقلال القضاء، إنما ضمانة لحسن سير العدالة.
3- وأكثر من ذلك، إنَّ إستقلالية السلطة القضائية، لا يُنظَر إليها باعتبارها إمتيازاً ممنوحاً للقاضي. وإنما على العكس تماماً، هي ضمانة أساسية للمتقاضي، لإرتباطها بحقه الطبيعي في محاكمة عادلة أمام قاضٍ كفوء un juge compétent ، مستقل Indépendant ومحايد Impartial. وهذا ما كرسَّته أيضاً المواثيق الدولية، ومنها المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان([5])، والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية([6])، كما بمقتضى المادة 6 من الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان([7]). وبدورها المادة الأولى (أ.م.م.)، نصَّت على أنَّ القضاء سلطة مستقلة تجاه السلطات الأخرى في تحقيق الدعاوى والحكم فيها، لا يحد من إستقلالها أي قيد لا ينص عليه الدستور. وتالياً، إنَّ هذه النصوص القانونية كافة تؤكد أنَّ إستقلال القضاء، يشكِّل عنصراً من عناصر الحق في التقاضي وليس مجرَّد نصوص محصورة بالسلطة القضائية أو بشخص القاضي.
وعلى هذا الأساس، لا تُعْفَى الدولة من المسؤولية عن سوء سير المرفق القضائي Le Mauvais fonctionnement ou fonctionnement défectueux du service public de la justice، وذلك في كلّ مرَّة يتجاوز الخطأ القضائي حدود المقبول ويبلغ درجة الخطأ الجسيم. إنَّ هذا الخطأ الجسيم، قد عرَّفته المادة 741 (أ.م.م.) وكرََّسَهُ إجتهاد الهيئة العامة لمحكمة التمييز، بأنّه، الخطأ الذي يُفْتَرض أن لا يقع فيه قاضٍ يهتم بواجباته الإهتمام العادي، يندرج ضمنه الجهل المُطْبقِ للقانون([8]). علماً، أَّنَّه قد سبق لقانون التنظيم القضائي الصادر في تاريخ 16/10/1961 بمقتضى المرسوم رقم 7855، وتحديداً في المادة 88 منه، أن نصَّ عن الخطأ المهني الجسيم للتقدم بدعوى المخاصمة ([9]) .
أما بدورهما Henry Solus et Roger Perrot ، فقد إعتبرا أنَّ الخطأ الجسيم هو جهل القاضي الفادح، حرفياً،
« Les tribunaux se réservent d’apprécier selon les espèces, si la faute professionnelle reprochée est véritablement lourde. Ils considèrent comme telle « celle qui a été commise sous l’influence d’une erreur tellement grossière qu’un magistrat normalement soucieux de ses devoirs, n’y eut pas été entraîné » ou qui résulte « d’une négligence particulièrement grave » ([10]).
إذاً، أنّه لولا هذه الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها القضاة، وقد أساءت إلى دورهم في تحقيق العدالة، كما ألحقت الضرر بحقوق المتقاضين دون وجه حق، لما كانت قد كرَّست القوانين نصوصاً لمداعاة الدولة.
4- تَظْهَر خصوصية مداعاة الدولة أيضاً في القضايا الجزائية، حيثُ لا يقتصر أثر الخطأ الجسيم على العلاقة بين الدولة والمتقاضي بوجه عام، بل قد ينعكس بصورة مباشرة على حقوق أحد أطراف النزاع، ولا سيما في ما يتعلَّق وفقاً للمقال الراهن بحق المدَّعي الشَّخْصيّ La partie civile.
وهنا تُطرَح إشكالية، مدى تَمَتُّع المدَّعي الشخصي بصفة ومصلحة مستقلتين تمنحانه حق مداعاة الدولة عن الخطأ الجسيم المرتكب من القاضي، رغمَ أنَّ النيابة العامة هي صاحبة الحق " الإختصاص " في تحريك ومتابعة دعوى الحق العام L’action publique .
إنَّ معالجة هذه الإشكالية، تتطلَّب التمييز بين، صاحب الحق في تحريك ومتابعة دعوى الحق العام، باعتبارها أداة لحماية النظام العام أو المجتمع، وبين المركز القانوني الخاص للمدعي الشخصي كونه، طرفاً في الدعوى الجزائية بسبب الضرر اللاحق به نتيجة الجرم الجزائي، كما متضرراً بسبب الخطأ الجسيم الناتج عن عمل القاضي الذي طال الشق الأساسي في الدعوى الجزائية والمتعلق بدعوى الحق العام.
5- انطلاقاً من ذلك، يتناول هذا البحث العلمي مسألة أساسية، مفادها، أهمية الإعتراف بصفة ومصلحة المدعي الشخصي في مداعاة الدولة عن الخطأ الجسيم، كونهما لا تَستَمُدان من ملكية و/أو مِن مَن يتولى سلطة تحريك أو متابعة دعوى الحق العام، إنما من كونه طرفاً في الدعوى الجزائية، بالإضافة إلى تحقق الضرر المباشر الذي يلحق بحقوقه الشخصية وبمركزه القانوني نتيجة الخطأ القضائي الجسيم في سير الدعوى الجزائية، وهذا ما سوف نُبيِّنه من خلال عرض، الإطار القانوني لصفة ومصلحة المدعي الشخصي في مداعاة الدولة في (القسم الأوَّل)، ومن ثمَّ، الآثار القانونية لمداعاة الدولة عن الخطأ الجسيم المرتكب في دعوى الحق العام (القسم الثاني).
القسم الأوَّل - الإطار القانوني لصفة ومصلحة المدعي الشخصي في مداعاة الدولة:
6- إنَّ تحديد الإطار القانوني لتوافر صفة ومصلحة المدعي الشخصي في مداعاة الدولة عن الخطأ الجسيم الذي طالَ دعوى الحق العام، يتطلَّب بشكل أوَّلي تحديد، مدی إرتباط هذه الصفة بالمركز القانوني للمدعي في الدعوى الجزائية. وذلك بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لهذه الدعوى، التي تقوم على وجود حقين مستقلين من حيث الغاية والوظيفة، وإن كان مصدرهما الفعل الجرمي. فدعوى الحق العام التي تكون من مهام النيابة العامة، تهدف إلى حماية المجتمع من خلال ملاحقة مرتكب الجريمة وإنزال العقوبة أو التدبير المنصوص عليه قانوناً. أما دعوى الحق الشخصي، فترمي إلى حماية مصلحة فردية، خاصة للمتضرر من الجريمة وحقه في المطالبة بالإلزامات المدنية، كالرد والعطل والضرر سواء كان ضرراً مادياً أو معنوياً.
ومن المفيد الإشارة، إلى كون مسألة الصفة تحديداً لا تُطرَح عندما يطالب المتضرر ذاته بالتعويض عن الضرر اللاحق به بسبب الجريمة، إنما أهمية الصفة تُثار عندما يتدخل شخص آخر للمطالبة بحقوق الضحية، بحيث تطرح عندها مسألة مدى تمتعه بالسلطة القانونية اللازمة لممارسة هذا الحق.
« La qualité n'est pas à proprement parler une condition de recevabilité lorsque l'action civile est exercée par celui la même que se dit victime du dommage né de l’infraction: elle n'apparaît utile que si la personne intervenante agit aux lieux et place de la victime, car la question se pose de savoir si elle est vraiment investie du pouvoir d'agir. Or, dans la procédure pénale, où l'action civile a pour seul objet d'obtenir l'indemnisation du préjudice causé par une infraction, la notion de qualité ne revêt quelque intérêt que dans des cas nombreux ([11]) ».
ما يعني، أنَّ مصير دعوى الحق العام الذي يتقرَّر من جرَّاء الخطأ الجسيم بسبب عمل القاضي، يلحق الضرر حكماً بالمركز القانوني للمدعي الشخصي، ما يشكّل المدخل الأساسي لتوفر الصفة والمصلحة له في مداعاة الدولة. وتالياً، إنَّ تحديد صفة المدعي الشخصي لمداعاة الدولة لا تتوقَّف، على ما إذا كانت دعوى الحق العام لا تتحرّك إلّا بناءً على إدعاء شخصي، أو عمَّا إذا سبق وأن حركتها النيابة العامة وإنضمَّ إليها المتضرّر بإتخاذه صفة الإدعاء الشخصي. ففي الحالتين يكتسب المتضرر صفة المدعي الشخصي، ويتمتع بالمركز القانوني والحقوق المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية.
إنما هذه الصفة للمدعي الشخصي لمداعاة الدولة، تُستَمَّد من الخطأ الجسيم الذي يصيب مسار دعوى الحق العام، متى إنعكسَ بشكل مباشر الضرر على مركزه القانوني أو حتى على إمكانية وفرصة إستفادته من الحقوق والنتائج المكرسة في إجراءات دعوى الحق العام. وعلى هذا الأساس، إنَّ أثر الخطأ الجسيم في عمل القاضي على دعوى الحق العام، يشكل حجر الزاوية La pierre angulaire الذي يُبحَث من خلاله مدى قيام الصفة والمصلحة في مداعاة الدولة.
7- من هنا، إنَّ صفة ومصلحة المدعي الشخصي في الدعوى الجزائية، تتطلَّب عرض مدى، إستقلالهما عن صاحب الحق في دعوى الحق العام (في المبحث الأوَّل)، ومن ثمَّ، خصوصية الصفة والمصلحة في دعوى مداعاة الدولة الناتجة عن الخطأ الجسيم للقاضي في (المبحث الثاني).
المبحث الأوَّل - إستقلال صفة ومصلحة المدعي الشخصي عن صاحب الحق في دعوى الحق العام:
8- بعد بيان الإطار القانوني لصفة ومصلحة المدعي الشخصي في مداعاة الدولة، وذلك عن الخطأ الجسيم للقاضي الذي يطال دعوى الحق العام. لا سيما بعد تحديد الطبيعة القانونية للدعوى الجزائية، ومن ثمَّ تمييز ما تهدف إليه كل من دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي. فإنَّه يقتضي الإنتقال الى تناول، مدى إستقلال المركز القانوني للمدعي الشخصي عن صاحب الحق في تحريك ومتابعة دعوى الحق العام.
إنَّ هذا الإستقلال في المركز القانوني للمدعي الشخصي، يشكل الأساس الذي تبنى عليه صِفَته ومَصلَحَته في مداعاة الدولة، في كل مرَّة يَتَوفَّر الخطأ الجسيم الذي يقع فيه القاضي ويحرمه من مفاعيل وضمانات دعوى الحق العام، ما يؤثر على حقوقه ويلحق الضرر به. ونظراً للترابط بين دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي، فإنَّ تحديد مدى إستقلال صفة ومصلحة المدعي الشخصي عن صاحب الحق في دعوى الحق العام، يتضح من خلال بيان، الأساس القانوني لإستقلال صفة ومصلحة المدعي الشخصي في (الفقرة الأولى)، ومن ثمَّ، أثره على مركز المدعي الشخصي في الدعوى الجزائية في (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى - الأساس القانوني لإستقلال صفة ومصلحة المدعي الشخصي:
9- يقوم الأساس القانوني لإستقلال صفة ومصلحة المدعي الشخصي في الدعوى الجزائية على التمييز، بين دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي، باعتبار أنَّ لكل منهما طبيعة قانونية وغاية مختلفة ومستقلة.
وبالفعل، إنَّ صفة المدعي الشخصي لا تستند إلى كونه صاحباً لدعوى الحق العام، إذ تبقى الأخيرة من إختصاص النيابة العامة، إنما تستند إلى كونه صاحب حق شخصي أصابه ضرر مباشر نتيجة الفعل الجرمي. ولهذا السبب، يعود للمتضرر، وفقاً للنصوص القانونية، الحق في الإنضمام إلى دعوى الحق العام par une simple intervention، أو تحريك هذه الدعوى، عن طريق الشكوى المباشرة مع إتخاذ صفة الإدعاء الشخصي أمام قاضي التحقيق الأوَّل المختَّص مكانياً وتسديده قيمة السلفة المعجَّلة، والحال ذاتها تُطَبَّق عند التقدم بالإدعاء المباشر أمام القاضي المنفرد الجزائي par un acte initial، وذلك سنداً لما يكرّسه قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم ٣٢٨ الصادر في تاريخ 2/8/2001 (أ.م.ج.)، من حق للمتضرّر بدءاً من المادة 5 التي تنص، على أنَّ دعوى الحق الشخصي بالتعويض عن الضرر الناتج عن الجرائم فهي حق لكل متضرر، كما أيضاً في المواد التي تلتها، ومنها، 7، 68، 155 و363 (أ.م.ج.).
« L'atteinte portée à l’intérêt général que constitue toute infraction pénale fait naître l’action publique exercée au nom de la société pour le prononcé des peines ou des mesures de sûreté prévues par la loi (…). Par - delà le trouble social, l’infraction peut également être source de dommages pour la victime qui a droit à obtenir réparation de son préjudice en exerçant l’action civile. (Art 2 C. pr. Pén). Le droit français tire d'importantes conséquences du fait que ces deux actions trouvent leur origine commune dans le comportement de l'auteur d'une infraction (…). Surtout, l’action publique a naturellement sa place devant la juridiction répressive, alors que l'action civile n'y est le plus souvent exercée que pour bénéficier de la collecte des preuves effectuée par les services d'enquêtes, de la rapidité de la procédure pénale et pour faire entendre la voix de la victime dans le procès qui oppose la puissance publique à l'auteur d'une infraction ([12]) ».
« Toute infraction pénale qui porte atteinte à un intérêt privé fait naître deux action actions : une action publique, qui tend à l’application d’une peine, et une action civile, qui tend à la réparation du dommage([13]) ».
وهذا ما يؤكد، كون وحدة مصدر الدعويين من جراء الفعل الجرمي، لا يؤدي إلى وحدة في ما بينهما من ناحية طبيعتهما وإجراءاتهما القانونية. ولكن، من المفيد التنبّه وعدم الخلط، بين استقلال دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي. فإستقلال كل منهما، لا ينفي وجود ترابط إجرائي بينهما، لا سيما أنَّه غالباً، يتم اللجوء إلى القضاء الجزائي من قبل المدعي الشخصي من خلال الإنضمام إلى دعوى الحق العام. ومع ذلك، إنَّ هذا الإنضمام لا يجعل من المركز القانوني للمدعي الشخصي مجرد تابع أو ملحق بالنيابة العامة.
وبالفعل، إنَّ الترابط الإجرائي بين الدعويين قائم ومتعلق بالنظام العام، ولا يصح مخالفة هذه الاحكام من قبل القاضي العدلي الناظر في الدعوى الجزائية، كحال إلزامية إبلاغ المدعي الشخصي طلب إخلاء السبيل، والقرار الذي يبت فيه أو الذي يحدد مقدار الكفالة التي تضمن جزءاً من التعويضات الشخصية، حق إستئناف القرارات ( المواد 114، 115، 116، 135و 192، إلخ، أ.م.ج.)، وهذا ما يؤكد، على أهمية إجراءات دعوى الحق العام على المركز القانوني للمدعي الشخصي لجهة ضمان حقوقه.
وعليه، ما يتبين أنَّ مسألة إستقلال الدعويين " الحق العام والحق الشخصي" لا تعني إنفصالهما، بل هناك ترابط وتأثير متبادل بينهما Un lieu d’interdépendance et d’influence réciproque ، بحيث يتعزز المركز القانوني للمدعي الشخصي، لناحية أنَّ مرتكب الجريمة سوف يُعَاقَب لتعويض أو إصلاح الضرر اللاحق بالمجتمع préjudice social، كما أيضاً تعويض الضرر اللاحق بالضحية préjudice de la victime.
الفقرة الثانية - أثر إستقلال صفة ومصلحة المدعي الشخصي في الدعوى الجزائية:
10- يترتب على إستقلال صفة ومصلحة المدعي الشخصي نتائج قانونية مهمّة، أبرزها عدم اعتباره مجرَّد طرف تابع للنيابة العامة، تؤدي عند توفر أسباب سقوط دعوى الحق العام وزوال مركزها في المحاكمة، إلى زوال مركزه الخاص أيضاً. فالمدعي الشخصي وجوده في الدعوى الجزائية يرتبط إجرائيا بالدعوى العامة، إلّا أنه يبقى صاحب مصلحة خاصة، ومستقلّة قائمة على الضرر الذي أصابه من جراء الجريمة، وحقه في المطالبة بالتعويض، وذلك ضمن الحدود التي حددها قانون أصول المحاكمات الجزائية أو غيره من القوانين الجزائية الخاصة.
11- إنَّ المادة 6 (أ. م.ج.)، نصَّت على أنَّ دعوى الحق الشخصي يجوز إقامتها تبعاً لدعوى الحق العام أمام المرجع القضائي المقامة لديه هذه الدعوى، كما يجوز إقامتها على حدة أمام المرجع المدني. وهذا ما نصَّت عليه المادة 363 أ.م.ج. في الفقرة 3 منها، والمتعلّقة بالإجراءات المطبَّقة أمام المحقق العدلي، لجهة حق المتضرّر أن يقيم دعواه الشخصية تبعاً للدعوى العامة.
De même, L’article 4 du code de procédure pénale française, dispose que « L’action civile en réparation du dommage causé par l’infraction prévue par l’article 2 peut être exercée devant une juridiction civile, séparément de l’action publique (…) ».
« La partie civile peut exercer son action devant la juridiction civile indépendament de l’action publique soit devant la juridiction répressive accessoirement à l’action publique». ([14])
ويُستفاد من ذلك، أنَّ العلاقة بين الدعويين تبقى مترابطة ومتداخلة Interdépendance، وليس هناك إنفصال أو إستقلال مطلق، فقط لمجرَّد إعتبار أنَّ متابعة دعوى الحق العام يعود للنيابة العامة. وتالياً، دعوى الحق الشخصي وإن كانت مرتبطة إجرائياً بدعوى الحق العام، فإنَّ إنقضاء دعوى الحق العام، لا يؤدي في كل الحالات تلقائياً إلى زوال دعوى الحق الشخصي، بل تبقى قائمة سواء أمام القاضي الجزائي أو يمكن تقديمها أمام القاضي المدني متى كانت متوفرة شروطها([15]). هذا مع مراعاة أحكام المادة 8 (أ.م.ج)، لجهة الجزاء يعقل الحقوق.
12- إنَّ الدعوى المدنية أي دعوى الحق الشخصي الناشئة عن الجريمة، وإن أُقيمت أمام القاضي الجزائي، تبقى محتفظة بطبيعتها الخاصة وإستقلالها L’action civile, bien qu’exercée devant le juge pénal, conserve son autonomie، وذلك طالما أنَّ الغاية التي تهدف إليها كل من دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي مختلفة الواحدة عن الأخرى، بحيث تبقى الأولى تهدف إلى حماية النظام العام أو المجتمع، أما الثانية، التعويض عن الضرر اللاحق بالمتضرر([16]).
وفي هذا الخصوص، قد نصَّت بشكل واضح المادة 2 من قانون الأصول الجزائية الفرنسي([17])، بأنَّ دعوى الحق الشخصي التي تعود للمتضرر للمطالبة بالتعويض من جراء الجريمة سواء كانت، جناية، جنحة أو مخالفة، لا تؤثر على مسار دعوى الحق العام، وهذا ما يؤكد أيضاً على إستقلالية دعوى الحق الشخصي. ولهذا السبب، وفقاً لأحكام قانون العقوبات اللبناني أو قانون أصول المحاكمات الجزائية، إنَّ إسقاط دعوى الحق الشخصي لا تؤثر على دعوى الحق العام والعكس بالعكس. هذا مع أهمية مراعاة ما تنص عليه المادة 133 عقوبات، كما أيضاً ما تنص عليه المادة 10 (أ.م.ج.) لناحية أسباب سقوط دعوى الحق العام([18]).
إذاً، إنَّ التداخل بين دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي، لا يُذَوِّب كيان هاتين الدعويين، بل على العكس، إنَّ المدعي الشخصي يستفيد ويعزز مركزه القانوني من خلال إجراءات دعوى الحق عام، وقد تتأثر مصلحته الخاصة من نتيجة ما تؤول إليه دعوى الحق العام. وهذا ما يعيد الأهمية، إلى حق مداعاة الدولة في كل مرة يطال دعوى الحق العام الخطأ الجسيم الذي يقع فيه القاضي، ويؤدي إلى إنهاء هذه الدعوى، كما المساس بمصلحة المدعي الشخصي.
13- من الثابت، أنَّ النيابة العامة، وفقاً لأحكام القانون، هي صاحبة الصفة في تحريك وممارسة دعوى الحق العام Le ministère public est titulaire de la qualité pour exercer l’action publique، هذا بالرغم من الحق المكرَّس قانوناً للمتضرر في بعض الجرائم التي تتطلَّب إدعاء شخصي لتحريك دعوى الحق العام، إلّا أنَّ هذا الحق لا يجعله ذات صفة لمتابعتها.
Victime ne devient jamais titulaire de l’action publique elle ne fait que provoquer son exercice ».([19]) « La
L’article 1 du code de procédure pénale français, dispose que, « L’action publique pour l’application des peines est mise en mouvement et exercée par les magistrats ou par les fonctionnaires auxquels elle est confiée par la loi. Cette action peut aussi être mise en mouvement par la partie lésée, dans les conditions déterminées par le présent code ».
وبالتالي، إنَّ المدعي الشخصي لا يباشر دعوى الحق العام أو ينضَّم إليها كونه ممثلاً للمجتمع ليحل محل النيابة العامة، بل يمارس حقاً ذاتياً مستقلاً لحماية حقه الشخصي الناشئ عن الضرر اللاحق به بسبب الجريمة. وهذا الإستقلال، هو الذي يشكّل الأساس القانوني لتكريس حقه في التقدّم بدعوى مداعاة الدولة عند توفر الخطأ الجسيم في نتيجة الحكم الذي توصَّل إليه القاضي المنفرد الجزائي أو محكمة الإستئناف الناظرة في قضايا الجنح والمخالفات أو الهيئة الإتهامية أو محكمة الجنايات أو محكمة التمييز أو المحقق العدلي أو المجلس العدلي، ومع ذلك ثبوت عدم قيام النيابة العامة الإستئنافية و/أو التمييزية بدورها في الطعن بأي من القرارات المتعلقة بدعوى الحق العام.
أما عند إنبرام الحكم أو القرار المتعلّق بدعوى الحق العام، يكون قد لحق الضرر الواضح بالمدعي الشخصي من جراء هذه النتيجة، يجعل من الأولوية اللجوء إلى خيار مداعاة الدولة. خاصةً، أنَّ المدعي الشخصي، غير ممنوح له حق الطعن بالقرارات المتعلقة بدعوى الحق العام، بل فقط الطعن بالشق المتعلّق بالدعوى المدنية، وذلك عملاً بأحكام المادة 222 (أ.م.ج)، التي تنص على أنَّ إستئناف المدعي الشخصي وحده ينشر أمام محكمة الإستئناف الشق المدني من الدعوى([20]). وبالطبع إنَّ هدف المدعي الشخصي من مداعاة الدولة، إبطال الحكم/القرار المصاب بالخطأ الجسيم، كما المطالبة بالتعويض عن هذا الخطأ الذي ألحق الضرر به، وأثَّر في مركزه القانوني لناحية الإستفادة من مفاعيل دعوى الحق العام.
المبحث الثاني - خصوصية الصفة والمصلحة في دعوى مداعاة الدولة الناشئة عن الخطأ الجسيم للقاضي:
14- بعد ثبوت إستقلال صفة ومصلحة المدعي الشخصي عن صاحب الحق "النيابة العامة" في دعوى الحق العام، رغم وجود الترابط مع دعوى الحق الشخصي، يبقى البحث في مدى إنعكاس هذا الإستقلال على حقه في مداعاة الدولة لسبب الخطأ الجسيم في نتيجة الحكم الذي توصَّل إليه القاضي.
من هنا تكون الصفة والمصلحة كشرطين أساسيين لقبول أي دعوى قضائية، مطلوبَين أيضاً لقبول دعوى مداعاة الدولة، وذلك عملاً بما تنص عليه المادة 9 (أ.م.م.) " بأنّه، تكون الدعوى مباحة لكل من له مصلحة قانونية قائمة، أو لمن يهدف منها إلى تثبيت حق أُنكِرَ وجوده أو الإحتياط لدفع ضرر محدق أو مستقبل أو الإستيثاق من حق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه، وذلك بإستثناء الحالات التي يحصر فيها القانون بأشخاص يحدد صفتهم حق تقديم طلب أو دحضه أو الدفاع عن مصلحة معيَّنة". هذا مع أهمية الأخذ، بما نصَّت عليه المادة 614 (أ.م.م.)، بأنّه، لا يجوز الطعن في الحكم إلّا من المحكوم عليه أو من المتضرر منه.
وعليه،
تكون دعوى مداعاة الدولة عن الخطأ الجسيم المنسوب للقاضي، لا تخرج عن القواعد العامة لقبول الدعاوى، بل من البديهيات أن تخضع للشروط الشكلية العامة ومنها، الصفة والمصلحة. وهذا ما يجعل، للصفة والمصلحة لمداعاة الدولة من قبل المدعي الشخصي أهمية خاصة، لكون مصدر الضرر هو الخطأ الجسيم الذي سببه القاضي في دعوى الحق العام، ما يقتضي تناول، توافر الصفة والمصلحة لقبول دعوى مداعاة الدولة في (الفقرة الأولى)، ومن ثمَّ، أثر الضرر الناشئ عن الخطأ الجسيم للقاضي في دعوى الحق العام على المدعي الشخصي ومصلحته في (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى - لجهة توافر الصفة والمصلحة لقبول دعوى مداعاة الدولة:
15- حق التقاضي بشكل عام لا يمارس، إلَّا من قبل مَن تتوافر لديه الصفة والمصلحة القانونية، باعتبارهما من الشروط الأساسية لقبول الدعوى. وهذا ما نصَّت عنه المادة 9 (أ.م.م.) عندما أجازت الدعوى لكل من له مصلحة قانونية قائمة أو لتثبيت حق أو الإحتياط لدفع ضرر، إلخ.
أما الصفة La qualité pour agir، تشكّل الرابط القانوني بين الشخص والدعوى، وهذه الصفة هي السلطة التي بمقتضاها يمارس شخص الدعوى أمام القضاء، وتعتبر شرط لقبول الدعوى، لو إتحدت أحياناً مع المصلحة عندما تقام الدعوى مِمَن يدعي أنه صاحب الحق بالذات([21]). أما المصلحة L’intérêt à agir، تبقى تتعلَّق بالفائدة التي تعود على المدعي بعد الحكم له بطلباته.
« Il ne suffit pas, pour agir, de se prévaloir d’un intérêt légitime né et actuel, il faut encore avoir qualité. C’est-à-dire pouvoir justifier d’un intérêt personnel et direct([22]) ».
إذاً، يترتب على المدعي لقبول دعواه، أن يثبت كونه صاحب الحق وله مصلحة شخصية ومباشرة ومشروعة.
16- إنَّ توفر شرطي الصفة والمصلحة، باعتبارهما من شروط قبول الدعوى، ينطبقان على دعوى مداعاة الدولة الناشئة عن الخطأ الجسيم للقاضي. خاصةً، أنَّ أحكام قانون أصول المحاكمات المدنية المنظمة لمسؤولية الدولة عن أعمال القضاة العدليين، بدءاً من المادة 741 إلى 761 منه، لم تشترط نظاماً خاصاً لمفهوم الصفة أو المصلحة في هذه الدعوى، بل تمَّ تحديد عدة حالات يجوز فيها مداعاة الدولة،منها حالة توفّر الخطأ الجسيم ، سواء كان مِمَن يتولون الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة، وفي جميع الحالات التي يجيز فيها هذه المداعاة نص خاص.
أما بالإضافة إلى ذلك، فقد تمَّ تنظيم أصول وممارسة هذه الدعوى وإجراءاتها والمحكمة المختصة للنظر بها، كما تمَّ تحديد بعض الشروط الخاصة لضرورة توكيل محامٍ بموجب تفويض خاص بالوكالة ليتم قبول الدعوى، كما مراعاة المهلة وتوجيه الإستحضار إلى الدولة، مع ما يجب أن يشتمل عليه، وإيداع التأمين، إلخ. أما فضلاً عن ذلك، نصَّت المادة 754 (أ.م.م.)، أنه عند الحكم بصحة الدعوى المبنية على الخطأ الجسيم، يتم تقرير بطلان الحكم أو الإجراء المشكو منه وتعويض المدعي عن الضرر المسبب له.
وبهذا المعنى، كرَّست الهيئة العامة لمحكمة التمييز في لبنان،" بأنَّ مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة العدليين، وكغيرها من الدعاوى وطرق الطعن تفترض توافر المصلحة لدى مَن يتقدَّم بها، وطالما أنَّ المراجعة المذكورة تهدف إلى مساءلة الدولة عن أعمال القضاة العدليين، فهي تفترض وقوع ضرر أكيد بالجهة التي تلجأ اليها وهو ما يتماشى مع القواعد التي ترعى طرق الطعن بشكل عام، والتي لا تجيز الطعن في الحكم إلّا من المحكوم عليه أو من المتضرر منه وفق ما نصَّت عليه المادة ٦١٤ أ.م.م."([23]).
وأيضاً الهيئة العامة لمحكمة التمييز، " ولئن كانت مسألة نقل الدعوى تتعلَّق بتشكيل هيئة المحكمة وليس بأساس النزاع، وبالتالي فإنَّ القرارات الفاصلة فيها لا يجوز أن تشكّل من حيث المبدأ، موضوعاً لمداعاة الدولة لمسؤوليتها عن أعمال القضاة العدليين، إلّا أنَّ الأمر يبقى مقيَّداً بشرط تجاوز المحكمة الناظرة في طلب النقل مسألة إنحياز القاضي المطلوب نقل الدعوى من أمامه إلى بت مسائل قانونية مطروحة في الدعوى الأصلية دون أي مبرّر، فيكون عندها ثمة تخطٍ لأطر وضع اليد على القضية، ما يفسح المجال لمداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة العدليين (...)، وأنَّ بعض أوجه ما يأخذه المدعي على القرار هو تجاوز حد السلطة، ما يفسح المجال لمداعاة الدولة، كما يوفّر للمدعي الـصفة للتقدّم بدعوى مسؤولية الدولة عن أعمال القضاة العدليين(...)"([24]). فإنَّ من شأن ذلك يوفر للمدعي الصفة والمصلحة المشروعة للتقدّم بدعوى مسؤولية الدولة.
وبالتالي، فإنَّ خصوصية دعوى مداعاة الدولة لا تكمن في إنشاء شروط مستقلة لقبولها، وإنما في تحديد طبيعة الحق المدعى به ومصدر الضرر الذي ترتكز عليه. وهذا يفيد، أنَّ توفّر الخطأ الجسيم للقاضي، يشكِّل الشرط الموضوعي لقيام مسؤولية الدولة. في حين، تبقى الصفة والمصلحة شرطين شكليين، أساسيين ذات اولوية قبل البحث في أساس المسؤولية. من هنا، إنَّ الخطأ الجسيم الذي سببه القاضي، ويؤدي على سبيل المثال، إلى اسقاط دعوى الحق العام بصورة مخالفة للقانون، كما عدم مراعاة مبدأ الوجاهية، يسبب ضرراً مباشراً يطال المركز القانوني للمدعي الشخصي، كما أيضاً هذه المسؤولية تتحقق لسبب سوء سير عمل المرفق القضائي، ما يمنح المدعي الشخصي حق مداعاة الدولة، لتحميلها المسؤولية عن عمل القاضي.
En ce sens, l’article 141.1 du code de l’organisation judiciaire, dispose que, « L’État est tenu de réparer le dommage causé par le fonctionnement défectueux du service public de la justice ».
وعليه، فإنَّ الصفة والمصلحة للمدعي الشخصي لقبول دعوى مداعاة الدولة، يكتسبان خصوصية عندما يكون الضرر ناشئاً عن خطأ جسيم إرتكبه القاضي وتكلَّل بنتيجة حكمه، وأثّر بصورة مباشرة على حقوق المدعي الشخصي وعلى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
الفقرة الثانية - لجهة أثر الخطأ الجسيم للقاضي في دعوى الحق العام على صفة المدعي لشخصي ومصلحته:
17- إذا كانت الصفة والمصلحة في دعوى مداعاة الدولة تستندان إلى وجود ضرر شخصي ومباشر يصيب المدعي. فهل أنَّ الخطأ الجسيم في عمل القاضي الذي يصيب دعوى الحق العام، يؤدي إلى حرمان المدعي الشخصي من اللجوء إلى مداعاة الدولة؟ بالطبع كلا. وهذا الرأي يستند من خلال التمييز بين أمرين:
- الأمر الأوَّل، في ما يتعلَّق بالضرر الأساسي الناتج عن الجريمة Dommage initial، وهذا ما يبرر الإدعاء الشخصي في الدعوى الجزائية.
أما الأمر الثاني، المتعلّق بالضرر اللاحق Dommage subséquent، والناتج عن الخطأ الجسيم للقاضي والواضح والظاهر في الحكم الصادر عنه، والذي لا يعود للمدعي الشخصي حق الطعن به، وهذا ما ينشئ حقاً مستقلاً للمدعي الشخصي في مداعاة الدولة.
وتالياً، إنَّ المدعي الشخصي يستمد صفته في الدعوى الجزائية، من كونه متضرراً من الفعل الجرمي. أما هذا الضرر بسبب الجريمة يبقى منفصلاً ومستقلاً عن الضرر الناتج عن الخطأ الجسيم المرتكب من القاضي، والذي يمنح المدعي صفة مستقلة لمداعاة الدولة، وذلك للوصول إلى قرار يصدر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، يقضي بقبول الدعوى في مرحلة أولى عملاً بأحكام المادة 750 أصول مدنية، ومن ثمَّ، بعد مراعاة الإجراءات المطلوبة، وعلى ضوء الأسباب التي تضمنتها الدعوى، يتم تقرير بطلان الحكم أو القرار أو الإجراء المشكو منه، والحكم له بالتعويض عن الضرر المسبب له، وفقاً لما تنص عليه المادة 754 أصول مدنية([25]).
إنَّ مصدر الحق في مداعاة الدولة، يبقى لا يَستَمِد وجوده من سلطة و/أو دور النيابة العامة في تحريك الدعوى الجزائية أو متابعتها، بل من المركز القانوني للمدعي، لاعتباره متقاضياً أصابه الضرر من الخطأ الجسيم المرتكب من القاضي. بما معناه، فإنَّ قيام النيابة العامة بدورها لجهة دعوى الحق العام، لا يعفيها من حق حماية مصلحة المدعي الشخصي، كما أنَّ عدم سلوكها وإستعمال طرق الطعن بالحكم و/أو القرار المعيوب قانوناً، لا يحرم المدعي من حقه في مداعاة الدولة لسبب الخطأ الجسيم للقاضي، الذي أثَّر في حقوقه أو في ضمانات المحاكمة العادلة، وهذا ما يكون ثابت في نتيجة الحكم([26]).
18- إنَّ الخطأ الجسيم الذي يصيب دعوى الحق العام خلافاً للقانون، ويؤدي إلى إسقاطها وحرمان المدعي الشخصي من ضمانة إجرائية جوهرية، كحال عدم مراعاة مبدأ الوجاهية وحق الدفاع المكرَّس بمقتضى المادة 373 (أ.م.م.). فإنَّ الضرر الناتج عن هذا الخطأ يصبح ضرراً مستقلاً عن الضرر الناجم عن الجريمة. وهذا الضرر، يمنح المدعي الصفة والمصلحة المباشرة في مداعاة الدولة، طالما الحكم أصبح مبرماً لمجرَّد عدم الطعن به من النيابة العامة.
ما نقوله لهذه الجهة، قد جرى مخالفته من قبل الهيئة العامة لمحكمة التمييز، وذلك، بمقتضى القرار رقم 47 الصادر عنها في تاريخ 6/7/2026، بحيث خرج عن المبادئ القانونية لناحية تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بالنظام العام. هذا بالإضافة، إلى تناقضه مع قرارات سبق وكرستها الهيئة العامة لمحكمة التمييز ذاتها، بحيث لم يتم مقاربة مدى توفر الصفة والمصلحة للمدعي، بل إكتفى باعتبار الأسباب التي تتناول خطأ القاضي الجسيم، تطال دعوى الحق العام التي تعود للنيابة العامة متابعتها.
وبالفعل، إنَّ قرار الهيئة العامة الذي نتوقف عند نتيجته، والذي قضى بعدم قبول الدعوى وإلزام المدعي بالغرامة والتعويض لمصلحة الدولة، قد أتى في غير موقعه القانوني السليم. طالما إعتبر أنَّ دور المدعي الشخصي ينتهي في ما يتعلّق بدعوى الحق العام عند تحريكها، وأنّه لا يعود له من حق في مراجعة الهيئة العامة في ما يتعلَّق بقرار إسقاط دعوى الحق العام! طالما ما زالت دعوى الحق الشخصي قيد النظر أمام محكمة الإستئناف، وإليكم مضمون تعليل القرار الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، حرفياً:
" أنَّ دور المدعي الشخصي تجاه الدعوى العامة، يكون بالتالي إنتهى عند تحريكها، ولا يعود له حق المداعاة والطعن أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز، للتظلم من قرار إسقاط الدعوى العامة لمرور الزمن الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في عاليه، ولا من قرار النائب العام الإستئنافي في جبل لبنان بنظره، طالما أنَّ دعوى الحق الشخصي لا تزال قيد النظر أمام محكمة الإستئناف([27]).
إذاً، ما توصَّل إليه القرار رقم 47 الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، يكون واضح منه، أنه لم يميّز أو يفصل، بين دور المدعي الشخصي في الدعوى الجزائية، والحق المستقل له كمتقاضٍ متضرر من خطأ جسيم صادر عن القاضي. لا سيما أنَّ المدعي من خلال دعوى مداعاة الدولة، لا يطالب أو يقوم بدور النيابة العامة أو الدفاع عن حق المجتمع، إنما يطالب ببطلان الحكم/القرار والتعويض عن الضرر الشخصي الذي أصابه من جراء الخطأ الجسيم. وتالياً، تكون نتيجة قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز، قد كرَّست بشكل أو بآخر، حصانة للخطأ القضائي الجسيم الذي طالَ دعوى الحق العام، وذلك من خلال حرمان المتضرر من قبول دعوى مداعاة الدولة والإستفادة من نتيجتها. هذا بالرغم، من أنَّ آثار الخطأ الجسيم قد مسَّت مباشرةً بحقوقه.
19- إنَّ منح النيابة العامة سلطة تحريك ومتابعة دعوى الحق العام، يجعلها مؤتمنة عليها. وهذا لا يعني، منحها سلطة إحتكار حماية الحقوق الشخصية للمتضررين من الجريمة، أو حتى عند توفر الخطأ الجسيم أو سوء سير الإجراءات القضائية أمام قضاء التحقيق أو الحكم.
فإنَّ الدور المعطى لقضاة النيابة في ما يتعلَّق بدعوى الحق العام، يبقى خاضعاً لمراقبة ومساءلة مع القاضي الذي إرتكب الخطأ الجسيم. وهذا بمعزل عن الشكوى التي قد تُقدَّم أمام هيئة التفتيش القضائي. هذا الواقع، يفرض عدم الإبقاء على نتيجة الخطأ الجسيم المتحقق في دعوى الحق العام، بحيث يقتضي تصحيح هذا العيب، أقلّه في إستعمال حق الطعن الذي يعود للنائب العام الإستئنافي أو التمييزي في ما يتعلَّق بدعوى الحق العام. أما التفريط بهذا الحق لأي سبب كان، والتأثير على مركز المدعي الشخصي، دون التنبّه إلى ما توفره دعوى الحق العام له من تعزيز لحقوقه ولضمانات المحاكمة العادلة، يُرَتِّب المسؤولية على القاضي عن طريق الحق الذي يعود للمدعي الشخصي في مداعاة الدولة.
20- إنَّ مصير دعوى الحق العام لا يكون في الأصل بيد المدعي الشخصي، بل عبر النيابة العامة، إلّا أنّه مع ذلك سوف يتحمل تبعاتها على إثر القرارات التي تصدر عن القاضي بشأنها، وتنعكس بصورة مباشرة على حقوقه الشخصية. خاصةً، عندما يكون الجرم ما زال مستمراً على ملكيته ويتم إسقاط دعوى الحق العام. وهذا بالرغم، من ما يعطيه هذا الجرم للمدعي الشخصي من حق المدعاة مجدداً. إلّا أنّ السؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي يضمن أن لا يقع أي خطأ جسيم آخر في الدعوى الجديدة!؟ ولهذا السبب، لا يمكن أن تمر حالة حرمان المدعي الشخصي من حق التقدّم بدعوى مداعاة الدولة، عندما يكون الخطأ الجسيم متوفراً.
من هنا يكون الحق الممنوح للمدعي الشخصي في سلوك مداعاة الدولة، أمراً طبيعياً ومشروعاً حتى لا يتم تحصين عمل القاضي المتَّصف بالخطأ الجسيم. ما يجعل من حماية حقوق المتقاضي ذات أولوية.
القسم الثاني - الآثار القانونية لمداعاة الدولة عن الخطأ الجسيم المرتكب في دعوى الحق العام:
21- بعد أن تمَّ في القسم الأوَّل تبيان الإطار القانوني لصفة ومصلحة المدعي الشخصي في مداعاة الدولة عن الخطأ الجسيم الناتج عن عمل القاضي الذي أصاب دعوى الحق العام، فإنَّ الأمر يتطلّب تحت القسم الثاني البحث في الآثار القانونية، أي النتائج التي تترتب على ممارسة هذا الحق، وذلك للتحقق من مدى فعاليته في تأمين الحماية القضائية اللازمة لصون حقوق المدعي الشخصي المتضرر.
أما المسألة الأساسية، لا تتمثَّل فقط في تكريس للمدعي الشخصي إمكانية مداعاة الدولة، إذ أنَّ مجرَّد توفير هذا الحق، لا يشكِّل ضمانة كافية، ما لم يتم تحديد الآثار التي تنتج عن هذه المراجعة، سواء، عند قبولها وترتيب مسؤولية الدولة، أو عند رفضها، مع ما يترتب على ذلك من إستمرار الآثار القانونية للقرار القضائي المشوب بالخطأ الجسيم.
وعلى هذا الأساس أيضاً، تتطلَّب المسألة التمييز، بين أمرين أساسيين:
1021- الأمر الأوَّل، يتوقف على مصير القرار القضائي الذي ثبت أنه مشوب بخطأ جسيم، تمهيداً لإزالة أثاره القانونية، كون الإبقاء على قرار قضائي معيوب بخطأ فادح وجسيم، قد يؤدي إلى جعل الإجراءات القضائية، كما الأصول القانونية عقيمة أو فارغة المفاعيل.
2021- الأمر الثاني، يتعلَّق بمسؤولية الدولة عن العمل القضائي المعيوب قانوناً، للتعويض على المتضرر عن الضرر الناتج عن الخطأ الجسيم الذي سببه القاضي.
فمن هنا تكمن أهمية الإجراء القانوني الملائم لرفع الضرر عن المتقاضي من جراء الخطأ الجسيم أو في كل مرة يشوب القرار عيب إجرائي. ولا سيما عند عدم قبول الهيئة العامة لمحكمة التمييز لدعوى مداعاة الدولة ([28])، في حق سلوك إجراءات إستعادة و/أو إسترداد القرار Le rabat d’arrêt([29]).
هذا مع أهمية التشديد، لناحية ضرورة تكريس نص قانوني يجيز مداعاة الدولة مجدداً عن الخطأ الجسيم الصادر عن القضاة المشكَّلة منهم الهيئة العامة لمحكمة التمييز، على أن تنظر في الدعوى هيئة قضائية أخرى ومحايدة. لا سيما أنَّ القرار الذي يصدر عن الهيئة العامة لا يقبل وفقاً لنص المادة 738 (أ.م.م.) لأي طريق من طرق الطعن.
في الواقع، لا تفسير لهذا التشدّد القانوني عند إنتهاك ضمانات حق التقاضي والمحاكمة العادلة. بالإضافة إلى ذلك، لا يقل خطورة عن ما ذكرناه، هو في إيلاء قانون أصول المحاكمات المدنية دعوى مداعاة الدولة إلى الهيئة العامة لدى محكمة التمييز. بينما، قانون التنظيم القضائي الفرنسي يعطي المحكمة الإبتدائية Tribunal de grande instance (TGI)، الإختصاص النوعي للنظر في هذه الدعاوى، وذلك بمقتضى المادة 141-1 منه، كما أنَّ قراراتها قابلة للطعن أمام محكمة الإستئناف سنداً للمادتين 542 و543 أصول مدنية([30]).
22- إنَّ دعوى مداعاة الدولة في لبنان، باعتبارها إجراء طعن إستثنائي "غير عادي"، أتاحها المشرِّع لمساءلة الدولة عن الأخطاء الجسيمة المنسوبة للقاضي، والتي تلحق الضرر بحقوق المتقاضين. وهذه المسؤولية لا تنحصر في مداعاة الدولة عن الخطأ القضائي الجسيم، أو لأي سبب آخر من الحالات المحددة قانوناً، بل تتجاوز ذلك إلى تحديد نطاق هذه المسؤولية وآثارها. بما معناه، عمَّا إذا كانت مقتصرة على الحكم بالتعويض عن الضرر اللاحق بالمدعي الشخصي، أم يمكن أن تمتد إلى معالجة الأثر القانوني للقرار القضائي الذي شكَّل مصدر الضرر؟
وتزداد الأهمية، في ما يتعلَّق بمداعاة الدولة وترتيب مسؤوليتها عن أعمال القضاة، عندما يكون القرار الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، قد أصابه أيضاً العيب القانوني، عند تقرير عدم قبول الدعوى، وذلك من جراء الخلط بين حق التقاضي المرتبط بدعوى الحق الشخصي الناشئة عن الجريمة، وبين حق التقاضي المستقل لمدعاة الدولة عن الخطأ الجسيم الذي وقع فيه القاضي. هذا بالرغم، من أنَّ الهيئة العامة لمحكمة التمييز لها هالتها القضائية، كونها المرجع الأعلى في القضاء العدلي، وأنَّ قراراتها يفترض أن تؤدي دوراً أساسياً في توحيد الإجتهاد عندما تتسم فقط بالقانونية.
وعليه، فإنَّ تناول الآثار القانونية لمداعاة الدولة في هذا القسم، يتطلَّب بحث، مصير دعوى مداعاة الدولة المرتكزة على الخطأ الجسيم في (المبحث الأوَّل)، ومن ثمَّ، مدى إمكانية إسترداد القرار القضائي المشوب بالخطأ الجسيم في (المبحث الثاني).
المبحث الأوَّل - مصير دعوى مداعاة الدولة المرتكزة على الخطأ الجسيم:
23- إنَّ النتيجة الطبيعية لدعوى مداعاة الدولة المرتكزة على الخطأ الجسيم، عند توافر شروطها القانونية وثبوت الخطأ الجسيم في عمل القاضي الذي أصاب دعوى الحق العام، تتمثَّل في تقرير قبول الدعوى وترتيب مسؤولية الدولة، والحكم بالتعويض للمتضرّر عن الضرر الذي لحق به، إضافة إلى تقرير بطلان الحكم أو القرار أو الإجراء المشوب بالخطأ الجسيم، بما يسمح في إعادة الملف إلى قاضٍ آخر أو محكمة أخرى لإعادة الفصل في أساس النزاع وفقاً للأصول القانونية.
ولكن، إنَّ دعوى مداعاة الدولة، هي في طبيعتها لا تُعْتَبر طريقاً من طرق الطعن العادية، بل تمَّ إلحاقها مع طرق الطعن غير العادية، وذلك على النحو الذي نصَّت عليه المادة 630 (أ.م.م.). بما معناه، أنَّ الهيئة العامة لا تنظر بأساس النزاع الذي حصل فيه الخطأ الجسيم، بل دورها في التحقق من مدى قيام مسؤولية الدولة عن أعمال القضاة العدليين.
من هنا، فإنَّه لقبول دعوى مداعاة الدولة يجعل من المفيد تبيان، تحقق مسؤولية الدولة عن الخطأ الجسيم المرتكب من القاضي في (الفقرة الأولى)، ومن ثمَّ تحديد آثار مسؤولية الدولة على القرار القضائي وحقوق المتضرّر في (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى - تحقق مسؤولية الدولة عن الخطأ الجسيم المرتكب من القاضي:
24- إنَّ دعوى مداعاة الدولة وفقاً للحالات المحددة قانوناً في المادة 741 (أ.م.م.)، منها حالة الخطأ الجسيم، تهدف إلى تحميل الدولة المسؤولية عن عمل القضاة العدليين. هذه المسؤولية أتت لتشكل ضمانة جوهرية لحسن سير مرفق العدالة،في كل مرة يؤدي عمل القاضي إلى إخلال جسيم بحقوق المتقاضين وإلحاق الضرر بهم. خاصةً، أنَّ القاضي لا يمارس وظيفة شخصية مستقلة عن الدولة، وإنما يقوم بواجبه القضائي كسلطة عامة بإسمها، الأمر الذي يُرتِّب على الدولة مسؤولية ضمان حسن سير المرفق القضائي والتعويض على المتضرر.
وتالياً، إنَّ الهيئة العامة لمحكمة التمييز، سبق وكرَّست في قراراتها، أنَّ مسؤولية الدولة لا تقوم لوجود خطأ في الحكم القضائي لمجرَّد الأخذ بوجهة معيَّنة في تفسير نص قانوني([31])، بل عند التحقق من توفّر الخطأ الجسيم أو عند تحقق خلل فعلي في سير المرفق القضائي ([32]).
25- إنَّ هذه المسؤولية الملقاة على الدولة بالنسبة للقضاة العدليين، كرَّسها أيضاً مجلس الدولة الفرنسي Conseil d’État في مداعاة الدولة لجهة مسؤولية القضاة الإداريين، في قراره المبدئي Darmont ، لناحية أهمية التمييز بين الخطأ القضائي البسيط La faute simple والخطأ الجسيم La faute lourde الذي يرتب مسؤولية القاضي، بما يوسّع نطاق حماية المتقاضي([33]).
بالإضافة إلى ذلك، رتَّب مجلس الدولة الفرنسي بموجب قراره الصادر في تاريخ 28/6/2002 في قضية Magiera مسؤولية القاضي الإداري والحكم على الدولة بالتعويض على أحد المتقاضين الذي إضطر للإنتظار سبع سنوات حتى يتم البت بالقضية أي لم يصار إلى إحترام المهلة المعقولة ([34])Le non - respect du délai raisonnable de jugement. وهذه الحالة تطبّق في القضاء العدلي وتُرَتِّب مسؤولية الدولة عند توفّر حالة الإستنكاف عن إحقاق الحق Déni de justice Le، الذي يتبيَّن أنّه لا يقتصر فقط على رفض القاضي البت في النزاع، بل أيضاً عند تأخر البت فيه([35]).
ولكن هذه المسؤولية مطبقة أمام القضاء الإداري الفرنسي بخلاف القضاء الإداري في لبنان أي مجلس شورى الدولة، الذي ما زال يأخذ بمبدأ عدم مسؤولية الدولة عن نشاط الهيئات القضائية الإدارية، الذي سبق وأوجده مجلس الدولة الفرنسي عام 1952 وعاد وعَدَلَ عنه. علماً، أنَّ صدور في تاريخ 24/6/2003 قرار عن مجلس شورى الدولة، وذلك بالإستناد إلى أحكام المادة 741 (أ.م.م.) وما يليها، لم يؤسس أو يفتح المجال بصورة عامة لمسؤولية القاضي الإداري([36]). هذا مع الإشارة، أنَّ الهيئة العامة لمحكمة التمييز لا تطبق أحكام المادة 741 أصول مدنية على القضاة الإداريين والشرعيين وحتى على القضاة في القضاء العسكري.([37])
26- إنَّ ما يميِّز دعوى مداعاة الدولة عن أعمال القضاة العدليين، أنها تبقى دعوى إستثنائية ذات شروط دقيقة، سواء لجهة الحالات التي يمكن التقدم بها، أو لجهة الآثار التي يمكن أن تنتج عنها بالنسبة إلى المتقاضي الذي تقدَّم بها. وتالياً، فهي لا تشكل وسيلة لإعادة تقييم الأحكام القضائية أو لمجرَّد عدم الرضى عن نتيجة الدعوى، بل هي تهدف إلى معالجة حالة إستثنائية، تتمثَّل في خروج عمل القضاة عن الحدود المقبولة لجهة ما تفرضه واجبات الوظيفة القضائية، ويؤدي عملهم إلى إلحاق الضرر المباشر بالمتقاضي.
27- إنَّ حماية المتقاضي حلَّت بدل التركيز على الحماية المتوفرة للقاضي، بحيث لا تكون الدولة معفاة من المسؤولية عن أعماله التي تلحق الضرر بالمتقاضي. علماً، أنَّ هناك حالات كثيرة، يرتكب فيها القاضي العدلي الخطأ الجسيم ويلحق الضرر بالمتقاضي من جراء هذا الخطأ. إلّا أنَّ باب الطعن بالحكم أو القرار يكون ممنوحاً له أو ما زال متوفراً، وذلك كحالة قبول محكمة إستئناف! لإستئناف مقدَّم خارج المهلة القانونية طعناً بحكم إبتدائي كان قد أصبح مبرماً([38])، ما يحول بالطبع دون تقديم مداعاة الدولة لعلّة الخطأ الجسيم، طالما يكون حق الطعن عن طريق التمييز متوفراً.
إذاً، المدعي الشخصي في الدعوى الجزائية، لا يطالب بحماية المصلحة العامة التي تتولى النيابة العامة الدفاع عنها، ولا حتى ينازعها في سلطتها لجهة تحريك دعوى الحق العام ومتابعتها، إنما يتمسَّك و/أو يطالب بالإستناد إلى مركز قانوني خاص، وقد أصابه ضرر مستقل نتيجة الخطأ الجسيم. ما يعني، أنَّ قبول دعوى مداعاة الدولة منه، يتطلَّب التحقق من أمرين:
1027- الأمر الأوَّل، توفر الخطأ الجسيم بسبب عمل القاضي في نتيجة الحكم أو الإجراء القضائي.
2027- الأمر الثاني، الإعتراف بأنَّ الضرر اللاحق بالمدعي الشخصي، يشكِّل ضرراً خاصاً ومستقلاً يبرر التعويض.
أما إذا أتت نتيجة مداعاة الدولة سلبية أي عدم قبولها، فهذا يعني، بقاء القرار أو الحكم القضائي المعيوب منتجاً لآثاره، ما يطرح في هذه المرحلة ، مسألة جوهرية حول مدى أهمية قبول إسترداد القرار الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، الذي يكون هو بالذات مشوب بالخطأ الجسيم أم ترتيب مسؤولية الهيئة بالذات بالإستناد للخطأ الجسيم.
هذا مع أهمية التنبّه، أنّه لا يصح في بلد كلبنان كان له دور كبير بواسطة شارل حبيب مالك، عند المشاركة في صياغة وإقرار في تاريخ 10/12/1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، كما المصادقة على المواثيق والعهود الدولية التي كرَّست حق التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة، أن تبقى دعوى مسؤولية الدولة ممنوحة للهيئة العامة لمحكمة التمييز، والإبقاء على قراراتها غير قابلة للطعن.
نسأل، هل دعوى مسؤولية القاضي العدلي أو أي قاضٍ آخر، تختلف عن مسؤولية أي موظف أو إدارة، طالما يتم مداعاة الدولة؟! ولماذا هذا التقييد لحق المداعاة وحق الطعن، ما يفرغ هذه المراجعة من جدواها في مرات كثيرة! ؟
سبق وأشرنا، أنّه في التنظيم القضائي الفرنسي، يعود الإختصاص للنظر في دعوى مسؤولية الدولة عن أعمال القضاة العدليين، للمحكمة الإبتدائية، والأحكام والقرارات التي تصدر في هذا النوع من الدعاوى، قابلة للطعن بطرق الطعن العادية وغير العادية (إستئناف وتمييز، إلخ). هذا عدا تكريس الإجتهاد حق إسترداد أو إستعادة القرار وهذا ما سنبيّنه في ما بعد.
الفقرة الثانية - آثار مسؤولية الدولة على القرار القضائي وحقوق المتضرر:
28- إنَّ ترتيب مسؤولية الدولة عن الخطأ الجسيم المرتكب من القاضي، لا يتعلّق فقط بمسألة التعويض للمدعي الشخصي عن الضرر الذي أصابه، بل يطرح مسألة جوهرية تتناول مصير القرار القضائي الذي كان مصدر الضرر.
وتالياً، إنَّ دعوى المسؤولية تكمن أهميتها في عدم الإبقاء على الخطأ القضائي الجسيم، أي أنَّ المطلوب، إزالة آثار الحكم أو الإجراء القضائي، وذلك قبل التطلع إلى مسألة التعويض. ما نقوله لهذه الجهة، ينطبق على الحالة التي يؤدي فيها الخطأ الجسيم الذي أصاب حكم القاضي المنفرد الجزائي، عندما قرر إسقاط دعوى الحق العام لعلة مرور الزمن رغم إستمرار الفعل الجرمي، بما ينعكس مباشرةً على حقوق المدعي الشخصي.
29- ما يميِّز دعوى مداعاة الدولة عن طرق الطعن المنصوص عليها في المادة 630 (أ.م.م.) أنَّ الهيئة العامة لمحكمة التمييز لا تعيد النظر في النزاع من حيث النتيجة التي توصَّل إليها الحكم أو القرار، بل تتحقق من مدى توافر الخطأ الجسيم الذي يكشف خروج عمل القاضي عن الأصول الجوهرية والملزمة المتعلّقة بالنظام العام.
ومن ثمَّ، فإنَّ ثبوت الخطأ الجسيم، يتجاوز مسألة الحكم بالتعويض للمدعي - المتضرر، إنّما الهدف ينصَّب في معالجة مصير القرار الذي كان مصدر الضرر. وفي هذا الإطار، يقتضي التمييز بين حالتين:
1029- الحالة الأولى، عندما يكون الخطأ الجسيم منفصلاً عن مضمون القرار القضائي ذاته، (عدم التقيّد بمبدأ الوجاهية، حق الدفاع، مخالفة قواعد الإختصاص المتعلّقة بالنظام العام). أو التأخر عن إصدار الحكم كحال قضية Darmont حتى أو في عدد لا يحصى من الدعاوى العالقة أمام المحاكم في لبنان، وفي هذه الحالات يقتصر أثره على الضرر الناتج عن سوء سير مرفق العدالة([39]). فإنَّ تقرير بطلان الحكم أو الإجراء القضائي المتصف بالخطأ الجسيم، لا يعني تحويل دعوى مداعاة الدولة إلى طريق طعن جديد، وإنما يهدف إلى إزالة أثر الإجراء أو الحكم المعيوب تمهيداً لإعادة النظر في القضية من قبل قاضٍ آخر أو محكمة أخرى.
2029- أما الحالة الثانية، تتمثَّل عندما يصيب الخطأ الجسيم القرار القضائي ذاته، كأن يتعلَّق الأمر بمخالفة قاعدة قانونية جوهرية أو المساس بحق الدفاع، على النحو الذي يجعل من القرار معيوباً. وفي هذه الحالة، السؤال الذي يطرح نفسه، حول مدى إمكانية إبقاء القرار منتجاً لمفاعيله، رغم ثبوت العيب الجسيم الذي أصابه.
30- لقد عرف النظام القانوني اللبناني حالات نادرة لإمكانية تصحيح بعض الأخطاء الإجرائية، التي تعتري الأحكام المبرمة، إنسجاماً مع ما تمَّ إعتماده وإقراره في الإجتهاد القضائي الفرنسي([40] )، وذلك من خلال التمييز بين حجية الأحكام القضائية وبين ضرورة معالجة وتصحيح الأخطاء القضائية الإستثنائية (ولنا عودة إلى ذلك). لا سيما، أنَّ حجية الأحكام، لا تعني ضرورة تكريس الأخطاء الجسيمة التي تمس جوهر العدالة وحقوق المتقاضين، إنما تهدف إلى تحقيق الإستقرار القانوني وإحترام المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة وحقوق المتقاضين.
إنَّ هذه المؤسسة لتصحيح الأخطاء الإجرائية المرافقة لإصدار القرار، عُرِفَت بإستعادة القرار Le rabat d’arrêt كوسيلة إستثنائية في إعادة النظر ببعض القرارات عندما يشوبها عيب جسيم يمس سلامة العمل القضائي. وتتضاعف هذه الأهمية لإستعادة أو إسترداد القرار القضائي، عندما يكون القرار القضائي صادراً عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز نفسها، في عدم قبول الدعوى، وتبقي على القرار الذي ألحق الضرر بالمدعي الشخصي بسبب الخطأ الجسيم. إنَّ هذه النتيجة، تَكمُن خطورتها تحديداً لعدم قابلية قرارات الهيئة العامة لمحكمة التمييز، لأي طريق من طرق الطعن سنداً لأحكام المادة 738 (أ.م.م.). الواقع الذي يعيد طرح السؤال، حول ما الجدوى من هذه الدعوى؟ طالما أنَّ أعلى هيئة قضائية قد يشوب قراراتها الخطأ الجسيم.
وعليه، فإنَّ دعوى مداعاة الدولة، يجب ألّا تُفهم فقط باعتبارها وسيلة للحصول على التعويض، على قدر أنَّها وسيلة تهدف إلى تحقيق حماية قضائية كاملة، من خلال التوفيق بين مبدأ حجية الأحكام وضرورة إزالة آثار القرار الذي يتضمَّن خطأ جسيم صادر عن القاضي. وتالياً، لإبقاء التوازن بين إستقرار الأحكام وحماية الحقوق، يقتضي عدم تحويل حجية الأحكام إلى وسيلة لتكريس وتحصين الأخطاء الجسيمة.
المبحث الثاني - مدى قبول إسترداد القرار الصادر عن الهيئة العامة المشوب بالخطأ الجسيم:
31- إذا كان قبول دعوى مداعاة الدولة يؤدي إلى ترتيب مسؤولية الدولة والحكم عليها بالتعويض لمصلحة المتضرر نتيجة الخطأ الجسيم المرتكب من القاضي، فإنَّ المسألة الأكثر دقة تبقى، عند عدم قبول الدعوى، ما يجعل من القرار المعيوب قائماً ومنتجاً لآثاره القانونية.
إنَّ الهيئة العامة لدى محكمة التمييز، يُفترَض بحكم موقعها ودورها في توحيد الإجتهاد، أن تصدر قراراتها بمنأى عن العيوب، سواء تعلَّق الأمر بالخطأ الإجرائي L’erreur de procédure، أو حتى الخطأ المادي L’erreur materielle، والأخطاء القانونية الجسيمة ،Les erreurs de droit les plus graves، كما أيضاً الخطأ الذهني L’erreur intellectuelle.
ولكن،
نسأل، هل يصح الإبقاء على القرار الذي توصَّل إلى عدم قبول دعوى مداعاة الدولة الناشئة عن الخطأ الجسيم الذي أصاب عمل القاضي في دعوى الحق العام؟ وذلك لمجرَّد القول، بأنَّ دعوى الحق العام هي من إختصاص النيابة العامة، وفقا للنتيجة التي توصَّل إليها القرار رقم 47 الصادر في تاريخ 6/7/2026 عن الهيئة العامة لدى محكمة التمييز. وتالياً، إنَّ القرار المشار إليه، يكون قد أبقى على الحكم الذي شَكَّل موضوع دعوى مداعاة الدولة.
خاصةً، أنَّه لم يُصار الى مقاربة مدى توفر أسباب مداعاة الدولة أو تبرير الخطأ الجسيم الذي وقع فيه القاضي بنتيجة الحكم. لا سيما أنَّ الحكم الذي شكَّل موضوع دعوى مداعاة الدولة، أقله إعتراه خطأين جسيمين متعلّقين بالنظام العام وهما: - الخطأ الأول، إثارة القاضي بمفرده بعد إختتام المحاكمة، سبب سقوط دعوى الحق العام، وذلك بالرغم من كون جرم الإستيلاء موضوع الدعوى من الجرائم المستمرة. وهذا ما يؤكد،بأنَّ مرور الزمن في الجرائم المستمرة des infractions continues لا يبدأ بالسريان، إلّا من تاريخ إنتهاء الحالة الجرمية.
« On fixe le point de départ du délai de prescription au jour où l’infraction a été commise » ([41]). « Mais quand l’infraction est-elle réputée commise ? C’est ici que la distinction entre les infractions instantanées, continues et d’habitude, prend tout son intérêt. Le point de départ est fixé au jour de l’acte délictueux pour les infractions dites continues successives, par exemple pour le recel des choses ou la non représentation d’enfant, - au jour où cesse l’activité délictueuse pour les délits dits continues, tels que la corruption des fonctionnaires, - au jour de l’acte délictueux, et non au jour où ont cessé ses effets, pour l’infraction appelée continue permanente, par exemple la bigamie, - enfin au jour du dernier acte manifestant l’état d’habitude pour les infractions d’habitudes »([42]).
وعلى هذا الأساس، إنَّ تحديد تاريخ إرتكاب الجريمة يختلف بحسب طبيعتها، بحيث يبدأ إحتساب مرور الزمن في الجرائم المستمرة من تاريخ إنتهاء النشاط الجرمي. - أما الخطأ الثاني، يتعلَّق بمخالفة مبدأ الوجاهية، وذلك سنداً لأحكام المادة 373 أصول مدنية. هذا المبدأ، يكون التقيد به ملزماً وبشكل وجوبي، بصرف النظر عمَّا إذا كان السبب القانوني الذي أثاره القاضي متعلقاً بالنظام العام أم لا، طالما سيبنى عليه الحكم و/أو القرار. إذ يتعيَّن على القاضي إفساح المجال أمام كل من الفرقاء للتعبير عن موقفه من خلال المناقشة العلنية، إنطلاقاً من كون مبدأ الوجاهية متعلّق بالنظام العام ومرتبط بحق الدفاع، ويعتبر من المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة([43]).
وعليه، إنَّ تحقق أحد هذين الخطأين الجسيمين المذكورين في الحكم موضوع دعوى مداعاة الدولة، ومع ذلك، يتم عدم قبول الدعوى، أو تقييد حق المدعي الشخصي ، يعود ويبرز أهمية عرض، أثر عدم قبول و/أو رد دعوى مداعاة الدولة على المركز القانوني للمدعي الشخصي في (الفقرة الأولى)، ومن ثمَّ إستكمال الحماية القضائية للمدعي الشخصي في (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى - أثر عدم قبول و/أو رد دعوى مداعاة الدولة على المركز القانوني للمدعي الشخصي:
32- من المفيد أن نستهل هذه الفقرة بالتمييز، بين عدم قبول الهيئة العامة لمحكمة التمييز دعوى مداعاة الدولة وبين ردها. فإنَّ عدم قبول الدعوى،لا يؤدي بالمبدأ الى بحث المطالب المدلى بها أساساً. وإنما يقتصر الأمر على التحقق من إستيفاء شروط قبول الدعوى المنصوص عليها قانوناً.
فإذا تبيَّن للهيئة العامة لمحكمة التمييز إنتفاء أحد هذه الشروط، كعدم: إحترام المهلة القانونية، وجود تفويض خاص للوكيل القانوني،إيداع التأمين، أو عند إنتفاء الصفة والمصلحة للمتقاضي، أو عدم جدية الأسباب، وغير ذلك من الشروط، قضت بعدم قبول الدعوى دون التعرض لموضوعها. أما إذا كانت الدعوى تستوفي جميع الشروط الشكلية، تقرر المحكمة قبولها، وتنتقل للبحث في الطلبات، فإما يتم الحكم بصحتها أو ردها، هذا بالطبع مع مراعاة كافة الاصول المحددة في المواد 750، 751، 752، 753، 754 و755(أ.م.م.)، إلخ.
ولكن، في كلتا الحالتين، في ما يتعلَّق بقرار عدم قبول الدعوى أو ردها، لا يعني ذلك، أنَّ القرار القضائي مصدر الضرر والذي إعتراه الخطأ الجسيم من جراء عمل القاضي، يصح اعتباره سليماً أو خالياً من العيوب.
إنَّ هذه النتيجة المعيوبة التي تصدر في دعوى مداعاة الدولة، وذلك بخلاف موضوعها وسببها وصفة ومصلحة المدعي الشخصي. أو حتى عند تجاوز الأسباب الجدية التي يتمسَّك بها المدعي الشخصي، تجعل من قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز متصف بالخطأ الجسيم.
33- إنَّ عدم قبول الدعوى، يؤدي إلى بقاء الحكم أو القرار القضائي منتجاً لآثاره القانونية. هذا عدا، حرمان المدعي الشخصي من الحصول على التعويض. وطالما أنَّ المادة 738 (أ.م.م.) تنص على عدم قابلية القرارات الصادرة عن الهيئة العامة لأي طريق من طرق الطعن، بما فيها مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن عمل القضاة. فهذا المنع واضح منه، أنَّ غايته حماية مكانة الهيئة العامة لمحكمة التمييز، أو حتى ضمان إستقرار الإجتهاد القضائي، كما منع إستعمال طرق المراجعة بصورة تؤدي إلى زعزعة حجية الأحكام النهائية.
إلّا أنَّ هذا المنع المطلق، ليس سليماً، لإنتهاكه مبدأ الحق في التقاضي وتوفير حماية قضائية فعَّالة ومنتجة. خاصةً، عندما يكون القرار الصادر عن الهيئة العامة نفسها مصاب بالخطأ الجسيم الذي يمس حقوق المتقاضين.
34- إذا كانت الهالة التي تحيط بالهيئة العامة لمحكمة التمييز، بالإستاد إلى طبيعة تشكيلها وإختصاصها في النظر بدعاوى مسؤولية الدولة عن أعمال القضاة العدليين وفقاً للمادة 741 (أ.م.م.)،أو في كل ما تنص عليه المادة 95 (أ.م.م.)، لا سيما في ما يتعلق بالقضايا التي يثير حلّها تقرير مبدأ قانوني. فإنَّ هذه المكانة للهيئة المذكورة، لا يمكن أن يُفهم منها، أو حتى أن تعني تحصين قراراتها وإبعادها عن أي رقابة أو مساءلة، أو حتى اعتبارها بمنأى عن الخطأ الجسيم.
وهنا لا بد من الإشارة ولفت النظر، إلى كون دعوى مداعاة الدولة في لبنان، لا يصح الإبقاء على تقييدها بقرارات تتشدد في قبولها، طالما أنَّ هذه القرارات هي غير قابلة للطعن. وتالياً، تبرز أهمية المقارنة مع القانون الفرنسي، وذلك بما يخدم تطوير النصوص القانونية، كما أيضاً تطوير الإجتهاد القضائي، حيث تَنْظُر في دعوى مداعاة الدولة عن أعمال القضاة العدليين، المحكمة الإبتدائية، وفقاً لما تنص عليه المادة 141-1من قانون التنظيم القضائي الفرنسي، وتكون القرارات في هذا النوع قابلة لطرق الطعن العادية وغير العادية.
الفقرة الثانية - إستكمال الحماية القضائية للمدعي الشخصي:
35- إنَّ تناول إستكمال الحماية القضائية للمدعي الشخصي، بين إمكانية إسترداد القرار وتطوير النظام القانوني، يُطرَح نفسه في كل مرة يتم فيها عدم قبول دعوى مداعاة الدولة أو ردها. وهذا الأمر، لا يقتصر على حرمان المدعي الشخصي من التعويض، وإنما يتجاوز ذلك إلى مصير القرار القضائي الذي كان محل الإدعاء بالخطأ الجسيم، وحال القرار الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز الذي حرمه حق المداعاة.
ولهذا السبب، تعود من الباب العريض، أهمية إسترداد القرار أو إستعادته Le rabat d’arrêt، باعتبارها الآلية الإستثنائية التي توفر معالجة بعض العيوب التي تصيب القرارات النهائية، دون أن تتحوَّل هذه الآلية إلى طريق طعن إضافي مفتوح، يؤدي إلى زعزعة مبدأ حجية الأحكام وقوة القضية المقضية. إنَّ هذا المبدأ يعتبر من المبادئ الأساسية لإستقرار المراكز القانونية التي تكرسها الأحكام القضائية. ولهذا السبب، كان التشدَّد بعدم السماح بمراجعة القرارات النهائية بصورة مطلقة. في حين، يبقى المطلوب التوفيق بين إستقرار الأحكام من جهة، وضرورة إزالة ما يعتري هذه الأحكام من أخطاء جسيمة تلحق الضرر بحقوق المتقاضين.
36- سبق وأشرنا، إلى أنَّ عدم السماح او قبول مراجعة استعادة القرار، لا يشكل مبدأً مطلقاً، بحيث يكون من الواجب والأولوية عندما يكون القرار القضائي قد خرج عن تطبيق الأصول القانونية الإلزامية، أو حتى أصبح بسبب الخطأ الجسيم يمس جوهر وظيفة القضاء، أو ينتهك ضمانة أساسية للمتقاضي من ضمانات المحاكمة العادلة، إعادة النظر في بعض الحالات الإستثنائية، من خلال القبول في إسترداد أو إستعادة قرارات الهيئة العامة لمحكمة التمييز المصابة بالخطأ الإجرائي أو الخطأ الجسيم. وعلى هذا الأساس، يصح وصف هذه المراجعة، كصمَّام أمان soupape de sûreté([44])، يَسْمَح في إعادة النظر بالقرارات.
37- إنَّ القانون اللبناني لا ينص على تنظيم صريح لإسترداد قرارات الهيئة العامة لمحكمة التمييز، كما لا ينظم بصورة عامة إسترداد وإستعادة الأحكام والقرارات القضائية. لا سيما أنَّ أنواع طرق الطعن محدَّدة على سبيل الحصر في المادة 630 أصول مدنية([45]). أما في ما يتعلَّق بقرارات الهيئة العامة، نصَّت المادة 738 (أ.م.م.) على عدم قابليتها لأي طريق من طرق الطعن.
وطالما أنَّ طرق الطعن تتطلّب نص تشريعي صريح، فإنَّ هذا الواقع يفرض أهمية التمييز، بين مبدأ عام وإستثناء تفرضه إعتبارات العدالة، وذلك على النحو الذي سنبينه أدناه:
1037- المبدأ، لا يمكن فتح باب إسترداد أو إستعادة قرارات الهيئة العامة بصورة مطلقة لمجرَّد عدم قانونية القرار. إنَّ هذا التقييد La restriction، الهدف منه عدم زعزعة الإستقرار والقوة الملزمة القضائية للأحكام والقرارات النهائية والقطعية والمبرمة. وهذا المبدأ، حرصت على تطبيقه معظم المحاكم، ومن ضمنها الهيئة العامة لمحكمة التمييز.
2037- الإستثناء، يتوفر عندما لا يكون العيب مجرَّد خطأ في التفسير أو التقدير في القرار، إنما يكون معيوباً بالخطأ الإجرائي الصادر عن القاضي أو المحكمة وأثر على حل النزاع. وتالياً، العبرة ليست بخطأ المحكمة في قرارها، بل في تجاوز هذا الخطأ حدود المعقول، بحيث يعتبر جسيماً لا يمكن الإبقاء عليه وتكريسه، ما يشرِّع مراجعة الإسترداد.
38- بالرغم من عدم تنظيم مؤسسة إسترداد القرار Le rabat d’arrêt في لبنان، إلّا أنَّ الإجتهاد قد طبقها. فقد سبق لمحكمة التمييز الجزائية، بغرفتها الثالثة، أن كرَّست إمكانية إسترداد القرار، وذلك بموجب القرارين ذات الرقمين 141 و143 الصادرين في تاريخ 25/4/ 2001([46])، كما كرَّسته أيضاً محكمة الإستئناف الجزائية في بيروت بغرفتها العاشرة، بأن أصدرت في تاريخ 24/6/1997 القرار رقم 129 والذي قضى بإسترداد القرار([47]). بينما، الهيئة العامة لمحكمة التمييز الفرنسية سبق لها وأن كرَّست في تاريخ 30/6/1995 مبدأ إستعادة القرار:
« Attendu que la défense constitue pour toute personne un droit fondamentale à caractère constitutionnel, que son exercice effectif exige que soit assuré l’accès de chacun, avec l’assistance d’un défenseur, au juge chargé de statuer sur sa prétention ;
Attendu que, pour dire n’y avoir lieu à la commission d’office d’un avocat pour la présentation, par M.X…, d’une requête en rabat d’arrêts, le conseil de l’ordre des avocats au conseil d’État et à la cour de cassation a énoncé, par une décision du 23 juillet 1992, que la demande, tendant à engager une procédure hors des cas où elle est limitativement admise, alors que, de surcroît l’irrégularité invoquée n’existait pas, se trouvait dépourvue d’objet, en quoi il a méconnu le principe susvisé, par ces motifs, annule (…) L’annulation s’impose de plus fort[48] ».
39- إنَّ أهمّية قبول إسترداد القرار الصادر عن الهيئة العامة بالنسبة إلى موضوع البحث، له أثر كبير على حقوق المدعي الشخصي، وذلك حتى لا يصبح قرار الهيئة العامة بدوره مصدراً للضرر. فمداعاة الدولة، يجب أن لا تؤدي فقط للتعويض ورفع آثار الضرر الناتج عن خطأ القاضي الجسيم في ما يتعلَّق بدعوى الحق العام، وأيضاً في ما يتعلَّق بالقرار الصادر عن الهيئة العامة. إنما يبقى الهدف الأوَّل والأخير، إزالة آثار القرار المعيوب الصادر عن الهيئة العامة. هذا بالطبع، دون أن يؤدي ذلك إلى الحد من دور هيئة التفتيش القضائي في إتخاذ الإجرءات والتدابير المسلكية والتأديبية بحق أي قاضٍ يخل بواجباته الوظيفية. علماً، أنَّ المسار التأديبي، إذا إتَّسم بالحزم، يساهم في الحد من الأخطاء الجسيمة وتعزيز الثقة بالقضاء، إلّا أنّه لا يشكل بديلاً عن الإجراءات القضائية لرفع الضرر عن المتقاضي.
وعلى كلٍّ، إذا كان لا يجوز فتح باب إستعادة القرار على مصراعيه، فإنّه يمكن ضبطه وتقييده في الحالات التي تنتفي فيها أي من طرق الطعن بالقرار أو الحكم المشوب بالخطأ الجسيم.
40- إنَّ القول بعدم إمكانية اللجوء إلى مراجعة مداعاة الدولة ضد قرار صادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، حتى في الحالة التي يكون قراراها مشوباً بدوره بالخطأ الجسيم، يؤدي عملياً إلى نتيجة مفادها، أنَّ المتقاضي يستطيع مداعاة الدولة عن خطأ القاضي الجسيم، إلّا أنّه لا يستطيع المداعاة إذا حصل الخطأ الجسيم من المرجع الناظر في هذه الدعوى. وتالياً، هذا واقع لا يستقيم قانوناً، ما يستوجب إعادة النظر في هذا الخلل، عن طريق تعديل هذا النص القانوني المجحف.
ولكن، في ظل هذا المنع القانوني، لإعادة مداعاة الدولة، يجب أن ينعكس قضائياً، عن طريق تكريس قبول مراجعة إسترداد القرار، والتي يمكن حصرها بحالات محددة، أبرزها:
1،40- إنتفاء أي وسيلة أخرى للطعن أو المراجعة.
2،40- تعلَّق العيب بضمانة جوهرية من ضمانات المحاكمة العادلة.
3،40- بلوغ الخطأ درجة إستثنائية من الجسامة في عمل القاضي.
إذاً، في كل مرة تتوفَّر حالة من هذه الحالات المذكورة، يجب أن يفتح باب مراجعة إسترداد القرار، على أن تنظر بها هيئة قضائية أخرى، مستقلة ومحايدة. أما إمكانية قبول هذه المراجعة، لا ينتقص من مكانة الهيئة العامة لمحكمة التمييز، بل يعزز الثقة بها، لأنَّ الأهمية لا تقوم في الإبقاء على قرارات معيوبة صادرة عنها، وقد أضرَّت بحقوق المتقاضي.
الخاتمة:
41- إنَّ البحث في صفة ومصلحة المدعي الشخصي في مداعاة الدولة عن الخطأ الجسيم الذي يصيب دعوى الحق العام، يكشف أنَّ المسألة المطروحة، لا تتصل فقط بِمَن هو صاحب الحق في تحريك ومتابعة دعوى الحق العام. إنما تتعلق في منح المدعي الشخصي الحق في حماية مركزه القانوني، عندما يلحق بمسار ومصير دعوى الحق العام نتيجة معيوبة بسبب الخطأ الجسيم من جراء عمل القاضي. وهذا ما يُخرِج مداعاة الدولة عن المسار التقليدي لمسؤولية الدولة عن أعمال القضاة العدليين، ليضعها أمام جوهر وروح العلاقة، بين إستقلال القضاء وحق الفرد - المتقاضي في صدور أحكام عن القضاء سليمة وتصون حقوقه.
42- هذا وقد بيَّنا، إنَّ الخطأ الجسيم المرتكب من القاضي، ينشئ ضرراً حقيقياً، مباشراً ومستقلاً عن الضرر الناشئ عن الجريمة، وذلك متى مسَّ المركز القانوني للمدعي الشخصي، أو عطل ضمانات المحاكمة العادلة التي كفلها القانون له. وتالياً، هذا الضرر المتحقق، يعطي الصفة والمصلحة للمدعي الشخصي في مداعاة الدولة، بمعزل عن دور النيابة العامة في ما يتعلَّق بدعوى الحق العام. أما القول غير ذلك، تصبح مداعاة الدولة في الدعاوى الجزائية، محرَّمة على المدعي الشخصي في كل مرة يصيب الخطأ الجسيم دعوى الحق العام.
43- وعلى هذا الأساس، لا يمكن القبول، بحرمان المدعي الشخصي من حق مداعاة الدولة، لمجرد إعتبار أنَّ النيابة العامة هي صاحبة الإختصاص، في تقرير مصير دعوى الحق العام، وذلك في كل مرة يصدر فيها حكم أو قرار يفصل في الدعوى الجزائية، وتكون نتيجته مرتكزة على الخطأ الجسيم.
44- من هنا، ما يُسْتِخْلَص، أنه حيث يوجد الضرر، تقوم الصفة والمصلحة، ويتوافر حق المداعاة، وذلك بصرف النظر لمن يولي القانون حق متابعة الدعوى الجزائية مصدر الضرر اللاحق بالمدعي الشخصي، ما يمنحه حق مداعاة الدولة. وهذا المبدأ لا يقتصر فقط على الحالة التي يتمحور حولها البحث في ما يتعلَّق بالخطأ الجسيم الذي طال دعوى الحق العام.
وطالما أنَّ مسؤولية الدولة الهدف منها، ليس حماية أو خلق حصانة لعمل القاضي المتصف بالخطأ الجسيم، إنَّما هي شُرِّعت لحماية العدالة وحقوق المتقاضين من آثار الأخطاء ذات الوقع المسيء لمرفق العدالة. خاصةً، أنَّ هيبة القضاء تُستَمَد من خضوعه للقانون، والثقة به تبنى على مدى قدرته في تنقية القرارات من الأخطاء الجسيمة، وعدم الإبقاء على أي مفاعيل لها، لا على رفع جدران إستحالة التقدّم بالمراجعات والدعاوى، ومنها مداعاة الدولة.
في تاريخ 6/ 8/ 2026،
سليمان إلياس مالك
محامٍ وباحث قانوني
[1] مرسال جورج سيوفي، محكمة التمييز، بيروت 1972، بند 194، ص. 248، " إلّا أنّه لا يمكن التسليم بمثل هذا الحل. فمن الناحية المنطقية لا يعقل أن يكون بعض القضاة بمنأى عن كل مسؤولية إذ أنه لا يوجد أي نص يكرِّس لا مسؤوليتهم هذه. أما من الناحية القانونية، فإنَّ نص المادة 87 ت.ق. (تنظيم قضائي) جاء على إطلاقه وسمح بإقامة دعوى المخاصمة على قضاة محكمة التمييز دون تفريق بين قضاة الغرف وقضاة الهيئة العامة. وبالطبع تبقى الهيئة العامة صالحة للنظر في الشكوى إلّا أنّه يجب تشكيلها ممن لا تتناولهم دعوى المخاصمة ومن المستشارين الذين يترأسون عادة الغرف في حال تعذّر ذلك على الرئيس الاصيل".
[2] الهيئة العامة لمحكمة التمييز، قرار رقم 34 تاريخ 19/12/1995، سمير جعجع / الدولة اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار ورفاقه، مجلة العدل 2002، العدد 1، ص 15 و16، "(...) وحيث أن طلب الإسترداد المبحوث فيه، يستثير الملاحظات المبدئية التالية: 1- حيث أنَّ قرارات الهيئة العامة، لا تقبل، بحكم القانون أي طريق من طرق المراجعة (...). 2- وحيث أنه ليس في القانون اللبناني أي نص على مراجعة كالتي يتقدَّم بها المدعي الآن، ولا يمكن إنشاء مراجعة إجتهاداً وبدون نص، أو الإقتباس من فقه أو إجتهاد أجنبيين، (...)، وحيث على أساس كل ما تقدم، لا تكون المراجعة الحاضرة، مهما كانت التسمية التي أعطيت لها مسندة قانوناً، فيتحتَّم عدم قبولها(...) ".
[3] المادة 20 من الدستور نصَّت الفقرة الأولى منها، أنَّ " السلطة القضائية تتولاها المحاكم على إختلاف درجاتها وإختصاصاتها ضمن نظام ينص عليه القانون، ويحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة".
[4] L’article 64 de la constitution du 4 octobre 1958 de la cinquième république Française, « Le président de la république est garant de l’indépendance de l’autorité judiciaire.
[5] المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه وإلتزاماته وأيّة تهمة جنائية توجّه إليه".
[6] المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، " الناس جميعاً سواء أمام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجّه إليه أو في حقوقه وإلتزاماته في أيّة دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية (...)".
[7] المادة 6 من الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تاريخ 4/11/1950، " لكل شخص عند الفصل في حقوقه المدنية وإلتزاماته، أو في إتهام جنائي موجه إليه - الحق في مرافعة علنية عادلة خلال مدة معقولة أمام محكمة مستقلة غير منحازة مُشَكَّلة طبقاً للقانون (...)".
[8]- المادة 741 أصول مدنية، " إنَّ مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القاضي سواء مِمَن يتولون الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة في جميع الحالات التي يجيز فيها هذه المداعاة نص خاص، وفي الحالات التالية منها، بند 4: الخطأ الجسيم الذي يُفتَرض أن لا يَقع فيه قاضٍ يهتم بواجباته الإهتمام العادي"؛
- الهيئة العامة لمحكمة التمييز، قرار رقم 25 صادر في تاريخ 12/7/2012، قرارات الهيئة العامة، المنشورات الحقوقية صادر، 2011 و2012 و2013، ص 89، "عرَّفت الخطأ الجسيم بأنّه، " الجهل المطبق للقانون وفي إرتكاب خطأ لا يقع فيه قاضٍ يهتم بواجباته الإهتمام العادي.
- الهيئة العامة لمحكمة التمييز، قرار رقم 33 صادر في تاريخ 29/10/2012، قرارات الهيئة العامة، المنشورات الحقوقية صادر، 2011 و2012 و2013، ص. 103.
[9] المادة 88 من قانون التظيم القضائي، (ملغاة)، " لا يجوز إقامة دعوى المخاصمة إلّا في إحدى الحالات، (...) الخطأ المهني الجسيم هو الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط فادح ما كان ليساق إليه لو إهتم لواجباته الإهتمام العادي".
[10] Henry Solus et Roger Perrot, droit judiciaire privé, Tome 1, SIREY 1961, n0 837, p. 705.
[11] Roger Merle et André Vitu, Traité de droit criminel, procédure pénale, 5e éd. CUJAS 2001, P.95.
[12] Frédéric Debove, Francois Falletti et Emmanuel Dupic, précis de droit pénal et de procédure pénale, 5e éd. 2013, Point - Delta, p. 534.
[13] Pierre Chambon, Le juge d’instruction, Théorie et pratique de la procédure, 4e éd. 1997, Dalloz, Delta, p.77, n0 101.
[14] Debove, Falletti et Dupic, op, cit, n0 12, p. 594.
[15] https://www.legifrance.gouv.fr/juri/id/JURITEXT000033844440 , n0 15-82. 562,1.
[16] Roger Merle et Andre Vitu, Traité de droit criminel Tome II, 2e éd. 1972, Cujas, p. 33, no 821.
[17] - L'article 2 du code de procédure pénale français, « l'action civile en réparation du dommage causé par un crime, un délit ou une contravention appartient à tous ceux qui ont personnellement souffert du dommage directement causé par l’infraction. La rénonciation à l'action civile ne peut arrêter ni suspendre l’exercice de l'action publique (...). »
[18] المادة 10 أ.م.ج: "(...) لا تحول أحكام مرور الزمن المار ذكرها دون مراعاة الأحكام الخاصة ببعض الجنح والمخالفات. تتابع المحكمة الجزائية الواضعة يدها على الدعوى، في حال سقوط الدعوى العامة لسبب من الأسباب الأولى المذكورة، النظر في دعوى الحق الشخصي (...)".
- المادة 133 عقوبات: "يسقط الحق العام تبعاً لإسقاط الحق الشخصي، إذا حصل هذا الإسقاط قبل الحكم المبرم في الدعوى وإذا كان صريحاً، وغير معلَّق على شرط (...)".
[19]https://www.legavox.fr/blog/elodie-plassard/chambre-criminelle-decembre-1906-placet-10971.htm ;https://www.doc-du-juriste.com/droit- prive-et-contrat/procedure-penale/ ; dit Laurent - Atthalin, La cour de cassation, chambre criminelle, 8 décembre 1906.
- Légifrance, cour de cassation, chambre criminelle, 21 juin 2011, 10-85,671
[20]- محكمة التمييز الجزائية، الغرفة السادسة، قرار رقم 51، الصادر في تاريخ 30/4/2025، كساندر الإلكترونية - "Idrel"، "وإن كان إستئناف المدعي الشخصي وحده ينشر الشق المدني من الدعوى أمام محكمة الإستئناف عملاً بالمادة 222 أ.م.ج.، إلّا أنّه لا بد للمحكمة من التطرّق إلى الوقائع والتكييف القانوني الذي ينطبق عليها كون سبب الدعوى المدنية المساقة أمام القضاء الجزائي هو الضرر الناجم عن جريمة جزائية، دون إنزال أي عقوبة بحق المدعى عليه، وبالتالي لا يمكن الفصل في الدعوى المدنية قبل النظر في مدى تحقق الجرم الجزائي".
- محكمة التمييز الجزائية، الغرفة السابعة، قرار رقم 125، الصادر في تاريخ 23/11/2023، صادر في التمييز، القرارات الجزائية 2023، المنشورات الحقوقية صادر، ص. 234، "إنَّ طلب تشديد العقوبة يتعلَّق بدعوى الحق العام فتنتفي صفة المستدعي كمدعي شخصي في الدعوى لإثارة هذه المسألة (...)".
- محكمة التمييز الجزائية، الغرفة السادسة، قرار رقم 151، الصادر في تاريخ 22/5/2003، كساندر الإلكترونية - "Idrel".
- محكمة التمييز الجزائية، الغرفة السادسة، قرار رقم 4، الصادر في تاريخ 6/1/1998، صادر في التمييز، القرارات الجزائية 1998، المنشورات الحقوقية صادر، ص. 326 و327، "وحيث أنَّ إستئناف المدعي الشخصي يقتصر على التعويضات الشخصية (...) فيكون القرار الإستئنافي المطعون فيه بإدانة المدعى عليه المستأنف ضده بالجرم وتوقيع الجزاء بحقه قد خالف القانون وعرض نفسه للإبطال والنقض)".
[21]إدوار عيد، موسوعة أصول المحاكمات والإثبات والتنفيذ، الجزء الأوَّل، مجلَّد 1، طبعة ثانية 1993، ص. 119، بند 23.
[22]Jean Vincent et Serge Guinchard, procédure civile, 22e éd. 1991, Dalloz, p.43, no 28.
[23] هيئة عامة، قرار رقم 9، الصادر في تاريخ 26/1/2015، كساندر الإلكترونية "Idrel" .
[24] هيئة عامة، القرار رقم 11، الصادر في تاريخ 19/1/2017 صادر في التمييز، قرارات الهيئة العامة، المنشورات الحقوقية صادر 2016 - 2017، ص. 226 إلى 238؛ كساندر الإلكترونية "Idrel" .
[25] المادة 754 أصول مدنية، "في حال الحكم بصحة الدعوى المبنية على الخداع أوالغش أو الرشوة أو الخطأ الجسيم يقضي ببطلان الحكم أو الإجراء المشكو منه وبتعويض للمدعي عن الضرر المسبب له.
[26]- هيئة عامة، قرار رقم 45، الصادر في تاريخ 23/11/1994، صادر في التمييز، قرارات الهيئة العامة، المنشورات الحقوقية صادر 1994-1995، ص.102 إلى 104،" إنَّ الخطأ في نتيجة الحكم لا بد أن يكون خطأً واضحاً ولا يختلف عليه إثنان ولا يحتاج إلى تمحيص الهيئة العامة وتقديرها كمرجع أعلى للقول به ويبقى أن يرتد إلى خطأ أعمال القاضي ناجم عن إهمال فاضح أو جهل مطبق للقانون"؛ كساندر الإلتروني "Idrel".
- هيئة عامة، قرار رقم 10، الصادر في تاريخ 10/3/1994، صادر في التمييز، قرارات الهيئة العامة، المنشورات الحقوقية صادر 1994-1995، ص. 28 إلى 32،
"إنَّ الخطأ في نتيجة الحكم الذي يتحقق به الضرر لا بد وأن يكون خطأً واضحاً ولا يختلف عليه إثنان ويبقى أن يرتد إلى خطأ شخصي في أعمال القاضي ناجم عن إهمال فاضح أو جهل مطبق للقانون"؛ كساندر الإلتروني "Idrel".
[27] ملاحظة، إنَّ القاضي المنفرد الجزائي في عاليه وقع بالخطأ الجسيم عندما توصّل بمقتضى الحكم رقم 211 الصادر عنه في تاريخ 5/5/2025، الى تقرير إسقاط دعوى الحق العام في جرم الإستيلاء، هذا بالرغم من كون ثابت في الملف، أنَّ الجرم ما زال مستمراً على ملكية المدعي، وذلك بمعزل عن ما يتضمنه محضر المحاكمة أو الأوراق الرسمية في الملف من إجراءات صادرة عن القاضي أو عن قلم القاضي أو المتقاضي. هذا عدا، أنَّ القاضي لم يراعِ مبدأ الوجاهية، بأن أثار سبب مرور الزمن بعد إختتام المحاكمة. أما المحامي العام الإستئنافي في جبل لبنان والذي وصل إليه الملف ومعه إستئناف المدعي الشخصي المقدَّم بواسطة القاضي المنفرد الجزائي لم يقدم على إستئناف الحكم في ما يتعلَّق بدعوى الحق العام.
[28] الهيئة العامة لمحكمة التمييز، القرار رقم 34 الصادر في تاريخ 19/12/1995، سمير جعجع/الدولة اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار ورفاقه، مجلة العدل، عام 2002 العدد 1، ص. 15.
- فادي نمّور، تعليق على قرار الهيئة العامة رقم 34/1995 والقرارين رقم 141 و143 الصادرين في تاريخ 25/4/2001 عن الغرفة الثالثة لمحكمة التمييز الجزائية، مجلة العدل، عام 2002، عدد 1، ص 16 إلى 24، " (...) من المفيد التذكير أولاً أنَّ القانون لا ينص ولا هو يعالج إطلاقاً نظرية إستعادة القرار، وهي لهذا السبب قد عانت من ولادة صعبة نتيجة المعارضة التي لاقتها مبدأً وأساساً، عن بعض المحاكم والفقهاء! (...)، وعليه، يتضح جلياً أنَّ الأسباب المدعى بها تهدف أولاً وأخيراً إلى المحافظة على مصداقية وإلزامية القرارات الصادرة عن محكمة التمييز وهي المحكمة العليا في التنظيم القضائي. وكانّه يقتضي النظر إليها بأنّها قرارات "مُنزَلَة" لا يمكن أن يتصور العقل إمكانية إنتقادها أو نقضها. لكن هذا المنحى يتعارض مع أمرين، أولاً، أنَّ هذه القرارات تصدر عن قضاة هم أناس بشر، وبالتالي، فَهُّم مثلهم مثل أي شخص آخر معرضون للوقوع في الخطأ. وأنَّ القرارين موضوع التعليق واللذين إستعادا قرارين سابقين لهما تبيَّن أنهما مشوبان بالعيوب، هما خير دليل على ذلك. ثانياً، إنَّ القرار المشوب بالعيب قد يلحق الضرر بالمتقاضين! وباعتقادنا، أنه بين المحافظة على وجه ماء المؤسسة القضائية وبين رفع الظلم الذي لحق بالمتقاضي نتيجة خطأ المحكمة، فلا مندوحة من القول أنه يقتضي رفع راية المظلوم ومناصرته، على النحو الذي أقرَّت به بكل جرأة ودون أي عقدة الغرفة الثالثة لدى محكمة التمييز، بحيث إعتبرت، أنَّ دور القاضي الأساسي هو تحقيق العدالة ورفع الظلم والضرر وأنه إذا إستطاع ذلك عندما يُطلَب منه دون أن يطيح بقواعد راسخة وثابتة وأنه لا يكون من شأن خطوته تهديم الركائز والأسس الهامة في النظام القضائي المعتمد".
- نعمة سلوان، مقال حول، نظريةإسترداد الأحكام في الفقه والإجتهاد، مجلة العدل عام 2005 - عدد 3، ص 297 إلى 306؛ وأيضاً نعمة سلوان نظرية إسترداد الحكم في الفقه والإجتهاد منشور في تاريخ 14/4/2020والمجلة القضائية الإلكترونية صادر.
[29]- Jacques Boré, La cassation en Matière civile, Dalloz 1997, p. 798, n0 3183 ; « Le rabat d’arrêt est une procédure prétorienne, qui n’est organisée par aucun texte, et qui résulte de ce que la cour judiciaire, qui est assujettie à la loi, entend ne statuer sur les pouvoirs qu’au terme d’une procédure régulière : Le rabat se trouve son fondement juridique dans la règle de procédure qui a été méconnue et que la cour régulatrice entend respecter ».
[30] - L’article 542 du code de procédure civile dispose que, « L’appel tend par la critique du jugement rendu par une juridiction du premier degré, à sa reformation ou a son annulation par la cour d’appel ».
- L’article 543 du code de procédure civile dispose que, « La voie de l’appel est ouverte en toutes matières, même gracieuses, contre les jugements de première instance, s’il n’en est autrement disposé ».
[31] هيئة عامة، قرار رقم 30 صادر في تاريخ 18/5/2020، صادر في التمييز، المنشورات الحقوقية صادر 2020، ص 119 الى 125.
[32]https://www.revuegeneraledudroit.eu/blog/decisions/cass-ass-plen-23-fevrier-2001-consorts-bolle-laroche-pourvoi-numero-99-16-165-publie-au-bulletin/, « ALORS, enfin que la cour d’appel qui n’a pas recherché, comme l’y invitaient les écritures d’appel des exposants, si les écoutes téléphoniques pratiquées à l’encontre des consorts Y… n’avaient pas donné lieu, en violation des droits de la défense, à l’interception et à la transcription des conversations de ces derniers avec leurs avocats ; qu’une telle violation des droits de la défense et de la libre communication entre un avocat et ses clients constitue en soi une faute lourde, de sorte, qu’en ne procédant pas à cette recherche, la cour d’appel a encore une fois privé son arrêt de base légale au regard de l’article L. 781-1 du Code de l’organisation judiciaire ».
[33] https://www.legifrance.gouv.fr/loda/id/JORFTEXT000000509064 Légifrance conseil d’État, 29 décembre 1988, Darmont ; https://cours de droit net ; « les cas de responsabilité pour faute lourde de l’administration » ; « IL a jugé que la responsabilité de l’État du fait du fonctionnement de la justice administrative ne peut être engagée que pour faute lourde. Cet arrêt précise toutefois une limite fondamentale : Cette responsabilité ne peut jamais être engagée du fait du contenu même de la décision juridictionnelle, qui est protégée par l’autorité de la chose jugée (…).
[34] https://www.legifrance.gouv.fr/ceta/id/CETATEXT000008110362/. Légifrance conseil d’État, Assemblée, du 28 juin 2002, 239575, publié au recueil Lebon ; https://actu.dalloz-etudiant.fr/ .
[35] https://normandie-univ.hal.science/hal-01467592v1/document ; Fabien Bottini, La responsabilité personnelle des magistrats, p.10, note n0 44, Tribunal de grande Instance (TGI) de Paris, 6 juillet 1994, C et A de Jaeger/ agent judiciaire du trésor public, Gazette du palais, 1994, 2e sem. 589.
[36] - شنتال أبو يزبك، مسؤولية الدولة عن أعمال القضاة الإداريين (مقارنة موجزة بين القانون اللبناني والقانون الفرنسي) ، مجلة العدل 2008 - عدد 4، ص. 1441 و1442.
- باسكال نبيل السكاف، تعليق على قرار مجلس شورى الدولة " مجلس القضايا رقم 81 والصادر في تاريخ 19/12/2024، مجلة العدل 2025- عدد 1، ص 167"، " (...) الخطأ الجسيم الذي إعترى قرار مجلس شورى الدولة - مجلس القضايا، يلقي الضوء مجدداً، على أهمية مساءلة القاضي الإداري من قبل المتقاضين عند إصدار القرارات التي تتضمَّن بشكل واضح، خطأً جسيماً، كما الأهمية بمكان أيضاً هي في حفظ حقوق القاضي بالذات داخل المرفق القضائي، تفعيلاً للضمانات التي تعود له، ومنها حقه في الطعن بأي قرار يندرج ضمن القرارات المتعلّقة في تنظيم هذا المرفق وتمس بحقوقه المشروعة".
[37]هيئة عامة لمحكمة التمييز، قرار رقم 5، الصادر في تاريخ 24/2/1994، صادر في التمييز، قرارات الهيئة العامة 1994 و1995، المنشورات الحقوقية صادر، ص. 22 إلى 24، "وحيث أنَّ القضاة العدليين المفصولين بموجب هذه النصوص إلى القضاء العسكري إنما يقومون بعملهم في إطار هذا القضاء ولا تخضع أعمالهم لما تخضع إليه أعمال القضاة العدليين في إطار القضاء العدلي (...)، وحيث أنَّ مداعاة الدولة المنصوص عليها في المواد 741 ما يليها، م.م. إذا تتناول قرارات وتدابير قضائية تشكل طريق مراجعة غير عادية بحسب نص المادة 630 م.م.، ومن الراهن أنَّ محل هذه المداعاة - المراجعة يقع في إطار العمل القضائي العدلي، فلا تطال، من هذا المنظار أيضاً، الأعمال القضائية الأخرى. وحيث بناء على ما تقدَّم، لا تكون القرارات والتدابير المطعون بها الصادرة عن القضاء العسكري مما يخضع للمراجعة الحاضرة المبنية على المواد 741 م.م. وما يليها، فتكون هذه المراجعة غير مقبولة، إلخ".
[38] محكمة الإستئناف في جديدة المتن الناظرة في الدعاوى المالية والتجارية، قرار رقم 6 الصادر بالإجماع في تاريخ 29/1/2026، غير منشور، حرفياً، " وحيث أنَّ المستأنف عليه يطلب رد الإستئناف شكلاً لوروده خارج المهلة القانونية، (...)، وحيث إن صحَّ ما أدلى به المستأنف عليه لناحية تاريخ تبليغ الجهة المستأنفة في 23/6/2023، إلّا أنَّ المادة الأولى من القانون رقم 328 تاريخ 4/12/2024 قد علَّقت المهل في تاريخ 8/10/2023 وحتى تاريخ 31/3/2025. وحيث أنَّ الإستئناف الراهن مقدَّم في تاريخ 21/3/2025 فيكون بالتالي وارداً ضمن المهلة القانونية ويرَّد ما أثاره المستأنف عليه لهذه الجهة"! ملاحظة، أنَّ مهلة الطعن المحدَّدة ب 30 يوماً كانت قد إنقضت قبل صدور وسريان قانون تعليق المهل الذي حدد تاريخين فاصلين لتعليق المهل، لا يشمل المهلة المنقضية للطعن بالحكم الإبتدائي الصادر على أثره القرار الإستئنافي المعيوب قانوناً.
[39] https://www.legifrance.gouv.fr/juri/id/JURITEXT000007042087/ ; cour de cassation, Assemblée plénière, du 23 février 2001, 99-16.165, Publié au bulletin.
[40] https://www.legifrance.gouv.fr/juri/id/JURITEXT000007034756 ; cour de cassation civile, deuxième chambre, 18 décembre 1995, 94-13.509, Publié au bulletin.
- https://www.legifrance.gouv.fr/juri/id/JURITEXT000007034844/; Cour de Cassation, Assemblée plénière, du 30 juin 1995, 94-20.302, Publié au bulletin.
[41] - Roger. Merle et André. Vitu, Traité de droit criminel, Tome II, 2e éd. 1973, CUJAS, p.52, n0845.
[42]- Pierre Bouzat et Jean Pinatel, traité de droit pénal et de criminologie, Tome II, 2e éd, 1970, Dalloz, p.1010, n0 1064.
- فادي نمُّور، قانون الأصول الجزائية، المنشورات الحقوقية صادر 2025، الفصل العاشر، ص 316، بند 37 – 24، رقم 103 وما يليها.
- جوزف سماحة، الموجز في شرح قانون العقوبات اللبناني، القسم العام، ص 36 و351.
- سمير عالية، شرح قانون العقوبات، القسم العام، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، طبعة 2002، ص 195.
- محكمة التمييز الجزائية، الغرفة السادسة، قرار رقم 43 الصادر في تاريخ 14/2/1998، صادر في التمييز، القرارات الجزائية 1998، ص 399، "وبما أنَّ الفعل المذكور، هو كناية عن إستيلاء دون مسوِّغ على عقارين للغير بقصد إستعمالها كملعب رياضي، يؤلف منحه المادة 738 المعدّلة ق.م."
وبما أنَّ هذه الجنحة هي من نوع الجرائم المتمادية المستمرة حيث يتمادى فيها الفعل الجرمي في الزمان ويمتد تكراراً بإرادة الفاعل الذي يعود له أن يضع حداً لهذا التصرّف حتى يشاء فيتوقف عندها الفعل الجرمي ويبدأ مرور الزمن عليها منذ تاريخ رفع اليد عن العقار (...)".
- محكمة التمييز الجزائية، الغرفة السادسة، قرار رقم 211 الصادر في تاريخ 24/5/2016، منشور على موقع الجامعة اللبنانية، " يكون الإقدام على تعبيد الطريق بالزفت وإستعمالها خلافاً لإرادة مالك العقار، متسماً بعدم الشرعية ومخالفاً للقانون، وواقعاً تحت طائلة جنحة المادة 738 عقوبات، وهو جريمة مستمرة لا يبدأ مرور الزمن عليها إلّا من تاريخ توقف التعدي ورفع اليد عن العقار المعتدى عليه".
[43]الهيئة العامة لمحكمة التمييز، قرار رقم 12 صادر في تاريخ 27/1/2020، قرارات الهيئة العام، المنشورات الحقوقية صادر 2020، ص. 47.
[44] Jacques Boré et Louis Boré, La cassation en matière civile, 6e éd. Dalloz 2023/2024, p. 712, n0 123.82, « Mais cette soupape de sûreté est rendu nécessaire par le fait qu’a la différence des décisions des autres juridictions, celles de la cour de cassation ne sont susceptibles d’aucun recours devant une autre juridiction, elle seule peut corriger l’erreur commise par ses services.
[45] المادة 630 أصول مدنية نصَّت على أنَّ، " طرق الطعن في الحكم نوعان: 1- الطرق العادية وهي الإعتراض والإستئناف. 2- الطرق غير العادية وهي إعتراض الغير وإعادة المحاكمة وطلب النقض، وتلحق بها مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة (...).
[46] محكمة التمييز الجزائية، قرارين رقم 141 و143 الصادرين في تاريخ 25/4/2001، مجلة العدل لعام 2000، العدد 1، ص. 255 إلى 263.
[47] محكمة الإستئناف الجزائية في بيروت، الغرفة العاشرة، قرار رقم 129، الصادر في تاريخ 24/6/1997،مجلة العدل لعام 2001، ص.341.
[48] https://www.legifrance.gouv.fr/juri/id/JURITEXT000007034844/ ; cour de cassation, Assemblée plénière, du 30 juin 1995, 94-203.302, publié au bulletin 1995.A.P.NO 4, P.7, D 1995, P.513, Note A. Drago.

